الفصل 17 | من 21 فصل

رواية حلم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
15
كلمة
2,823
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

أوقف راغب السيارة أمام الفندق الذي سيقضون به شهر عسله. نظر إليها تضع رأسها على كتفه نائمة بسعادة وهدوء، بعد أن ظلت تتحدث لأكثر من ساعة بعد مغادرتهم العرس. أخذ نفسًا عميقًا وهو يتذكر كم مرة ذكرت اسم حلم، وكم وقفت بجانبها، وماذا فعلت معها، وأنها تعتبرها أختًا له. وكلما حاول تغيير الموضوع، عاد الحديث في النهاية إلى حلم. ليشعر هو بالاختناق وكأنه قد فقد أنفاسه، ليوقف السيارة على جانب الطريق. لتنظر جنة حولها

باندهاش وقالت باستفهام: –أنت وقفت ليه؟ العربية فيها حاجة؟ نظر إليها وابتسم ابتسامة صغيرة يحاول مداراة ضيقه خلفها: –تعبت بس من السواقة… كمان مش عارف أتكلم معاكي. ثم أشار على استراحة قريبة وأكمل: –خلينا نقف هناك أحسن، على الأقل أجيب لك حاجة تشربيها. وحين وصل هناك، وجد أكثر من موضوع يتحدث معها فيه بعيدًا تمامًا عن حلم. لكن حديثهم ذلك زاد من تأنيب ضميره ولومه لنفسه، خاصة مع ذلك الحب الكبير التي تظهره له بكل شكل.

أخذ نفسًا عميقًا وهو يعود ينظر إليها، تحاوط ذراعه بكلتا يديها وكأنها طفلة صغيرة تتشبث بذراع والدها مصدر أمانها الوحيد. أغمض عينيه لثوانٍ ثم فتحهما، وهو ينظر إلى السماء التي تتلألئ بنجومها، وهمس بصوت غير مسموع: –يارب هي ملهاش ذنب في كل إللي حصل… ساعدني مظلمهاش، شيل حلم من قلبي… أشفى قلبي من حبها. عاد بنظره إليها وحاول تخليص ذراعه من يدها حتى يستطيع حملها على الأقل. لكنها فتحت عيونها تنظر إليه في البداية بعدم استيعاب،

ثم ابتسمت بسعادة وهي تقول: –يعني كان حقيقة مش حلم؟! ليقطب جبينه بحيرة، لتكمل هي بابتسامة واسعة: –يعني فعلًا أنا وأنت اتجوزنا؟ يعني فعلًا أنت قدامي ومعايا؟! ليضحك ثم قال ببعض المرح: –تحبي أقرصك ولا أعضك، أو ممكن أضربك قلمين كده يمكن تصدق؟ لتضع يدها على وجنتيها وهي تقول بدلال: –وأهون عليك يا سي راغب؟ لينفخ صدره بتصنع ويداعب شواربه الوهمية، لتضحك هي بصوت عالٍ وقالت بسعادة: –عارف نفسي في إيه؟ نظر لها باهتمام،

لتقول هي بابتسامة واسعة: –نفسي أصرخ بصوت عالي وأقول لكل الدنيا إنك بقيت جوزي حبيبي. صمتت لثوانٍ أمام نظراته المندهشة، ثم قالت: –يمكن تكون مستغرب حبي ليك… والحالة إللي أنا فيها، بس أنا من أول مرة شوفتك فيها حبيتك وخبّيت حبّي جوه قلبي. كنت متوقعة إنك أنت وحلم هتتجوزوا زي إخواتكم وأنا مش مستعدة أخسر حلم عشان كده سكت ومتكلمتش. ويوم ما هي جت تبلغني إنك عايز تتقدم، كنت عايزة أقوم أرقص وأزغرط. وليضع يديه فوق فمها

يسكت سيل كلماتها وهو يقول: –خلاص يا بايرة، مصدق إنك بتحبيني وربنا يقدرني وأكون أستاهل الحب ده كله. كانت تنظر إلى عمق عينيه تنتظر تلك الكلمة التي تتمنى سماعها، ولكنّه لم يقلها. أخفضت عيونها وبداخلها خجل شديد وخوف من القادم. رفعت عيونها حين سمعت صوت بابه يفتح وهو يترجل من السيارة، لتعتدل حتى تغادر السيارة. لكنه سبقها وفتح لها الباب، لتبتسم وهي تنزل قدميها أرضًا.

ليرفع ذراعه قليلًا لتحاوطه بذراعيها وهي تنظر إليه بحب وسعادة، تمنت نفسها بحياة سعيدة مليئة بالحب والسعادة. وكان هو يفكر ويدعو الله أن يساعده ويمد له يد العون. *** في ظلام غرفتها، يجلسون الثلاث أخوات جوار بعضهم على السرير، وفي المنتصف حلم على قدمها جهاز الحاسوب الخاص بها. يشاهدان فيلمًا، وكل دقيقة وأخرى يصرخن بصوت عالٍ.

ليقف غسان ويوسف اللذان يجلسان بجوار الباب، بعد أن رفضت زوجاتهم الخروج لهم وإخبارهم أنهم سيظلون جوار أختهم الليلة. لتتحطم أحلامهم في تجديد ذكرى يوم عرسهم ويعيشوا اللحظة كما أخيه. ومع كل مرة يصرخون، الفتيات يحاولن معهم أن يخرجوا إليهم، لكن الفتيات يعللن رفضهن من جديد. ليلوي فمهم بضيق، حتى قرر غسان أن يحضر لعبة الورق يلعبها مع أخيه ويضيعون الوقت.

وكانت كل من نوار وعائشة تمسك كل منها ذراع حلم القريب منها، وبعد كل مرة يصرخون فيها يضمون بعضهم ويضحكون. كانت دموعهم تغرق وجههم، ومن يراهم ينسب ذلك لفعل ذلك الفيلم الذي جعل أوصالهم ترتعد خوفًا، ولكن كل منهن لها أسبابها الخاصة. *** ممدد على السرير ينظر أمامه بغضب شديد. وذلك الغضب بداخله من نفسه أكثر من أي شخص آخر. ما حدث بينه وبين جنة منذ قليل، وكم كانت رقيقة محبة، كم تحبه وتتمنى رضاه.

زهرة رقيقة بين يديه تتمنى أن يغرزها داخل قلبه، وتتوسله بعيونها أن يحبها كما تحبه، أن يشعر بها قلبه كما هو يسكن قلبها. أغمض عينيه وهو يتذكر وقت دخولهم إلى الجناح الخاص بهم. وقفتها في منتصف الغرفة بخجل شديد، تنظر إليه نظرة خاطفة ثم تعود بنظرها إلى الأرض. شعر أن عليه أن يقول شيئًا أو يفعل شيئًا، لكن لديه إحساس قوي أنه مقيد، حبيس كل ما حدث وذلك الألم الكبير. ولكن صمته ووقفته بهذا الشكل غير لائقة. فاقترب منها

وهو يقول بابتسامة صغيرة: –مبروك يا جنة… ربنا يقدرني وأقدر أسعدك. لتقول هي بسعادة: –إني بقيت مراتك دي أحلى حاجة في الدنيا ومش عايزة من الدنيا أكتر من كده. لم يستطع أن يجيب كلماتها بأي شيء، لذلك تحرك يخلع الجاكيت ثم قال: –غيري بقى هدومك علشان نصلي. أومأت بنعم وتحركت سريعًا إلى الحمام، وبعد عدة دقائق خرجت وهي ترتدي إسدالها. أبتسم وهو يراها كم هي رقيقة وبريئة، عيونها تنطق بحب كبير له، وتحيطها هالة من الطيبة والبرائة.

أشار لها أن تقترب لتقف خلفه، وبدأوا في الصلاة. كانت أسعد لحظاتها وهي تقف خلف راغب زوجها وهو إمامها في الصلاة. كم حلمت وتخيلت ذلك، والآن يتحقق كل ما كانت تراه حلمًا بعيدًا غير قابل للتحقيق. تخشى على قلبها أن يتوقف من كثرة السعادة، ولكن كيف تكذب أذنها التي تستمتع بسماع لهمس صوته وهو يقرأ القرآن؟ وكيف تكذب عينيها وهي ترى قدميه أمامها حين ترفع عيونها عن الأرض، وحين سجودها؟

كيف تكذب أنفها وهي تشم رائحة عطره المميز الذي يملأ رئتيها؟ حين انتهوا من الصلاة، وحين التفت إليها ورأى نظرة عينيها، وقف سريعًا قبل أن تقول أي شيء. قال وهو يبتعد عنها بتوتر: –أنا جعان جدًا، تعالي نشوف عاملين لينا إيه. كان يحاول التهرب منها، لا يعلم ماذا يفعل أو يقول، ولكن إلى متى؟ كانت نظرات عيونها العاشقة، كلماتها الرقيقة، لفاتها الخجلة التي تثير مشاعره، تجعله، وبأنانية شديدة، يشعر بسعادة بالغة.

أن هناك من هي في جمال جنة ورقتها تحبه كل هذا الحب، وأنه يستحق أن يغرم به شخص ما لتلك الدرجة. إذاً، حلم مخطئة وهي الخاسرة. ويعود يلوم نفسه وهو يشعر بالغضب من نفسه ومن كل ما يحدث، ولكن ذلك الصوت الداخلي الذي يشبه صوت والدته كثيرًا، مع آخر كلماتها له قبل رحيله من قاعة العرس. أغمض عينيه وتلك الكلمات تتردد داخل عقله:

"جنة بتحبك بجنون، بتحترمك، شايفاك أغلى حاجة في الدنيا، انسى إللي ميستاهلش تفكر فيه، واشغل بالك وعينك وقلبك باللي تتمنى تراب رجليك تتكحل بيه. افرح يا راغب وعيش يا حبيبي، أنت تستاهل كل السعادة والحب إللي جوه قلب جنة ليك." ومع تردد آخر تلك الكلمات، فتح عينيه ينظر إلى جنة يتأملها بهدوء بملامحها البريئة، خاصة مع ما يظهر أمام عينيه من جسدها، جعله يقترب منها يقبلها برفق ولين.

وبدأ يتعمق أكثر، لتفتح عيونها تنظر إليه باندهاش، ثم بدأت تتجاوب معه بشوق أكبر وحب أكبر ورغبة أكبر، ليغرق معها في لحظات عشق كبير وأنانية أكبر، ينهل من عشقها وحبها وجمالها. *** في صباح اليوم التالي، كان الصمت، التوتر والقلق. الكل يشعر وكأنهم على صفيح ساخن، الكل متحفز. كان يوسف يشعر أن كل فرد من أفراد العائلة يبتسم في وجه الآخر، ولكن خلف ظهره يمسك بسكين حاد جاهز أن يطعن بها من يخالفه في الرأي.

لكنه رغم كل ذلك، لا يستطيع أن يمنع نفسه من الابتسام كلما تذكر نومه هو وغسان أمام باب غرفة حلم مثل الشحاذين بسبب غضب زوجاتهم منهم واعتراضهم اللذيذ على ما قام به أخيهم. غابت حلم عن طاولة الطعام، ليس هربًا ولا حزنًا، ولكنها أرادت أن تتناول وجبة الإفطار مع جدها، خاصة بعد تركهم له طوال يوم أمس. كانت رقيه تنظر إلى غسان بضيق، خاصة وهو كل دقيقة وأخرى يهمس في أذن نوار بشيء ما، فتبتسم بخجل.

ثم يعود ويقول شيئًا آخر، فتقطب جبينها. فلم تشعر بالضيق بمفردها، فقالت بابتسامة صفراء: –مقولتليش يا غسان أمتى بقى هتروح أنت ومراتك للدكتور، أو تخلي عائشة تكشف على نوار؟ توترت ملامح نوار، لكن غسان نظر إلى أمه بغضب مكتوم وقال ببعض البرود: –ومين قالك إننا مرحناش؟ ومين قالك إن العيب من نوار؟ كانت رقيه تستمع إليه والغضب بداخلها يتصاعد ويزداد، ومع آخر كلماته ضربت الطاولة بيديها وهي تقول:

–احترم نفسك يا ولد وأنت بتكلمني، ولا هي مقوياك عليا؟ وعشان خاطر أختها هتقلل احترام قدامي؟ ليقف غسان بصمت شديد ينظر إلى أمه بهدوء يصل حد البرود، أمام نظرات يوسف المراقبة ومصطفى المتحفزة، ودموع نوار التي سالت فوق وجنتيها بغزارة، وعائشة التي تنتظر رد فعل غسان في محاولة لفهم كل تلك التناقضات التي تتكون منها شخصيته.

–مراتي عمرها ما قللت احترام معاكي وعمرها ما قالت أو عملت حاجة غلط… وموضوع حلم وراغب خلص خلاص وابنك اتجوز… نوار زعلانة أو فرحانة، صعبان عليها أختها أو لأ… كل ده جواها هي وبتتعامل مع الجميع باحترام… وفي المقابل لازم الكل يتعامل معاها بنفس الاحترام وغير كده مش هقبل يا أمي. كان الغضب واضحًا بشدة على ملامح رقيه التي لم تستطع السيطرة على نفسها، خاصة وكلمات ابنها الكبير تقلل منها وتضعها أمام مرآة حقيقتها.

–طيب يا غسان، اسمع آخر كلام عندي… خلال شهرين لو مراتك مبقتش حامل هجوزك. وتحركت تغادر طاولة الطعام، وقبل أن تضع قدمها على أول درجات السلم، وصلها صوت غسان يقول: –وأنتِ لو فضلتِ بنفس طريقتك يا أمي، بعد شهرين أنا ومراتي هنسيب البيت. ألتفتت تنظر إليه بغضب، ليقترب خطوة واحدة جعلت نوار تقف خلفه مباشرة، وأكمل قائلًا: –وأنا متجوز يا أمي، وعمر ما هيكون ليا زوجة تانية غير نوار.

ولم ينتظر أن يستمع إلى أي كلمة أخرى، ألتفت إلى نوار يمسح دموعها، وقبل رأسها كنوع من الاعتذار، وليس فقط اعتذار عن كلمات والدته، ولكن اعتذار عن خطئه الكبير وذنبه الذي لم يغتفر يومًا. زاد الشك داخل عائشة من موقف غسان وغضبها أيضًا، وكان يوسف يشعر بالحيرة. أما مصطفى، فكان يرى أمامه نتيجة أفعاله هو ووالده وأخيه، مستسلم تمامًا لذلك الثمن الذي سيدفعه هو وأولاده.

وكانت رقيه تنظر إلى نوار بغضب شديد… ولو كانت النظرات تقتل، لسقطت نوار أرضًا فاقدة للحياة. وظل الأمر متوقفًا لعدة لحظات، لتعود رقيه تصعد درجات السلم إلى غرفتها مباشرة، وشيطانها يلعب بعقلها ويرسم لها الكثير من الخطط المدمرة. *** –يلا يا جدي لازم تاكل. كانت تحاول إطعامه من أكثر من عشر دقائق وهو لا يستجيب لها. عيونه ثابتة عليها… يحاول أن يعتذر منها بتلك النظرات التي تغلفها الدموع.

وهي كانت ترى كل ذلك وتشعر به، خاصة محاولته المستميتة في تحريك أصابع يديه. لكنها دون إرادة منها، تجاهلت كل ذلك، وبداخلها إحساس بالبرود، وكأن من يجلس أمامها ليس بجدها، أنه شخص غريب لا تعرفه. لم تشعر بالشفقة، فهل شعر هو يومًا بالشفقة عليها؟ فليجرب الآن. بدأت تتحدث بما يؤلم قلبها دون أن تهتم بتلك الدموع التي تغرق وجهه مع كلماتها.

–راغب اتجوز يا جدي… راغب إللي كنت بتدافع عنه… عشان تعرف أن كل الرجالة أنانية… أنت عارف مش هقول أنه خاين… عارف ليه؟ صمتت لثوانٍ وهي تأخذ أنفاسها بغضب، وعيونها تنظر في كل الاتجاهات يظهر بها الألم وجرح عميق واضح للجميع، لكنهم تحولوا إلى صخور بقلوب حجرية لا أحد يشعر أو يرى. ثم نظرت إليه وقالت:

–هو اتجوز… كان بيقول أنه بيحبني بس مستحملنيش… قالي هدوقك جحيم فراقي وهتعيشي بسقر عشقي… هو محبش بجد وقلبه ميعرفش معنى الحب… هو لو حبني كان ساعدني حتى لو مكناش لبعض، حتى لو أنا كنت ببعده عني، حتى لو جرحته… أنت عارف؟ أحتدت نظراتها إلى جدها والغضب يتضاعف، وأكملت: –أنت عارف هو عمل إيه؟

هو بس اتألم لمرة واحدة في حياته، اتوجع ومقدرش يستحمل الوجع كام يوم. حب يوجعني ويزود جروحي جرح جديد… طيب… طيب هو مفكرش للحظة في وجعي أنا طول السنين إللي فاتت ولا الخوف إللي عايشة فيه عمري كله… هو أناني أوي يا جدي، أناني وضعيف وأنا بكرهه… وبكرهك وبكره ابنك إللي قتل أمي وقتلني أنا… بكرهكم كلكم كلكم.

قالت كلماتها الأخيرة بصوت عالٍ، رغم أنه لم يغادر جدران الغرفة، إلا أنها شعرت بصرختها تشقق جدران ذلك البيت الذي عاش جدها طوال عمره يحاول أن يحافظ عليه، وهو في الأساس بناء ضعيف ليس له أساس قوي. ظلت تنظر إلى جدها الممتد أمامها بلا حول ولا قوة، وتتذكر يوم وقف أمامها بكل قوته وجبروته يخبرها أنه لن يقتص لأمها، وسوف يترك القاتل حرًا طليقًا.

كانت نظراتها الكارهة عقابًا لم يتحمله قلبه الذي يئن بألم، وهي لم تهتم، لن تشفق على أحد، فلم يشفق عليها أحد يومًا. ولن تفكر في أحد غير نفسها وأخواتها، ستكون كما الجميع، أنانية، ومن الآن سيدفع الجميع الثمن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...