بما أن الكنبة مكنتش شلينى فجسمك كفانى. وعلى فكرة أنا عاوزة أبقى مراتك بجد، حتى لو أنت مش عاوزني فأنا عاوزاك. أول ما تخف عاوزاك تتمم جوازك مني، أنت حقي وأنا عاوزة الحق ده. أنت قولت أنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس عشان كده محرمني عليك، بس أنا شايفاك غير ما أنت شايف نفسك. أنت طاهر ونقي، حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك. بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض.
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره، وأبصرت بخضرويتيه التي تهتز بارهاق القلب والجسد من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه. مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر، كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل. هجين أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما. هجين أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد. صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف.
فكان الاقتحام حليف "جواد" الذي عانق وجنتها بيده المتعافية، وحذب وجهها إليه برفق، ليقبض على وردتيها بقبضان لوعته بها. داخل ملحمة غرامهما فوق الأريكة المشتعلة بنيران جرف القلب، دق هاتفه برقم اللواء. فحاول فك حصارهما بجيوش تابه ذلك البعد، لكنه لم يكن أمامه سبيلا آخر، خصوصاً عندما عاود اللواء الاتصال مرة أخرى. فتبعد عنه بعدما قاله، تزمنا وهو يلهث أنفاسه: لازم أرد، ده اللواء. جلس على الأريكة وأمسك بهاتفه مجيباً ببعض
الثبات وإظهار بصوت رآسي: الو أهلاً يا فندم. اللواء بـستفسار: مالك بتنهج كده ليه يا حضرة الظابط؟ حاول ضبط أنفاسه: مفيش يا فندم، كنت بجري شوية. بـتجري الساعة اتنين بعد نص الليل يا "جواد". هتف بـرسمية ممزوجة بـغمرة لحظتهما: ما هو الجري مبـيحلاش غير بـالليل يا فندم. هتف الآخر بسخرية وكأنه يدرك ما يحدث: والجري عجبك، ناوي تكمل ولا هتكتفي؟ نظر بـلهفة إلى "ريحانه" التي تلهو بأطرافها على عنقه:
والله يا فندم الجري مفيش منه، بس لازم أكتفي لحد كده عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص. لأ ما هو باين من صوتك. المهم عايزك تركز معايا شوية وتسمعني. أشار لها بعينيه للإبتعاد عنه قليلاً ليستطيع التحدث. فـضيقت عينيها بـطفولية رافضة أمره. روحت فين يا "جواد"، ما ترد عليا. هتف بـستفسار، فـقاله الآخر: معاك يا معالي الباشا، أتفضل. ياترى قدرت توصل لمدخل "للبارون"؟
ارتعد بـلهيب لمساتها حينما شعرا بأطرافها تتغلغل أسفل ملابسه العلوية، فحاولا الثبات الصوتي بقدر الإمكان: المداخل كلها متاحة، بس على الله هو يتهد شوية. اللواء بـستيعاب: يعني أعتمد عليك ولا أسلم القضية لحد غيرك؟ لم تكف عن الهو فوق تقسيمات معدته، فجذبها من عنقها ناظراً داخل عينيها بـستياء بسبب تلك الحركات التي ترهقه، مجيباً بـرسمية: أنا قتيل القضية يا فندم، بس على الله الخصم التاني يعرف أن كل حاجة بأولها. اللواء بـرسمية:
لازم تعمل احتياطاتك كويس، الخصم مش سهل يا حضرة الظابط. هتف عندما تمردت على مسكته وأفلتت عنقها منه، معاودة مداعبة لحيته: ده طلع مش سهل خالص والله، شكلنا كده داخلين على أيام فرهدة. المهم أنك تعمل كل اللازم عشان تتجنب أي هجوم أو تدخل يبوظ مهمتك. الهجمات هتجبلي ساكتة قلبية والله يا فندم. اللواء بـستفسار: أطلعني على التقرير يا حضرة الظابط. هتف بـبعض الثبات الصوتي: لأ، دي تقارير خاصة جداً، ممنوع حد يطلع عليها غيري.
اللواء بـرسمية: هي إيه اللي تقارير خاصة، بقولك اطلعني على تقرير قضية البارون. وقفا مبتعداً عن الأريكة ليستطيع إجراء تلك المكالمة، هارباً من لمساتها التي تجعله يذوب مثل السكر بالمياه: معلش يا فندم، القواضي دخلت في بعضها. اللواء بـستفسار: أنت شايف إيه بخصوص المهمة؟ نهضت محررة شعرها البني الغجري ليسقط على أكتافها بشكل أنثوي جعله يردف بـلبكة: شايف أني داخل على اقتحام، ربنا يستر.
اقتحام إيه، مش لما ندرس القضية الأول ونحط الخطط كويس وكل فرد يشوف مكانه هيبقى إيه في المهمة؟ لأ، كل واحد ومكانه إيه. المهمة دي خصوصاً مينفعهاش غيري، دي مهمة خاصة جداً. زمجر اللواء بقولا: يعني إيه خاصة جداً، دي مهمة أمن وطني، مهمة بتدمر بلد بحالها. وقفت أمامه محاصرة عنقه بـيدها، تقترب من فمه بـغمرة عشقاً، فقاله بـلهثة أنفاس رغم محاولات صموده: دي دمرتني خالص يا فندم. اللواء بـستيعاب: دمرتك؟
هو أنت لسه عملت حاجة يا ابني؟ ده أنت لسه بتدرس القضية. فك حصارها مبتعداً خطوة للوراء: درستها والله يا فندم، بس طلعت صعبة وعايزة كفاءة عشان أثبت وجودي. اللواء بـرسمية: أتمنى دا، عشان شكلنا هيبقى وحش جداً قدام سيادة الوزير. تنفسا بـاسترخاء بعدما تركته ودلفت للمرحاض:
متقلقش، ساعتك هشرفك. أما بالنسبة لآخر التقرير، أنا قدرت أوصل لمعلومات مهمة. "البارون" بيخطط لاستلام شحنة سلاح جديدة. لو قدرنا نحدد مكان التسليم، اعتبر البارون خلص خلاص. ده خبر كويس جداً، بس عايز سرية يا "جواد". الخبر ما يتسربش لحد نهائي. أكيد يا معالي الباشا، من غير ما تقول. اللواء بـستفسار: عايزك تجي لي بكرة مكتبي أول ما توصل، لأن خلاص مفيش وقت، لازم نبقى سابقين خطوة البارون. مينفعش يفلت مننا المرادي.
متقلقش يا فندم، والله ما هعتق أمه، هو بس يدخل المصيدة وهتكلك عليه بالقوي. اللواء بـرسمية: أنا واثق من كفاءتك وقدراتك. المهم عندي المهمة تتم بنجاح وميـحصلش أي خلل. أحنا مش ناقصين نسمع لنا كلمتين ملهمش لازمة من معالي الوزير.
بتلك اللحظة المنفردة بـالحديث الجاد، طلت عليه من الحمام بـمنامتها الحريرية السوداء، تلك المنامة التي أذابت أكثر جبال صموده، بالأخص عندما جلست على التخت بدلال. فحاول الحفاظ على بحته التي تلونت بـالأرهاق: المهمة دي ربنا يستر عليا منها والله. شكلي كده هعمل حظر تجول عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص. تبسم اللواء بـدعما: أنا واثق فيك، أنت قدها وقدود، ومـتأكد أنك هترفع راسنا قدام الوزير. تنهدا بـبعض الثبات:
أتمنى والله يا فندم. المهم عاوزك تركز وتصفى ذهنك. عايزك تبقى حاسب حساب كل خطوة بتاخدها عشان ما تقعش في المحظور. فرك جبهته محاولاً ترويض مقلتيه عنها: ما هو اللي مكلبشني مكاني كده، خوفي لأقع في المحظور وأوسخها معايا. اللواء بـستفسار: هي إيه اللي توسخها معاك؟ تحمحم بـإدراك مصححاً حديثه: المهمة طبعاً، يا معالي الباشا. اللواء بـرسمية:
عشان كده بقولك تاخد حذرك ومتديش الأمان لأي حد. خليك فاكر أن دي مهمة في غاية السرية وممنوع منعاً باتاً اطلاع أي حد على التقرير. أعتلت الغيرة عينيها الخضراوية بضوء الشمس الحارقة لكيانه: تقرير مين اللي حد يطلع عليها؟ دي اللي هيفكر يعمل كده والله أموته مرعوب. تنهدا اللواء بـرسمية:
تمام، على خيرة الله. متنساش تجي لي بكرة بدري، مش عايز كسل ولا تأخير يا حضرة الظابط. أنا عارف أن المهمة دي هتتعبك شوية، لكن النجاح اللي هتحصده يستاهل التعب. تنهدا بـأرهاق جسدي من تلك الأنثى المسطحة أمامه بـدلال: هي تعبتني شوية بس يا فندم، ده أنا ربنا اللي عالم بيا. اللواء بـبسمة: كل التعب ده هيروح لما المهمة تتم بنجاح. تتم إيه دي، لو تمت هبقى وقعة في المحظور. أنا بفكر أكلبش نفسي لحد لما المهمة تتهد وتنام.
ضيق عينيه بـتساؤل: أنت بتقول إيه يا حضرة الظابط؟ هتف بـرسمية لتصحيح موقفه: قصدي يعني أني هكلبش نفسي في الشغل لحد لما المهمة تخلص. اللواء بـرسمية ممزوجة بـالمكر: ربنا يوفقك. وبقولك إيه، بلاش جري النهارده تاني. متنساش أن دراعك متصاب وورانا شغل مهم الصبح. فرك مدمع عينيه بـتنهيدة أرق:
والله يا معالي الباشا بـقول نفس الحاجة، بس هنقول إيه بقى، الطريق سحلني معا لحد لما قطع نفسي. بس متقلقش، اعتبرني نمت، كلام ساعتك أوامر يا معالي الباشا. أطفأ الهاتف واستدار للججهة المعاكسة لها ذهباً لأريكته ليفر بالنوم منها، لكنها سألته بـاستفهام مغمغم بـالرقة: هتنام بعيد ليه؟ المنطقة عندك ملغمة وأنا مش ناوي أموت قبل ما أتأكد من توبتي. نهضت من حديثه بـبحة لاذعة: وناوى تتأكد من توبتك إمتى يا حضرة الظابط؟
مدد جسده فوق الأريكة، مخبئ عينيه بـذراعه ليتفادى ضوء القمر: لما ربنا يريد يا "ريحانة". شعرت بـالجفاء من أقوله، فشدت الغطاء على جسدها بـاستيعاب مرير تحتويه بحة واثقة: لو مفكر أنك جامد وأعصابك تلج، فمبقاش بنت حواء إن مسيحت التلج وخليتك تدوب فيا زي ما الإيس كريم بيدوب في البسكوتة. قولي يارب. أجابته، لم تغير شيئاً، فغفت لتتفادى حزن قلبها.
وباليوم التالي، كانت تجلس بحجرة المعيشة تخبر "نسمة" بما حدث بينهما بـستياء. فقالت الأخرى بـشكا: مش عارفة أقولك إيه، بس "جواد" ميطمنش. منين عملتي اللي قولتلك عليه وبدأت أنت بـأول خطوة، ومنين هو فضل ثابت ومكمل في بروده ده؟ لو كان لوح تلج كان ساح يا بنت. تلونت مقلتيه بـالحزن، فعزمت قائلة: أنا قولتلك إني مش فارقة معاه، بس أنت اللي قولتلي حاولي وهـو هيحس بيكي. ربتت على مرفقها بـدعما:
هيحس قريب قوي، بس الأول لازم نتأكد أن كان بيبعد عنك عشان زي ما بيقولك شايف نفسه مدنس، ولا عشان حاجة تانية؟ حاجة تانية زي إيه؟ ملوش في البنات مثلاً؟ إزاي وهو كان متجوز "نهى"؟ عادي، ممكن يكون متجوزها عشان تكون ستارة لمشكلته عشان محدش يعرف أنه ليه ميول للشباب. نفت بـرفضا: لأ، شباب إيه؟ "جواد" باين عليه راجل أوي. طرحت سؤالها بـستهزاء: وأنت عرفتي منين إنه راجل؟ عشان يعني طويل وعريض وعنده عضلات؟
دي كلها مظاهر على الفاضي، متبقاش عبيطة. راوضها الشك، فتغلبت على رفضها بقولا: حتى لو كلامك صح، هنتأكد إزاي؟ هنتأكد إزاي دي سيبها عليا. نظرت لها بـستفسار، فتبسمت الأخرى بـتفكير. ولم تمر سوى عدة دقائق، وكان "مرعي" يجلس أمامهم، يقطب حاجبيه بـستفسار: أنا لحد دلوقتي مش فاهم أنتو عايزين مني إيه؟ نسمة بـاندفاع: بصراحة كده يا "مرعي"، عايزينك تبقى بتاع رجالة. أحيه يا أبو سوسو، أحيه. بتاع رجالة ليه؟
يا ست البنات، شكلي ميديش إني راجل ولا ناقصلي شنب ولا إستغفر الله العظيم. متخلوش الواحد يقول كلام ميصحش بقى يا جدعان. نسمة بـتمهيد: أنت فهمت كلامنا غلط. إحنا عايزينك تعمل نفسك بتاع رجالة عشان نعرف "جواد" ميته إيه، ليه في البنات ولا بتاع رجالة. حرك رأسه بـصدمة مغمغم بـالقلق: "جواد" باشا؟ نهار أسوح يا جدعان. أنتو شكلكم كده عاملين دماغ على الصبح. هو مين ده اللي ملوش في الحريم؟ نسمة بـتنهيدة يأس:
الموضوع مريب. عشان خاطرنا اسمع كلامنا وساعدنا عشان نشوف حياة المسكينة دي هتمشي إزاي، عشان خاطرنا يا "مرعي". "مرعي" بـقلق: أنا مش فاهم حاجة خالص. نسمة بـطلب: مش مطلوب منك تفهم حاجة دلوقتي. المهم عايزاك تدخل دلوقتي عند "جواد" أوضة النوم وتحاول تغريه، وهنقف نراقبكم وهنشوف بقى هو هيعمل إيه، هيتجاوب معاك ولا هيصدك. "مرعي" بـستفسار: أغريه؟ هي وصلت للإغراء؟ ودا أغريه إزاي؟
أوريه سيمانتيه اللي شبه رجل المعزة اليتيمة ولا أغريه بشعر صدري؟ وبعدين ده لو حصل معجزة واتجاوب معايا، أنا بقا هيبقي وضعي إيه؟ أمشي في طريق الزلة وأقف على نواصي شارع الهرم أشقط رجالة. كبتت نسمة بسمتها بقولا: متقلقش، لو اتجاوب هندخل ونحل الموضوع بسرعة، بس يلا بقى عشان خاطرنا، بليز يا "مرعي"، بليز عشان خاطرنا. "مرعي" بـقلق:
خاطركم على رأسي، بس اللي بتطلبوه مني هيبعتني ملفوف لفة هدية للمدفن جانب حرامية الكفن، يعني سودا دنيا وآخرة. نسمة بـتنهيدة: بلاش تكسفنا بقى، عشان خاطري، أنت موافق؟ رغم أن الأمر كان مريب وشائك، إلا إنه لبى الأمر ونهضا قائلاً: حضرولي الكفن، مش هتأخر عليكم، كلها دقايق وتلاقوني نازلكم محذوف من أول دور.
نهضتا برفقته وصعدوا جميعاً للطابق العلوي، ودلف "مرعي" إلى غرفة "جواد" بعدما طرق عليه الباب والإذن الآخر له بالدخول، وبعد دخوله ترك الباب موارب قليلاً لتتمكنه من مشاهدة ما سيحدث. وصار "مرعي" حتى وقفا خلف "جواد" الذي يقف عاري الصدر يضع ضمادة جديدة على جراحه. خير يا "مرعي"، عايز إيه على الصبح؟ هتف دون النظر له، فتنهدا الآخر بـخوف يأكل جسده:
مفيش، أنا كنت جاي أطمن عليك. كويس أنك جيت، بقولك إيه، امسك الشاش لفها لي على الجرح، مش طايلها من على ضهري. حاضر يا باشا. أخذ الشاش منه وبدأ بـمحاوطة الإصابة به، مع ملامسة أطرافه لظهر الآخر الذي تسأل بـرسمية بعد عدة ثوانٍ: مالك يالا، إيدك مش مظبوطة كده ليه؟ بلع لعابه بـربكة: مفيش حاجة، أنا تمام، بس هو الجو حر كده ليه؟
حاول خوض الأمر ليكشف المستور كما طلبت منه، فـابتعد خطوة للوراء بعدما انتهى، وحرر أزرار قميصه ونزعه منه عليه وحذفه. أقتربا خطوة من "جواد" متحدثاً ببحة منخفضة ممتزجة بطريقة لعوبة: "ايه رأيك في شعر صدري؟ قطب جواد جبهته بخشونة: "يقرف، تحب أنتف هولك مالك يا لا؟ مش على بعضك ليه؟ رغم قلبه الملئ بالخوف لكنه أكمل قائلاً: "مالي، ما أنا زي الفل أهو، هو أنا مش عاجبك ولا إيه؟ فرك جانب أنفه حانقاً:
"بالله يا زفت أنت لو مظبطش هاخدك على القسم وهظبطك ظبطة ميري تطلع ميتين أهلك." مرعى بادقاً للدور تراجع، ومد جسده على الفراش بصعوبة: "أنا مش عارف امتى بس هتحس بيا ودلعني وتعملي اللي نفسي فيه." "اللي نفسك فيه يا روحمك، هاخلي ناس متخصصة فيه تعمل هولك، بس مش هنا، في المكان المناسب عشان تتمزج." "آسي أوي يا جواد بجد." هتف بنعومة في صدره. قهقهت من الفتاتين، فلمحهما "جواد" بطرف خضرويتيه، فأدرك ما يحدث.
فقرر مجاراتهم في تلك اللعبة. ثم رسم بسمة مليئة بالإغواء إلى "مرعى"، وبدأ بفك حزام بنطاله، تزامن مع اقترابه من الفراش: "آسي بس هكيفك يا مرعى، استعد بقى للسرير اللي هيولع بينا يا جميل." اتسعت مقلتيه الآخر بذهول، تزامن بقوله: "دي آخرة اللي يسمع كلام النسوان يا مرعى، آخرتها اغتصاب علني، يا فضحتك." تدلى الخوف من عيني "مرعى" حينما زاد اقتراب الآخر الذي نزع حزام بنطاله وجلس على حافة الفراش مائلاً إليه، فتراجع
الآخر بخوف أشد بقوله: "نـهار اسوح، هو الكلام بجد؟ لوح بعينيه للجهة المعاكسة ببحة أشد برودة من الثلج: "دلوقتي لو أنت قمت تجري مني، الست نسمة هتقول عليا دا "جواد" طلع بجد شاذ، برغم إني مش هبقى قربتلك، بس هتقول كده وتأكد الموضوع عشان تثبت وجهة نظرها لمراتي، مش كده يا نسمة هانم؟ ابتعد عن "مرعى" الذي زفر أنفاسه براحة وفرحة. أما نسمة فدخلت بعدما علمت بأنه كان يراهما. فاقترب "جواد" منهما متحدثاً بسخط: "ايه ساكتة ليه؟
ما تتكلمي وقولي تقريرك عني، يلا سمعي مراتي آخر آرائك في جوزها إن كان راجل بجد وهييعرف يديها حقوقها، ولا هيطلع زيه زيها وتاخدها من قاصرها وتشوفلها واحد غيره يبقى راجل بجد." تدلت العبارات من فمها باستفسار: "أنا مكنش قصدي إنك تفهم الموضوع بالشكل دا، كل الحكاية إن "ريحانه" صحبتي وبتصعب عليا، كل ما تقرب منك تصدها وتبعدها عنك، كأنك فيك مشكلة جسدية منعاك من إنك تمارس حقوقك معاها." هتف بسخط: "وأنت مالك؟
أمارس حقوقي ولا ممارسهاش؟ الموضوع يخصك في إيه؟ دي أعراض وخصوصيات يا متعلمة." تدخل "مرعى" بجدية: "الست نسمة ما قصدش، هما بس كانوا قلقانين عليك." نظر له بضيق: "أنت اكتم خالص، بقى رايح تساعدهم دا بدل ما تهب فيهم وتمنعهم عن الغباء اللي عملتوه." "مرعى" باستفسار: "ما هو أنت برده أمرك يحير يا باشا، حوار إنك مش عايز تقرب من الست بتاعتك يقلق." زاد حنقه فردف بغضب: "بالله كلمة زيادة في الموضوع دا وهدور فيكم الضرب، ولا ضرب ليه؟
أنا أنام مع السنيورة مراتي قدامكم عشان تتأكدوا بنفسكم إن كنت راجل ولا لأ." نسمة برسمية: "جواد، أنا مكنتش عايزة كل دا يحصل صدقني." "اخرجي على بره يا نسمة واختصريني اليومين دول عشان مزعلكيش زعل وحش جامد مني. أما أنت بقى يا مرعى فحسابك معايا بعدين، يلا غورو بره مش عايز أشوف حد منكم يلا." تسارعت أقدامهم بالخروج من غرفته، فـأسرع بغلق الباب بقوة هزت وجدان "ريحانه" الذي عاد إليها حانقاً ممسكاً بمنتصف ذراعها يعاتبها بصياح:
"المفروض أعمل فيك إيه بعد ما فضحتيني كدا وخلّيتي اللي يسوى واللي ميسواش يجيبوا في سيرتي؟ أنت إيه يابت معندكيش مخ خالص، مابتحرميش؟ ارتجف وجهها بدموع الندم وقالت: "حقك عليا، مكنتش أعرف إن الموضوع هيضايقك كده." ترك ذراعها بسخرية: "صح، وأنا إيه اللي هيضايقني؟ مراتي راحت حكت لبنت عمتي إني مبقربش منها، فخططوا وبعتولي راجل عشان يختبرني ويشوف حكايتي إيه." اقتربت خطوة منه لتخفف عنه هول ما فعلت:
"طب اهدأ، أنا مش قصدي أزعلك كده، والله حقك عليا." نظر لها حانقاً: "حقي على إيه؟ أنت مش مستوعبة المصيبة اللي عملتيها؟ أنت كل يوم بتثبتيلي إني متجوز طفلة عمرها ما هتعقل ولا هتشيل مسئولية. البنت اللي متقدرش تحافظ على أسرار بيتها مينفعش تبقى زوجة لأي راجل." هتف بكلمات ك المنبه الذي أنار عقلها، وتركها وغادر الغرفة بعدما أخذ قميصه وسترته.
أما هي فركضت خلفه لتتأسف له، لكن فور نزولها للحديقة رأت سيارته تسرع بالخروج من المنزل، فزاد حزنها وندمها على ما فعلت. واستدارت لتعود للداخل، فسمعت صوت "غوايش" يأتي من الجهة المعاكسة لمدخل البيت. فظلت تسير خلف الصوت حتى توقفت أمام البدروم. وبدأت بالنزول خطوتين للداخل حتى وقفت أمام باب حديدي به قضبان تجعلك ترى من بالداخل، فشبت قليلاً لتستطيع الرؤية، فتسعت مقلتيه عندما شاهدت "غوايش" تصرخ بركن الحائط وبعض
الجرذان يركضون أمامها: "مرات أبويا! هتفت بكنيتها، فنظرت لها الأخرى بلهفة وأسرعت بالركض والوقوف خلف القضبان تستغيث بها: "ريحانه! افتحيلي يا حبيبتي كويس إنك جيتي، افتحيلي! المتوحش اللي متجوزاه حبسني." تراجعت خطوة للخلف بحزن: "ليه عملتي كده؟ ليه كدبتي عليا وهمتيني إن هو اللي قتل أبويا وكنت هقتله؟
وأنا كنت هموت بسبب كلامك. طلعتي متفقة مع الزفت اللي كنت متجوزاه عشان تخلوني أخرب حياتي مع "جواد". حرام عليكم ليه تعملوا فيا كده؟ تلونت بدموع المكر: "كذاب جوزك كداب، بيقولك كده عشان يخليكي تكرهيني وتكرهي "ياسر". هو بيكدب عليكِ." أنكرت ما تسمع بحركة رأسية وكممت أذنيها بمرفقيها ببكاء صارخ: "بس بقى كفاية كدب، حرام عليكم، عايزين مني إيه؟
أنا خلاص تعبت من كتر الكدب. أنت كدابة و "ياسر" كداب، أنا بكرهكم، بكرهك أنت وهو، أنا مبحبش غير "جواد"، سمعاني؟ أنا بحب "جواد"، هو الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي، هو اللي بيخاف عليا وبيعلّمني وبيحبني بجد، مش "ياسر" الكداب بتاعك." أدركت أن مخططها نال الفشل، فاتجهت للخطة البديلة، تطلق ضحكات بسخرية: "جواد يحبك؟
أنت شكلك كده مش شايفة نفسك، أنت طفلة يا "ريحانه"، حتة عيلة متملاش عين أي راجل. ما فيكيش حاجة تشده ليكِ. أنتِ بالنسبة له حتة بنت بيتسلى بيها، وبعد ما الشهرين يعدوا هيرميكِ في أقرب خرابة ويشوف له واحدة حلوة زيه تروق عليه. عارفة ليه؟ عشان جوزك شكله خبرة، والراجل الخبرة لازمله واحدة تظبطه وتدلعه، مش حتة عيلة مفهاش ريحة الأنوثة."
نفذت عبارات التقليل منها لعقلها، فكانت ذات تأثير من نوع خاص على الأخرى التي استقبلت الكلمات بإدراك نابغ، بقول احتوى على وقار فريد:
"أنا عارفة كويس إن "جواد" خبرة وعرف بنات كتير، بس أنا بالنسباله حاجة نادرة، بيعاملني معاملة خاصة، مش عشان أنا مفييش ريحة الأنوثة، لأ، عشان شايفني حاجة غالية مش زي باقي البنات اللي زيك. أما بقى كلامك فأنا هاخد بيه وهتغير للأحسن عشان أملي عين جوزي، مع إني متأكدة إنه مابيخفش غيري. وموضوع الطلاق مش هيحصل، عارفة ليه؟
عشان أنا و "جواد" بقينا روح واحدة، محدش فينا يقدر يبعد عن التاني. أما أنتِ فخليكِ بقى هنا، تستاهلي كل اللي يجرالك عشان أنتِ واحدة حقودة ومفترية." غلت الدماء في عروق الأخرى فبحت بأغلى ورقة لديها: "براڤو عليكِ، شكلك "جواد" علمك حاجات كتير أوي وبقيتي ناصحة! طب يا ست الناصحة، الطلاق هيحصل، وإنت اللي هتبقى السبب فيه غصب عنك. أصل مفيش اختيار، لا إما تطلقي، لا إما أمك تموت.
تضاربت الصدمات بعقلها بشعاع ناري من الماضي الأليم. فثقلت خطوتها على الأرض مثل بحتها المترددة بثقل على اللسان: ماما ماتت من زمان. دا اللي إنت تعرفيه. بس اللي متعرفيهوش إن هنيه لسه عايشة، ومش كده وبس، لأ، دي كمان كانت متجوزة ومخلفة بنت وولد. ولو مش مصدقاني، آدي صورتها، مبشلهاش من صدري أبداً من يوم ما صورتها.
أخرجت الصورة من حمالة نهدها ووضعتها أمام عين الأخرى التي تمعنت النظر بدقة. تتأمل ملامح تلك المرأة التي مازالت بذات الجمال. شعرت بأن الماضي يعود بتلك الذكريات الدافئة التي جمعتها بها في صغرها. نعم، كانت تلك الصورة لوالدتها، مما أثار جنونها وتسبب في تدفق المياه من شمسها المغمضة بحريق هدم الذكريات: إزاي عايشة؟ أنا شفت بابا وهو بيقتلها.
لأ يا أختي، أمك بسبع أرواح، وماتتش. هي هربت لما فاقت، ورفعت قضية خلع على أبوك، وكسبتها غيابي عشان تتجوز المحامي اللي ساعدها وهربها من البلد. إنتِ عارفة الحاجات دي كلها إزاي؟ كل حاجة بأوانها يا ريحانة. المهم دلوقتي، لو عايزة أمك تفضل بخير، نفذي اللي هقولك عليه. هو إيه؟
حاجة بسيطة أوي. تهربيني من هنا، وتبقى العين اللي بتراقب كل تحركات جواد لياسر. ومش بس كده، لأ، ده إنتِ بعد ما تخرجيني، تطلبي من المحروس جوزك يسيبني أعيش معاكِ. وكل يومين تقلبي هولي في فلوس. أظن جوزك محفظته عمرانه ومش هيبخل عليكِ. ولو بخل، إيدك البيضة الحلوة دي تتمد وتجبلي اللي أنا عاوزاه. رفضت بحزن: لأ، بلاش جواد. اطلبي أي حاجة تانية، بس بلاش حاجة تخصه.
الله، ده الحب ولع في الدرة يا بنت القص. لأ، أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وآدي صورتها. لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك. ولو بقى عملتي نفسك ناصحة وروّحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص، لأخلي ياسر يخفيها، ومش هتعرفي لها طريق جرة. ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرة دي بإيدي لحد لما روحها تطلع. عاتبتها بـلوم مرير: إنتِ ليه بتعملي معايا كده؟ زمت فمها ببسمة الكراهية التي اعتلت وجهها:
عشان بكرهك يا روح أمك. يلا يا بت، غوري. مش طايقة أبص في خلقتك. جتك الهم. أصبحت في وضع لا تحسد عليه أمام أمر الاختيار بين ما يجلب التعاسة والحزن للطرف الآخر. مر اليوم وأتى المساء بغرفة نوم ريحانة، التي تجلس على حافة فراشها بانكسار هدم أحلامها برفقة خيالها. تحولت مشاعرها الدافئة إلى نوبات من الحزن والحرمان. تذرف مقلتيه بدموع كالجمر تحرق وجنتها. وبأذنيها مازال صدى صوت زوجة أبيها يضرب مسمعها، كلما
تذكرتها حينما تلت عليها: أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وآدي صورتها. لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك. ولو بقى عملتي نفسك ناصحة وروّحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص، لأخلي ياسر يخفيها، ومش هتعرفي لها طريق جرة. ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرة دي بإيدي لحد لما روحها تطلع. تلاشت الأصوات من أذنيها حينما دخل جواد إلى غرفتهما بعد يوم عمل شاق، وأغلق الباب خلفه. وحينما استدار، رأى ماذا يحدث لها؟
لما هي بتلك الحالة المنكسرة؟ فظن أنه من تسبب بذلك الانكسار بسبب مشاجرته معها في الصباح. فتدلى إليها حتى جلس على عقبيه أمامها، ناظراً لعسليتيها المحترقة بحمرة البكاء، فزاد أسفه عليها وشعر بالضيق مما تفوه به هذا الصباح. فـتنهد باستياء مما فعله وقال ببحة هادئ:
أنا لما قولتلك الكلام اللي قولته الصبح، كنت بقوله عشان مصلحتك، عشان أنبهك للغلط اللي عمالة تعمليه. أسرار أوضة نومك مينفعش حد يعرفها يا ريحانة. مينفعش تروحي تحكي لحد عن اللي بيحصل بينا. ميصحش إنك تروحي وتتفقي مع بنت عمتي إنكم تبعتولي راجل عشان تشوفيني شا
_ذ ولا طبيعي. الحركة دي قللتني في نظرهم وخلتهم يتمادوا في كلامهم معايا، حتى مرعى بقى واقف يسألني ويحاسبني كأني في محكمة. أنا نبهتك ألف مرة إن أي حاجة بتحصل بينا ميصحش إنها تتقال لحد، خصوصاً موضوع إتمام جوازنا وعلاقتنا ع السرير دي حـرمات يا ريحانة، مينفعش حد يعرف عنها أي حاجة. إنتِ تعرفي إن البنت اللي تحكي عن اللي بيحصل بينها وبين جوزها ع السرير للناس بتبقى كأنها نامت معاه قدام الناس كلها. قال
النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها". ربنا حرم إن المرأة تقول اللي بيحصل بينها هي وجوزها من متعة، زي ما حرم ع الراجل برده إنه يحكي لحد. اللي بيحكوه اللي بيحصل ليهم مكانه أشد وأوحش مما تتخيلي، فـليه عايزة نفسك تبقي من الكارهين عند ربنا. وفي حديث تاني عن أبي هريرة الطويل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
رد على الفتاة التي قالت: "إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن". تعني: إفشاء كل من الزوجين سر الآخر. فقال: "هل تدرون ما مثل ذلك؟ فقال: "إنما مثل ذلك مثل شيطانه لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه." "عارف، يعني إيه تشبهنا لشياطين بيمارسوا الزنا قدام الناس؟
دي حاجة أشد وسخة من أي حاجة ممكن تحصلك في حياتك. فبلاش بالله عليك تحكي لحد حاجة عننا تاني. احفظي سرنا عشان ربنا يحفظك ويرعاكي. أنا مش هاين عليا إنك تشيلي ذنوب عشان كدا زعقتلك الصبح قبل ما أمشي." سخاء حديثه ومعرفته بالكثير من أمور الدين جعلها تزداد حزناً وبكاءً. من وراء طلب "غوايش" ذلك الطلب الذي سيكون نقطة الكراهية بقلبه لها.
أما هو، فلم يكن يدرك سبب هذا البكاء المرير خصوصاً بعد كل ما قاله. فحاول التمسك بوقت إضافي من الهدوء ورحب الصدر. وأمسك بمرفقيها ثم طبطب على باطن مرفقها بقبلات كالنسيم وقت الخريف. قبلات تشبه تفتح الزهور بقلبها النابض بجهل لا تعرف معناه. أما هو، فنظر لشمسيها الباكيه في صمت. ورفع أطراف أصابعه بيده اليسرى وجفف تلك المياه الغنية بالآلام. ثم رفع ساقيه قليلاً مقبلاً جبينها. ثم نظر لها بقول: "خلاص بقى كفاكي عياط، عينك وجعتك."
نفت برأسها، فتنهد بزم فمه ببسمة أظهرت غمازتين فكيه حينما قال بوقار مندلع ببحة الانحراف الأخلاقي: "واضح كدا إن بوس الكفوف والرأس مبجوش معاكي سكة. تمام، نجرب بوس الفراولة أهو بالمرة أدوق حاجة مسكرة بعد اليوم المر اللي قضيته." ضيقت مقلتيه باستفسار زاد ملامحها أناقة، لكن الإجابة كانت بقبلة للورديتين حينما حاوط وجنتيها بيدها يستولي على فمها بتملك رائع.
فاسترخت بين يديه كاسترخاء القناديل بالمياه الدافئة. وصارت هي والتخت قطعة واحدة. فأصبح كالغطاء فوقها كال تؤام الملتصق يرتوي من شراب كالورد من شفتاها. فلم تمانع في أن تظل بهذا القدر من الالتصاق لوقت إضافي. فبادلته عناق العنق بذراعيها كاللجام يحاصر الخيل، تقوده للغوص أكثر بكيانها. وعندما تمكنت منه نيران الشوق لإتمام تلك المغامرة الخاصة، ارتخت أطرافها لأزرار قميصه، تحررها واحدة تلو الأخرى حتى تمكنت منه. وأصبحت يدها اليسرى تبحر فوق ضفاف تقسيماته البارزة بآثاره. أصبحت أنفاسهم تتصادم ببعضها ونبضات القلوب كالسهام تخترقهما بفيضان حائر من المشاعر المخزنة.
ووسط صراع من نوع الحب الفياض، تسابقت أطرافها لحزام بنطاله، محاولة نزعه مراراً. فشعرت بيدها بعد محاولات كثيرة منها. فابتعدا عن شفتاها باستفسار ذو بحة مغمغة بالمداعبة: "هو الحزام مضايقك في حاجة؟ إرتجفت بقهقهة مطلقة مرحها: "لأ مش مضايقني في حاجة خالص، أنا فكرته مضايقك إنت." تنحى عنها ناهضاً باتجاه الخزانة بقوله المحتوي على ذات البحة: "فقولتي تعملي معايا واجب وتفكيهولي." جلست بقليل من الخجل: "أيوه."
أخرج بنطال وتيشرت من الخزانة تزامناً مع قوله: "لأ ما تتعبيش نفسك، لما أعوز أفكه هفكه لنفسي. أنا هدخل آخد دش ع السريع، لو حد خبط ما تفتحيش." "حاضر." تحمحم بغزلاً من الطراز الخاضع للأذان: "الفراولة كانت طعمها حلو قوي. كان نفسي آكل طبق الفاكهة كله، بس إنت السبب بقى، بفكك للحزام رجعتيني لوعيي." شقت البسمة الباهظة برحاب المشاعر فمه، فغمز لها بقوله المختلط برجولة منعمة بتمني:
"إشارة إنك قبلت التوبة. يارب عبدك تعب من الانتظار." تدللت برموشها لليسار هاربة من نظراته القاتلة لكيانها بطلب: "هو إنت ممكن تنام جنبي ع السرير بعد كدا؟ حرك رأسه ببسمة مختلطة بمزيج من المشاعر المحاربة لبعضها: "مع إن الوضع هيبقى خطر، بس عشانك موافق." ثم دخل إلى الحمام. وبعد عدة ساعات، حيث دقة الواحدة بعد منتصف الليل، بين طيات الفؤاد ولذة الحرمان يولد عشق مخلد بوجدان أنثى حرة ورجلاً ثائر.
تلك الليلة الشتوية كانت أول ليلة بفصل الشتاء الذي يجمع العشاق تحت غطاء واحد يحتويهما بعناق رغماً عنهم يضخ الدفئ بكيانهما. وعلى فراشهم الزهري يستلقيان بجوار بعضهما تتغلغل العيون ببعضهما، تفصح عما يخبئ القلب بصناديقه السوداء. "جواد، أنا سقعانة قوي." "تعالي في حضني أدفيكي."
أمرها ببحة الترحيب المنبعث من أعماق قلبه. فلم تضيع الوقت الذي سيجمعها بـجسده. واقتربت منه تغفو على ذراعه، تحاوط خصره بذراعها. فلم يتأخر في ضمها إلى صدره، ليتشبع من لذة هذا القرب الضائع بين سلاسل القدر. "أول مرة أحب الشتا." هتفت ببسمة مناظرة بؤبؤه، فتعمق النظر بها باستفسار: "إشمعنى؟ "عشان حضنك هيبقى دفايتي، وكل ما الجو ما هيشتي أكتر كل ما هتاخدني في حضنك أكتر، يا خيلي."
كلماتها كالبصمة بوتر قلبه، الذي أضاء بؤبؤه ببسمة الاستحسان، متسائلاً ببحة أشد هدوءاً من ليلة الشتاء: "خيلي، ليه بتقولي كدا؟ "عشان اسم جواد معناه الخيل ومعنى خيلي حصاني، اللي هفضل جنبه وأرعاه لحد لما أعجز." قطب جبهته بتساؤل: "هو إنت ناويه تفضلي معايا لحد لما تعجزي؟ "أيوه بإذن الله. هفضل معاك عشان وجودي معاك هو اللي مخليني عايشة." تنهدا باستحسان لجوابها وقربها أكثر لصدره:
"طب يلا نامي، عندي شغل مهم الصبح ولازم أصحى بدري." عارضته بحركة رأسية ناظرة بعينيه، متحدثة ببسمة لم تفارق شفتيها: "هتنام وتسيبني؟ ناقشها بهدوء معاكس لشخصيته: "عندي شغل مهم والله، عشان كدا لازم أنام يا ريحانة." داعبت أوتار قلبه بجملتها الصادقة: "هتوحشني الشوية اللي هتنام فيهم يا خيلي."
أشعلت طيات الوصال بـقبلة لوجنته، فتلونت عينيه بنظرة الاحتياج لماء قلبها الذي يرويه. وانحنى قليلاً إليها، يحكم بصمته فوق ثغرها ليذوبا تحت غطاء كالمهد الذي جمعهما بدفء الشتاء. لم يكن يدرك إلى متى عليه محاربة كيانه المطالب بالنهل منها. كان يشعر بها كاليقطينة بين يديه، ناعمة كنعومة الحرير مثل بيجامتها الحريرية البيضاء التي ترتديها.
غاص مثل البحار بأعماقها بحثاً عن مأوى لمساته المبحرة بين ضفافها التي تشبه رمال الصحراء الناعمة. و بتلك اللحظة الحاسمة بعناق العاشقين لثغر بعضهم، ترنحت بشفاهها بعيداً عنه قليلاً تلهث أنفاسها بيد محتضنة وجنته: "جواد." "عيوني." "أنا كنت عايزة أقولك حاجة." "امري." هتف أثناء مداعبته لخصلاتها البنية، فقالت: "هو إنت عرفت كام بنت قبلي؟ "بتسألي ليه؟ "عايزة أعرف كام واحد غيري كان معاك." "هيفرق معاكِ؟ "مش عارفة، بس عايزة أعرف."
تنهدا برسمية: "إتنين." "بس؟ "أيوه." "نهى ورحاب." ضيق عيناه باستفسار: "عرفتي منين رحاب؟! هتفت بهدوء: "مش سر، عرفت من أهلك. بس هو إنت كنت بتحبها؟ ترنحت مشاعره وذكرياته، فتنهد بعمق بحركة رأسية معلنة عن إيجابيته. فـقالت من جديد بسؤال أشد حيرة: "لو رحاب رجعتلك تاني هتعمل إيه؟ هتسيبني عشانها ولا هتسبها عشانى؟ سؤالها ذو حدين مغمغم بعين امتزجت بحزن مرهق بلمعة البكاء. فزم فمه ببسمة معلنة عن الاحتفاظ بها تزامناً مع لمسة ليدها:
"رحاب ماضي جواد، أما ريحانة فهي حاضر ومستقبل خيالها." "إنت بتتكلم بجد؟ يعني لو رحاب بجد رجعتلك هتختارني وتسيبها؟! ضيق عيناه بسؤال يحتوي على تعزيز قيمتها: "إنتِ ليه متخيلة إني شايفك قليلة أو حاجة ملهاش قيمة؟
لازم تعرفي إنك غالية قوي، مينفعش تتقارني بحد. رحاب مش أحسن منك، بالعكس إنتِ أغلى منها ومقامك أعلى منها. أما بقى بالنسبة للقلب، فهو طردها من جواه من يوم ما عيني ما شافتك يا بنت القص. معرفش عملتي فيا إيه، سحرتيني ولا جننتيني ولا حكايتك معايا إيه؟ تحمحمت بسؤال أشد جرأة: "طب هو إنت عملت معاها حاجة؟ يعني قربت منها وعملت معاها اللي كنت بتعمله معايا دلوقتي؟ قطب جبهته ببسمة ماكرة: "الباشا قصده ع الاقتحام الحامي ده؟
لأ يا باشا، متقلقش، محصلش." ترنحت البسمة منها: "بجد؟ قول والله." "والله محصل حاجة بينا نهائي." ضيقت عيناها بسؤال آخر: "طب ونهى حصل بينك وبينها اقتحام؟ رفع حاجبيه ببسمة أثارت غيظها: "اقتحام إيه؟ نهى استنزفت معظم مخزوني خلال الست شهور اللي عرفتهم فيها. دي مكنش بيحصل معاها اقتحام ع الهادي ده، لأ، ده كان فيه تدخل للقنابل والمدفعية. بصي، حرب شاملة كل حاجة." تملكت الغيرة منها فباحت بـتقليل: "على إيه يعني؟ هي مش حلوة أصلاً؟
ضيق عيناه باستفزازها حينما قال: "مش حلوة إيه؟ دي عندها شوية أسلحة بدغدغ حصون العدو، حاجة كدا آر بي جي قوي." "تصدق بالله إنك قليل الأدب! "عارف." "أنا مش فاهمة إنت إزاي كده؟ إنت بجد متربتش خالص، مش فاهمة أهلك كانوا فين." "كانوا مشغولين بتربية فارس وهشام." "يلا تمم جوازك مني حالا! ضيق عيناه باستفهام: "دلوقتي؟ "أيوه يلا، ولا أنا مشبهش الست نهى؟ هتف بنفي: "لأ، متشبهيهاش بصراحة." انطلقت شرارة الغيرة من عسليتها بقول: "نعم؟
مشبهش ليه بقى؟ إحتوى خصرها بيده مقربها إليه قليلاً، ثم تلا عليها عبارتين كالـدواء على جروحها: "عشان إنتِ قطعة سلاح دهب، مفيش في جاذبيتها وجمالها. أما هي فـقطعة فلصوه من الفضة متعشش في العقل ولا تدخل القلب. ولو ع الاقتحام الأكيد هيحصل، بس محتاجين شوية هدنة يا سلاحي عشان لما أمسكك أعمل معاك أحلى شغل. وبعدين إنتِ إمكانياتك ع الهادي حاجة بتمزج القلب قبل العقل، فين مين نهى دي اللي بتقارني نفسك بيها؟
"بجد يا جواد، إنت شايفني حلوة ومالية عينك؟ تنهد بـاستسلام للكلمات النافذة بحقائق مسلسلة بقلبه: "مالية القلب قبل العين يا ريحانة، ومدام مليتي القلب فـعيوني مش هتشوف غيرك." كم من الراحة أن تستمع المرأة لحلاوة الكلمات من فم زوجها، من تملكها بالحلال تحت ضياء الرب والخلق. كم من الرضى أن تجد الاحتواء من قلب رجلها المملوك لها بمفردها. كم قلب أنثى ينبض بالحياة عندما تشعر بدفء الحب من قلب مازال ينبض بها. "جبتلك حاجة هتعجبك."
جلس على الفراش وأحضر من الكومود هاتفاً زهري اللون. أعطاه لها بقول: "اشتريتلك التليفون ده عشان لو احتاجتي لحاجة تكلميني. وسجلتلك رقمي وعملتلك واتساب. وفي باقة نت تكفيكي لشهرين قدام." جلست بجواره بعين متسعة بسعادة: "ده تليفوني أنا؟! شكراً بجد يا جواد." إحتضن وجنتها بيده ببسمة دافئة: "مفيش شكر، أنا جوزك. وقت ما تحتاجي لأي حاجة قوليلي هتلاقيها حضرت في دقايق." أهدت وجنته قبلة مليئة بالحب له، ثم قالت:
"إنت أحلى خيل في الدنيا كلها." "طب تعالي بقى أعلمك تستخدميه إزاي. وجبتلك ليه كڤر عشان يحميه عشان ميتكسرش منك." أخرج الكڤر الزهري المطبع بفرشات ملونة بالحياة. فتسعت بسمتها أكثر واقتربت أكثر منه، تضع رأسها على ذراعه، تستمع لحديثه لتتعلم التعامل مع هاتفها. *** أما باليوم التالي تمام الساعة العاشرة صباحاً.
بحجرة الاجتماع بمقر الداخلية كان يجلس "جواد" وسط زملائه ومعهم اللواء منذر الذي يطلعهم على آخر الأنباء. ووسط الانتباه الشديد أنار هاتف "جواد" برسالة واتساب من رقم "ريحانه". فسحب الهاتف بحذر لكي لا يراه اللواء. ثم وضع يده الممسكة بالهاتف بين فخذيه لكي لا يراه أحداً. وفتح المحادثة التي تحتوي على كلمتها. "جواد." كتب سريعاً: "خير." "مش خير، أنا عايزة أتكلم معاك." "أنا في اجتماع مش فاضي، لما أخلص هرن عليك."
أرسلت له من فوق مقعدها: "لأ، لو بطلت كلام معايا دلوقتي ممكن أتعب. أنا حاسة إن النوبة هتجيلى." راوضه القلق حيالها فأرسل لها: "طب اهدى، ماتخافيش، مش هقفل." تبسمت باحتضان تيشرته: "تعرف إنك في حضني دلوقتي وشامة ريحة جسمك حلوة قوي يا جواد." دبت الحرارة بجسده خصيصاً عندما أكملت الإرسال بجملة:
"نفس الإحساس اللي حسيته امبارح وانت واخدني طول الليل في حضنك الدافئ وشامة ريحتك وانا حاطة وشي في رقبتك. ريحتك كانت حلوة أوي. عارف دي كانت أحلى ليلة في حياتي." ما ترسله له كان بمثابة صواريخ تضرب كيانه تهشمه. مخزون تمالكه شعر بذبذبة كهربائية تزلزل أعصابه الصلبة. فكتب لها حينما تعالت أنفاس صدره: "مش وقت الكلام ده خالص، لما أرجع نبقى نتكلم." راودتها بسمة خافتة على ثغرها وكتبت بخجل لمس جملتها:
"إنت طلعت بتحب البيجامات الحرير، فـهلبسلك البيجامة الحمرا، هتحبها أوي." ضيق عينيه بإرهاق جسدي مرسلاً: "هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين لما أرجع." "أقولك سر." "قولي." "أنا نفسي في حضنك دلوقتي أوي. ما تيجي." "نفسي، بس مش هينفع." "حاول." "صعب." "طب اتحجج وتعالى بجد، وحشتني وعايزاك جنبي أوي يا جواد." بتلك اللحظة دخل إليهم أحد الظباط يقول بخبر من النوع الثقيل:
"بارون الغنيمي عندنا في المقر، وبالأخص في مكتب جواد، وبيزعق وبيقول إن جواد خاطف ريحانة القص اللي تبقى مرات ياسر أخوه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!