جالسٌ في سيارته، عيناه لا تكاد تنزاح عن تلك التي تسير أمامه تعبر الطريق بمفردها بقَدها الأنثوي وخصلاتها بلون حبات القهوة تتمايل يمينًا ويسارًا بعد أن عُقِصت بعنفٍ على هيئة ذيل حصان، الأدرينالين بجسده يرتفع بعنفٍ متأهبًا لمساعدتها. فـ عيناه راكضة بينها وبين تلك السيارات التي تأتي مهرولةً غافلين عن أن محبوبته تمر الطريق.
قلبه متعلق بفتنة عيناها، أطلق زفيرًا مرتاحًا عندما مرت ودلفت إلى شركة تعمل بها، عندما اختفت عن أنظاره. أطلق نفسًا عميقًا ثم عاد برأسه لمقعده وأنامله تطرق برتابة فوق مقود سيارته الفخمة، يتخيل إن كان مديرها يزعجها بشيء. هل يحاول التقرب منها؟ هل عيناه تلتهم جسدها بشهوة بغيضة؟ تُرى هل لامست يداها يده في سلامٍ من وجهة نظرها بريء؟ هل أعجب بعيناها البنية وملامح وجهها التي يذوب بها وإن كان لم يراها من على مقربة؟
إبيضت مفاصل كفه على المقود من شدة قبضته عليه، وسرت قشعريرة في جسده من مجرد التفكير بالأمر. ماذا ينتظر؟ سيذهب ويتقدم لخطبتها لينتهي هذا الأمر وتكن زوجته ويراها يوميًا يستفيق على وجهها وينام وهي بين أحضانه! صدح رنين هاتفه فالتقطه بمللٍ من فوق تابلوه سيارته ثم رد بجمودٍ ظهر في نبرة صوته الرجولية: -قول اللي عندك! هتف الطرف الآخر بحماسةٍ تختلف كليًا عن فتور الآخر:
-عرفت كل حاجة عنها يا فريد باشا، هي بنت بسيطة من بيت بسيط عايشة مع أمها وجوز أمها وبتشتغل في شركة تحت السلم كدا، بس اللي بيتقال عليها إنها شخصيتها قوية شويتين ومحدش يقدر عليها! إنزوى ثغره بابتسامة لا تظهر إلا على سيرة اسمها. أتلك الملامح البريئة خلفها شجاعة مهرة تحتاج إلى ترويضُه. هتف بعد لحظات صمتٍ يقول بهدوء: -اسمها إيه؟ وعندها كام سنة؟ -اسمها نور الراوي، وعندها ستة وعشرين سنة! -نور!
أعاد اسمها مجددًا على لسانه، متلذذًا بثلاثة أحرف كان وقعهم وقع سمفونية موسيقية حالمة على أذنيه. أغلق مع الطرف الآخر الخط ووضع هاتفه جانبًا، ليضغط على زر السيارة ثم تحرك بها متجهًا إلى شركته التي تُعد من أضخم الشركات بفروعها المتعددة في أغلب فروع مصر. ابتسم ساخرًا لا يصدق كون رجل أعمال مثله في منتصف الثلاثينات ينتظر فتاة لم تتخطى ربيعها الثاني بقلبٍ متلهف يحسب بالدقيقة والثانية ميعاد مغادرتها عملها ذلك!
عاد إلى نفس النقطة التي يقف بها دائمًا ينتظر خروجها. تهتز قدمه اليمين بتوترٍ ينظر في ساعته الثمينة المحتضنة رسغه. تأخر دقيقة وخمسة وأربعون ثانية. ماذا تفعل! تنفست الصعداء عندما وجدها تخرج من العمل وعلامات الإرهاق بادية على وجهها الفاتن. اقتضبت محياه بضيقٍ من ذلك الوهن الذي بدا عليها يتمنى لو باستطاعته جرها من يداه عنوةً ليريها كيف تكون الراحة، يريح بدنها من عملٍ شاق لا يليق بعذوبته.
نظر إلى الشارع حولها والذي كان في حارة لا يمر بها أحد، ويكاد يجزم أنه الوحيد الواقف في ذلك الشارع. عيناه تسير عليها وهي تسير بتعبٍ تتجه إلى الشارع الرئيسي، لتلمح عيناه شاب يبدو في مثل سنها يخرج من ذات البناية التي ولجت منها، يسير خلفها مسرعًا بملامح متوترة. ليزمجر فريد عندما وجده يقبض فوق ذراعها الغض يديرها له يتمتم بكلمات لم يسمعها. إندلعت النيران من حدقتيه فريد ولأول مرة يشعر بحرائق تشتغل في قلبه بتلك الطريقة.
هم بالنزول ولأول مرة يجعلها تراه بعد أسبوع كامل من مراقبتها، لكن لم يترجل من سيارته عندما وجد وكأن وحشًا قد تلبسها ليمحى بوادر الإرهاق من على وجهها ويتبدل بشراسةٍ جعلته يبتسم وتلك من النوادر. وصل إليه صوتها وهي تنهر ذلك الشاب تبعد ذراعها عنه: -ورحمة أبويا لو ما مشيت دلوقتي من وشي لأخلي اللي ميشتري يتفرج عليك!!
ظهر بعض الخوف على ملامح الشاب فابتسم فريد وأسند مرفق ذراعه فوق مكان فتح الباب الداخلي وسبابته أمام شفتيه ينظر لذلك المشهد بإستمتاعٍ. فها هي الشراسة يراها لأول مرة بعينيها. لكن ما هز قلبه غضبًا إصرار ذلك الشاب على مضايقتها وتعالي صوته يردف بنبرة لم يراها فريد سوى وضيعة: -إنتِ فاكرة نفسك مين يا روح أمك! ده أنا هطلع عين أهلك دلوقتي!! لم يتحمل فريد ولم ينتظر رد فعلها.
ترجل من سيارته على وجه السرعة ببنيته الضخمة التي لم تكن سوى عبارة عن عضلات عنيفة. ولأنه لم يكن يرتدي جاكت بدلته واكتفى فقط بقميص أسود التصق بجسده فجعله يتحكم أكثر بذراعيه. وفي ثوانٍ كان يقبض بكفه على تلابيب قميص الأخير يسدد له لكمة أوقعته أرضًا وهو يهتف به بصوت عالٍ: -ده أنا اللي هـطـلـع مـيـتـيـن أهـلـك دلوقتي يا خـ** شهقت الأخيرة بصدمة وتراجعت وهي تراه قد أبرحه أرضًا حتى ترجاه الأخير أن يتركه.
فهتفت فريد بلهجة قاسية: -لو شوفتك قربتلها تاني.. قول على نفسك يا رحمن يا رحيم!! -حـ.. حاضر!! دفعه فريد فزحف الأخير ليبتعد عن مرمى يديه حتى ذهب من أمامه وهو يركض وكأنه يركض من جان يود أن يتلبسه. إلتفت إلى تلك الواقفة على مقربة منه. لفظ بداخلُه "يا الله"! إن كانت ملامحها من بعدٍ فاتنةٍ، فهي من كثب باهية!
وقف صامتًا يحاول السيطرة على نظرات عينيه التي سارت بدايةً من منبت خصلاتها البنية نزولًا لأعين حائرة من نفس لون خصلاتها، وتلك الشفاه المكتنزة الذي ود لو أن يتذوق حلاوة مذاقهمها، وعنقها المرمري الذي تمنى لو بإستطاعته وصمه بعلامات كـ صك ملكيته لها. وقبل أن يتنحدر عينيه لما هو أكثر من ذلك عبر صوتها العالي على أذنه يخرجه من شرودٍ كادت أن تجعله يجن. تردف بنبرة حادة عنيفة: -إنت مين!!
ومين سمحلك تدخل وتعمل اللي عملته ده أصلًا! ولأول مرة تتلبسه دهشةً من ردة فعل إحداهن. ألن تشكره وتخبره أن لولاه لكانت الآن بيد أيادي عديم الشرف ذاك؟ ألن تخبره بأنها بالغة الإمتنان له؟ ألن تعطيه ابتسامة ودودة شاكرة؟ عادت تقول بحدة: -إنت يا بني آدم! أنا بكلمك.. ولا الكلام مش واصل عندك فوق! هتفت ساخرة من طوله مقابل قامتها التي كانت طويلة بين أقرانها لتشعر الآن بأنها أمامه باتت قزمًا. حاول الاحتفاظ بهدوء أعصابه فقال بهدوء
لم يكن سوى هدوء ظاهري: -ده بدل ما تشكريني؟ كان زمانك دلوقتي مهروسة منه!! شهقت بصدمة ليتعلى صوتها قائلة بحدة: -نــعــم!!! مين دي اللي تتهرس يا أخينا ده إنت رحمتُه مني، ده أنا كنت هخليه يندم إنه عرفني في يوم من الأيام!! -ششش!! مش عايز لَت كتير، تعالي إركبي هوصلك!! هتف وهو يشير بعينيه لسيارته ذات الباب المفتوح الذي لم يهتم بقفله بعدما رأى ما تتعرض هي له. نظرت لسيارته وبعنف صاحت به: -ركبك عفريت يا بعيد!!!
إنت شكلك مجنون وعيلتك عارفة!! أركب مع مين إنت فاكرني واحدة من اللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي ولا إيه ده أنا آآ!! بترت عبارتها مصدومًا ولأول مرة من تصرفات فتاة أمامه يقول بحدة: -إخرسي!! بكابورت زبالة اتفتح عليا ولا إيه!!!
أنا غلطان إني اعتبرتك زي أختي وجيت أساعدك ومش عايزك تمشي في إنصاص الليالي لوحدك، بس إنتِ متجيش ربع تربية أختي ولا أدبها، ما هي اللي تخرج في إنصاص الليالي وتجري الرجالة وراها تبقى زبالة واللي بيتاخدوا ورا مصنع الكراسي أحسن منها!!! ولأول مرة يشعر بأنه قد ندم على شيء. رأى عيناها تمتلئ بالعبرات المكتومة رافضًا كبرياؤها نزول دموعها. لتصمت للحظات ثم تقول وقد شعر بغصتها: -إنت بني آدم زبالة ومش محترم!
ثم استدارت وتركته تذهب للشارع الرئيسي بخطوات بطيئة. وقف مكانه ولم يتحرك خطوة واحدة. لمَ الذهاب الآن؟ كيف تذهب هكذا والدمعات مكتومة داخل عينيها لربما ستشوش عليها الرؤية، ولمَ تلك الرغبة المقيتة في معانقتها وإخفاء جسدها داخل جسده لكي لا يرى نظرة الحزن تلك بعينيها. وقف ينظر لها حتى استقلت ميكروباص وهي شاردة بالفراغ، فذهب لسيارته ليضربها بقدمه بقسوة سيارته ثم استقلها يذهب بأعلى سرعة لمكان بيتها حتى قبل ذهابها هي إليه.
صف سيارته بعيدًا عنها قليلًا كي لا تراه. فوجدها تترجل من السيارة تسير بعينيها قوة تحاول بها مداراة حزنٍ قد تغلغل بمقلتيها ليصل لقلبه فينخر به كما ينخر السوس بالخشب. تنهد بارتياحٍ عندما اطمئن من دخولها للمنزل، ليشعل محرك سيارته ثم غادر حارتها المتواضعة. *** صورٌ مختلفة بين يديه لها، يقلب بينهما بين كفيه ويقف عند كل صورة والأخرى ما يقارب النصف ساعة، يتأمل كل إنش بها ويمتع عينيه بمحياها وضحكتها وعبوسها وعنفوانها.
سار إبهامه فوق شفاهٍ يحلم بضمها بشفتيه، وكتفين صغيرين يحلم بتخبئتهما بين ذراعيه، وخصرٍ يود لو أن يطوقه بذراعيه. أعين لا تنظر سوى إليه، وخصلاتٍ يدفن بها أنفه يستنشق عبقٍ لا يليق سوا بها هي! لا.. لن يتحمل، سيذهب ويتزوجها الآن شائت أم أبت. نهض بالفعل يرتدي ثيابًا رسمية تليق به، يصفف خصلاته وينثر عطره ليترك فلته ويترجل سيارته. وفي بضع دقائق كان يصف السيارة أمام بيتها ليثير بذلك تساؤلات الجيران عن ماهية ذلك الشخص.
دلف للبناية ثم صعد الدور الثاني ورُفعت يده ليكسر الباب ولكن أوقفه صرخاتٍ مكتومة جعلت قلبه يرتج! لم يستطع تمييز إن كان صوتها أم لا لكن هنالك شعور يخبرها أنها هي. لم يطرق الباب، بل ضربه بقدمه عدة مرات حتى فُتح الباب الذي لم يتحمل ارتطام قدمه القوية به. فوجد منظرًا لن ينساه طيلة حياته.. حبيبتُه.. الفتاة التي عاهد نفسه على جعلها ملكه وبحمايته منذ أول مرةٍ رآها متكومة فوق الأرض وتآوهات متألمة تخرج من بين شفتيها.
وجهها شديد الزرقة وشفتيها بيضاء تشهق بين الحين والآخر، تنادي بصوت مكتوم: -مـ.. مامـا!!! لم ينتظر، لم يتردد حتى في الهرولة لها والجلوس على مرفقيه عيناه تسير فوق وجهها وجسدها بقلقٍ يمسح فوق خصلاتها المتعرقة الملتصقة بجبينها يبعدها عن وجهها لكي يراه بوضوح هامسًا والقلق يأكل خلايا جسده: -فيكِ إيه!!!! لم ترد عليه سوى بمناداتها لأمها بصوت ضعيف مكتوم.
أسرع بوضع يديه أسفل ركبتيها والآخر على ظهرها يحملها كالريشة بين يديه يغادر بها تلك الشقة يترجل بها من فوق السلم ولأول مرة يشعر بسرعة دقات قلبه حتى كادت تصم أذنيه. أدخلها سيارته ثم قاد هو يتراجع للخلف لكي يخرج من تلك الحارة ويذهب لأكبر مستشفى في محافظة الأسكندرية متغاضيًا عن شهقات الجيران وتساؤلاتهم عندما وجدوه حاملًا نور. وصل بها للمشفى ليترجل من السيارة وصوت أنفاسه باتت عالية من شدة خوفه عليها.
دلف بها للمشفى ليهتف إلى موظفة الاستقبال بحدة يقول: -العناية فين؟!! أسرعت الأخيرة تقول في عجلة وقد علمت هوية من أمامها: -في الدور الثاني ثواني هطلب لحضرتك سرير!!! لم يستمع لباقي حديثها بل سار على قدميه حاملًا إياها ساخرًا من تلك التي تود أن تجعلها تنام بأحضان الفراش وليس بأحضانه هو. صعد بها السلم دون أن يستخدم المصعد يحاول جاهدًا إبعاد عينيه عن وجهها.
فـ وجهها الشاحب يفزع قلبه ويجعله يود أن يضمها لصدره حتى يشعر بإلتصاق عظامها. وجد في آخر الرواق غرفة العناية فسار لها لتوقفه ممرضة قائلة برسمية: -حضرتك واخد الهانم ورايح على فين يا فندم!! -عايز أدخلها العناية، حالًا!!! قال بأعين جامدة ينظر إلى الممرضة التي ارتابت من نظراته فأسـرعت قائلة: -طيب هجيب ترولي وآجي لحضرتك. -مش هتتحط على سراير، أنا هدخلها! قال بلهجة عنيفة فـ هتفت الأخيرة بضيق:
-مينفعش يا فندم تدخل العناية، هي لوحدها لإننا بنلبسها لبس معين عشان تدخل! -طيب بسرعة!! قال بضيقٍ لا يود أبدًا إضاعة الوقت في تراهات على حساب حياتها. تركته الممرضة واقفًا في منتصف الرواق، لينظر لتلك المغشي عليها منذ أن حملها. تستند برأسها على صدره فـ يتغلغل إليه شعور غريب لم يمر به بحياته. رفعها أكثر فـ باتت رأسها فوق كتفه العريض وأنفاسها تضرب بشرة عنقه. قاطع ذاك الشعور الترولي وهو يجر بواسطة تلك الممرضة.
وضعها فوقه برفق ثم أزاح خصلاتها من فوق جبينها ينظر لوجهها للحظات ثم تركها. لتلج داخل الغرفة المجهزة، ويدلف وراءها أكثر من طبيب بعدما علموا أن المستشفى الخاصة بهم نالت شرف وجود فريد الزيات عندهم. أوقف أحدهم يقول له بمنتهى الهدوء: -لو جرالها حاجة، هقفلكوا المستشفى دي! وإنت عارف فريد الزيات لما يدي كلمة ولو متعرفش.. أعرّفك! أومأ له الطبيب يقول في توتر: -حاضر يا بيه، بإذن الله هنعمل كل حاجة عشان تبقى كويسة.
أشار له بالمغادرة فـ أسرع. جلس فريد على ذلك المقعد الذي يشبه بروده برود المكان، يستند بظهره بقلقٍ يحاول إخفاءه. تُرى ما الذي حدث لها؟ ولِمَ لم يكن سواها في البيت؟ هل قام أحد بأذيتها وتركها وحدها تعاني.. هل زوج أمها من فعل!! خفق قلبه بعنف من تخيل فكرة لو أنها تقطن من رجل وضيع يحاول التقرب منها. قلبه لم يتحمل الأمر فنهض وسار ذهابًا وإيابًا في المشفى، وتلك الفكرة تكاد تفجر رأسه.
لم يستطع الصمود وخرج من المشفى يدفع لموظفة الاستقبال تلك ثم وقف بعيدًا عن مبنى المشفى يدخن سيجارة تلو الأخرى يخرج بها غضبه واضطراب تفكيره. يقسم لو حدث وكان ذلك الرجل السبب في أذيتها سيقتله ولن يتردد!! دخل للمشفى بعد ساعة ليصعد في المصعد ثم ذهب يجلس لثوانٍ قبل أن يخرج الطبيب. فنهض يردف بثبات: -كويسة؟ هتف الطبيب بضيق مما رأى:
-هي كويسة، بس آثار الضرب اللي على جسمها مهداها جدًا، هننقلها غرفة عادية عشان حضرتك تقدر تشوفها! لم يستمع فريد لباقي حديثه، فقد توقف عقله وصمتت أذنيه عندما استمع لأول جملته. لتستوحش محياه.. أي آثار ضرب؟ من تجرأ وفعل!! كيف بتلك الشخصية التي تمتلكها تقبل أن يضربها أحد، من تجرأ على الاقتراب منها ومسها بسوء وهي تخصه، أذيتها تعني أذيته. يقسم أنه فور ما سمع جملة آثار الضرب تلك وجسده أصبح يؤلمه وكأن جسده هو من ضرب.
رآها تخرج على الفراش وهي لازالت لم تستفيق. دلف خلفها الغرفة العادية، ثم مال يحملها ينقلها للفراش الآخر. فخرجت الممرضة من الغرفة تغلق الباب خلفها. سحب هو مقعد وجلس جوارها، عينيه تتفحص هيئتها يبحث عن تلك الآثار، لكن ذلك الرداء الطبي حجب كل شيء. زاح ذلك الغطاء الطبي من على خصلاتها فـ انساقت جوارها. ربت فوق شعرها يحادثها بصوت امتلئ ضيقًا: -مين.. مين اللي عمل فيكِ كدا واتجرأ يقربلك؟
ميعرفوش إنك تخصي فريد الزيات.. وإني مش بسيب حاجة تخصني!! -مين ضربك.. وأنا أقطعلك إيده اللي اتمدت عليكِ! يمسح فوق خصلاتها برفق يرى لون وجهها الطبيعي يعود شيئًا فشيئًا. ظل على هذا الحالة ساعة كاملة حتى همهمت بألم تستفيق وهي تتآوه: -آآآه.. آه!! تلك التآوهات التي تنبثق من بين شفتيها تؤلم قلبه. أبعد كفه عن خصلاتها كي لا تفزع منه. فوجدها تفتح عينيها تحاول الاستناد على مرفقيها تقول بوجع جسدي فائق: -آآه.. أنا.. فين!!!
-إهدي.. إنتِ معايا! قال بهدوء فـ التفتت له تنظر لملامحه بأعين ضاقت وهي موقنة أنها رأت هذا الوجه من قبل. اعتصرت ذهنها فضربها الصداع أكثر فـ أنَّت لتغمغم وهي تعود برأسها للخلف: -عايزة أمشي.. القسم.. عايزة أروح القسم!!! قال بجدية: -وتروحي ليه.. القسم كله ييجي لحد عندك!!! لم تستوعب كلماته تحيط برأسها بألم رهيب، فـ تابعها بعينيه يقول بقلق: -راسك واجعاكِ؟ أومأت بأعين زائغة فـ ضغط على زر جوارها لتأتي الممرضة فـ قال لها:
-هاتي حباية مسكن، وفرخة مسلوقة بشربتها بسرعة! -حاضر يا فريد باشا! ثم غادرت. نهض فريد يجري اتصالاته جوارها التي ظلت تنظر أمامها بحسرة تتذكر ما حدث فتتألم قلبها أكثر. انتهى من حديثه على هاتفه ونظر لها فوجدها على تلك الحالة ليجلس على المقعد يناظرها بهدوء مستندًا بظهره على ظهر الكرسي. لا يود أن يفتح معها ذات الموضوع رغم احتراقه لمعرفة ما حدث. طالعته هي وعندما تذكرت أين قابلته صدمت. لتردف بصوت اهتز: -إنت.. إنت مين؟
وإزاي وصلتلي وليه جبتني هنا؟ لم يجيبها بل ظل ينظر لها نظرات أربكتها. فأشاحت بعينيها عنه بضيق وقد علمت أنه لا يجيب. وبحركة خاطئة نهضت بها نصف جلسة فجأة وفاجأت جسدها فـ شعرت وكأن ماء نارية سقطت على جروح ظهرها لتتآوه بصوت عالٍ مغمضة عينيها: -آآآآآه انتفض من فوق مقعده يجأر بها بغضب وهو يضع خلف ظهرها وسادتان: -غـبـيـة!!!! حاوط كتفيها وأراح ظهرها برفق على الوسادات. فأسندت ظهرها تعود برأسها للخلف متمتمة بحدة وعيناها مغمضة:
-إنت اللي غبي.. ومعندكش دم آآه!! ابتسم يجلس مجددًا وهو يقول ببرود: -لولا القطر اللي داس عليكي ده.. أنا كان زماني كملت عليكِ!! كم كاذب هو، يكمل على من؟ أيستطيع أذيتها! أيستطيع أن يمسها بسوء أو يعنف جسدها الذي يتمنى أن يضمُه لجسدها ويمسح عليه بحنوٍ!!! بللت شفتيها وتغاضت عما قال لتردف بظمأ رهيب: -عطشانة.. أوي!!
صب لها من الماء الموضوع على الكومود جوارها ونهض يقترب منها ليضع كف خلف رأسها والآخر ممسك بالكوب يضعه بين شفتيها لتشرب منه.. وكم حسد ذلك الكوب الذي استطاع لمس شفتيها واستشعار نعومتهما. انتهت من الكوب فأبعده عنها ليرى قطرة تنزلق من شفتيها تركض مسرعة على ذقنها فـ أسرع يزيل تلك المتطفلة بإبهامه فوق جوار شفتيها. شهقت ونفضت يده بعنف فـ تبسم بإستمتاع من نظراتها الشرسة التي عادت تنظر له بها. لتقول بصوت حاد:
-إياك تلمسني، إنت مين عشان تجيبني هنا وتفضل قاعد معايا والأوضة مافيهاش غيرك ونقفل علينا باب، رد عليا مين إنت عشان تعمل كل ده!! جلس واضعًا قدم فوق الأخرى وقال بمنتهى الجدية: -جوزك.. المُستقبلي!!! شهقت مصدومة من جرأة ما يتلفظ به. لصرخ به بقوة: -ده بُــــعــــدَك!!! -هنشوف! قالها بتحدٍ فـ اشتعلت عيناها أكثر ونظرت أمامها.
راقبه هو عن كثب حتى أغمضت عيناها بتعبٍ لكن فزعت عندما طرق الباب بعنفٍ وانتفض جسدها كـ طفلة أوشكت على النوم فأتى طارق مزعج أقلق راحتها. ابتسم وهمس دون أن تسمعه: -اسم الله عليكِ!! نهض ليفتح الباب فوجد ضابط يجاورُه أكثر من أمين شرطي. رحب به الضابط بحرارة فجلعه فريد يدلف. أسرعت هي تناظر الضابط بلهفة تقول مسرعة: -بعد إذنك أنا عايزة أحرر محضر!! -بإسم مين يا هانم! قالها الضابط باحترام فاستغربت اللقب الذي أطلقه عليها
ولكن تغاضت عنه لتكمل: -نور.. نور الراوي!!! -طيب قوليلنا اللي حصل! نظرت له بتوتر ثم نظرت إلى ذلك الغامض لتجده مستند بذلك المنكب العريض فوق إطار الباب يكتف ذراعيه بهدوء ينظر بترقب لما ستقول. همهمت نور للضابط تردف بضيق: -ممكن يطلع برا؟ لم يسمع فريد ما قالت فـ اعتدل بوقفته ليلاحظ ارتباك الضابط يهمس لها مقربًا وجهه من وجهها فـ اشتعل قلب فريد ليضرب على إطار الباب صائحًا بهما: -إنتوا هتفضلوا تتوشوشوا كدا كتير!!!!
محاضر إيه دي اللي بتتعمل بالوشوشة!! أسرعت نور هاتفه باضطراب وعنف: -لو سمحت تطلع برا، أنا مش حابة أحكي حاجة وإنت موجود!!! طالعها بهدوء للحظات، ليقول بعدها بحدة: -مش هطلع وأسيبكوا مع بعض، هقف بعيد!! قالها بضيقٍ ثم وقف في شرفة الغرفة ينظر لهما وهي تتحدث لذلك الضابط عما حدث، يود أن يسمع ولكن صوتها خافت. أعطاهما ظهره يضرب بكفه فوق سور الشرفة، حتى مرت نصف ساعة. لينتهي الضابط ينظر لـ فريد قائلاً برسمية:
-المحضر اتسجل يا فريد باشا، ادو الإجراءات اللازمة هتتاخد!! نظر فريد إلى الممرضة التي انشغلت بها نور، ليخرج مع الضابط قائلاً بهدوء: -هات المحضر يا رياض!! نظر له الضابط بتردد ليغمغم: -بس آآآصمت وشعر بلسانه قد تكبل عندما وجد نظرة من فريد جعلته يمد له المحضر. فهو يعلم فريد الزيات ويعلم أن أقل فعل لا يروق له سوف يكلفه حياته، هو أخطر بكثير مما يتخيل أي أحد! قرأ فريد كلماتها ليغمض عينيه وقد تأكد ظنه.
هو من فعل ذلك، تعرض لها، وضربها حتى أدمى جسدها، لم تستطع الدفاع عن نفسها لأنه قام بربط كفيها ليستطيع ضربها! ولولا صراخها و فرُه هاربًا لكان تطاول عليها أكثر!! وبجمود ظاهري، مزق ورقة المحضر أمام نظرات الضابط الذي صدم من ردة فعله ووقف أمامه مشدوهًا. ليقول الأخير بهدوء محتفظًا ببقايا الورق في جيب بنطاله: -آسفين على الإزعاج يا رياض، اعتبر إن المحضر ده ما اتكتبش واللي اتقالك ده.. إنت مسمعتوش!! -لـيـه!!
هتف رياض وهو بات موقنًا من أن ردود أفعال فريد الزيات ليست أبدًا متوقعة. لم يجيبه فريد بل ضرب على جانب كتفه بهدوء ثم قال: -متهيألي إنت سمعت اللي قلته.. ومتهيألي برضو إنك عارف إن فريد الزيات مبيكررش كلامه! ثم تركه ودلف للغرفة دون أن يطرق الباب. فـ شهقت نور التي كانت ترتدي كنزتها بمساعدة الممرضة. فورما رأته أنزلت الكنزة فورًا على معدتها تحمد ربها أنها كانت نصف مرتدية إياها.
غفلت عن عينيه فريد التي التقطت ذلك الجزء من معدتها الذي ظهر منها. نظر للممرضة التي أخذت تلملم ما كانت ترتديه نور لتلقيه. فـ رماها بنظرات ضائقة من كونها قد سمح لها رؤية جسدها ببساطة. أشار لها بالخروج فـ فعلت. لينظر لـ نور التي طالعته بتلك الأعين المشتعلة تقول له بضيق: -متشكرة أوي لخدماتك لحد هنا، مش عايزة أشوف وشك تاني بقى!!! أخذ خطوات هادئة نحوها فـ وقفت صلبة في مواجهته ولم تتقهقر.
ليقف أمامها مباشرةً وهتف بابتسامة بسيطة لا تنكر أنها أخافتها: -إنتِ عارفة لو لسان حد غيرك اللي نطق الجملة دي أنا كنت عملت فيه إيه!! كتفت ذراعيها وهتفت مبتسمة ابتسامة استزازية: -وريني هتعمل إيه! -أنا فعلًا هوريكِ.. بس لما أتجوزك!! هتف يحاول قدر الإمكان ضبط أعصابه. صرخت نور به بحدة: -تـ إيـــه!!! تتجوز مين يا جدع إنت! إنت شكلك مجنون وجاي تطلع جنانك ده عليا! بقولك إيه!! روح يلا شوف طريقك وسيبني!!!
وفي لحظة كان ممسكًا بذراعها بقسوة ليجرها خلفه. صرخت نور تحاول نزع قبضته تصرخ به كي يتركها وهي ترى نفسها منساقة خلفه يمرون في ممر المشفى. ليقف بها أمام المصعد حتى انفتح وسط صرخاتها. لم يشعر فريد بنفسه وهو يدفعها ضد حائط المصعد ولأول مرة تنفلت أعصابه أمام شخص يصرخ بها بعنف: -إخــــرســي!!! نفَسِك مش عـايـز أسمعُه!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!