الفصل 11 | من 21 فصل

رواية حلم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
15
كلمة
2,901
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

تجلس وهي تفرك يديها بتوتر وقلق أمام الطبيب الذي ينظر في الأوراق والتحاليل بتفحص شديد. كان غسان ينظر إليها بترقب، وبداخله يعتصره الألم من كثرة لومه لنفسه، وضميره ينبهه إلى الخطأ الكبير الذي يقترفه في حقها من جديد. يحاول منعه قبل حدوث ما سيهدم حياته كاملًا، ولكن لم يدرك بعد أن تلك الخطوة لا رجوع فيها أبدًا. وها هو بيديه يقطع جسر الرجوع.

وحين ينكشف أمره، سوف يخسر كل شيء، ولكن سيبذل كل ما بيده وما يقدر عليه حتى يظل الأمر سرًا. خلع الطبيب نظارته الطبية وقال بهدوء: –تحاليل أستاذ غسان كلها سليمة وفيهاش أي مشكلة. ابتسمت نوار بسعادة كبيرة، بسبب قلبها الطيب الحنون الذي ينحر قلبه الآن دون أن يقطر منه قطرة دم واحدة. وقالت بصدق: –الحمد لله يا غسان. ثم نظرت إلى الطبيب وقالت بأمل كبير: –طيب والتحاليل بتاعتي؟ نظر الطبيب إليها وقال بوضوح:

–مدام نوار، حضرتك عندك مشكلة كبيرة في الرحم والحمل هيكون صعب جدًا. بصراحة مفيش أمل، حتى مفيش علاج أقدر أوصفه ليكي. لتنحدر دموعها بصمت شديد. نظراتها المصدومة والتي تحمل انكسارًا كبيرًا جعلته يود أن يقتل نفسه الآن. قالت بصوت مبحوح: –يعني... يعني أنا... أنا تقصد إني...

كان قلبه يؤلمه بشدة. هيئتها، دموعها، ارتعاشة يديها وشفاهها، كل ذلك يؤلمه. هذه هي أفكاره. لماذا الآن يشعر بمرارة في حلقه وقبضة قوية تمسك بقلبه تعتصره. صوت شهقاتها المكتومة، يدها الموضوعة فوق معدتها الخاوية. كيف يقبل أن يجرحها ويكسرها بتلك الطريقة. كيف يصل كذبه إلى تلك المرحلة من البشاعة. صمتها، دموعها، نظراتها المصدومة والغير مصدقة، وانكسار روحه.

لم تستطع أن تتحدث، فقط نظرت إليه، وياليتها لم تنظر إليه. لو كانت النظرات تقتل، لوقع الآن مقتولًا. تجمعت الدموع في عينيه، ولكنها تحجرت داخلها كقلبه الذي أصبح كالحجارة أو أشد قسوة.

كان الطبيب يشاهد ما يحدث أمامه بعيون باردة، ويده تمسك داخل معطفه ذلك المبلغ المالي الكبير الذي أخذه من غسان حتى يخبرها كذبًا أن العيب منها وليس منه، ناسيا أن ما يقوم به خيانة لمهنته وشرفها، وأن الله يراه ويعلم ما قام به حتى لو لم تعلم نوار أبدًا. *** كان الصمت هو سيد الموقف داخل سيارة غسان، إلا من شهقات نوار التي تلومه وتذبحه دون رحمة. ولكن لماذا يتألم؟ أليس هذا اختياره؟ أليس هذا ما أراده؟

أن يجعلها تظل بجواره وبداخلها تتمسك به لاحتياجها له، ولأنه هو اختيارها الوحيد فقط، وأن لا يكون هناك مجال للاختيار بالبقاء أو الرحيل. لكن لديه عقبة واحدة. إذا علمت العائلة بما حدث، ستبدأ والدته بعرض فكرة الزواج الثاني، وهذا ما لن يسمح به أبدًا ولن يقبله. ويراهن نفسه أن يجعل حياتهم أفضل بسبب ذلك الموقف، وسوف يصلح الأمر بينهم. صحيح هو حرمها من أن تكون أم، لكنه سيكون طفلها الأوحد، وتكون هي طفلته الوحيدة.

وقف بها في إحدى الأماكن الهادئة، واعتدل ينظر إليها، ومد يده يمسك يدها. لتنظر إليه والدموع تغرق وجهها، وبدأ صوت شهقاتها التي كانت تكتمها يعلو ويملأ السيارة. ليضمها إلى صدره بقوة وهو يقول: –إشششش، أهدي يا نوار، أهدي حبيبتي. ظل يربت على ظهرها برفق وحنان، وعيونه تنظر إلى السماء بدعاء صامت أن يعينه الله على ما هو فيه، ويلهمه الصواب حتى يغلق ذلك الباب إلى الأبد.

ظل يضمها بين ذراعيه لوقت طويل لم يستطع حسابه، حتى هدأ صوت بكائها وبدأت في الحديث من بين شهقاتها المتتالية: –مش هخلف يا غسان، مش هعرف أكون أم، مش هعرف أجيب لك ابن يشيل اسمك. مش هسمع كلمة ماما، مش هحس بيه وهو بيكبر جوايا، مش هكون أم يا غسان، مش هكون أم. كان يستمع لكلماتها وهو يعتصره الألم، لكن قد سبق السيف العزل ولا مجال الآن للتراجع. وذلك الألم ما سيجعلها دائمًا جواره تتمسك بطرف جلبابه إلى آخر العمر. بعدها قليلًا

عن صدره وهو يقول: –أنتي بنتي ومش عايز عيال غيرك، أنا عايزك أنتِ وبس يا نوار، أنتِ وبس يا حبيبتي. كانت تنظر أرضًا ولم تستطع النظر إلى عينيه وهي تقول: –أكيد هيخلوك تتجوز عليا... والله هموت لو ده حصل يا غسان، هموت. عاد يضمها من جديد وقال بصدق كبير: –والله ما هيكون ليا زوجة تانية غيرك، ده وعد مني وأنا عمري ما خلفت معاكي وعد. أنا راجل يا نوار مش عيل بكلمة يهدم ساعدته وحياته. أنتي عندي أهم من ألف عيل.

عادت تبكي من جديد وهو يربت على ظهرها بحنان، ثم قال: –حاولي تهدي يا حبيبتي، ده اختبار من ربنا وإحنا قد الاختبار ده، وإيدي في إيدك، عمرنا ما هنفترق يا نوار، عمرنا مش كده؟! ظل يردد سؤاله الأخير عدة مرات حتى أومأت بنعم وهي داخل حضنه تخبئ وجهها في صدره. ليقول بهمس: –عمرنا ما هنفترق أبدًا. مرت دقائق كثيرة وهم على نفس الوضع حتى هدأت نوار تمامًا. ليقول هو:

–يوسف عمال يتصل بيا، مش عارف في إيه، خلينا نروح والموضوع ده سر بينا، محدش هيعرف عنه حاجة. يلا. نظرت إليه بعيونها الحمراء من شدة البكاء، ثم أومأت بنعم دون أن تنطق بحرف. ليدير محرك السيارة وانطلق بها وهو يفكر: اليوم أصبحت نوار أسيرة فضله عليها وتكرمه بالبقاء معها، وهي العقار التي لا تنجب عليه الآن، أن يطمئن، هي لن تتركه أبدًا. ***

في نفس وقت حدوث ذلك، كان يوسف يتصل بوالدته يطلب منها أن تساعد حلم في ارتداء ملابسها وتحضر بها إلى العيادة حتى يفحصها زميل له حضر من العاصمة حتى يطمئنوا عليها. لتقول له رقيه: –طيب يا ابني ما تجيبه وتيجي، محدش من أخواتك هنا وهي كمان تعبانة. –يا أمي، في كذا حد هيكشف عليه وكمان هو معندوش وقت كتير. أجابها يوسف وهو ينظر إلى راغب بغضب شديد، الذي ابتسم له بسماجة: –ماشي، إحنا جايين. قالت رقيه ببعض الاستسلام وأغلقت الهاتف.

ليقول هو لراغب: –بقا أنا تخليني أكذب يا... ولم يكمل كلماته، خاصة وهو يلقي أخيه بحامل الأقلام ليضحك راغب وهو يقول: –معلش بقا يا دوك، خدمة لأخوك الصغير. نفخ يوسف الهواء ببعض الضيق المصطنع، ثم قال: –غسان مش بيرد على التليفون. رفع راغب كتفيه بمعنى لا يعلم، والقلق واضح على ملامحه. ليكمل يوسف قائلًا: –تفتكر اللي هتعمله ده صح يا راغب؟ –معنديش حل تاني، دي آخر فرصها. أجابه راغب باستسلام وضيق، ليومئ يوسف بنعم، ثم قال:

–خلينا نشوف. مرت نصف ساعة وها هم قد وصلوا أمام العيادة، لكنها مغلقة. اتصلت عائشة بيوسف الذي أجابها: –أيوه يا عائشة. لتقطب جبينها بحيرة واندهاش، كيف يناديها بهذا الاسم ومعه صديقه. لكنها قالت: –أنت فين يا يوسف؟ إحنا عند العيادة وأنت مش موجود. –معلش يا عائشة، اطلعوا استنوني فوق، ما أنتِ معاكي المفتاح يا حبيبتي. أجابها يوسف سريعًا وهو ينظر إلى راغب شرزًا، ثم أكمل: –يلا، هكلمك تاني.

نظرت إلى حماتها وقالت ما قاله لها يوسف، لتنفخ حلم بضيق. لتقول رقيه ببعض الهدوء: –خلينا نطلع، محدش عارف ظروفه إيه. أغلق مصطفى السيارة واقترب من باب حلم وفتحه، يساعدها على النزول ويدعمها في صعودها إلى العيادة. مر أكثر من ساعة حين حضر يوسف إلى العيادة وهو يقول بأسف: –أنا بجد آسف جدًا، بس حصل ظرف طارئ لصاحبي واضطر يمشي. قال له مصطفى ببعض الضيق: –يعني تعبت بنت عمك على الفاضي يا يوسف، وهي لسه خارجة من المستشفى.

نظر يوسف أرضًا وهو يقول: –أنا بجد آسف يا حلم، بس والله غصب عني. ظلت حلم صامتة ولم تعقب على كلماته، ولكنها حاولت الوقوف. لتقترب منها رقيه ومن الجهة الأخرى مصطفى وغادروا العيادة. لتقترب عائشة من يوسف وقالت: –بتكذب ليه يا يوسف؟ رفع عينيه ينظر إليها، لكنه لم يقل شيئًا لعدة ثوان، ثم قال: –خلينا نلحقهم. وتحرك في اتجاه الباب، لتظل هي تنظر إلى ظهره ببعض الشك، ثم تحركت خلفه بصمت.

وصلوا جميعًا إلى البيت في نفس اللحظة التي أوقف فيها غسان سيارته أمام البيت. ترجلوا جميعًا من السيارات ينظرون إلى البيت المظلم بالكامل بحيرة. لكن عائشة كانت تنظر إلى وجه أختها الذي لا يفسر. اقتربت منها وهي تقول: –أنتِ كويسة يا نوار؟ نظرت لها نوار بوجه شاحب وعيون تلمع من كثرة الدموع. لكن الإضاءة القوية التي انبعثت من البيت جعلتها لا تجيب سؤال أختها.

دلفوا جميعًا إلى البيت ليجدوه مزينًا بالزهور، والأرض أيضًا مغطاة بأوراق الزهور والبالونات. صاحبة الشرائط الملونة تحمل في نهايتها شرائطها، وورد القرنفل. وفي وسط كل هذا كان راغب يقف بهيئته الرجولية التي تخطف الأنفاس، يحمل بين يديه باقة من القرنفل بها بعض الورود الجورية الحمراء. يرتدي بدلة سوداء ومبتسم بسعادة كبيرة.

تركهم يتأملون ما قام به، وبدأ يقترب بهدوء ورفق، حتى وقف أمامها ينظر إلى عمق عينيها دون أن ينتبه لوجهها الخالي من أي تعابير. ومد يده في جيب الجاكيت ليخرج تلك العلبة الزرقاء المميزة وفتحها ليظهر أمام عيون الجميع خاتم ماسي رائع ومميز. وكان الجميع ينظرون لهم بترقب وخوف وقلق، مصدومين من كل ما قام به راغب، ويشعرون بالخوف من رد فعل حلم. قال هو بصدق بعد أن جلس على ركبته الواحدة أمامها: –حلم، تقبلي تتجوزيني؟

لم تجب بشيء وظلت صامتة تنظر إليه وهو على جلسته، بين نظرات الترقب من الجميع، خاصة بركات الذي يجلس في مكانه المعتاد يتابع ما يحدث في صمت أيضًا. ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات، وبدأ راغب ينظر إليها برجاء وتوسل. لتبتسم ابتسامة صغيرة وهي تقول: –هو أنت معندكش دم مش بتحس؟ لأمتى هفضل أقولك أني مش هتجوزك ولا عمري هفكر فيك. خلي عندك كرامة وابعد عني بقا.

شهقات متتالية، بين مصدومة وساخطة وغاضبة. وقف راغب ينظر إليها باندهاش، لم يستطع الرد فقد جمته الصدمة من كلماتها الجارحة. وكانت رقيه تنظر إليها بغضب شديد وحزن على حال ابنها، خاصة وما حدث حدث أمام العائلة بأكملها. ارتسم على وجهها ابتسامة ساخرة وتحركت لتغادر من أمامه. ليوقفها وهو يقول:

–افتكري أنك انتي اللي بإيدك جرحتي قلبي اللي كان بيحبك، وهنتي كرامتي. افتكري أنك خرجتي نار جهنم، ومش هرتاح غير لما تتعذبي في جحيمها. نار قلبي مش هتحرق غيرك انت يا حلم، مش هتحرق غيرك. ظلت تنظر إليه بنفس نظراتها الساخرة، رغم خوفها وحزنها الشديد. ليكمل كلماته: –افتكري إني كنت بعشقك وكان نفسي تعيشي في نعيم عشقي، لكن أنتِ اللي اخترتي تدخلي برجلك جحيمي، وبدل ما تدوقي النعيم، هسقيكي من سقر عشقي. لتبتسم بسخرية أكثر

وهي تقول باستفهام مستفز: –وإيه بقا سقر عشقك ده؟ –جحيم فراقي يا حلم، جحيم فراقي. وتركها واقفة في مكانها، جسدها يرتعش بخوف وحزن، وقلبها يتلوى ألمًا، فهي غارقة في جحيم هواه منذ أول لحظة فهمت ووعت وشعرت بمعنى الحب، ولكنها لن تعيش من جديد مأساة أمها. غادر راغب البيت، ولحق به كل من يوسف وغسان خوفًا عليه. واقتربت عائشة ونوار منها ينظرون إليها بصدمة ورفض لما حدث، لكن لم تتحدث أي منهما. لكن رقيه لم تحتمل.

لتقترب منها وتقف أمامها وتقول بقلب أم يحترق حزنًا على ولدها: –إيه الجبروت والجحود ده؟ عملك إيه ابني علشان يكون ده ردك عليه؟ شايفه نفسك على إيه؟ في غيرك بنات كتير تتمنى ظافر رجله. وهجوزه يا حلم، هجوزه بنت تسعده وتفرحه وتخلي أيامه كلها سعادة وتداوي جرح قلبه.

ظلت رقيه واقفة تنظر إلى حلم نظرات غضب تحمل الكثير من الكره، ثم صعدت إلى غرفتها، ولحق بها مصطفى بعد أن أرسل نظرات حزن وأسف لحلم، التي تنظر إلى الأمام بصمت تام وعيونها مليئة بالدموع. ثم تركت أختيها وتحركت ببطء شديد حتى صعدت إلى غرفتها. لتنظر عائشة إلى نوار التي ابتسمت بسخرية وغادرت من أمام أختها دون أي كلمة. ظلت عائشة تنظر حولها وهي تشعر بالاختناق من كل ما يحدث لها ولأخوتها وللعائلة أجمع، وكل هذا بسبب والدها الذي لا يشعر بأحد منهما.

أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتها وصعدت إلى غرفتها. ظل بركات جالسًا في مكانه ينظر إلى البيت الخالي من حوله وهو يقول: –أجني يا بركات نتيجة أخطائك وأفعالك وسكوتك على أخطاء ابنك، وأدي العيلة اللي أنت كنت خايف إنها تتفكك اتفككت. وأدي العيال كل واحد فيهم شايل فوق كتفه ذنب كبير ميخصوش. افرح بقا باللي أنت عملته. ضيعت دم دلال هدر، وعيلتك كمان بتضيع. اتحاسب يا بركات، اتحاسب وادفع تمن أخطائك وذنوبك. ***

يجلس أرضًا مقيدًا دون ملابس، ينظر إلى من يقف أمامه بخوف وجسده ينتفض خوفًا ورعبًا، خاصة بعد ما حدث ولم يكن يتوقعه أبدًا، والكفيل بالقضاء عليه إلى الأبد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...