اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد "مدام الدنيا زي الفل بينكم من الأول. يابن رضوان، ترفع راسك قدام اللي في البيت وتمم جوازك منها، ولا إنتَ ناوي تقضيها أحضان وبس لحد لما بقيت سيرتك على كل لسان من ورا عمايلها." نـفـر بتنهيدة جافة مع قوله: "اسبقيني ع الأوضة يا ريحانة." أومأت بموافقة وذهبت. أما هو، فاقترب من معالي، ناظرًا لها بجفاء: "ادخل عليها، والا أقضيها أحضان؟ دي حاجة تخصني لوحدي، ملكيش علاقة يا مرات عمي!
ضيقت مقلتيه بحنق: "يعني إيه ماليش دعوة؟ أنا في مقام أمك. ااه أمي؟ طب وهي في أم برده تبعت لابنها واحدة عشان تلف عليه ويتجوزها عرفي؟ تلبكت بقولًا: "إنتَ بتلمح لإيه؟ فرك عنقه ساخرًا: "بلمح للوساخة اللي ملازمة حياتي، كأني صندوق زبالة. اللي عنده كيس زبالة عايز يرميه، بيجي يحدفه عندي. من نهى لغنوه لياسر للبارون، ماشاء الله صندوق مجمع الزبالة كلها." أدركت ما يلمح له، فباحت برسمية:
"كدا فهمت. بص بقا يابن رضوان، أيوه أنا اللي بعتلك نهى، مش عشان أنتَ هاين عليا أو عشان عايزة أوقعك في الغلط. أنا بعتهالك عشان تخرجك من الحزن والهم اللي كنت عايش فيه. بس مكنتش أعرف إنك هتتجوزها عرفي. ولما جاتلي بالورقة وقالتلي إنك مبسوط، وكلها شوية وهتتجوزها رسمي، عشان كدا سكت وقولت: سبيه يابت، يمكن حاله يتصلح ويرجع لعقله ويتجوزها بجد وينسى معاها المزغودة رحاب." زم فمه ببسمة استهانة: "يتصلح حاله؟
لاء بجد، براڤو عليكي. ومن أمتى كان الحال بيتصلح بالحرام وغضب ربنا يا مرات عمي؟ ضاق محيط مقلتيه بفهم من ذلك التغير المفاجئ: "من إمتى الكلام دا يا جواد؟ دا إنتَ ماشي حياتك غلط، وبقالك شهور وأيام مبتعملش حاجة غير إنك تمشي عكس الدين." تنهد بقوله:
"كل حاجة وليها آخر. وبدل مانتي واقفة بتحققي معايا، ارجعي تاني مرات عمي الست القوية صاحبة الحق والمبادئ. بلاش ترسميلنا طرق الغلط وترجعي تحاسبينا. وبلاش تسألي في حاجات خاصة، علاقتي بمراتي خط أحمر مش مسموح لحد يتكلم أو يدخل فيها. عن إذنك، هطلع أرتاح من تعب الشغل." انحنى وأمسك بعلاقة ذراعه وصاره إلى غرفته، تاركها تعيد التفكير بأفعالها الماضية. ***
بعد مرور ساعة تقريبًا، كانت تغفو ريحانة، وبجوارها يجلس جواد، ينهي فحص بعض الأوراق الخاصة بقضية البارون. كان يضع جميع حواسه بتلك الأوراق ليعثر على شيء يستفاد به. ولم تمر سوى دقائق، ودق هاتفه برقم مجهول، فحمل الهاتف وأجاب برسمية بحتة: "مين؟ "أنا، إيه نسيت؟ رفع حاجبه بزفير الجفاء: "عايزة إيه ع المسا يا نهى؟ "عاوزاك يا جواد، إنتَ عارف إني بحبك." هتف برفض ذا بحة منخفضة: "أنا مش فاهم. عقلك فين؟
إنتِ مبتفهميش. قـلتلك مش عايزك، اللي بينا خلاص خلص." صرخت تهاتفه بغضب هشّش ملامحها: "كل دا عشان المسخوطة بتاعتك؟ والله العظيم ما هسيبك ليها، إنتَ ملكي لوحدي. وريحانه هانم هاخدها منك، وهخليك ترجعلي تاني، ترجع لنهى يا جواد، سامعني؟ هاخدها منك، هحرق قلبك عليها زي ما حرقت قلبي ببعدك عني."
أطلقت مخزون غضبها بتهديدات كالسم الذي انتشر كالوباء بخلاياه. فأغلق الهاتف لكي يتفادى حديثه الذي سيكون أشد قسوة إذا باح به. ترك جواد الهاتف من يده، ثم وضع المستندات على الكومود بجواره، وأطفأ الضوء، ثم ترنّج بجسده بجوارها، يتعمق النظر بها، يتأملها بعين الحارس الخائف على أمانته. ظلا يتفحصها بخضرويتيه، تزامنًا مع تفكيره بكلمات نهى التي نبشت بعقله الباطل لتتخزن به، حتى أغلقت الجفون أبوابها لتأخذه برحلة النوم العميق.
وبتمام الساعة الثالثة صباحًا، داخل عقله بعالم الأحلام خاصته، كان يرى منامًا من نوع خاص. بليلة مظلمة بهطول الأمطار بشوارع فارغة من البشر، كان يركض بحثًا عنها مثل السباح وسط أمواج القدر. أنفاسه المرتفعة كانت تتصادم مع الهواء لتصدر صداها بجميع الأرجاء، حتى توقف بمنتصف الطريق حينما دق هاتفه برقم نهى. فرد سريعًا ببحة متلازمة بوقاحة الخوف: "وديني لو عملتي فيها حاجة، هصفيكي وقتي." اهتزت بقهقهة بحيوانية:
"براحة على نفسك، دا أنا بردو نونو. وبعدين البت بتاعتك طلعت ميتانة خالص، تصدق بالله؟ مخدتش في إيد الزبون غلوة، وكانت مسلمة نفسها ع الآخر، لدرجة إن الواد اتكيف قوي ومحتاجش يعمل دماغ." اتسعت مقلتيه بدموع الشرف النابعة من جوف قلبه الذي تطعنه بكلماتها السامة. فهتف ببحة مائلة للهدوء تحتويها جشة صوته: "مراتّي فين؟
"مراتك عندها زبون تاني، متقلقش، هيخلص بسرعة ويمشي. وبعدين هبعتلك عنوانها. بس بقولك إيه، متقربش منها الليلة دي عشان البت تعبت أوي ياقلب أمها، ومش حمل راجل تالت، كفاية عليها اتنين النهارده يا جوادي... والا أقولك يا خيلي زي ما بتقولك."
"ورحمة أمي وأبويا اللي عمري ما حلفت بيهم باطل أبدًا، يوم ما إيدي تطولك، هخليكي إنتِ والأرض حتة واحدة. أنا قـلتلك يا جواد، مش هسيبك لوحدي، غيري. بس إنتَ بقى اللي ركبت دماغك وطلقتني عشان حتة عيلة متجيش دراع فيا. بس مش ده المهم، خلاص اللي حصل حصل. بس إنتَ مقلتليش إن المحروسة بتاعتك كانت لسه بنت بنوت؟ مش عيب بردو لما تبقى متجوزاك ومتقربش منها؟
دأنت حتى مفيش منك، والسرير اللي جمعنا يشهدلك بالرجولة. بس تصدق، الزبون اتبسط أوي لما لقاها لسه بختمها، مانت عارف بقى مفيش أحلى من إنك تكون أول واحد يدوق بضاعة جديدة." تلك الجمل أطاحت بدموعه لتسقط أرضًا برجفة وجه كادت تمزقه: "بالله ما هيطلع عليكِ شمس يوم جديد، هجيبك إنتِ والكلاب اللي نهشوا شرف مراتّي، وهعرفك إزاي الشرف أغلى من الروح." أغلق المكالمة، وجذب خصلات شعره بصرخة معلنة عن قهر الرجال بكلمات زادت
من نزيف قلبه وبكاء عيناه: "آآآآه يا بنت الـــــــــ* ليه كده يارب؟ عملت إيه عشان تعمل فيها كده؟ بتعاقبها على وسختي ليه؟ مانـا عندك اهو، موتني ولا اخسف بيا الأرض، سايبني ليه وبتعذبها بدالي؟ اهدأ يا جواد، اهدأ يابن رضوان، ماشي ورحمة أمي ما هـيكفيني موتك يا زبالة يا تربية الشوارع. ماشي يا نهى، بتدبحي شرفها، تمام أوي كده. تمام." بتلك اللحظة، دق هاتفه برقم اللواء. فرفع مرفقه وجفف دموعه، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأجاب
ببحة أخفت صوت آثار بكائه: "أيوه يا فندم." "إحنا تتبعنا رقم نهى وقدرنا نوصل لمكانها. فين؟ مش هتصدق لو قولتلك بيت البارون. بس مش ده المهم. للأسف يابني، الراجل بتاعنا اللي عنده بلغنا إن ريحانة ماتت."
شهقة شرخت القلب جعلت جفونه تتفتح بتسع الرهبة من ذلك الحلم البغيض، تزامنًا مع جلوسه على التخت، يلهث أنفاسه بعرق يصب بغزارة على جبهته، بنبضات قلب تطرق أبواب صدره بتمرد الرهبة من ذلك الحلم القاسي الذي استيقظ منه للتو. ونظر بجواره ليتأكد أنها بجواره ولم تفارقه، فوجدها تغفو بتناغم ويدها ممسكة بطرف تيشيرته. فتنهد باسترخاء، ثم انحنى عليها مقبلًا جبهتها بشدة، وكأنه يلصق شفاه بها لمد الدهر. ثم انعطف لشفاهه يستنشق منها ماء
الحياة بعطش جعله يرتوي منها لدقيقة متواصلة أو أكثر بثوانٍ. ثم ابتعد عنها يزداد تعمقًا بالنظر بها، وكأنها كنزه الوحيد وصلة الرحمن له لاعتناق الطهارة من جديد. خوفه عليها من أن يصيبها مكروه كان الدافع القوي الذي جعله ينهض من ع الفراش متجهًا للحمام، وبعد دقائق خرج متجهًا للخزانة، وأخرج سجادة صلاة بيضاء اللون بنقشات بنية، وصاره بها إلى أمام الشرفة، ثم وضعها اتجاه القبلة. ثم أبصر لليمين يتمعن الحياة بتلك النائمة في سلام.
كان يدرك جيدًا أنه يحتاج لعون الله ليرعاها. وبعد انقطاعه عن الصلاة لمدة عامين، ها قد عاد الآن ليخضع بين يدان الخالق الرحمن بخطوات التوبة والرجوع للطريق الصحيح. شعور فقدانها والخوف عليها كان السبيل له للرجوع لطريق الله والعودة للصلاة. فكان ذلك الحلم مثل المنبه الذي أيقظ عقله، فقد علم أن الله سيكون عونه الوحيد للحفاظ على زوجته ومرعاتها بسلام. فخطا أول خطوة على سجادة الصلاة وعانق ذراعه بخشوع، رجف جسده برهبة هذه المشاعر
الناعمة بسلاسة الخشوع، وبدأ بصلاة قيام الليل ليدعو الله بالرعاية زوجته تحت غطاء ستره وعفاف رحابه. ظلا يصلي عدة ركعات تعدت العشرون ركعة، فكم كان يشتاق قلبه العاصي لذلك اللقاء الرباني مع صلاة الله غذاء الروح. وحينما تشبعت أوتاره من الصلاة لتلك الليلة، قام بالتحيات ثم انحنى برأسه أمام كفتي يديه يدعو الله ببحة
استحياء مليئة بالتمني: "يارب العالمين، اجعل المستخبئ لها خير. احفظها ورعاها يا الله، صونها وحفظ شرفها، وعوضها خيرًا وفرح عن كل الأيام الآسية اللي عاشتها. احفظهالي من كل شر يارب العالمين." لوح بخضرويتيه إليها خاتمًا دعاءه بقول انبعث من جوف القلب الهائم بها: "يالله، اجعلها لي سندًا صالحًا إن اعوجت خطواتي أقامتها، واجعلني لها ضلعًا لا يميل." ظلا يدعو لها بالثلث الأخير من الليل لينعم الله برعايته على من ملكت قلبه. ***
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. مرت الأيام والليالي بين ضفاف ساعتهم، حتى مر شهر ونصف على الجميع. وخلال تلك الأيام التي مرت، لم يحدث شيئًا هام، فحياتهم
ظلت تسير بذات النمط: ظل هشام يبحث برفقة سامي عن غنوه وصغيره أمان، بينما فارس كان يعطي مرعي دروسًا تساعده بالتقرب من نسمه. أما جواد، فكان منغمسًا في العمل على قضية البارون، بينما ريحانة فلم ترهق نفسها في شيء، فقد ظلت كما هي تأخذ ركن الانطواء بذلك القصر الكبير. أما غوايش، فظلت حبيسة البدروم طول الأيام الماضية. هكذا كانت حياتهم طوال الليالي الماضية هادئة بسكون مخيف، حتى أتى ذلك اليوم الذي سيكتب مهداً جديدًا للجميع. ***
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. في تمام الثانية عشر ظهراً بمكتب هشام، يجلس على مقعده بوجه بشوش معلنًا عن سعادته جراء حصوله على رقم هاتف غنوه، الذي استطاع سامي الحصول عليه. لم يكن يعلم هشام أنه يحمل جمرة من جهنم على وشك حرق القادم من لياليه. بثوانٍ قليلة، ضغط إبهامه على أيقونة الاتصال، فدق قلبه مع دقات الهاتف، حتى تراقصت عيناه بلهفة أحاطت بقلبه حينما أجاب عليه ببحتها المحفورة بكيانه: "مين معايا؟
عبرت الكلمات من جوفه بحلاوة الشعور الدافئ: "هشام، حبيبك يا غنوه." اتسع بؤبؤه بصدمة ملتزمة بارتباك صوتي: "هشام الهلالي؟ عندك حق تستغرب، بقالنا سنتين مسمعناش صوت بعض." جلست على حافة الفراش بذات الصدمة: "جبت رقمي منين؟ "مش مهم جبته منين، المهم إني بكلمك. إنتِ فين وفين أمان ابننا؟ ليه هربتي مني؟ في حاجات كتير عايز أعرفها، إنتِ متعرفيش اتعذبت إزاي وإنتو بعيد عني." أغمضت جفونها بتنهيدة يأس:
"مكالمتك جات متأخرة أوي يا هشام." ضيق محيط مقلتيه باستفسار: "دا بدل ما تفرحي إني قدرت أوصل لرقمك؟ وبعدين بتلوميني على إيه؟ هـو أنا اللي سبتك وهربت يا غنوه؟ تنهدت برسمية بقولًا: "مش مهم مين اللي ساب مين، المهم اللي حصل وخلاص." لم يليق به حديثها، فعاتبها بذات الرسمية: "بس أنا من حقي أعرف إيه اللي خلاكي تعملي كدا، إيه؟ ليه هربتي؟ لازم أعرف دا حقي عليكي، على الأقل عشان خاطر الحب اللي كان بينا."
بتلك اللحظة، خـاطـرها ذلك اللقاء الذي جمعها بجواد بالصعيد، فشنّت ملامحها سهام الكراهية التي أطلقتها باحترافية بكلماتها الهاتفة بحنق سنوات ماضية: "جواد، ابن عمك حبيبك اللي بتقول عليه أخوك، هو اللي هددني وقال لي ابعد عنك. قـال لي لو ممشيتش من الصعيد واختفيت عنك، هيسجني لباقي عمري." اتسعت عيناه بقرمزية النفي لما طرق مسمعه: "إنتِ بتقولي إيه؟ جواد طلب منك كده؟ طب ليه؟ مش ممكن دا كان بيدور عليكي معايا؟
كان بيخدعك، عامل فيها حبيبك وخايف عليكي وهو اللي إذاكي. جواد شيطان، دمر حياتنا، فرقنا عن بعض. ولو واجهتيني بيه، مش هيقدر ينكر أي حاجة من اللي قولتها." "لو كلامك صح، إيه السبب اللي خلاه يعمل كده؟ وقفت بشموخ الكراهية: "كان عاوزني ليه." نفرت الدماء الحامية بعروقه، جاعلة إياه يضغط على قبضته بغضب: "وضحي كلامك، يعني إيه عايزك ليه؟
إنتَ فاهم قصدي كويس يا هشام، ابن عمك طمع فيا. ولما رفضته وقولتله إني بحبك وهقولك على كل حاجة، هددني وقال لي هحبسك لو ممشيتيش. دا غير إنه كان هيلوث سمعتي ليك وينكر إن اللي في بطني ابنك. ابن عمك بعد ما رحاب ما سابته، كان عامل زي الحيوان، معندوش نخوة ولا ضمير. حيوان سعران، كل اللي همه ينهش لحم البنت اللي قدامه، أيًا كان بقى هي مين. وخلي بالك، أنا مش بكذب ومستعدة أواجه جواد بكل حرف قولتهولك."
نبشت بقبر قلبه عن أي ثغرة تؤكد له اعترافاتها، فتذكر علاقته بنهى وتلك المساعدات الكاذبة له أثناء بحثه عن غنوه، فتوثقت كلماتها بعقله. فوقف شامخًا جزعه بقامة الكراهية التي انزرعت بأرض قلبه، عاقدًا ملامحه بحنق ذو بحة الهدوء العتيقة: "مش محتاجة تواجهي حد. دا طاري أنا. جواد لعب بيا، شافني بتعذب وكذب، خدعني وضحك عليا، خلاني أعيش في عذاب لسنين، ودلوقتي جه الدور عليا عشان أدوقه من نفس الكاس." ترنحت بسمة الثأر عبر شفتاه بقوله:
"ناوي تعمل إيه؟ "مش لازم تعرفي، بعدين هتسمعي اللي هيحصل له بسببى. المهم أنا عايز أقابلك، ومش كده وبس، عايز أتـجوزك. أنا من حقي أعيش معاكي إنتِ وابني." تلبكت بقولًا: "نتجوز؟ هتف بتأكيد: "أيوه نتجوز." تنهدت بتفكير: "طب سبني أفكر وأرد عليك. أنا مش عايزة أغلط تاني. سلام يا هشام." أغلقت الهاتف وجلست على حافة التخت تفكر بالأمر. أما لديه، فضرب الطاولة بقبضته، بؤبؤ ارتجف بدموع العتاب القرمزية الملونة بغضب
الأخوة التي تبخرت بالهواء: "ليه كده؟ دا أنا كنت بقول عليك أخويا. تطلع إنت السبب في قهري لسنين وكسرة نفسي. ماشي يابن عمي، من اللحظة دي الأخوة اللي بينا خلصت، واللي جاي مفهوش محبة بيني وبينك. طار ورحمة أبوك، لاهشربك من كأس العذاب اللي شربهولي." سقطت دمعتاه مع آخر حرف خرج من فمه. *** لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. بذات الوقت بالداخلية بمكتب جواد، كان يقف أمام نهى باندهاش مرددًا: "حامل؟
"أيوه حامل في تلت شهور، ولو مش مصدقني، تعالى نروح لأي دكتور، ولو طلعت كدابة، اعمل فيا اللي أنتَ عاوزه." أمسك بمنتصف ذراعيها بقسوة تضامنًا مع بحته المـرهقة بشخط: "حصل إزاي؟ وحبوب منع الحمل اللي كنت بتاخديها قبل ما أقرب لك، إزاي حملتي عليها؟ فهميني." سحبت يدها برفقًا قائلة: "أمر ربنا بقى، أعمل إيه. وبعدين إنتَ ناسي إن في أيام كنت بتبقى ملهوف عليا ومبلحقش آخد الحبايا؟ "لاء ياروح أمك، مش ناسي، بس دي كانت مرة واحدة."
"أهو بقى الحمل حصل في المرة دي، اعترض على ربنا؟ فرك وجهه بغضب من ذلك القدر المصمم على تغير مساره دائمًا. فقالت بهدوء: "أنا مش كدابة يا جواد، إنتَ عارف إني من يوم ما عرفتك، ومفيش راجل غيرك لمس شعرة مني. ولو مش مصدقني، إنتَ ممكن تعمل تحليل إثبات النسب اللي بنسمع عنه، وإنتَ هتتأكد إن اللي في بطني ابنك أو بنتك."
أمام سلاسل القدر المنغمسه بنيران تحرق ما بناه من بوابات التوبة، لم يكن هناك سبيلاً آخر أمامه سوى أن يقبل بذلك الأمر الرباني. فرك مدمع عينيه بشخط: "مش عاوز أسمع صوتك بيعصبني. اتكلي قدامي، خليني نروح لدكتور وبعدين نبقى نتكلم. يلا."
صارت أمامه قاصدة الطبيب ليتأكد من أمرها. وبعد ساعتين تقريبًا بغرفة الطبيب المتواجد بالمعادي، كان يجلس جواد على المقعد يحرك قدمه اليسرى باهتزاز معلنًا عن غضبه، وأمامه نهى التي تشق البسمة فمها أثناء قول الطبيب الذي فحصها منذ دقائق: "فعلاً، المدام حامل في الشهر التالت، ولإزم لها الراحة." تدلى بسؤال يحتوي الشك: "هـو ممكن يحصل حمل لو بتاخد حبوب منع الحمل؟ شبك الطبيب أصابع يديه مجيبًا بجواب:
"جايز جدًا لو النوع مكنش كويس، وكمان لو الزوجة نسيت تاخد الحبايا." فرك جبهته محركًا رأسه بندم. بينما سألت نهى بذات الفرحة: "قولي يا دكتور، هو أنا حامل في واد ولا بنت؟ "لاء، لسه شوية على ما نعرف، قدامنا لأول الخامس عشان أقدر أشوف نوع الجنين." وقف الآخر باستياء نافراً من تلك المقابلة: "شكرًا يا دكتور، يلا يا بنتي خلينا نغور." تبسمت بحرج ونهضت ذاهبة برفقته. وحينما استقلا السيارة، قالت بحزن:
"أنا عارفة إنك زعلان ومش عايز اللي في بطني. وبص بقى عشان متقولش إني بلوى دراعك بيه، لو مش عايزه، أنا معنديش مشكلة إني أمشي وأربيه لوحدي، بس ليا طلب واحد عندك، لما أولد تكتبه باسمك." حرك وقود السيارة تزامنًا مع قوله الجاف: "أنا مش ابن حرام عشان أسيب ابني من غير اسمي. اللي في بطنك أنا متأكد إنه من صلبي، عشان كده هيتكتب على اسمي. مش إحنا اللي بنفرد في لحمنا، حتى لو كان الموضوع مش على هوانا."
هتف بكلمات كانت طوق النجاة الذي رسما السعادة بقلبها وعلى فمها، فقد تأكدت أن صغيرها سينمو برفقة من تهوى. زادت سعادتها عندما أدركت أنها ستنال فرصة أخرى للعيش برفقته. *** يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين. لم تمر سوى ساعات قليلة، ودقة الثالثة عصرًا بقصر الهلالي، حيث يقف جواد بغرفة المعيشة أمام جميع من بالقصر، وبجواره نهى التي توزع نظرات الفرح ع الجميع، أثناء قوله:
"زي ما سمعته كدا، نهى حامل في ابني أو بنتي. عشان كده هترجع تعيش معانا في القصر لحد لما تولد." تملكت ريحانة رجفة نارية ضربت بقلبها بسهام الظلم من ذلك القدر العاثر، فنهضت سريعًا تركض بحزن، فصطدمت بمنكبه، فتبادلا نظرات الحزن الممزوج باستيائهم من قدرهما، ثم أكملت هروبها للأعلى. بينما فركت بهيه مرفقيها باستفسار: "أولًا مبروك يا حبيبي. بس هي هتقعد بصفاتها إيه؟
متنساش إنك مطلقها. وبعدين البيت فيه شباب، فارس وهشام، ميصحش يبقى فيه واحدة غريبة بينهم." تدخلت معالي بقوة بالحديث: "ع الدوغري عمتك عايزة تعرف إن كنت هترجع نهى لعصمتك تاني، والا هتعيش معانا لحد لما تولد وبعدين تغور وتريحنا." زمجرة نهى باستياء: "جر إيه يا حجة معالي، ملافظ السعد." نهضت برفض لمكوثها برفقتهم: "بلا سعد بلا هم. وإنتَ يابن رضوان، هات من الآخر عشان كل حاجة تبقى على عينك، يا تاجر. ناوي تتجوزها والا لاء؟
قطع السنت الشكوك بقوله الحاد بهدوء مخيف: "مفيش جواز. نهى هتعيش معانا لحد لما تولد، وبعدها هتروح لحالها. ومن دلوقتي بقى لحد لما تولد، مش عايز مشاكل وحورات عشان أنا على آخري. أظن كلامي واضح يا نهى." تبسمت بجواب: "من عنيا يا جواد، مش هتسمعلي حس." بتلك اللحظة، وقفت نسمة بتنهيدة صاحبتها مقولة: "لاء يا حبيبتي، لو طلعلك حس متقلقيش، هحبس هولك." رفعت حاجبها باستفسار بغيض: "قصدك إيه يا نسمة؟ عقدة ذراعيها أسفل
نهدها تحذرها بهدوء جاف: "قصدي إنتِ عرفاه كويس أوي." "ريحانه." قبل أن تهتف بحرف، جذبها جواد بقوة من منتصف ذراعها مشيرًا بتحذير بسبابته بشخط: "بالله لو فكرتِ، مجرد التفكير، إنك تقربي منها أو حتى تنطقي معاها بحرف، مش هرحمك، والا يهمني الحمل والا غيره." تلبكت بقلق، فقالت: "أنا مش عبيطة عشان أعملها حاجة. مش هضحي ببني عشان المحروسة بتاعتك." نفرت نسمة منها، فقالت باقتراح:
"بقولك إيه، ما ترجعي تعيشي مكان ما كنتِ، ولما تولدي بالسلامة، هنبقى نيجي نزورك." تشتت ملامحها خوفًا من قبول جواد للاقتراح، فتدخلت بهيه معلنة اعتراضها بتحضر: "إيه اللي بتقوليه دا يا نسمة؟ مهما كان، هي حامل في ابن جواد، ومسؤوليتها في رقبتنا، لازم نرعاها ونخلي بالنا منها عشان خاطر البيبي ابننا." عارضتها بقولًا: "بس يا ماما." تدخل جواد برسمية:
"خلص الكلام يا نسمة. وأنا قولتها كلمة لنهى، لو لمحتها بتقرب من مراتّي، مش هرحمها، وأظن هي فاهمة كويس أنا أقدر أعمل فيها إيه. من فضلك يا عمتي، شوفي لها أوضة تقعد فيها." "حاضر يا حبيبي، تعالي معايا يا نهى." صارت برفقة بهيه، أما الآخر، فصعدا لغرفته. وفتح الباب ودخلا، ثم أغلق الباب عليهما، واستدار للأمام، وجدها تجلس على الأريكة تبكي دون صوت. فصاره إليها هاتفًا بهدوء: "كفاية عياط." وقفت أمامه تبصر به بانكسار
هزيلة الصوت والنظرة: "أنا مش هسألك عن حاجة عدت ولا هلومك عشان دا قضاء ربنا، بس هسألك سؤال واحد، ناوي تعمل إيه بعد نهى ما تولد؟ "مش هعمل حاجة، هاخد ابني منها وخلاص على كده." "هتحرم ابنك من أمه؟ "أنا مش جاحد عشان أعمل كده. كل الحكاية إن ابني هيتربى بيني وبينها." زفرة بسمة الحزن منها بقولًا: "هيعيش مقسوم نصين، ومش بعيد يبقى معقد زيه." أخذ نفسًا عميقًا أطلقه بالهواء تزامنًا مع نزع لسترته الجلدية:
"كلامك وراه معنى تاني يا ريحانة. عايزة توصلي لإيه؟ "مش عايزة أوصل لحاجة. أنا خايفة." احتوى وجنتيها بمرفقيه بشعور دافئ لمسته بمرفقيه، وأرسله إليها بعبارته المنبعثة من أعماق فؤاده:
"متخفيش من حاجة، حمل نهى مش هيغير حاجة في حياتي معاكِ. أنا اتربيت من غير أب وأم، وعارف إزاي الواحد بيتعب ونفسه بتتكسر من غير حضن أبوه وأمه، عشان كده مش هقدر أحرم ابني من حضني، مش هقدر اخليه يعيش اللي عشته، حتى لو مكنتش متجوز امه. هحاول على قد ما أقدر اخليه مبسوط واخليه عايش بيني وبينها من غير ما يحس بوجع ولا تشتت. لازم تعرفي إنك بنتي قبل ما تكوني مراتي، وأنا مبتخلاش عن عيالي يا ريحانة." "هتتجوز نهى؟
سألته برجفة لمسها بصوتها، فتنهد ببعض الاسترخاء قائلًا: "كنت متجوز نهى عرفي، عشان كده مضطر أكتب عليها النهارده رسمي عشان لما تولد أقدر أسجل الطفل، لأنهم هيطلبوا قسيمة الجواز." قبضة عبارته نبض قلبها الذي صرخ برفضًا لذلك الظلم القدري، فرفعت مرفقيها الصغيرين وملكـت مرفقيه تبعدهما عن وجنتيها بنظرة الاندهاش المحتوى بالحزن: "تتجوزها؟ "إنتِ عارفه كويس سبب جوازي منها. هتجوزها لمدة يوم، وتاني يوم هطلقها." وضعت يدها أسفل
فمها تحجز سائل بكائها: "سهل الموضوع صح؟ سهل أوي." حاولا التقرب منها، فتراجعت خطوة للوراء هاتفة: "طب وأنا إيه حكايتي معاك؟ إنتَ جوزي، وكلها خمس تيام وعقد عليكِ رسمي. الشهرين فضل لهم أقل من أسبوع وتم السن القانوني وهقدر أتجوزك رسمي. وهتفضلي معايا، مش هطلقك، إنتِ عارفه كويس إنك غالية عندي." أخطأ في التعبير، فشق قلبها الذي أجبرها على سؤاله بوضوح تام: "أنا بحبك يا جواد، إنتَ بقى يعني إيه غالية عندك؟
بأطياف الأحرف داعبت قلبه، وكأنها أعطته الحياة لقلب ألمه الهجر لسنوات ماضية. لكن تلك الكلمة المنعمة بالحياة، لم يكن قد حان وقتها بعد ليسمعها، مما دفعه للقول بصراحة بالغة بصوت رأسي:
"إنتِ لسه صغيرة، مكملتيش الثمانية عشر سنة. في مرحلة المراهقة، مشاعرك وأحاسيسك زي فصول السنة، كل شوية هتتغير. جايز النهارده بتحبيني، وبكرة تحبي غيري. وأنا مش هقدر أقبل حبك غير لما تتأكدي منه مليون في الميه. ومش بقولك كده عشان تقولي إني بكرهك أو مش عايزك، لاء، اللي مخليني أقولك الكلام ده تمسكي بيكِ، مش عايز يجي كمان كام يوم ألقيكِ بتقوليلي كنت غلطانة، مش بحبك وبحب فلان، وقتها مش هقدر أتمالك نفسي ومش هقبل كده عليا. أنا
أكبر منك بعشر سنين وعارف يعني إيه مرحلة مراهقة، مشاعر متلخبطة، حب كل شوية لشخص جديد، جرح وفراق وندم. أنا ياما حبيت وأنا في سنك، بس لما كبرت ونضجت عرفت إن كل ده كان أوهام، والحب اللي بجد بيتولد لما ننضج ونحس إننا عدينا المرحلة دي. عشان كده مش عايز أقبل حبك، لأنك ممكن تكون كل مشاعرك دي وهم، هتفوقي منها كمان كام يوم أو كام شهر. سؤال أخير، إنتَ ناضج زي ما بتقول، وأكيد عارف يعني إيه البنت تحب بجد. بصيلي كويس وأنتَ هتعرف
إن كنت بحبك بجد ولا مجرد مرحلة وهتعدي. بص في عنيا يا جواد، واحكم بنفسك."
ساعات كتير لغة العيون بتكون كدابة، وأنا مبأمنش بيها. حطم جدار المحبة التي بنته منذ ليالٍ، فقالت بسؤال أخير لتلك المواجهة: "طب سيبك مني خالص، إنتَ إيه بالظبط؟ بتحبني ولا بتكرهني، والا مش فارقة معاك؟ يلا قولي الحقيقة، بما إنك راجل وناضج، فاكيد عارف مشاعرك كويس. بتحبني يا جواد؟
الاعتراف بالحب أوقاتًا كثيرة يحتاج لمواجهة النفس، يحتاج لهدنة مع القلب لنتأكد من اتجاه النبض، ولأي شخص ينبض بعشقًا حقيقي. ولهذا أخذ هو طريق الصدق يبوح بجواب احتوى من الوقار والحقيقة ما يجعله يتربع على عرش الوفاء:
"هكذب لو قولت لاء، وهبقى كداب أكتر لو قولت آه. إنتِ دخلتِ حياتي في وقت كنت ضايع فيه، متلخبط جوايا بركان من القهر والحرمان بسبب فراق أول حب ليا. قدرتي تداوي جراحي، وتكوني السبب في رجوعي لأول طريق الصح. بس رغم كل ده، مش متأكد إن كانت مشاعري نحيتك حقيقة ولا مجرد وهم. أحنا محتاجين شوية وقت عشان نقدر نحكم على نفسنا ونتأكد من الحاجة اللي بنحسها إذا كانت حقيقة ولا مجرد نبض مضيع وقت."
هجر مجلسه وذهب للحمام، فجلست على فراشها تلهث أنفاسها بحصرة العبارات التي قتلت ما شعرت به لليالٍ. *** بعد أذان المغرب، حضر المأذون ليعقد عقد قران جواد على نهى بحجرة المكتب. أما ريحانة، فلم تتحمل الأمر واتجهت للبدروم. وبعد دقائق، كانت تقف أمام الباب تنظر عبر القضبان لغوايش التي تمكث بجوار الحائط، وقد أصبحت هزيلة جراء الحزن من تلك الوحدة الموحشة. "مرات أبويا." هتفت بصوت منكسر، فنهضت الأخرى مقتربة من الباب تناظرها
ببسمة استحسان كارها: "كنت عارفة إنك هتلفي وتلفي وترجعلي. إيه صوتك مكسور ليه؟ حضرة الظابط خد غرضه منك ورماكي، والا جات واحدة ولسطته منك؟ سالت دموعها دون سابق إنذار وهي تتذكر أنه الآن يتزوج غيرها: "أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان أروح لأمي." اتسعت عيناها ببريق الانتصار تضامنًا مع تنهيدة عميقة مليئة بالاسترخاء: "بس كدا، من عنيا. إنتِ تأمري. بس قبل ما أقولك هي فين، عايزاكِ تعملي حاجة صغيرة." "حاجة إيه؟ "تكسري نفس جواد."
تلك الغيوم المرافقة لرفضه لها جعلتها تستبيح أي شيء مقابل رد الانكسار له: "هعمل أي حاجة عشان أرجع لأمي، أنا خلاص مبقتش عايزة أعيش معاه." "هقولك أول حاجة، عايزاكِ تخرجي دلوقتي من باب القصر وتمشي على يمينك لآخر الشارع، وبعدين تلفي شمال، هتلاقي بوابة القصر الخلفية، ادخلي منها من غير ما حد ما يشوفك، وتستخبي وسط الزرع لآخر الليل. وبعدين تطلعي وتقولي لجواد اللي هقولك عليه." أومأت بموافقة، فزمّت الأخرى فمها بكراهية. ***
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. مر الوقت ودقت الساعة الثامنة مساءً، وخلال تلك الساعات الماضية بعد انتهاء عقد القران، ظلا جواد يبحث عن ريحانة لكن دون جدوى، حتى صعدا من جديد لحجرته ليأخذ مفتاح سيارته ليذهب ويبحث عنها بعدما علم من الحارس أنها غادرت القصر. والتفت ليذهب، فوجدها تدخل إلى الغرفة ثم أغلقت الباب خلفها. فاسرع بالسير إليها بعينين ممتلئتان بالحنق.
"السنيورة ريحانة، كانت فين؟ تجاهلته بوجه غاضب يصب عرقًا: "مالكش دعوة." أمسك بمنتصف ذراعها يمنعها من السير بشخط: "آه دي ست العقلة، هي اللي بتكلمني. طب يا محترمة، كُنتِ فين؟ من غير ما تاخدي إذن جوزك." سحبت يدها بقوة: "إنتَ ملكش كلمة عليا، فبلاش بقا تعمل فيها راجل عليا." تـجـحـظـت مقلتيه بشراسة هزت وجدانه، وأمسك بذراعها بقوة كادت تمزق نسيجها، متحدثًا بصوته الجش:
"بالله لو واحدة غيرك هي اللي نطقت بالكلام ده، كان زماني مكسر عضمها. بس هعدهالك عشان إنتِ مش عارفة إنتِ بتقولي إيه. انطقي وقولي كُنتِ فين." رمقته بحتقار: "كنت عند جوزي." ضيق عينيه باستفهام: "جوزك دا على أساس إنك متجوزة غيري؟ "إنتَ مش جوزي، إنتَ مجرد مُحلل، إنما جوزي هو ياسر." اعتصرت قبضة حديدية قلبه لتمزق أوتاره بسكين الغدر الذي تسبب بفيضان نهري مليء بالأمواج الآتي لأخذ الأنفاس. فاستقبل حديثها بقوة اعتصر يداها، رغم
صوته الثابت على الهدوء: "كنتِ بتعملي إيه عنده؟ سؤاله كان بمثابة الفاصل لتلك المواجهة، وتلك النيران التي تأكل جسده. فوجدها تجيبه بكل وقاحة: "اللي عملته معاه مينفعش يتحكى." اهتزت مقلتيه بمياه ساخنة صبت النيران بعقله، وسألها ببحة تحارب بحته التي اهتزت بالقلق: "انطقي، عملتي معاه إيه؟ قربتوا من بعض؟ رفعت وجهها بجفاء، متجاهلة ألم ذراعها الذي يزداد مع كل سؤال ينطق به:
"أنا وياسر اجتمعنا ببعض النهارده، كانت أول مرة تحصل مابيننا علاقة على السرير." انفجرت براكين شرفه بكامل جسده. سقطت دمعتان ساخنتان كانتا معلقتين على رموشه السوداء حتى سماع الإجابة التي جعلته يصفعها بقوة جعلتها ترتتمي أرضًا تنزف من فمها وأنفها. ورفع يديه يجذب شعره بغضب يقسو على كيانه: "يا بنت الـك _لب، يا بنت الـك _لب. بتفرطي في شرفك؟ بقيتي زانية. أعمل فيكِ إيه؟ أقتلك؟ صوت شهقات عذابها مثل البرق في ليالي الشتاء. رفعت
عينيها الباكيتين بغضب: "اعمل اللي تعمله. أنا مش خايفة منك. ويكون في علمك، كل شوية هروح عنده، وهسلم له نفسي عشان أنا بحبه. هو سامعني؟ هسلم نفسي لحد لما تزهق وتطلقني."
صوت صك أسنانه وصل لمسمعها. كلماتها كانت كفيلة بإحراق ما تبقى من الشفقة عليها لديه. شنت جيوش رجولته بسيوف الشيطان بخيول الغضب التي تتسابق بجسده لتجعله يعاقبها دون رحمة. وانحنى عليها يزرع أصابعه بشعرها يجذبها منه بقوة كادت تقتلعـه، وألقاها بقوة فوق الفراش، وشق أزرار قميصه، وألقاه على الأرض، ونزع البنطال، وهو يقول بغضب عمى عينيه: "نجا _سة بنجا
_سة، أنا أولى بيكي. أنا كنت حايش نفسي عنك عشان موسخكيش بوساختي، بس طلعتي أوسخ من الوساخة نفسها. فخلاص مبقاش في حجة عشان أمسك نفسي. خليني بقا أجرب بضاعة ياسر باشا قبل ما أرجعهاله." سندت على ذراعيها تتراجع للوراء بخوف هز وجدانها بعدما سمعت ما تفوه به. "ابعد عني، متقربليش."
اعتلى فوقها يكبل يديها بيده، وباليد الأخرى أمسك بثوبها ومزقه من عليها، فظهر جزعها العلوي وحمالة صدرها. فرفع عينيه ونظر داخل عينيها بحتقار غاضب، متحدثًا ببحة الكراهية عكس ما ألم قلبه الذي يمزق صدره:
"كنت شايفك أشرف مخلوقة خلقها ربنا. كنت بحارب نفسي عشان ملمس شعرة منك. كنت بحارب نفسي عشان أحافظ عليكي حتى من عيني. بس طلعتي أرخص بكتير مما كنت أتخيل. عشان كده في اللحظة دي، أنا مش ندمان على اللي هعمله معاكِ، لأنك في كل الأحوال بقيتي زانية لما سلمتي نفسك لواحد غير جوزك. فزنا بزنا بقا يا ست الشريفة."
انحنى عليها ليلتهم جسدها بقهراً احتوى لمساته، وجردها من جميع ثيابها حتى أصبحت كالوليدة بين يدي طبيبها. وكلما استباح جسده بشفتاه، زاد من احتوائها له بعناقها لتهدئ من جيوش غضبه. ترتجف بصوت بكاء كان يكسر قلبه. وبأقل من دقيقة، لم يستطع الغوص أكثر بها، فنفر مما يفعل بها. فابتعد عنها واقفًا، ثم أمسك بالغطاء وستر جسدها، وتوجه يجلس على الأريكة يضع كوعيه فوق قدمه يسند برأسه على مرفقيه، يلهث أنفاسه بسخونة كادت تتسبب بحرق
دمائه. لم يكن يعرف مالذي يحدث له، رغم ما اعترفت به، لكنه لم يستطع أن يجاري غرائزه الغاضبة لامتلاكها حتى بعد ما عرفه عنها. أما هي، فسارت إليه بثوبها الممزق، وجلست على عقبيها أمامه، وأبعدت يديه عن رأسه. ثم اقتربت منه حتى أصبحت تجلس على عقبيها بمنتصف ساقيه وحاوطت خصره بيداها تعانقه باحتواء الأمان، تستقر برأسها على صدره العاري
تبلله بدموعها الدافئة: "حقك عليا، أنا عارفة إنك زعلان مني. أنا غلطانة، بس لازم تعرف أنا ليه عملت كده." لم يكن أمامه سبيلا لرد كرامته سوى أن ينطق بما يتوجب عليه ليلملم ما تبقى من كرامته وشرفه كرجل: "إنتِ طالق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!