يدها الملوثة بدمائه، وبجانبه الأيسر مقص مزروع يزيد من تدفق دمائه. لم يكن يصدق أنها قد طعنته لتتخلص منه.
فزعت مخالب ثورته تود الفكاك بها، لكن هيئتها الخائفة بارتجاف جعلته يخمد ثورته محاولاً الاسترخاء لسحب المقص. فأغمض عينيه لبرهة، وأمسك بقبضة المقص متنفساً باستعداد، وسحبه على الفور معلناً بصوت متحشرج بالألم عما شعر به، وألقى بالمقص أرضاً. تزامنًا معه وضع يده على جانبه ليحبس من تدفق دمائه. ونظر إليها فوجدها تزداد ارتجافاً بدموع متدفقة مثل دمائه. فقرب خطوة إليها ليهدئها بصوته الهادئ:
"متخافيش أنا كويس، اهدي وخذي نفس أنا كويس." تقابلت جميع أوجاعها لتشن حروباً بلون قدرها، تثور عليه مثل العاصفة التي تود الفكاك بجنس البشر. تعاتبه بصرخة صوتية مداوية لمجاريحها: "أنا كنت عاوزاك تموت زي ما موت أبويا، كنت عاوزة أشوفك ميت قدام عيني عشان أرتاح؟ أنت إيه أزي قادر تكون بالقرف ده قاتل وخاين وجاحد معندكش دم ولا مشاعر!!
رميتني في المستشفى زي الكلبة وأنت هنا مقضيها قرف مع الحيوانة بتاعتك وعلى سريري. أنت مفكر نفسك إيه فوق أنت ولا حاجة سامع ولا حاجة يا جواد. أنت متستهلش حتى النفس اللي بتتنفسه إنسان أناني وبشع. أنا عمري ما كرهت حد في حياتي قد ما كرهتك؟
أنا بكره اللحظة اللي فكرتك فيها أماني وقلت عنك حضني الوحيد، بس لأ لو حضني هيبقى معاك فأنا مستعدة أرمي نفسي في حضن النار هيبقى أشرف لي من إني أرمي نفسي في حضن واحد زيك، واحد قاتل مجرم. خد منى أبويا وخد مني أماني وفوق كل ده بيقطع في مشاعري مع واحدة زبالة معندهاش ولا خشا ولا حيا فيها بجاحة الدنيا. بس هي شبهك، أنتوا الاتنين زي بعض. أنت أوحش حاجة في حياتي، أنا بكرهك سامعني بكرهك؟!
استقبل عتابها الصارخ بلون الدموع بصدراً عانق أوجاعها. رغم ثقل الحديث على مسمعه، فقد رآه ذاته شاهد قيمته داخلها، فكم شعر بأنه ضئيل بعينيها. صارت كلماتها مثل الثعبان المهاجر ينهش بخلاياه يفتك بها، لكنه حاول الثبات بقدر الإمكان ولم يعطها إجابة لتلك التساؤلات التي لازمت صراخها.
ابتلع حديثها ويه بصندوق قلبه، ثم سار من أمامها متجهاً للحمام ليداوي جرحه، فقد طعنته بمقص الإسعافات فكان صغيراً فقط تسبب بجرح بعرض عقلة الإصبع. وحينما أصبح بالداخل، أغلق الباب عليه، سار للمرآة ليبصر بهيئته، وبأذنه مازالت تتردد كلماتها القابضة لأنفاسه. تعمق النظر أكثر وأكثر إلى هيئته وكأنه يبحث عن ما كانت تراه بعيونها الأيام القليلة الماضية، تلك العيون التي أعطت الأمر لفمها لتخرج ذلك الاعتراف القاتل لكيانه.
رأى بشاعته وضعفه وانكساره وتلوثه بحديثها الذي كان مثل الصفعة التي وقعت عليه لتزيل الغمامة القذرة من على غشاوته. فأخذ نفساً عميقاً وفرغه بالخلاء، وبدأ بمداواة جرحه. وبعد بضع دقائق دلف للخرج، فرآها تقف أمام المرآة في حالة من الرهبة تنظر ليديها الملوثتان بدمائه، وتفوح من مقلتيها رائحة الدموع الدفينة بحزنها عما فعلته. فتنهد بارتخاء، يعذب قلبه على حالها. وذهب وأحضر مناديل وعاد إليها مجدداً، ثم وقف أمامها ممسكاً بكفوفها يزيل الدماء عنها.
فرفعت مقلتيها تعاتبه بقلب مختنق من تراكم الألم: "ليه عملت فيا كده، ليه تقتل أبويا، وليه توجعني بالطريقة دي، ليه ترميني في المستشفى وتيجي تقضيها على سريري مع نهى، ليه بتكرهني كده؟! تنهد بحديث هادئ دون النظر لها:
"أولاً أنا مقتلتش أبوكي، غوايش كذبة عليكي، هي عملت كده عشان ياسر هو اللي طلب منها كده عشان يخليكي تكرهيني وتبعدي عني. أما موضوع المستشفى أنا مسبتكيش بمزاجي، كان غصبن عني لإني رجعت شغلي في الداخلية، كنت مجبور أفصل هناك أخلص شغل مهم بأمر من اللواء، ومرجعتش البيت نهائي غير من ساعة تقريباً. أما نهى فأنا مقربتش منها، هي فعلاً دخلت الأوضة من شوية بس أنا طردتها ودخلت الحمام عشان آخد دوش لأني كان بقالي يومين مرجعتش البيت، وربنا شاهد إني ملمستش حتى شعرة منها، ولو كنت عاوز أعمل معاها حاجة كنت عملتها في أوضتها. وعشان متقوليش عليا كداب هخليكي تسمعي كل حاجة عشان تتأكدي بنفسك؟
ترك المناديل من يده بعدما انتهى من تطهير الدماء عنها، وسار للفراش ونحنى وأخذ الجوال، ثم عاد لها وجعلها تسمع المكالمة المسجلة بين غوايش والبارون التي تم الاتفاق فيها عن ما ستفعله لتوقع بها. أصيبت بدهشة بعدما سمعت بأذنيها تلك المؤامرة الوضيعة، فازدادت ترعداً بشهقات بكاء هزت وجدانها. كم أصيبت بخيبات أمل تحاصرها مثلما تحاصر الذئاب الغزال الشارد بأراضي الله. أما هو فلم يضيع الوقت أكثر وأكمل قول الحقيقة الكاملة لها دفعة
واحدة ليفرغ ما يسكن قلبه:
"جوازي منك كان مدبر، أطلب مني أتزوجك عشان أقدر أقبض على البارون اللي مفهمك إن اسمه ياسر لأنه تاجر سلاح. أما يوم الفرح أنتِ ممضتيش على عقد الجواز، يعني باختصار بسيط بدون أمضتك العقد كان باطل، وهو ده اللي كان مطلوب إن جوازنا يبقى باطل. عشان كده يوم الفرح سبتك ومشيت عشان معملش معاكي حاجة حرام. بس بعديها بيوم وأنتِ نايمة براحتك قدامي استحرمتك على عيني وقمت وجبت قسمة الجواز السوري بتاعتنا وخليتك تبصمي عليها وأنتِ نايمة
عشان ميبقاش جوازي منك باطل. ولما جيتي قولتلي إنك متجوزاني محلل فكرتها لعبة جديدة من جوزك وفكرتك شريكته في اللعبة، عشان كده كنت بقسي عليكي بكلامي. لكن بعد كام يوم عرفت إن الكلب بيلعب بيكي عشان كده خوفت عليكي لما عرفت إنك متعرفيش حاجة عن لعبته. أنا لو بشع زي ما بتقولي عني كنت استغليتك وعيشتك معايا في الحرام ومخلتكيش بصمتي على عقد الجواز، بس مقدرتش أعمل فيكي كده حتى بعد ما تجوزتك مقبلتش إني أقرب لك عشان شفت إنك عفيفة
وطاهرة وشوفت نفسي مدنس. محرمة عليا لمستك عشان كده قمت رغبتي في إني أملك جسدك. لما الشيطان كان بيوسوس لي عشان أملكك كنت بستغفر وأقول بيني وبين نفسي ليه عاوز تخليها مدنسة زيك، ليه عاوزها تبقى زيك. حرمتك على قلبي ونفسي عشان تفضلي طاهرة وعفيفة يا ريحانة. تصدقي إنك قبل ما تيجي كنت بقول لنفسي لازم تتغير عشان تقدر تبقى معاها فيما بعد، بس بعد الكلام اللي قولتي عني عرفت إني كنت هراهن على حاجة خسرانة. دلوقتي بقيت واثق إن قلبك
عليا محرم حتى لو اتغيرت."
استدار ليذهب من تلك الغرفة المليئة بالجراح، لكنه توقف لثوانٍ والتفت لينظر لها بجملته الأخيرة المحملة بالحقيقة المؤكدة: "لو في حاجة واحدة حقيقية في حياتك يا ريحانة، فالحاجة دي هي أنا. ويكون في علمك نهى كنت محرمها عليا من يوم ما جيت هنا. أنا مش عارف هي قالت لك إيه بس كفاية بقى لف ودوران لحد كده؟
التفت من جديد وغادر الغرفة بسرواله فقط. أما هي فلم تستطع الوقوف على ساقيها من شدة الخذلان وجلست على الأريكة تلوم حالها بقطرات الألم عما فعلته وعما قالته له، داخلها مثل مساكن قديمة يملؤها الغبار الذي يخفي آثار المقتنيات الثمينة. فكان غبار قلبها يخفي نغمات نبضها المطالبة بعناقه والأسف عما فعلته به. كم أصبحت فارغة من الداخل مثل الحفرة الفارغة من المياه التي تسقيها. مشاعرها المتدفقة بحزناً عما فعلته كانت مثل الحبل المتين الذي يعقد عقدة حول قلبها ليذيد من اختناقها.
أما بالحجرة المجاورة، تلقت نهى صفعة أطاحت بها فوق الفراش جعلتها تثور باستفسار: "إيه اللي بتعمله ده؟ "جواد" حانقاً: "ده أنا هطلع عين أهلك بقى، أنا قضيت معاك وقت على سريرها، صحيح بجحة." نهضت بزمجرة: "آه هي الحكاية كده، المزغودة بتاعتك خبصت لك عليا؟ آه أنا قولتلها كده عشان أكيدها؟ "تكيدها ماشي يا روحمك، خلي كيدك يفيدك؟ ألقاها من أمامه بقسوة، وتجه نحو الخزانة يفرغها من ثيابها تزامنًا مع قوله الصاخب:
"مش أنا اللي تعمليني لعبة، يلا خدي هدومك ومشوفش خلقتك تاني؟ اتسعت مقلتيها بذهول: "إيه متشوفش وشي تاني؟ لأ أنت بتهزر صح؟ نظر لها بحتقار: "أنا فعلاً كنت بهزر لما كملت جوازي منك، بس خلاص ناوي أصحح حاجات كتير قوي وأولهم أنتِ، لأنك كنتِ غلطة ودفعة تمنها. ريحانة، يلا لمي هدومك وغوري من هنا، أنتِ طالق، سامعاني طالق يا نهى." تصادمت مشاعرها بنيران الرفض التي ذبحت قلبها وجعلتها تركض إليه بزمجرة: "نعم طالق! أنت بتطلقني عشانها؟
لأ يا جواد فوق، مش أنا اللي أتساب عشان حتة بت زي الغندورة بتاعتك، أنت ملكي أنا ومش هسيبك لغيري؟ ألقاها بعيداً عنه بحنق: "أعلى ما في خيلك أركبيه، يلا لمي هدومك وغوري من هنا، والورقة اللي بينا هتتقطع. وبالله لو لمحتك بتقربي من مراتي هماحيكي من على وش الأرض. وكلها دقايق لو ملقتكيش غورتي من البيت هنده على الأمن يطلعوكِ بره؟ أعطاها ما تستحق من الكلمات وترك الغرفة، فشنت صارخة برفض لما يحدث:
"أنت بتاعي أنا، وحتى لو سبتني أنا مش هسيبك يا جواد، مش هسيبك ليها؟ ضربت الأرض بكفوفها وظلت تفكر ماذا ستفعل لتعود له وتظل بالمنزل. ـــــــــــــــــــــــــــــــ "مرآ الوقت وعاد جواد للغرفة بعدما هدأت ثورته، فوجدها تغفو على تختها، فصار إلى الأريكة وممد جسده ليأخذ قسطاً من الراحة، وأغلق جفونه ليستقبل النوم، لكنه سمعها تقول له: "أنا آسفة."
قالتها وهي تدفن رأسها بصدره بعدما نهضت من فوق تختها وآتت إليه تغفو بجواره على الأريكة التي بالكاد اتسعت لحملهما. لم يلبي نداء قلبه الذي يطالبه بعناق خصرها والإجابة عليها، فشعرت بالحزن أكثر وعانقته صدره بتمسك زائد تزامنًا مع كلماتها ذات البحة المكسوة بغيمة البكاء: "عارفة إني قولت لك كلام وحش، بس قولت كده لما فكرتك فعلاً قتلت أبويا وخنتني مع نهى." "ارجعي نامي مكانك يا ريحانة." حدثها بهدوء مغمض مقلتيه،
فشددت من التصاقها به: "لأ أنا مكاني جنبك." عارضها بذات الهدوء المنافي لما يشعر به من غضباً: "اسمعي الكلام ورجعي على سريرك، أنا دراعي وجعني ومش عارف أتحرك منك، المكان ضيق." "طب تعالى نام جنبي على السرير." "لأ مرتاحة هنا، وأنا راحتي معاك ومش هنام غير في حضنك." تنهد محاربًا لنبضاته التي ترهقه: "بلاش مناهدة واسمعي الكلام، قولتلك المكان ضيق ومش هيشيلك."
"لو المكان مش هيشيلني شلني أنت." هتفت ببحة منكسرة من الخذلان، تجفف دموعها. ولم تمضِ سوى ثانية واعتلت فوقه تغفو فوق جسده. ففتح جفونه بتعجب زاده إرهاقاً من ذلك القرب المحارب له، فلم يكن يصدق ما فعلته، فقد أطاحت ببرقع الحياء من عليها وصعدت فوقه تغفو، فأصبح جسداً واحدًا. وقبل أن يستوعب هذا الوضع النابش بصناديق شوقه إليها، سمعها تقول ببحة زادته إرهاقاً:
"بما أن الكنبة مكنتش شيلاني فجسمك كفاني، وعلى فكرة أنا عاوزة أبقى مراتك بجد، حتى لو أنت مش عاوزني فأنا عاوزاك. وأول ما تخف عاوزاك تتمم جوازك مني، أنت حقي وأنا عاوزة الحق ده. أنت قولت إنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس عشان كده محرمة عليا، بس أنا شيفاك غير ما أنت شايف نفسك، أنت طاهر ونقي حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك، بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض."
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره، وأبصرت بخضرتيه التي تهتز بارهاق القلب والجسد من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه. مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل، هجين أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما، هجين أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد. صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف. فكان الاقتحام حليف جواد الذي عانق وجنتها بيده المتعافية وحذبا وجهها إليه برفق ليقبض على وردتيها بقبضان لوعته بها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!