وقفت عائشة أمام النافذة الكبيرة تنظر إلى ذلك الظلام في الخارج، والذي يبتلع بداخله البلدة كاملة في ليلة لا قمر لها، ليلة تشاركهم أحزانهم. تكاد تجزم أن تلك الليلة من أسوأ الليالي التي مرت على تلك العائلة، من ضمن سلسلة ليالٍ سيئة منذ وفاة والدتها وكل ما حدث بعدها وألم العائلة. أيامهم السعيدة تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة. لكن اليوم، اليوم جدار قوي في المنزل قد هدم، اليوم حدث شرخ قوي في علاقتهم بزوجة عمهم، وخاصة حلم.
هي تقدر موقف حماتها، وأيضًا تتفهم خوف ومشكلة أختها، لكنها لا تستطيع إيجاد حل وسط يريح الجميع، وللأسف ليس بيد أحد هذا الحل. أخذت نفسًا عميقًا وهي تتذكر كل ما حدث. هي لا تستطيع أن تلوم حلم على ما بدر منها، رغم رفضها التام له. إلا أن ما حدث لا يصح بأي شكل. الإهانة التي وجهتها لراغب كبيرة وقاسية، لن يتحملها هو ولن يقبلها والداه وإخوته. ترجو من الله أن لا يؤثر ذلك على علاقتها بيوسف، وأيضًا ألا تتأثر علاقة نوار وغسان.
نوار هم آخر وسر كبير، إنها قلقة من أجلها وتشعر أن هناك أمرًا جلل حدث بينها وبين زوجها لا أحد يعرفه. أخذت نفسًا عميقًا وهي تفكر بضيق. أختها ترفض وبشكل قاطع أن تكشف عليها حتى تطمئنها على نفسها وقدرتها على الإنجاب. جميع سيدات البلدة يأتون إليها، لكن أختها ترفض وتذهب لأطباء آخرين. لولا تأكدها من حب أختها لها، لربما فكرت أن أختها تراها طبيبة فاشلة، أو ذهب تفكيرها لأبعد من ذلك.
التفتت تنظر إلى باب الغرفة وهي تفكر في حال أختيها، ثم قالت بصوت هامس يحمل الكثير من القلق: "يا ترى يا حلم، حالتك إيه دلوقتي؟ ثم نظرت إلى السماء من جديد وهي تفكر أيضًا في راغب وكيف حاله الآن، وماذا سيكون رد فعله. وتدعو الله أن يمر هذا الأمر على خير. *** يتكئ يوسف وغسان على السيارة ينظرون إلى ظهر أخيهم الذي يقف بعيدًا عنهم بعدة أمتار صامتًا.
بعد مجهود كبير في محاولة اللحاق به وهو يقود سيارته بسرعة كبيرة وجنونية، وبعد أن كانت الدماء تكاد تجف في عروقهم من شدة الخوف عليه، ليتوقف أخيرًا عند تلك الصخرة الكبيرة العالية التي تطل على البلدة بأكملها. تلك الصخرة على شكل جبل كبير يصعد إليه الشباب من حين لآخر للاستمتاع بالمنظر المهيب للبلدة، وكل ما بها يبدو صغير الحجم. ترجل من السيارة دون أن يهتم بغلق بابها، واقترب من الحافة بشكل خطر ووقف مكانه ينظر إلى الأسفل بصمت.
لم يتحدث ولم يجب على كلماتهم حين اقتربوا منه. لم يجدوا حلاً سوى تركه بمفرده، خاصة وهو في تلك الحالة. عيونه شديدة الحمرة، شفتيه مزمومتين بقوة، ذراعيه خلف ظهره يضمهما بقوة حتى ابيضت مفاصله من كثرة ضغطه على تلك العلبة الصغيرة التي تضم الخاتم. بعد مرور الكثير من الوقت، نظر غسان إلى يوسف وقال حائرًا وقلقًا: "هنفضل سايبينه كده؟ لينظر إليه يوسف بحيرة أكبر، لكنه قال موضحًا:
"اللي حصل مش سهل يا غسان. وأنا حاولت أنبهه. حلم مش طبيعية وده كلام الدكتورة النفسية. اللي حصل من حلم كان متوقع، هو اللي الحب كان بيديله أمل كذاب." صمت لثوانٍ ثم أكمل:
"نوار وعائشة صحيح اتأذوا من كل اللي حصل، لكن حلم كانت مرتبطة بمرات عمي الله يرحمها وشافت اللي حصل كله. ده غير أنها فضلت طول الليل نايمة جنب أمها وهي ميتة. كل ده مش سهل. حلم من جواها خربانة أوي ومحتاجة علاج كتير، ومحدش فينا فكر أصلًا إنه يعالجها. كلنا ساكتين طول ما الحياة ماشية. مش مهم بقى ماشية صح ولا غلط." كان غسان يستمع إلى كلمات أخيه التي تجلده دون أن يشعر. ما الفرق بينه وبين عمه الآن؟
هو لا يختلف عنه كثيرًا، هو أيضًا ظلم نوار، هو أيضًا يقتل أنوثتها وأمومتها. "عمك أثر علينا كلنا. ظلمنا وساب فينا كلنا حتة منه. يا خوفي لا نكون شبه فعلاً وتكون حلم هي الوحيدة الصح." رد غسان عليه وهو سارح فيما قام به بنوار، ليشعر يوسف أن أخيه به شيء غريب، ليقول له موضحًا: "مش لوحدك. كلنا سكتنا عن الظلم وكلنا مشتركين فيه يا غسان." لينظر إليه غسان وهو مقطب الجبين، وعاد ضميره يلومه ويؤلمه بما قام وما سيترتب عليه.
تعاظم إحساس يوسف أن أخيه به شيء غير طبيعي، لكنه لم يستطع أن يسأله. حين انتبه لحركة راغب واقترابه أكثر من حافة تلك الصخرة الكبيرة، ليركض إليه ووضع يديه على كتفه يمسكه بقوة، لينظر إليه راغب بابتسامة ساخرة وقال: "انت فاكرني هرمي نفسي من هنا ولا إيه؟ ظل يوسف ينظر إليه وخلفه غسان، ليكمل راغب كلماته: "أنا مش هموت نفسي عشانها. أنا هتجوز وهعيش وهفرح وهفرح أمك وأبوكوا بكل ما لديه من قوة."
رفع يديه وألقى بالعلبة الزرقاء في الهواء لتتهاوى أمام عيونهم في الظلام إلى القاع في الأسفل، وقال بحقد: "هي اللي هتموت من القهر، هي اللي هتدفع تمن اللي حصل. لوحدها." نظر يوسف إلى غسان بقلق، ليقترب غسان من أخيه وقال بهدوء: "راغب لازم تهدى وبلاش تاخد أي قرارات وأنت في الحالة دي." وبعدين.. ليقاطعه راغب حين نظر إليه بابتسامة ساخرة وقال: "هو الجواز حاجة وحشة يا غسان؟ مش انتوا متجوزين ومبسوطين ولا إيه؟
أنا كمان هعمل زيكم في حاجة غلط! عاد الأخوان ينظرون إلى بعضهما بقلق، ليكمل راغب كلماته: "وأمك نفسها تفرح بيا وأنا ناوي أفرحها بصراحة. والعروسة نقاوة عينها وحياتكوا." تحرك سريعًا إلى سيارته بخطوات قوية تترك أثرًا قويًا في الأرض. قادها بسرعة مشابهة لسرعته السابقة، تاركًا خلفه أخويه يحاولان اللحاق به من جديد. *** تجلس في منتصف سريرها تبكي بدون صوت، وكأنها خسرت صوتها كما خسرت حلمها.
أن تكون أمًا، أن يتحقق ذلك الحلم الجميل التي تتمناه منذ عرفت معنى كونها أنثى، منذ طرق الحب بابها وعشقت غسان وتمنت أن تحمل في أحشائها طفلًا منه يحمل من ملامحه وطباعه الطيبة وحنان قلبه، يحبها كما يحبه والده وأكثر. خبأت وجهها بيديها وعلى صوت نحيبها من جديد، وقلبها يتمزق إلى أشلاء، تشعر أنه أصبح غير صالح للنبض من جديد.
وعقلها يدور في دوائر مغلقة بين وحدة دائمة، وأن زوجة عمها بعد ما حدث من حلم لن تتهاون معها وسوف تزوجها غيره. وهي أبدًا لن تتحمل ذلك، ستموت قهرًا. ماذا تفعل؟ وضعت يدها على قلبها وهي تقول بصوت متقطع من كثرة البكاء: "يااااااااارب." *** داخل غرفة رقيه ومصطفى، كانت رقيه تقف في الشرفة تنظر إلى الباب الكبير للبيت ومكان وقف السيارات بقلق كبير.
لا تعلم حاله ابنها رغم أنها اتصلت بأخويه أكثر من مرة وطمأنوها أنه بخير رغم حالته النفسية السيئة. كان مصطفى الذي يجلس على الأريكة الكبيرة في مواجهة الشرفة ينظر إلى ظهرها، وداخله أحاسيس مختلفة مختلطة بين حزن، غضب، رفض وضيق. وأكثر ما يشعر به هو الذنب وتأنيب الضمير وإحساسه أنه مشارك في كل ما يحدث وأنه من أسباب حدوثه أيضًا.
بسبب صمته وموافقته على كل ما حدث وقام به والده، عدم وقوفه أمام أخيه ومنعه من كل تلك الأخطاء والتمادي فيها. يلوم نفسه أنه لم يأخذ موقفًا حازمًا معه، يجعله يعود إلى رشده وصوابه، حتى لو كان ذلك عكس إرادة والدها. أخذ نفسًا عميقًا ووقف على قدميه ليقترب منها، واستند بذراعيه على سور الشرفة وهو يقول: "تفتكري لسه هندفع تمن سكاتنا على كل اللي حصل ولا خلاص كده؟
نظرت إليه وعيونها تملؤها الدموع، رغم نظرة التحدي التي ترتسم بوضوح ويراها، وكأنها تتحدّاه، ثم قالت: "غلط أخوك أنا وولادي ملناش دعوة بيه يا مصطفى، ولو حكم الأمر أطلق غسان ونوار ويوسف وعائشة هعمل كده ومش هتأخر." لتجحظ عيناه من الصدمة، لكنها لم تهتم به ولصدمته، ودلفت إلى الغرفة مباشرة إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها بقوة. لينظر إلى السماء وهو يدعو الله أن يمر القادم على خير. يكفي ما حدث، وتكفي كل تلك الخسائر حتى الآن. ***
صعد بركات إلى غرفته بعد أن غادر الجميع كل في اتجاه، يشعر أن قدميه لا تحملانه. جسده بأكمله يئن ألمًا، لا يجد بداخله الطاقة لفعل أي شيء، حتى استنشاقه للهواء أصبح صعبًا وثقيلًا. يعلم أنه قد أخطأ وأبلى في حق دلال وبناتها، وأخطأ في حق العائلة التي تنهار أمامه. واكتشف أن ما قام به لم يحافظ عليها، بل كانت أول خطوة في الانهيار والضياع الذي سيحدث.
حين دلف إلى غرفته، لم تعد قدماه تحملانه ليسقط أرضًا فاقدًا للوعي دون أن يشعر به أحد. *** في عمق ظلام غرفتها وبجانب خزانتها تجلس أرضًا في تلك المساحة الضيقة، تضم ساقيها إلى صدرها. دموعها تغرق وجهها وعيونها جاحظة في الفراغ، عيونها تصور لها كل مشاهد حياتها منذ وعيت على تلك الحياة. بكاء والدتها كل ليلة وصوتها الذي لا يفارق أذنها. مشاكلها مع والدها، إهانته لها في كل وقت وحين والتقليل منها، أمام العائلة أو فيما بينهم.
ذكرياتها لمشاهدة والدها بين أحضان الغانيات، كلماته البذيئة لوالدتها ووصفها بأقذر الصفات. وحين قتلها لم يهتم، لم يكترث، وكأنها مجرد حيوان قد قتله بالخطأ ولن يحاسبه أحد عليه. وكلمات جدها وصمته على ما حدث، وكذلك صمت باقي العائلة كان أكبر دليل على ذلك.
وحفر داخل عيونها وعقلها مشاهد عودة والدها كل يوم يترنح غير قادر على الوقوف ولو لثوانٍ قليلة ثابتًا، دون أن يهتم باسم العائلة الذي من أجلها ضحى جدها بحياته ووالدتها وحقوقها. تبكي أمانًا افتقدته، تبكي حياة طبيعية حلمت بها ولم تشعر بها يومًا. حرمها من أن تكون إنسانة طبيعية قادرة على الحب والعطاء، قادرة على أن تكون عائلة سوية.
شهقت بصوت عالٍ وهي تغمض عينيها تتذكر كل مواقف راغب معها وحبه لها الواضح دون جدال، دعمه الدائم غير المشروط، لكنها أبدًا لا تستطيع أن تأمنه على قلبها وحياتها. أحنت رأسها، خبأتها بين ذراعيه، واضعة جبينها فوق ركبتيها، تبكي بصوت عالٍ، تشعر وكأنها تكاد تفقد صوتها من علو صراخها، لكنها لا تسمع صوتها ولا يصل إلى مسامعها من الأساس. لا يغادر حنجرتها، هي تصرخ بداخلها فقط.
رفعت رأسها تمسح دموعها بظهر يديها، وعيونها يرتسم فيها التحدي. أبدًا لن تصرخ بصوت عالٍ، لن يكسرها أحد ولن تسمح بذلك. هي لن تتراجع أبدًا، لن تتزوج يومًا، لن تربط حياتها برجل صُنع وخُلق من الغدر والخيانة. لن تنجب أطفالًا يعانون كما عانت هي. لن تتزوج راغب وليفعل ما يحلو له. *** غادروا ذلك المكان يتلفتون حولهم بحذر شديد حتى لا يراهم أحد.
صعدوا إلى السيارة وغادروا المكان سريعًا، غير منتبهين لكاميرات المراقبة الموجودة في المكان كنظام أمني يخص المنطقة بالكامل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!