الفصل 18 | من 21 فصل

رواية حلم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
14
كلمة
4,611
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

تسير جواره على شاطئ البحر. تمسك يده بكلتا يديها كأنها طفلة صغيرة تمسك يد والدها حتى تطمئن من كل العالم المخيف حولها. وداخلها شعور دائم أنه البطل الخارق الذي يحميها دائمًا أبدًا، وجواره كامل الأمان.

لقد مر أسبوع على زواجهما، وتشعر أنها داخل حلم جميل لا تستطيع تصديقه. تبتسم بثقة وسعادة كبيرة، كأنها أول مرة تغادر منزلها وتكتشف العالم من حولها. وبخجل فتاة مراهقة لا أول مرة تخرج مع حبيبها، وبجرأة عاشقة تذوب عشقًا في زوجها.

وكان هو يسير بجانبها، عقله سارح في كل ما يعيش فيه من تخبط. مر أسبوع على زواجه، غارق في نعيم جنة، يكتوي بنار فراق حلم ومحاولة نسيانها. يشعر أنه خائن لجنه حين يفكر في حلم. وإذا توقف عن التفكير فيها، يشعر أنه خائن لقلبه الذي لا ينبض إلا باسمها. واقع بين حيرة الحب والغدر، وبين الخيانة والظلم، وبين قلبه وعقله وضميره. أحاسيس مختلفة تجعله معظم الوقت سارحًا بعيدًا عنها. وهي تلاحظ هذا، ولكنها تخشى أن تسأله حتى لا تصدم بالإجابة أو يجرح قلبها الذي لا ينبض إلا باسمه هو.

كانت أمواج البحر بصوتها المميز تتغلغل إلى روحها، تناديها برفق وبنغمة ساحرة جعلتها تترك يده وتقف في مواجهة البحر. تغمض عينيها باسترخاء، تستمع بصوت تلاطم الأمواج ورائحته البحر المميزة التي تريح القلب وتعد الروح. وأشعة الشمس التي تدفئ بشرتها ببعض الخجل. لتتسع ابتسامتها حين حاوط خصرها برفق وانحنى قليلًا يريح ذقنه على كتفها. وعطره المميز يتغلغل إليها يملأ حواسها بالسعادة. وهمس قائلًا:

"أكيد أنا في الجنة. معايا حورية وبحر وجمال ساحر، يبقى أنا في الجنة." اتسعت ابتسامتها أكثر ليكمل هو كلماته: "تعرفي نفسي في إيه؟ هزت رأسها يمينًا ويسارًا ليكمل هو بصوت هادئ: "نفسي أغرق أنا وأنت جوه البحر ده. نفضل نعوم والموج يغطينا والسما تشهد على حبنا." "حبنا!؟ قالتها ببعض الاندهاش ومازالت تغمض عينيها والابتسامة ترتسم على وجهها. ليقول هو بتأكيد: "أكيد حبنا. مين يعيش في الجنة وما يعشقهاش كمان."

ربتات على كتفها جعلتها تفتح عينيها، خاصة وأنها لم تعد تشعر بذراعيه تحوطها. لتنظر إليه بنفس الابتسامة ونظرة الحب التي تحولت لبعض الحزن حين قال هو باندهاش: "أنتِ واقفة كده ليه؟ ظلت نظراتها ثابتة عليه، وقلبها يئن بألم. هل ما حدث كان مجرد حلم؟ أمنية داخل قلبها؟ تتمنى حدوثه فقط. شعر هو بتلك الدموع التي تتجمع داخل عينيها، تحول نظراتها العاشقة إلى أخرى حزينة. ليقترب منها يضمها إلى صدره بحنان وهو يقول برفق:

"عارف إني مقصر معاكي. بس أنا مش رومانسي. ومش بعرف أعمل زي ما أبطال الروايات ما بيعملوا. لكن ممكن أتعلم. والبركة فيكي بقى." نظرت إليه بشك، ثم قرصت يدها لتئن بألم. ليقول هو باندهاش: "ليه عملتي كده؟ "علشان أتأكد إني مش بحلم تاني." شعر بألم قوي داخل قلبه. وكل دقيقة وأخرى يكتشف كم هو مخطئ بحقها، وكم هو ظالم. ليقبل جبينها بقوة ثم همس أمام شفتيها:

"أوعدك من النهارده مش هيكون فيه خيالات ولا أحلام. من النهارده هتعيشي في جنتي يا جنه." وا اقترب منها يقبلها قبلة سريعة، لكنها جعلت قلبها يقفز داخل صدرها بسعادة كبيرة. لتضمه بقوة وهي تقول بابتسامة واسعة: "ربنا يخليك ليا يا راغب. أنا بحبك أوي أوي أوي." ليضمها بقوة وهو يغمض عينيه، غير قادر على رد الجملة لها. هو لم يفكر يومًا قرر الزواج بها في ساعة تحدٍ وغضب أنه هو أيضًا سيدفع الثمن غاليًا. ***

بعد مرور أسبوعين مليئين بالضغط النفسي، القلق والتوتر بين الجميع. اليوم يعود راغب إلى البيت مع عروسه. ورقيه التي لا تتوقف لحظة عن استغلال المواقف حتى تؤلم حلم أو نوار. اليوم استغلت ذلك الأمر بشكل لا يوصف.

مع أول خيوط النهار بدأت في تنظيف المنزل بمساعدة بعض الفتيات وإعداد وجبات فاخرة من الطعام. كانت عائشة تتابع كل ما يحدث بتوتر شديد وهي تشعر بضغط كبير بعقلها، كأنه سينفجر من كثرة التفكير وأيضًا الخوف والترقب. كل ما يحدث حولها يجعلها في حالة نفسية غير صحية لها أو لطفلها. وذلك حقًا ما يقلقها، خاصة مع ذلك الألم الذي بدأت تشعر به أسفل معدتها. كانت تعتزل الجميع حتى تستطيع تحديد ذلك الألم وسببه، وحتى لا تقلق يوسف الذي أصبح

قلقًا طوال الوقت بطبيعة الحال وأصبح شديد العصبية. فكل ما يحدث لا يستطيع تقبله من الأساس. وكم من مرة تحدث إلى والدته التي لا تتراجع عن ما تقوم به مهما قال لها. وأيضًا تحدث مع والده الذي يقف موقفًا سلبيًا تمامًا. في الحقيقة هو غير راضٍ عما تقوم به زوجته، لكنه لا يتحدث في الأمر ولا يحاول أن يوقفها. وأصبح يقضي أغلب وقته في غرفة والده وكأنه يعتذر للجميع. ولم يعد يذهب إلى عمله أيضًا. وألقى الحمل فوق كتف غسان الذي يدير عمله

ويتابع عمل راغب حتى يعود. والآن يقوم بمهام والده أيضًا. وبسبب كل ذلك لم تستطع تنفيذ ما كانت تخطط له، وخاصة بسبب ألمها المستمر والضغط المستمر على الجميع.

بدأ عقلها يرتب أفكاره، وكل أمور تلك العائلة تعود إلى مكانها الطبيعي. انقلب حال البيت، وبدأت الشقوق والتصدعات تظهر لعيون الجميع. كل الأخطاء، الضعف في أساس تلك العائلة، والذي حاول بركات أن يداريها طوال تلك السنوات، تتضح للجميع. وأصبح البيت الآن آيلًا للسقوط دون شك. والخوف أن يقع فوق رؤوسهم جميعًا، خاصة إذا ظل أصحابه على تلك الحالة ولم يفكروا في الخروج من تلك الدائرة المغلقة العالقون بها والتي يدورون فيها دون توقف.

أخذت نفسًا عميقًا، وعقلها يصل بتفكيره على حال أختها الذي انقلب. إنها لا تبقى في البيت وقتًا طويلًا. لا أحد يعلم إلى أين تذهب أو ماذا تفعل. لكنها تبدو غريبة جدًا، صامتة وهادئة. لا تهتم لكل ما تقوم به زوجة عمها وكأن الأمر لا يعنيها. والأكثر غرابة أنها يوميًا كانت تتحدث إلى جنه. وإذا لم تتصل جنه بها، تتصل هي وتظل تضحك كعادتها معها.

هذا كان يثير جنون رقيه بشكل كبير، والتي أوضحت ذلك ذات يوم حين ظلت واقفة أمام حلم وهي تتحدث إلى جنه، تتابع ما تقوله. وبعد انتهائها قالت لها بصوت هادئ لكن يحمل الكثير من الغضب: "أنتِ عايزة إيه من جنه؟ عايزة تخربي عليها صح؟ قطبت حلم حاجبيها باندهاش وقالت ببعض الحيرة: "هخرب عليها ليه؟ ده أنا اللي روحت أبلغها برغبة ابن عمي في جوازه منها. وأنا اللي كنت معاها في كل خطوة."

كانت رقيه تستمع إليها بحاجب مرفوع، وغضب كبير واضح داخل عيونها. وقالت بحقد شديد: "أوعي تفكري إني هسمح لك تدمرى حياة ابني. انسى أنا موجودة يا حلم ومش هسمح بكده." كان الجميع يتابع ما يحدث بصمت وبرود. وهذا أكثر ما يضايقها، وكانت تود التدخل لتوقف زوجة عمها عما تفعل. لكن رد حلم جعلها تبتسم وتجلس باسترخاء:

"لو أنتِ ناسيه يا مرات عمي، أنا أفكرك. أنا رفضت ابنك قدامكم كلكم وهو ركع قدامي بيترجاني أحبه. وأنا قولته لأ، يعني هو مش فارق معايا. اطمني." وغادرت من أمامها بثبات وقوة ودون أن تنظر إلى أي منهم. صعدت إلى غرفتها. عادت من أفكارها على صوت زوجة عمها التي تغادر المطبخ متوجهة إلى الخارج وهي تقول: "راغب وصل."

حمدت الله أن حلم ليست هنا، رغم أنها لا تتوقع رد فعل أختها. ولكن أيضًا نوار في غرفتها. وهي ظلت مكانها فالألم يزداد وتشعر بأنها غير قادرة على الحركة. وكل ذلك بالتأكيد سوف تفسره زوجة عمها بما تريد ولن يمر مرور الكرام. ***

دلف راغب وهو يمسك يديها بقوة. عيونه تبحث عنها دون أن ينتبه له أحد. وكان كلما شعر بالقلق والتوتر ضم يد جنه أكثر. حتى صدر عنها ألم. وصلت إلى أذنه لينظر إليها باعتذار. لتبتسم له برقة كعادتها دائمًا. كان ترحيب رقيه بهم غاية في السعادة والمبالغة أيضًا. وكأنها تريد أن تثبت شيئًا معينًا أو توصل رسالة لشخص معين.

تحاملت عائشة على نفسها لتغادر الغرفة الكبيرة حتى ترحب بهم. فهي ليس لديها القدرة لخلق عداوة مع حماتها، خاصة وهي ترتب لبعض الأشياء ولا تريد لفت انتباه أحد لها. وقفت أمامهم. وقبل أن تقول أي شيء، صرخت بصوت عالٍ. ليقف راغب سريعًا يدعمها قبل سقوطها أرضًا. حين وصل همسها له: "وديني المستشفى بسرعة." حملها سريعًا واتصلت رقيه بيوسف لتخبره بما حدث حتى يكون في استقبالها.

ظلت جنه واقفة في مكانها تشعر بالصدمة وأيضًا لم تستوعب ماذا عليها أن تفعل. ولم تمر دقيقتان حتى وجدت نوار تقف أمامها بوجه شاحب، تقول بقلق: "مين اللي كان بيصرخ؟ وفين راغب ومرات عمي؟ قصت عليها كل ما حدث لتشهق بصوت عالٍ. واتصلت سريعًا بغسان الذي أخبرها أنه قادم وينتظره عند باب البيت الخارجي.

كانت جنه تتابعها وهي تتفحص وجهها الشاحب والإرهاق الواضح عليه. جعلها تشعر بالخوف الشديد عليها. فهل من تقف أمامها هي نوار، تلك الفتاة الرقيقة المشرقة صاحبة الابتسامة الدائمة؟ ماذا حدث لها؟ ولما هي بذلك الحال؟ هل هي مريضة؟ تساؤلات كثيرة دارت في عقلها. حتى قطعت نوار كل ذلك حين قالت: "أنا هروح لهم المستشفى. خليكي هنا علشان جدي فوق وميبقاش لوحده."

أومأت جنه بنعم دون أن تستطيع الرد. لتصعد نوار سريعًا إلى غرفتها حتى تبدل ملابسها. كانت رقيه تقف جانب راغب الصامت تمامًا. عقله سارح في بحور الحيرة وعدم الفهم. ماذا حدث لها؟ وأين إخوتها؟ ولماذا شعر أن البيت قد خلى من جميع سكانه؟

وكأنه أصبح مهجورًا. لماذا شعر بالغربة وهو يدلف إلى البيت وكأنه قد غادره منذ سنوات، ليس فقط منذ ثلاثة أسابيع. لماذا يشعر أن قلبه يؤلمه وعقله لا يهدأ أبدًا من التفكير. والأفكار تعصف بروحه وعقله إلى بئر سحيق لا نهاية له ولا يوجد به ضوء. وصل غسان ونوار التي لم تتحدث إلى رقيه. ولكنها سألت راغب قائلة: "مالها عائشة يا راغب؟ يوسف معاها؟ أومأ راغب بنعم. ثم قال: "محدش عارف هي مالها لسه."

ابتعدت خطوتين وجلست على إحدى الكراسي. ليقترب غسان ويجلس بجانبها يمسك يديها يدعمها وقال بهمس: "إن شاء الله هتكون بخير."

أومأت بنعم دون أن ترد. وعيونها ثابتة على باب الغرفة. مرت الكثير من الدقائق. القلق يزداد، الخوف يتصاعد. فالجميع قلق. الجميع يحلمون بذلك الطفل. أول حفيد للعائلة. ورقيه متعلقة به جدًا ولن تتنازل عنه بأي شكل. ونوار تتمنى أن تحمله بين يديها. تشتاق لهذا الإحساس أن تشم رائحته وتضمه إلى صدرها. لعلها تروي ذلك الشوق الذي يشعل نار الألم في قلبها. حين فتح الباب وخرج الطبيب من الغرفة. وقف الجميع أمامه ينتظرون أن يطمئنهم.

وهو لم يتأخر: "دكتور، عائشة حالتها الصحية غير مستقرة خالص. ضغطها عالي وحصل إنذار بالإجهاض." لتشهق نوار بصوت عالٍ وهي تضع يديها فوق فمها والدموع تغرق وجهها. وقالت رقيه بصدمة: "أيوه يعني إيه؟ قال الطبيب موضحًا: "هي محتاجة راحة تامة وتفضل نايمة على ظهرها. وكمان محتاجة تبعد عن أي ضغط عصبي أو مشاكل. محتاجة راحة نفسية كاملة." خيم الصمت على الجميع إلا من شهقات بكاء نوار التي تخبئ وجهها في صدر زوجها.

واستند راغب إلى الحائط خلفه وهو يفكر. مؤكد هو من ضمن الأسباب التي ترهقها وتتعبها. فهو سبب حزنها على أختها. ليغمض عينيه بإرهاق وكأنه كان بحاجة لشيء آخر يؤلم قلبه ويزيد همه وتأنيب ضميره.

غادر الطبيب بعد أن أنهى كلماته. لتجلس رقيه على الكرسي القريب منها وهي تفكر. إن بنات دلال يسرقن أحلامها. كل واحدة منهم بطريقتها. نوار لم تنجب حتى الآن ولم ترَ أولاد ابنها الكبير. وعائشة سوف تحرمها من ذلك الحفيد الذي تعلقت به. وحلم كادت أن تسرق عمر راغب لولا ما حدث. ولن تسمح لها بتدمير زواجه. عليها أن تفكر في حلول سريعة لتجعل كل الأمور كما تريد هي. ***

يمسك بيديها. ينظر إلى وجهها الشاحب وتلك الهالات السوداء حول عيونها. انحدرت تلك الدمعة الحبيسة داخل عينيه وهو يلوم نفسه. كان يرى كل ما يحدث حولها ولم يفعل شيئًا يحميها به من كل ذلك الضغط والحزن. كيف يكون رجلًا حقًا وهو يتركها في كل ذلك الحمل بمفردها؟

رغم أنه يقتسم معها كل شيء، لكنه قادر على التحمل. هو لا يحمل داخل أحشائه طفلًا صغيرًا. كل هذا يؤثر عليه وعليها. ولكن هي أهم من كل شيء. هو لن يتحمل خسارتها ولن يقبل بذلك. وإذا استمر وضعها بهذا الشكل، لن يتردد في إجهاضها ولو للحظة. صحتها وحياتها أهم من أي شيء آخر. دلف الجميع إلى الغرفة. واقتربت نوار سريعًا من أختها تضمها بحنان وهي تبكي بصمت. ليقول يوسف بصوت مختنق: "هتكون كويسة. إن شاء الله هتكون بخير."

"المهم الولد يا يوسف." قالتها رقيه بصوت قلق وغاضب. لينظر إليها يوسف بعينيه شديدة الحمرة ووجه محتقن من كثرة الخوف والغضب. وقال من بين أسنانه: "عائشة أهم يا أمي. ولو هختار بينهم هختار عائشة. مش هضحي بمراتي أبدًا. أبدًا." كان راغب يلاحظ ما يحدث باندهاش شديد. ما كل تلك الطاقة السلبية والغضب المكتوب. والحزن سائد بين الجميع والتحفز الواضح في تصرفات أخويه. دلت حلم من الباب مندفعة وهي تقول لنوار بقلق شديد متجاهلة الجميع:

"عائشة مالها يا نوار؟ أخبرتها نوار بما حدث باختصار. لتنظر إلى يوسف وتقول باستفهام وقلق واضح: "هتبقى كويسة يا يوسف؟ مش كده؟ نظر إليها يوسف ليهولها منظر عينيه والخوف الواضح فيها. ليسقط قلبها أسفل قدميها. لكنه أومأ بنعم وهو يقول: "إن شاء الله هتكون بخير." ثم نظر إلى أمه وقال بإقرار غير قابل للنقاش: "ولو الحمل فضل خطر عليها، هتجهض. صحتها عندي بالدنيا." تشتعل عيون رقيه بغضب. ثم غادرت الغرفة وهي تقول لراغب بأمر:

"تعال وصلني يا راغب. وكمان مينفعش تسيب مراتك لوحدها. أنت لسه عريس يا حبيبي."

لم تهتم حلم لها أو لراغب. وأظلت واقفة تضم نوار وتمسك يد عائشة. وكان غسان يقف في إحدى أركان الغرفة يتابع ما يحدث بصمت تام. يكفي ما هو فيه. وحال زوجته الذي انقلب. أصبحت كالاشباح، هادئة دائمًا. لا تتحدث. تتقبل كل ما تقوله والدته دون أن تدافع عن نفسها. الدموع دائمًا تسكن عينيها. والأكثر من ذلك هو عيونها الثابتة على الأرض. انكسارها أمامه وهذا حقًا يؤلمه. إنها ولا أول مرة منذ زواجهم تهتم أن تبدل له ملابسه وتخلع عنه حذاءه.

والأمر لم يقتصر على مرة أو اثنتين، لكنه كل يوم حين يغادر صباحًا وحين يعود مساء. حتى إذا كانت غارقة في النور حين يدلف إلى الغرفة، تستيقظ من نومها تفعل ما تفعله وتعود إلى النوم من جديد. كأنها تحاول أن تجد لها سببًا أو قيمة في بقائها بجواره. حتى في علاقتهم الخاصة فقدت شغفها. يشعر بها جسد بلا روح. لقد فعل كل هذا حتى لا يخسرها. لكن من الواضح أنه قد خسرها بالفعل. وأمام هذا هو لا يهتم بأي شيء آخر.

انتبه من أفكاره على صوت حلم التي تضم نوار التي لم تتوقف عن البكاء: "روحي أنتِ يا حبيبتي وأنا ويوسف هنا معاها وهي مش محتاجة غير دعواتك لها." نظرت إليها نوار بخوف. لتبتسم لها حلم بتشجيع وقالت بهدوء رغم أنها خائفة وبشدة. هي ليست حمل خسارة جديدة. وقالت بهدوء: "متقلقيش أنا ويوسف معاها. ولو حصل أي حاجة هكلمك على طول." أومأت نوار بنعم. ليقترب غسان من يوسف ويضع يديه فوق كتفه وهو يقول: "أنا جاهز على رنة يا يوسف. ماشية."

أومأ يوسف بنعم. ليربت غسان على كتف يوسف عدة مرات. ثم تحرك في اتجاه نوار حاوط كتفيها بذراعه وغادروا. لتقترب حلم وتقف جوار عائشة تنظر إليها بخوف. ليقول يوسف بشرود: "تقوم بس بالسلامة وكل ده هيتغير." لم تفهم ماذا يقصد. لكنها لم تعقب على كلماته. ظل هو يقبل يديها عدة قبلات وهو يهمس من بين قبلاته: "هتبقي بخير. أوعدك هتكوني بخير إن شاء الله."

وكانت هي في بحر ظلاماتها بين تلك السحب الضبابية تختنق خوفًا ورعبًا. قهراً لم تتحدث به يومًا لأحد. ولكن من وقت لآخر يقترب صوته منها كسحابة وردية تخلق حولها نسمة ربيعية رقيقة. تجعلها تستطيع التنفس ولو لثوانٍ قليلة.

لكن الخوف الساكن داخل قلبها. قلقها على حلم وما تفعله دون معرفتهم. وحالة نوار ووعدها لها بأن تظل بجوارها وتجد لها حل. صحيح هي الاخت الوسطى. لكنها تشعر بعاطفة الأمومة تجاه أختيها ويتألم قلبها من أجلهما. وتشغل عقلها بحل مشاكلهم مثل أي أم تدور حياتها حول أولادها. وكان أكثر ما يتعب قلبها إحساسها بقطرات المطر التي تلمس يديها من وقت لآخر. وقلبها يخبرها أنها دموع حبيبها. وهذا ما يجعلها تشعر بالاختناق حقًا. وأيضًا تعافر من أجل فتح عيونها أو تحريك يديها حتى تمسح عنه دموعه.

*** وصل راغب ورقيه إلى البيت الكبير. وحين دلفوا إلى البيت كان مصطفى يجلس بجانب جنه يتحدثان. وحين لاحظوا وجودهم ركضت جنه إلى راغب تضمه بقوة وخوف وهي تقول: "عائشة كويسة؟ إيه اللي حصل لها؟ ضمها برفق وربت على كتفها عدة مرات. حين قالت رقيه بغضب وهي تجلس بجانب مصطفى: "الهانم عايزة تخلص من حفيدي. مش كفاية إن أختها مخلفتش لحد دلوقتي. لا كمان عايزة تخسرنا الحفيد الوحيد كمان."

كان مصطفى يستمع لكلماتها بضيق شديد. ولكن راغب اقترب خطوة وقال بغضب مكتوم: "الدكتور قال إن ضغطها عالي وإن في حاجة مضايقاها وده اللي ممكن يسبب الإجهاض." "وإيه اللي مضايق الهانم؟ متجوزة دكتور قد الدنيا. جناحها فوق ينضرب بيه المثل من جماله وشياكته. عايزة إيه تاني الهانم علشان تحافظ على حفيدي؟ أصلًا أنا مش هسمح لها إنها تخسره."

قالت رقيه بغضب شديد. لتتراجع جنه خلف راغب بخوف. ولم يتحدث مصطفى في شيء. خاصة مع وصول تلك الرسالة له ليغادر من جوارها ببرود. اندهش له راغب. لكنه أخذ جنه وصعد إلى جناحه. وحين أغلق الباب قالت جنه بخوف: "هو فيه إيه؟ أنا أول مرة أشوف ماما رقيه كده؟ نظر لها راغب بحيرة. ثم قال بعد عدة ثوان: "هي بس خايفة على عائشة والبيبي. متخافيش."

أومأت بنعم. ثم بدأت تنظر إلى جناحها وهي تبتسم بسعادة كبيرة. هذه المرة الأولى التي تراه فيه. جميع الحوائط ملونة بألوان مبهجة وبها بعض الأشكال اللطيفة المتداخلة وأثاث راقٍ ومميز. ظلت عيونها تدور في كل مكان حتى وقعت عينيها على إحدى الحوائط وقالت باندهاش: "ده قرنفل صح؟ حلم بتحب القرنفل جدًا."

جحظت عيون راغب بقلق وخوف. وهو ينظر إلى المكان التي تنظر إليه. إنه كان يعد الجناح لينال إعجاب حلم وكان يضيف فيه كل الأشياء التي تحبها. فرسم حائط كامل به زهور القرنفل. اقترب منها سريعًا وقال ببعض التوتر: "أصل أنا كمان بحب القرنفل. علشان كده يعني." نظرت إليه وقاطعته قائلة بابتسامة واسعة: ليبتسم لها بتوتر وقلق لعدة ثوان. ثم قال: "خلينا نغير هدومنا وننام. أنا بجد تعبان جدًا من السفر واللي حصل كمان."

"عندك حق. أنا كمان تعبانة أوي. أعصابي باظت جدًا." تحركت لتخرج لها ملابس وهي تكمل: "شكل نوار قلقاني عليها أوي. كمان حلم لما شفتها حسيت فيها حاجة متغيرة. بس ملحقتش أتكلم معاها. لما ترجع إن شاء الله ونطمن على عائشة هبقى أقعد معاها وأفهم إيه الحكاية." كان يستمع إلى كلماتها وهو يفكر. أين كانت وما هذا الاختلاف الذي لاحظه عليها. لماذا يشعر أن هناك شيء غريب بها. شيء لا يفهمه ولم يعهده فيها من قبل.

تمدد على السرير وهو لا يستطيع التوقف عن التفكير فيها. حتى أنه لم يشعر بالوقت. نظر إلى جانبه ليجد جنه تنام باسترخاء وسلام وراحة. وعاد ضميره يؤنبه من جديد. ما ذنبها وبما أخطأت حتى يظلمها بتلك الطريقة. الذنب ذنبه هو فقط. ظفر الهواء خارج صدره بضيق واستغفر الله في قلبه وعقله. وأطفأ النور وأغمض عينيه حتى ينام. ***

يئن بألم. يبكي بصمت مختنق بتلك القيود. لا يستطيع الفكاك منها. يشعر بالنار تشتعل في جسده من كثرة الألم وما يحدث فيه وهو لم يتخيله يومًا. غروره وكبرياؤه قد دُهس تحت الأقدام دون رحمة أو شفقة كما كان يفعل فيها. لم يكن يتخيل يومًا أن يكون ثمن ما قام به غاليًا إلى تلك الدرجة. وهل سينتهي ذلك العذاب يومًا أو ستنتهي حياته أولًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...