الفصل 26 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
21
كلمة
4,423
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

أنتِ طالق. الطلقة النارية اخترقت مسمعها، فتسعت مقلتاه بدمعتين محترقتين. سقطت، فتراجعت للوراء تناظره باستيعاب: "لا، متعملش كده. أنتَ بتهزر." تفادى نظرها ونهض متقدماً خطوات للأمام قائلاً بجفاء لا يعلم كيف خاطبه: "لا، مبهزرش." فزعت من مجلسها وصارت إليه بلهفة تلقنه ضربات بقبضتها على صدره بصرخات باكية: "لا، أنتَ بتكذب. أنتَ قولتلي إن عمرك ما هتسيبني. ليه سبتني؟ موفتش بوعدك ليه؟ أحكم قبضتيه على مرفقيها يعاتبها

بشحنات مليئة بالشخط: "وعد إيه اللي أوفى بيه وقرف إيه؟ أنتِ مستوعبة قولتيلي إيه؟ كنتِ مع راجل غيري، سلمتي شرفي لكلب ينهش فيه. عايزا ني آخدك في حضني وأطبطب عليكي؟ بالله أنا لولا إني ماسك نفسي كنت قتلتك وما خدتش فيكي ساعة سجن. فوقي، أنا "جواد" مش أبوكي. لو أبوكي كان بيقبل إن مراته تبقى مع كل راجل شوية، فأنا مستعد أدبح نفسي قبل ما أقبل إن شرفي يبقى لعبة في إيد كل راجل شوية."

رغم ثقل العبارات على قلبها المجروح، أثار طلاقهما. إلا أنها أبت أن تظل عاهرة بعينيه، فأطلقت الحقائق دفعة واحدة، بحركة رأسية مزجتها بدموع الندم الرافضة لنظراته القاتلة لشرفها: "وأنا مش "غوايش" عشان أقبل إني أكون مع كل راجل شوية. أنا كنت بكذب عليك. أنا مرحتش عند "ياسر" ولا أعرف مكانه أصلاً. أنا قولتلك الكلام اللي قولته عشان كنت مضايقة من جوازك من "نهى". كنت عايزة أوجعك زي ما وجعتني لما قولتلي إنك مش بتحبني."

قطب جبهته بعدم تصديق بقول: "كذابة. الحرس بلغوني إنك خرجتي من القصر." "أنا فعلاً خرجت زي ما مرات أبويا قالتلي." شعرت بشيء غامض بتلك القصة، فحاول الهدوء قليلاً ليعرف كل شيء: "غوايش" وهي قالتلك كده ليه؟ وليه روحتيلها؟ "هحكيلك." بدأت تروي له كل شيء دار بينهما في تلك المقابلة، أخبرته عن اتفاقهما وأمر والدتها. فضجت الصرخات بعقله الذي طفح كيله من تصرفاتها الموحشة. بعدم فهم، تقدم خطوة إليها ممسكاً بسعدها، يبوح بزمجرة:

"يعني روحتي اتفقتي مع مرات أبوكي عليا عشان تكسروني مقابل إنها تقولك مكان أمك؟ أومأت بقسم مليء بالندم: "قسمًا بالله ده اللي حصل. أنا مرحتش عند حد ولا شوفت "ياسر" ولا أعرف حاجة عنه من ساعة ما جينا مصر. ولو مش مصدقني كمل اللي كنت بتعمله معايا وأنت هتعرف إن محدش لمسني. أنا لسه عذراء يا "جواد". محدش لمسني ومحدش هيلمسني غيرك عشان مش هأمن حد عليا غيرك." تراجع خطوة للوراء يفرك جبهته حانقاً من أفعالها التي تسببت بضمور قلبه:

"المفروض دلوقتي بقى أفرح وآخدك بالحضن وأقول لنفسي معلش صغيرة ومش عارفة بتعمل إيه؟ "لا، متقولش كده. أنا عارفة إني غلطانة وأستاهل أي حاجة تعملها. بس لازم تعرف إني عملت كده بسبب غيرتي عليك. أنا بحبك حتى لو أنت شايف ده وهم." زم فمه ببسمة ساخرة: "بتحبيني؟ سلامات يا حب. حب إيه اللي خلاكي تتفقي عليا عشان تكسريني؟ وبالله بلاش كلام مستفز عشان أنا ماسك وسخة لساني بالعافية."

تقدمت إليه مستقرة بالوقوف أمامه مباشرة، تخاطب خضرويتيه بشمسها المحترقة من البكاء، مرددة بحزن: "أيوه بحبك. حبي ليك عامل زي الدم بيجري في عروقي. ممكن تقولي هتعمل إيه لو حسيت إن الدم اللي معيشك جت واحدة تشاركك فيه؟ هتحس إنك بتموت؟

هتلاقي الدنيا بقت سودا في عينيك، هتحس إن نص روحك بقت ميتة. عقلك هيقف، مش هتبقى عارف تفرق بين الصح والغلط. وهو ده اللي حصلي. كنت مجروحة، مش واعية أنا بعمل إيه. كل اللي كان في دماغي إني أحسسك بالوجع اللي حسستني بيه. أيوه أنا غلطانة وأستاهل الموت، بس عشان خاطري بلاش يبقى موتي ببُعدك عني." رآه الضعف الممزوج بالانكسار ببصرها، فحاول الهدوء ليخفف من ألم قلبه الذي طرق صدره بنبضة الحزن. ثم هتف برسمية:

"أنتِ محبتنيش بجد، عشان اللي بيحب مستحيل يأذي اللي بيحبه حتى لو كان فيه غضب الدنيا. أما بقى بالنسبة لكلامي اللي بتقولي إنه وجعك وكان السبب في تصرفك، فأنتِ مفهمتيش كلامي. لأنك لو فهمتيه، كنتِ هتعرفي إن حقيقة كلامي معاكي وصراحتي أكبر دليل على إني عايزك ومش عايز غيرك. مش كلمة بحبك هي الختم اللي هتأكدلك حبي. دي مجرد كلمة مصطلح الكل بيستخدمه عشان يعترف بالحب. أما الحب اللي بجد مش محتاج كلمة عشان يتعرف بيها. الحب مواقف،

أفعال، احتواء، خوف، حنية. في ناس بتعترف بكلمة، وفي ناس بتعيش عمرها كله بتعترف بأفعال من غير ما تمل ولا تزهق. أنا لما قولتلك إني متلخبط ومش متأكد من إحساسي، كنت بقول كده عشان مش عايز أظلمك معايا. كنت بحاول أفهمك إن الواحد لازم يتأكد مليون في المية باللي حاسس بيه. وبعدين أنا لو بكرهك أو مش عايزك، إيه اللي هيخليني أصحى في نص الليل يوماتي عشان أصلي قيام الليل وأدعيلك إن ربنا يحفظك ليا؟

إيه اللي هيخليني دايماً خايف عليكي وبحاول أعملك كل اللي نفسك فيه؟ أظن لو بكرهك مش هفكر فيكي، بس أنتِ ماشاء الله مبتفرقيش تفكيري حتى وأنا نايم." أدركت ما تسببت بأهداره من يداها، فزادت قربه منه ببسمة مرتجفة بسعادة، أسقطت الدمع من بؤبؤها: "معنى كلامك إنك مش بس بتحبني، أنتَ بتعشقني. بس بتقاوع معا نفسك يا حضرة الظابط." تنبض قلبه شوقاً لعناقها ليخفف صرخات عقله، لكنه تجاهل كامل مشاعره التي أصبحت ملوثة بموقفها الأخير.

فهتف برسمية جافة: "أفعالك وتصرفاتك بتخليني أموت كل حاجة بحسها نحيتك. المرة دي لما غضبتي مني كدبتي عليا كذبة قطمت ضهري. يا عالم بعد كده لما أزعلك هتعملي فيا إيه؟

تصرفاتك كل مرة بتثبتلي إنك لسه طفلة مش عايزة تكبري، طفلة مش قادرة تتحمل مسؤولية إنها زوجة. لازم تستحمل وتعالج المواقف اللي بتمر بيها مش تعمل العكس. لو كل واحدة جوزها زعلها أو اتخانق معاها أو اتعرض لحاجة خلته يتصرف غصبن عنه، عملت عملتك، كان زمان كل البيوت خربانة ومفيش عمار." احتضنت وجنته بمرفقها تحتويه بدفء النبض الطارق بعروقها، تستسمحه بدموع العين المنهكة من ذلك الفراق:

"عندك حق في كل كلمة قلتها، ولك حق تزعل، بس سامحني المرة دي ووعدك إني هخلي بالي بعد كده وهتعلم إزاي أبقى زوجة تليق بيك يا "جواد"." "أنتِ غلطتي، والغفران مش هيبقى بالسهولة اللي متخيلها يا "ريحانه". إحنا دلوقتي مطلقين، ولمستك ليا متحرمة عند اللي خلقني وخلقك." نزع يدها من عليه ثم قال بذات البحّة الجافة التي تزيد من تشقق قلبها:

"من اللحظة دي، أي حاجة هتحصل بينا هتبقى "زنا". فمش عايز أي حركة غبية منك. ياريت تراعي دينك. وطول ما أنا معاكِ، متقلعيش الطرحة ولا تلبسي حاجة عريانة. أنتِ متحرمة عليا من أول شعرك لحد ضفر رجلك، فبلاش بقى نغضب ربنا أكتر من كده. خليه يرضا عننا شوية، يمكن يخف مصايب الأقدار عننا. أما بالنسبة لموضوع طلاقنا، فمحدش هياخد خبر بيه لحد لما أكتب عليكي رسمي بعد انتهاء مدة الشهرين. وبعدين بقى نبقى نشوف هنعمل إيه." سألته

باستفسار احتوته بحزن بغيض: "أنتَ هتطلقني بجد رسمي بعد ما تتجوزني يا "جواد"؟ "ربنا يسهل." عارضته بحنق مليء بالدمع: "يسهل! أنتَ عايز تسبني بعد ما اعترفتلك بالحقيقة؟ إيه القسوة دي؟ أنتَ إيه؟ معندكش إحساس؟ ده بدل ما تطبطب عليا وتحاول تعلمني." هتف "جواد" بشخط: "أنتِ اتخلقتي عشان تحرقي دمي وبس، ده أكيد. وديني يا "ريحانه" لو مبطلتيش تصرفاتك واندفاعك ده، هسود العيشة على دماغك. أنتِ إيه يا بت؟ مين فينا اللي مش بيحس؟

مين فينا اللي لسه دابح التاني؟ مين فينا اللي فرط في التاني؟ مين فينا اللي اتفق ع التاني عشان يكسره؟ مين فينا اللي مصمم على ضياع التاني؟ أنتِ إيه؟ عقلك ده فيه إيه بالظبط؟ فيه "جواد"؟ عرفت عقلي فيه إيه؟ أخذ نفساً عميق، فرغه في الهواء، ثم هتف بتحذير: "من اللحظة دي، رجلك متخطيش بره الأوضة. ع الله تنزلي عند "غوايش". رجلك متخطيش بوابة القصر. بالله لو كسرتي كلمتي المرة دي هتبقى النهاية. أديني نبهتك عشان مترجعيش تلومي نفسك."

انتهى حديثه وتوجه للحمام ليغتسل. أما هي، فتوجهت للخزانة وأخرجت ثوباً وحجاباً وبدلت ثيابها، وأعادت ترتيب الفراش. فخرج من الحمام مرتدياً بنطالاً قطنياً أسود وسترة رمادية، وتوجه لخارج الغرفة دون النظر لها بتاتاً. فغزت الدموع مقلتيها بحزن خيم على ملامحها من جديد. *** "البدروم" ضرب الباب بقدمه بقوة، ففتح على مصراعيه، فوجدها تقف بمنتصف الغرفة بعين ارتجفت من هول طلبه المزدحم بالحنق: "أنتِ إيه؟

وليه شيطانة الوساخة بتجري في دمك؟ مبتزهقيش من نفسك؟ تراجعت للخلف باستفسار تدعي الجهل: "يوه، هو أنا عملتلك حاجة ولا حتى بشوف حد؟ "بقولك إيه، أنا خلقي في مناخيري والعفريت بتتنطط قدامي. هاتِ من الآخر عشان مجبش أنا آخر عمرك وأخلص من قرفك." تعثرت فوقعت على شوال حطب قائلة بتلعثم: "طب قولولي بس تقصد إيه عشان أقولك." "ريحانه" والبلاوي اللي بتوقعيها فيها. عايز أفهم ليه أم الكره ده؟ ليه عايزة توسخيها وتخليها رخيصة في عينينا؟

خلتيها تكذب عليا وتلوث شرفها بالكلام، وكل ده تحت بند أمها. أنا مقولتش حاجة. دي بتكذب عليك." قبض على ساعدها بشراسة جعلتها تتألم، تزامناً مع جذبه لها لتستقر أمامه: "يلعن أبو الكذب على اللي عملوه يا شيخة! أنتِ إيه يا مرة معجونة بمية إبليس؟ أمك كانت بترضعك وسخة. قولتلك معملتش حاجة. متصدقش كل حاجة بتقولها. هولك الغندورة بتاعتك. أنتَ متعرفهاش، دي مياه من تحت تبن." شدد من حصار ساعدها بحنق زائد:

"وديني لو عليا لدفنك تحت التبن عشان أخلص من قرفك. أنتِ عايزه منها إيه؟ عايزها تبقي زانية وحرامية وكذابة؟ وملاوعة ورخيصة؟ في حاجة تانية عايزة تضفيها ع أوردر الوساخة ولا استكفيتِ الحد كدا؟

عمالة تلعبي بيها وتجيبيها يمين وشمال على مزاجك. كل مرة بلعبة شكل. لحد لما ربنا نجاها منك. ودلوقتي جاية تعيدي الحكاية من تاني بفيلم جديد. عايزاها تعمل مصايب تحت مسمى أمها العايشة. بس الحد هنا وخلصت الحكاية. مكانك الشارع كفيل بأنه يلمك." جذبها بقسوة خلفه، يسير بها للخارج وسط أقاويلها الصارخة:

"مش هتخلص مني مهما عملت. مش هتخلصها مني. ريحانه بقعة ملزوقة فيا مش هتخرج غير بالدم. زمان قدرت أخلي أبوها يقتل أمها بدم بارد، وقريب قوي هخلي الحكاية تتعاد، بس المرادي بقتلك أنتَ ليها. ميبقاش شعري ده على حرمة إن معيشها في مرار. أنا اللي حرمتها من أمها لسنين بعد ما قدرت تفلت من الموت. بس ما قدرتش تفلت من إيدي وخليتها عايشة محرومة من الغندورة بتاعتك. هفضل أحرمها منها لسنين محدش يعرف طريق أمها غيري. وزي ما حرقت قلبها عليها وهي عيلة، هرجع أحرق قلبها عليها وهي كبيرة. أنتَ مهما عملت فيا مش هتعرف تحميها مني، سامع؟

مش هتعرف." صرخة مدوية أطلقتها جراء سقوطها على الأرض حينما ألقاها بقوة كما يُلقى العامل قمامة الطريق. أصبحت خارج بوابة القصر في الليل الكحيل بظلام دامس، تبصر بكراهية موحشة. استقبلها بنظرة استثنائية جمعت أوصاف جميع مقتنيات الغضب والحنق وفجور الكلمات التي أطلقها ببحّة أشد من هدوء الهواء، تحتويها لهيب ضربات البرد القارص:

"الضربة منك قصادها ألف ضربة مني. حاولي إنك تقربي منها أو حتى تفكري تمسي شعرة منها. وديني وما أعبد، هقلب حياتك جحيم لدرجة إنك هتخافي تنامي لاجيلك في كوابيسك. يلا، غورِ من هنا. أنا أديتك المرادي فرصة عشان تعيشي، أنما المرة الجاية القبر هيبقى مستنيكي." التفت للخلف يأمر حراسه بتحذير شاخطاً: "حسِك عينك منكم ليه الولية دي تدخل البيت. بالله لو رجليها خطت خطوة واحدة جوه، هتبقوا مكانها بره." هتف باستماع: "أوامرك يا باشا."

سارت دون النظر للخلف، تاركها تبصر بكراهية ملغمة لكيانهم. *** "بغرفة غنوه" تقف أمام "البارون" تستمع له بعدما أخبرته بحديثها مع "هشام". "مع إني مكنتش مخطط للموضوع ده، بس كويس جه في مصلحتنا. اتجوزيه على بركة الله، وأهو تبقى عيني جوه بيتهم." اتسعت مقلتاها بصدمة أطلقتها بقول: "نعم؟ اتجوزه؟ إزاي يعني؟ أنتَ ناسى إني مراتك؟ ملس على شعرها بمكر ذو بسمة تخدير يتقنها: "أنسا إزاي يا قلبي يا "غنوه"؟ أنتِ هتفضلي مراتي طبعاً."

"إزاي هفضل مراتك وأنتَ عاوزني أتجوز "هشام"؟ هو حد يعرف إنك مراتي؟ مش فاهمة؟ "أفهمك يا قلبي." جلس على المقعد الإسفنجي وجعلها تجلس على فخذه، يستبيح شرفها بقوله الدنيء: "محدش يعرف إنك مراتي، فمش هطلقك. كل الحكاية إنك هتروحي لـ "هشام" وتقوليله إنك موافقة تتجوزيه، بس بشرط ياخدك تعيشي عندهم في البيت، على أساس إنه اتجوزك بحجة إنك عايزة تشوفي معاملة أهله و"جواد" ليكي." اتسع بؤبؤها بذهول القول:

"عايزني أعيش معاه في الحرام يا "بارون"؟ "مين اللي قال كدا يا حبيبتي؟ أنا واثق فيكي وعارف إنك مش هتخليه يلمسك. ففين بقى الحرام؟ ابتعدت عنه وتقف أمامه بتصحيح لعقليته: "طبعاً حرام. إحنا كده بنضحك على ربنا يا "بارون". وبعدين ده أنا هنام وأقوم وأدخل الحمام، كل ده قدامه. أيش ضمنك إنه ميحاولش معايا؟ مش ممكن يضعف ويخلينا نرجع نعيد نفس الذنب تاني؟ سند بيداه على سندات المقعد ووقف أمامها يناقشها بذات الدناءة:

"أديكي قولتيها بنفسك، غلطوا مرة فبلاش بقى أسلوب الشرف ده عليا. إحنا في حرب يا "غنوه"، وكل شيء متاح في الحرب." دمعت عيناها كالؤلؤ بتجريح بالقلب الذي شعر بكم الترخيص لشخصها: "حتى الشرف مباح في الحرب يا "بارون"؟ للدرجة دي الشرف والعرض بقوا رخاص؟ احتوى ذراعيها بتوضيح سام:

"بلاش نكبر المواضيع. الشرف والأعراض كلام الناس التافهة اللي عايشة على قولة الشرف أحلى من الفلوس. إنما إحنا ناس عمليين وعارفين كويس إيه القيمة الأكبر. وبعدين أنا قولتلك، أنا واثق فيكي يا قلبي." زم فمها ببسمة سخرية مزجتها بتجفيف دموعها: "اعتمادك مبني على الوهم، لأن أنا مش واثقة من نفسي. فزارِ أنتَ واثق فيا." عقد ذراعيه خلف ظهره متسائلاً ببحة تبدلت للجفاء: "يعني إيه يا "غنوه"؟

"يعني طلقني الأول، واتجوز "هشام" لحد لما اللعبة تخلص وأطلق منه، وبعدين نرجع أنا وأنتَ لبعض." اتسع فمه بشق بسمة الاتفاق: "ماشي، موافق عشان ميرضنيش زعلك. بكرة هيتم الطلاق. أنا أهم حاجة عندي رضاكي." جذبها برفق لتستقر بعناقه الذي شعرت به بالشوك. *** "صباح اليوم الجديد بغرفة جواد"

استيقظت "ريحانه" فوجدته يقف أمام المرآة يهندم خصلاته السوداء، فتنهدت بحزن جراء ما حدث بينهما. ثم لمست رأسها فتأكدت أن الحجاب يخفي شعرها. فشاحت الغطاء عنها ونهضت بثوبها القطني الذي يستر كامل جسدها كما طلب منها: "صباح الخير." التفت وجلس على الأريكة يرتدي حذاءه الشمواه الأسود: "صباح النور. أنتَ رايح الشغل؟ "أيوه." "هتتأخر؟ "ممكن." "طب ينفع أبقى أروح أقعد مع "نسمة"؟ "لاء. ليه؟ نهض يناظرها بشك:

"لأني عارفك هتحكيلها كل حاجة ونتفضح رسمي." أخفضت عيناها بحزن: "مش هقولها حاجة والله." "مفيش خروج من الأوضة. أنا قولتها كلمة تتنفذ من غير مناهضة. خلي يومك يعدي معايا ع الصبح." أومأت بطاعة مخذولة وصارت من جواره، فشعرت بدوار جعل رؤيتها تتشوش، فهتز جسدها وكادت تسقط أثناء استغاثتها به بيرق: "جواد! انتبه لها فحاوطها سريعاً بيديه يجلسها على الأريكة، ثم جلس على عقبيه أمامها يتفحص شحوب وجهها باستفسار يصحبه القلق: "مالك؟

حاسة بإيه؟ رأت الخوف عليها بخضرويتيه، فشنت بسمة الغرام بعينيها ترهق قلبه قولاً: "حاسة إني مريضة بحبك اللي بتتجاهله يا حضرة الظابط." تنهد بتجاهل لما قالت: "مش وقت الكلام ده. طمنيني عليكي. حاسة بإيه؟ "مش حاسة بحاجة. أنا كويسة." "يعني إيه كويسة؟ أومال كنتِ هتقعي ليه؟ تبسمت بكذبة الحب الضائع: "كنت عايزة أشوف خوفك عليا." "بلاش كذب، وشك باين عليه التعب. عايز تعرف إيه اللي تاعبني؟ أومأه دون حديث، فسقط الدمع منها بحرف انبعث

من جوف قلبها المحترق: "تعبانة عشان مزعلاك. أنا عارفة إني وجعتك، بس والله مكنت حاسة بنفسي. عشان خاطري سامحني. فكرة إني متحرمة عليك وجعاني أوي. أول مرة من شهرين متنمش جانبي وتاخدني في حضنك. هانت عليك تبعدني عنك يا "جواد"؟ رغم حزنه على ما تمر به، إلا أن ألمه كان أضعافاً مضاعفة، فنهض بقوله بذات الجفاء:

"أنتِ اللي عملتي فيا وفيّكي كده. سلمتي ودنك للناس تلعب بيكي. قولتي كلام جرح شرفك قبل ما يجرح كرامتي. العقاب على قد الغلط، وأنتِ غلطتك متتنسيش بسهولة." غادر الغرفة وتركها تلعن حظها العاثر. أما بجوار الباب، فكان يختبئ "هشام" بعدما استمع بطريق الصدفة كل شيء دار بينهما. *** "وقت المغرب بالشركة" يجلس "هشام" ويتحدث عبر الهاتف مع "ريحانه" التي لم تغادر حجرتها منذ الصباح: "أيوه، يعني أنتَ عايز إيه؟ هتف بمكر:

"عايز مصلحتك. "جواد" حكالي على الخناقة واللي حصل بينكُم. وبصراحة معاه، حتى أنتِ زودتيها أوي. وبينى وبينك "جواد" مش من النوع اللي بيقبل إنه يسامح بسرعة، عشان كده قولت أساعدك إنك تصالحيه، وبالمرة عشان أصلح موقفي معاكِ." تسائلت باستفسار: "تصالحني عليه إزاي؟ "قبل ما أقولك إزاي، عايزك الأول توعديني إنك متقوليلوش إني كلمتك أو حكيتلك حاجة أو حتى هساعدك. ده طبعاً عشان ميزعلش مني إني بساعدك." تنهدت بحزن:

"أكيد مش هقوله، أنا مش ناقصة خناق معاه." "تمام أوي. بصي بقى، "جواد" بيحب المفاجآت. إيه رأيك لو روحتيله شغله وقلتيله إنك مستحملتيش زعله منك فروحتي وراه عشان تراضيه؟ "لوحة" الفكرة برأسها باستفسار: "أروح شغله؟ لاء، هيزعقلي." "بالعكس، ده هيفرح وهيحس إنك زعلانة عشانه. صدقيني، امشي ورايا وأنتِ تكسبِ. أنا عارف "جواد" أكتر منك." تساءلت بقلق: "طب هو فين شغله وأروحلُه إزاي؟

"بسيطة أوي، هخلي حد من السواقين يوصلك ليه. بس طبعاً لما جواد يسألك هتقوليلهُ إنك أنتِ اللي طلبتي منه يوصلك." "أنا مستعدة أعمل أي حاجة عشان يصالحني." "تمام أوي، انزلي بقى الجنينة من غير ما تخلي حد يشوفك، وسيبِ الباقي عليا." أغلق المكالمة وأجرى مكالمة أخرى للسائق: "البنت هتنزلِك، عايزك تنفذ كل اللي طلبتوه منك. وعلى الله حد يعرف حاجة عن اتفاقنا." أغلق الهاتف وتركه على الطاولة يفكر بابن عمه بكراهية ملأت قلبه. ***

"بعد ساعتين بمقر الداخلية مكافحة المخدرات" بمكتب "جواد"، كان يقف برفقة "علاء" يخاطبه برسمية: "لازم نركز تفكيرنا على مكان التسليمة الجاية. كفاية المرة اللي فاتت مقدرناش نلاقي حاجة في شحنات الخشب، وأديك شوفت اللواء هزقنا إزاي." رد عليه بوقار: "عشان مسمعتوش كلامي. قولتلكم إنه بيلعب بينا ومستحيل يكشفلنا نفسه بالسهولة دي. بس أنتو بقا اللي صدقتوه." "علاء" بجدية:

"عندك حق والله. المهم، أنا هروح مكتبي أكمل التحقيق عشان أروح. بقالي يومين مطبق هنا. سلام." "سلام." ذهب "علاء"، فدق هاتف "جواد" برقم "هشام"، فرد على الفور بجدية: "إيه يا ابني؟ في حاجة ولا إيه؟ هتف الآخر بمكر من داخل سيارته: "مصيبة يا "جواد". مراتك." فزع من مجلسه بلهفة: "مالها؟ جرالها حاجة؟ "ريحانه" في كباريه ومولعاها مع الشباب. ثواني هبعتلك ع الواتساب الفيديو اللي اتبعتلي. أنا رايح ع العنوان. هسبقك لهناك."

شعر أنه داخل حلماً بغيض يقتل ما تبقى من كرامته، خصوصاً عندما أتاه الفيديو وقاما بتشغيله. فرآها تقف وسط حشد من الرجال تتمايل على أنغام الموسيقى الشرقية برفقة كل منهم، محروقة شعرها وبيدها كأساً من الخمر. امتلأت خضرويتيه بدموع تسكر بعقله وتذبح ببطء أوتاره. بتلك اللحظة الموحشة بقهر كساه الغضب، عاود الاتصال على "هشام" قائلاً بحنق: "ابعتلي العنوان حالاً."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...