الفصل 9 | من 21 فصل

رواية حلم الفصل التاسع 9 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
23
كلمة
1,688
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

جالسه في منتصف سريرها، ممددة قدميها أمامها، سارحة، غير واعية بنظراته التي تتفحصها بقلق. يعلم جيدًا أن عقلها سارح في كل ما حدث مع أختها الصغيرة، وكيف سقطت أرضًا من على درجات السلم دون أن يرف جفن لوالدها الذي شاهد سقوطها بكل دم بارد. أخذ نفسًا عميقًا وهو يقترب منها برفق وجلس أمامها لتنتبه له، حين بدأ في تدليك قدميها بطريقة احترافية ومميزة وهو يقول بحب: –أنا بحب أنفذ وعدي، لكن من الواضح كده أنتِ اللي عايزة تهربي.

لم تستطع الابتسامة على كلماته، لكن سقطت تلك الدمعة الحبيسة داخل عينيها من وقت غادرت المستشفى. ترك قدميها واقترب منها يضمها إلى صدره بحنان وقال بهدوء: –عارف إن كل اللي حصل صعب على أي حد يستوعبه ويفهمه… بس إيه الجديد في تصرفات عمي؟

هو عمره ما فكر في حد ولا شغل باله بحد. المفروض يا حبيبتي بدل ما تفكري في اللي حصل وتزعلي، تفكري إزاي نقف جنب حلم ونخرجها من دايرة الماضي وكل الأحداث الصعبة اللي حصلت، إزاي نقدر نخليها تعيش حياتها. صمت لعدة ثوانٍ ثم قال بصوت هادئ تغلغل إلى عقلها وروحها ووصل إلى قلبها: –إحنا كلنا محتاجين ننسى عمي أحمد وننسى تصرفاته ووجوده… إحنا محتاجين نقفل بيبان الماضي علشان نعرف نعيش الحاضر ونرتب لمستقبلنا.

رفعت عينيها إليه التي تحمل حزنًا ينحر قلبه دون رحمة، ليبتسم لها بحنان وكأنه أب ينظر بحنان كبير إلى طفلته الصغيرة الحزينة على فقدان دميتها المفضلة، يعدها أن يأتي لها بأفضل منها. يمسك بيديها يضمها إلى صدره بحركة حماية ودعم، لتضع رأسها من جديد على كتفه وأغمضت عينيها وهي تهمس ببعض الكلمات الذي لم يتبين منها سوى: –الماضي لعنة هيطولنا كلنا. شعر بانقباض في قلبه وكأنه لا يستطيع التنفس ولا يجد هواء حوله يستطيع تنفسه. ***

في صباح اليوم التالي، دلفت الطبيبة النفسية إلى غرفة حلم التي تجلس صامتة تمامًا، تنظر إلى النافذة الكبيرة تتابع تلك السحب البيضاء الكبيرة التي تملأ السماء وتخفي خلفها زرقة السماء وصفائها، غير شاعرة بمن معها في الغرفة ولا بدخول الطبيبة. جلست الطبيبة أمامها لعدة دقائق صامتة، لم تنظر لها حلم ولا يبدو على وجهها أنها تعلم بوجودها من الأساس. قالت الطبيبة بصوت هادئ: –إزيك النهاردة يا حلم؟

لم تتحرك حلم ولم يظهر على وجهها إلا معالم تدل على أنها سمعتها، وقبل أن تعيد الطبيبة كلماتها، نظرت لها حلم وقالت: –كويسة. –طيب الحمد لله… تسمحيلي نتكلم شوية مع بعض؟ قالت الطبيبة كلماتها بابتسامة بشوشة مريحة للنفس، لتبتسم حلم ابتسامة حزينة صغيرة وقالت: –آه ممكن… وهو فيه في إيدي حاجة تانية غير الكلام؟ اعتدلت في جلستها وقربت وجهها من الطبيبة وهي تقول:

–أنا مش محتاجة أتكلم عشان أنسى الماضي… أنا الماضي عايش الحاضر… وعمره ما مات ولا خلص. نقدر نتكلم وأقولك على كل اللي بحس بيه واللي بفكر فيه… بس لا أنتِ ولا أخواتي ولا أي حد قادر يشيل الكره اللي جوه قلبي لأب عمره ما حبني. عمره ما كان راجل حقيقي لأمي أو لأخواتي أو ليا. عمره ما كان مصدر أمان، طول عمره هو الشيء الوحيد السيء في حياتي، العلامة السودة اللي شوهت صورة الحياة في عيوني. ابتسمت بسخرية وهي تكمل:

–أمحي الماضي… رجعي أمي… غيري أبويا… وقتها أنا هخف زي ما أنتوا عايزين. كانت الطبيبة تستمع إليها بصمت، عيونها ثابتة على تعبير وجه حلم الذي يرسم عليه التقزز وقت ذكر والدها، وترتسم ضحكة لطيفة حين تذكر والدتها… وظلام حالك داخل عينيها حين تتحدث عن المستقبل والحياة… إنها حالة صعبة وتصل إلى حد أنها ميؤوس منها طالما هي ترفض العلاج.

ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما بصمت، حتى عادت حلم تنظر إلى السماء من جديد عبر شباك غرفتها، لتقف الطبيبة وتتوجه إلى الباب، وقبل أن تفتحه نظرت إلى حلم وقالت: –محدش فينا بيختار أبوه وأمه وإخواته، بس الإنسان في إيده يختار حياته… يغيرها ويبدلها زي ما هو عايز ويحقق رغباته كلها. الحياة مرة واحدة بس يا حلم ولازم تتعاش… بلاش تبقي ضعيفة، كسري قيود روحك وشوفي راحتك فين وارتاحي.

لم تنظر إليها ولم تحرك ساكنًا، لتفتح الطبيبة الباب وغادرت، لتنظر حلم إلى الباب وانحدرت تلك الدمعة، ثم عادت بنظرها إلى السماء وهي تقول: –نفسي أرتاح. *** قبل ذلك بقليل، وصل غسان إلى المستشفى ليجدهم يجلسون بالخارج، شعر ببعض القلق واقترب سريعًا من نوار التي تسند رأسها إلى الحائط ومغمضة العينين. جلس جوارها وهو يقول: –مالك يا نوار؟ حلم فيها حاجة؟ فتحت عيونها تنظر إليه وقالت بابتسامة صغيرة:

–أنا كويسة… الدكتورة النفسية مع حلم عشان كده قاعدين هنا. نظر حوله وقال باستفهام: –أمي فين؟ اعتدلت في جلستها وقالت: –نزلت الكافيتريا تجيب قهوة وراغب راح يصلي. أومأ بتفهم، وعم الصمت عليهم لعدة دقائق، كان هو يحتضن كف يديها بين يديه. لتقول هي بابتسامة متوسلة: –غسان، هو ينفع وإحنا هنا نكشف مرة تانية؟ مش يمكن يكون فيه علاج تاني؟ خفض عينيه ينظر أرضًا، والذنب يعود ليؤنبه من جديد، لكنه قال:

–حاضر يا نوار، هنروح لدكتورة تانية بس نطمن على حلم. أومأت بنعم وهي تقول: –اللي تشوفه يا غسان. أطاعته هدوء نظرات الاحترام والتقدير… العشق الواضح في عينيها والحب الكبير الذي تكنه له يزيد من ألم قلبه ويزيد من تأنيب ضميره واحتقاره لنفسه. مر بعض الوقت في صمت. عادت رقية ومعها قهوة لها ولنوار، جلست جوار غسان تطمئن منه على البيت وعلى والده وجده. حين غادرت الطبيبة، وقف الجميع أمامها في نفس اللحظة التي اقترب فيها

راغب منهم يسأل باهتمام: –خير يا دكتور؟ نظرت الطبيبة لهم بأسف وحركت رأسها يمينًا ويسارًا بيأس: –للأسف الحالة رافضة أي تدخل. الحالات اللي زي دي الطب بيقف قدامها عاجز طول ما المريض رافض إنه يعترف أنه محتاج مساعدة. خيم الصمت على الجميع لعدة ثوانٍ، حين قالت الطبيبة: –لازم تفهموا إن الشخصيات دي مش هتكون مؤذية لحد قد ما هتكون مؤذية لنفسها. نظروا جميعًا إلى بعضهم بصدمة، لتقول نوار بقلق: –ممكن تموت نفسها؟ حركت

الطبيبة رأسها بلا وقالت: –مش للدرجة دي… بس قراراتها ممكن تتسم بالحدة وزيادة العند والتحدي حتى على حساب نفسها. –أنا مستعدة إن أعطيكم أي نصيحة أو معلومة أو حتى دواء… أتمنى إنها تكون بخير. قالت الطبيبة كلماتها وغادرت، وظلوا جميعًا واقفين يخيم عليهم الصمت، يحتضن غسان نوار التي تبكي بحزن شديد وغضب وكره يزداد تجاه والدها الذي دمر حياتهم دون استثناء. وعند تلك النقطة، نظرت إلى راغب الذي يستند إلى الحائط بإحباط وحزن شديد. ***

أستيقظ أحمد من نومه بتثاقل كأسد تناول وجبة دسمة ونام وهو سعيد. نظر إلى حسن النائمة كملاك بريء ينقصه أجنحة بيضاء. غادر السرير برفق وهو يعدها بينه وبين نفسه أن يعطيها أفضل صباح مر في حياتها بعد تلك الليلة النارية، والتي شعر فيها أنه ملك من ملوك العصور الوسطى وليس معه أمرأة واحدة فقط، بل شعر أنه يجلس داخل حريم كبير مليء بالجواري الذين لا يريدون شيئًا في الحياة سوى رضاه. وقف يعد الطعام وعصير طازج وعقله

سرح في كلماتها عن عدنان: –أنت عارف إنه بيجبرني على الشغل في الكباريه وأنا تعبت من الزباين وهو كل يوم ياخد فلوسي وبس. كان يستمع إلى حديثها وهي تجلس فوق قدميه يداعب خصلات شعرها المموجه. أكملت هي بدلال يفقده كل خلايا عقله وقلبه: –أنت عارف نفسي أطلق منه وأبقى ليك أنت بس… أنا وأنا معاه بحس إني بخونك أنت لأني مش بحب حد غيرك ولا بحس إن ليا جوز غيرك. عاد من أفكاره وهو قد وصل لحل لها، سوف يرضيها وأيضًا يرضي رجولته.

أمسك هاتفه واتصل بأحد أصدقائه محامي، لكنه متخصص في قضايا الخلع والطلاق والزنا، فهو أفضل معين له في تلك المشكلة وهو من سيجد له الحل المثالي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...