الفصل 16 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السادس عشر 16 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
19
كلمة
2,724
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

تلاشت دموعها في الوسادة، تسقيها من الآلام ما يكفي لشهور قادمة. كم هو مؤلم أن ترى الأنثى رجُلها بين يدي أنثى أخرى، حتى لو كانت الأخرى زوجته. هذا شعور مقيت يخنق النبض ويذبح الروح، حتى لو لم تكن عاشقة. وكأنثى حرة، لم تقبل أن يحدث هذا الأمر المنافي لإنسانيتها في غرفة نومها وأمام مرأى عينيها. فهمت تنهض من فوق فراشها لتمنع ما يحدث. وفي ذات اللحظة، ألقى "جواد" "نهى" بعيداً عنه، تزامناً مع صفعته لوجنتها اليسرى بضجر:

"حركات كلاب الشوارع دي ما تتعملش، اغوري على أوضتك؟ حدقت النظر به بحنق وهي ترى الأخرى قد استيقظت وتقف بجوار فراشها خلف ظهر "جواد". "انت بتمد إيدك عليا يا جواد؟ "وسأكسر دماغك مدام مش عاملة احترام لكلامي، وما فيش حشمة نهائي! يلا اغوري على أوضتك! "ماشي يا جواد، هغور بس مش هسيبك للسنيورة بتاعتك، سمعاني؟ مش هسيبك له؟ غادرت الغرفة. أما هو فاستدار للخلف فرأى "نهى" تقف بجوار فراشها تناظره بجفاء.

"مكنش في داعي للقلم يا نهى، برضه مراتك وليها حقوق عليك يا حضرة الظابط." "بس حقوقها تاخدها في أوضتها، مش في أوضتي." أشعل مصباح الغرفة واقترب منها هاتفاً بخشونة: "بقولك إيه، أنتِ كمان نامي في ليلتك دي عشان أنا مش طايقك." زمّت فمها ببسمة جافة: "مش فارق معايا، براحتك، ما طقنيش." "بالله لو مبطلتي تردي عليا هكسر عضمك، وأنا أصلاً بتلكك لك." "قول بقى إنك عاوز تضربني عشان تعمل فيها راجل عليا؟

"أنا راجل غصبن عن عين أهلك، ومش الضرب اللي هيعملني راجل يا تربية غوايش." أكلت قلبه بجملته، ففتحت الدموع المرهقة بالحسرة مع غضب عينيها تعارضه بانفعال: "أنا مش تربية غوايش يا محترم، لو كنت تربيتها كان زماني مسلمالك نفسي من أول ليلة، وكنت سلمت نفسي لياسر، ولا أي راجل تاني مقابل الفلوس، وأظن إني حلوة كفاية وأعجب أي راجل يشوفني، وقدر أكسب من ورا جسمي فلوس كتير في سبيل متعة الرجالة زيها."

تلازمت صفعته الغاضبة لوجنتها مع آخر كلمة نطقت بها. صدمتها من صفعته لها لم تطُل لثانية، فقد جذبها من شعرها بشراسة، كرجل حر لا يقبل أن تتفوه زوجته بمثل تلك العبارات المهينة لشرفها. "بالله يابت الجص لو نطقتي بكلمة من اللي قولتيها دي تاني، هقتلك بيدي؟ مش أنا اللي مراتُه تبقى سلعة، حتى لو بالحديث. يمين بالله هقتلك قبل ما تفكري إنك تنطقي بكلمة فاجرة تاني."

مقدر غضبه من قولها، أثار جنون دماء الصعيدي الحر الذي يسكن جسده، فكانت العبارات بذات لغة أصوله. أما هي، فرغم ألمها وبكائها الصامت، إلا أنها لم تقبل ما فعله ولكمته بقوة على منكبه المصاب دون أن تقصد أن تؤلمه، تزامناً مع صوتها الصارخ لما يفعله. "ما تمدش إيدك عليا، ورحمة أمي يا جواد، لو فكرت إنك تضربني تاني هصرخ وألم البيت عليك." شدد أكثر من قبضته عليها متجاهلاً لألم منكبه. "واااه، بتضربيني؟ جرى لك إيه؟

مبقتيش خايفة مني واصل، أكده؟ ماشي، اصرخي، سمعيني صوتك بقى عشان أقطع خبرك. شكلك أكده متربتيش واصل. بس ملحوقة، تربيتك هتبقى على يدي." "أنتَ عامل فيها حر وعندك أخلاق، طب يا محترم ليه سمحت لنفسك تكشف ستر جسمي مدام ساعتها محرم عليا؟ ألقاها بعيداً عنه، واضعاً يده على منكبه الذي يؤلمه بشدة، وبدأ يلهث أنفاسه بغضب ليخفي ما يشعر به.

"أنتِ اللي كشفتي سترك لما جبلتي إنك تعاريني في طلباتي عشان تخدعيني. من أول لحظة كنت عارف إنك بتكذبي عليا، ومن جوايا كنت بقول لأ، مش هتجبل إنها تتعرى قدامك، بس طلعتي بتجيبي أي حاجة عشان تنفذي اللي في دماغك. عشان كده سيبتك وجلتلك تروحي تغفي؟

لأني كنت عارف إنك معندكيش مانع تسلميني حالك مقابل إني أصدق كذبتك. أثبتيلي إنك مشفرجيش حاجة عن مرت أبوكِ، جسمك متاح للكل، مدام الموضوع في سبيل مصلحتك. أنا كان ممكن أجاريكِ وأملكك براحتي فوق سريري، بس مجبلتش أعمل فيكي كده، مجبلتش عليكِ اللي أنتِ جبلتيه على حالك. أنتِ اللي كشفتي سترك ورخصتي حالك، مش أنا اللي رخصتك وكشفت سترك." رفعت مقلتيها تعاتبه بنظرة منكسرة، مثل صوتها الذي بات مختنقاً من شدة بكائها.

"أنتَ السبب، لأنك كسرتني، ضيعت الأمان اللي كنت حاسة بيه معاك، خلتني مش طايقة نفسي، اللي خافت عليك، نفسي اللي صدقت إحساس الراحة اللي حسيته معاك." "الحديث ملوش لازمة واصل، أنتِ قولتيها جوازنا لمدة شهرين، عدا منهم أسبوع. ناقص كام أسبوع ونتطلق. والحد ما الأيام دي ما تخلص، بالله لو متعدلتي واحترمتي إنك متجوزة راجل دمه حر، ميجبلش على شرفه كلمة من كلامك العوج اللي قولتي، هكسرلك عضمك ورجعك للخروف بتاعك جثة في خشبتها."

هتف بما يكوي قلبه بدماء حريته، وهم بالذهاب من أمامها، وأحضر علبة الإسعافات من خزانة الحمام، وعاد إلى الخارج، واستقر أمام المرأة بعدما وضع العلبة على الأريكة، وبدأ بنزع الشاش من على جرحه، فكانت الشاشة منغمسة بالدماء، فبسبب لكماتها لمنكبه تسببت بفتح أحد غرز الخياطة. ثم ترك الشاش على الأريكة، وأمسك بمطهر وقطن ليجفف تلك الدماء المنبعثة من داخل منكبه.

فنهضت بعدما جففت دموعها، وشعرت بكم الخذلان الذي أحاطهما به، وصارت إليه حتى توقفت أمامه، وأخذت القطنة والمطهر من يده، فتركها لها في صمت، فلم يكن يود أن يخوض شجاراً آخر معها، فقد اكتفى بهذا القدر الذي ما زال يحقنه بجرعات الحنق. أما هي، فسكبت من المطهر على القطنة وهتفت بهدوء: "اوعى تتحرك." ثم وضعتها فوق جرحه، فتألمت ملامح وجهه بضجر. "بتوجع، براحة." "لو متحركتش مش هتوجعك." "لو مكنتيش خبطتيني فيها مكانش دا حصل."

"لو مكنتش ضربتني مكنتش خبطك فيها." زمجر بعناد أمام بعضهما، ثم تنهدا باسترخاء، وأبعدا عينيهما عن بعضهما، وعادت لتطهير الجرح له، وهي تشعر بالأسف حيال ما فعلته، فهي من تسببت بهذا الجرح المؤلم لبصرها. "مكنش قصدي أفتحلك الجرح، أنا آسفة." تنهد بجدية: "مكنتش عايز أمد إيدي عليكي، بس أنتِ اللي صعبتيها عليا. بتحبي نهى؟ سألته أثناء تضميدها لجرحه دون أن تنظر لمقلتيه، فقا لها بجدية: "الموضوع مش هيفرقلك إذا كنت بحبها أو لأ."

أومأت بهدوء عكس ما يداعبها باحتراق لأوتارها: "فعلاً مش فارق لي، بس تقدر تقول كدا فضول. إيه اللي يخلي واحد يتجوز على مراته، خصوصاً لو بيحبها؟ تنهد بتجاهل، مبتعداً عنها، وانحنى وأحضر شاشه نظيفة ليحاوط منكبه بها. "روحي نامي، لإنك مش هتلاقي مني جواب." "ومن إمتى كنت بلاقي منك جواب؟

هتفت بملل الحزن، وصارت من أمامه لتغفو على فراشها، وظلت تنظر إليه من خلف غطائها حتى انتهى من مداواة جرحه وأطفأ المصباح وغادر الغرفة عليها. فسقطت دمعتاها بذات الانكسار، فقد ظنت إنه ذهب لـ"نهى". في غرفة نوم "فارس"، كان يجلس "هشام" بجواره على التخت، وعلى التخت الآخر يجلس "جواد" بجوار الطفل "كريم"، وعلى الأريكة يجلس "مرعى" الذي يلقي عليهم دعابة ليخفف من خشونة وجوههم. "مرة

واحد قاعد مع مراته فقالها: يا ترى يا حبيبتي بتفكري في اللي بفكر فيه؟ بصتله وابتسمت وقالتله: طبعاً يا حبيبي بفكر في نفس الحاجة. راح ضربها بالقلم وقالها: آآه يا واطية، عايزة تتجوزي غيري." لم يبتسم غير "كريم" بطفولية، أما الباقين فلم تتلون وجوههم حتى، مما جعله يسألهم باستفهام: "واضح كدا إنها معجبتكمش، مع أنها حلوة؟ "فارس" بجدية: "شغالة بس مش قوي." "هشام" بجدية: "بقولكم إيه، أنا جعان، ما تيجوا نخرج نتعشى؟ رفض "جواد":

"إيه يابني دلوقتي الساعة داخلة على واحدة؟ "فارس" بجدية: "خلاص نطلب دليفري." "مرعى" باقتراح: "طب وعلى إيه، ما المطبخ مليان أكل، ما نجيب منه؟ "هشام" بجدية: "لأ، مش طالبة معايا أكل بيت، أنا هطلب لينا كلنا بيتزا." أخذ هاتفه وطلب الأوردر، ثم وضع الجوال بجواره. فقاله "جواد" لكريم: "بتحب البيتزا، ولا أطلب لك حاجة تانية؟ تبسم الصغير بسعادة: "بحبها قوي." داعب له شعره ببسمة رأسية، فقاله "فارس" ببسمة:

"معاملتك لكريم بتفكرني بمعاملتك ليا وأنا صغير. واضح كدا إنك يا كريم هتاخد مكاني؟ أحتضن الصغير خصر "جواد" بسعادة لم يكن يحلم بها يوماً. "أنا بحب جواد قوي، ده بابا بتاعي، مش أنا ينفع أقولك يا بابا؟ طالبه بعين الاستعطاف العفوية، فتدلت الموافقة من فمه باسترخاء: "أكيد." "مرعى" بمداعبة: "اللي جابك يخلي لك. ياما كان نفسي ألاقي حد يتبناني، بس من حظي الأسود ملقتش غير أم محمود بياعة أكفان الميتين." "هشام" بضحكة: "ده بجد؟

أنت اتبنيت حرامية أكفان؟ "آه والله، كانت ولية كدا تشوفها تحسها جاية من قبيلة قريش." "فارس" بسؤال: "طب وأنت عملت إيه؟ فضلت عايش معاها؟ "أعيش مع مين؟ الولية طلعت مولعب، ولما كبرت وصوتي طخن حبتين، حاولت تغتصبني." زمجر "جواد": "ما تخلي بالك من كلامك، مش شايف عيل قاعد وسطنا؟ "مرعى" بجدية: "عيل إيه بس يا باشا، العيل بكرة يكبر، المفروض ياخد من خبرتنا من دلوقتي، عشان لما يشد حيله كدا يشرفنا."

"يشرفنا إيه، ده أنت فاسد. اكتم واقفل على الموضوع." "هشام" بضحكة: "استنى بس يا جواد، قول يا مرعى، حاولت تغتصبك إزاي؟ "جواد" بجدية: "أنت بتجاريه يا هشام." "استنى يا جواد، هو يعني هيقول إيه؟ "مرعى" ببسمة: "يا باشا متقلقش، مش هقول حاجة عيب. الولية في يوم لقتها لابسة لي قميص أحمر وحاطة مكياج، والله شفتها اتشهدت وقولت: ياه، للدرجادي يارب غضبان عليا. طب مدام فيها اغتصاب، ابعتلي واحدة حلوة حتى، يبقى الذنب له سبب مقنع."

"فارس" بضحكة: "ياااه، للدرجادي كانت وحشة!

وحشة كلمة وحشة بنظلمها معانا، أنت تحسها كدا خارجة من تربة أبو لهب. المهم الولية دخلت تتمشى بمياعة زي التريلة المقلوبة على المعاد، ومعاها طرحة لفيتها حوالين وسطها وبدأت ترقص لي. أنا وقتها مكنتش عارف هي بتغريني ولا بتسد نفسي أكتر. المهم بعد الرقص ما هداها، لقتها قاعدة جنبي وإيديها رايحة لأماكن غلط عليا. وطبعاً، كله إلا شرف الراجل، هو إحنا حيلتنا غيره. المهم أول ما لقتها اتجننت خالص، خبطتها بالقولة على خلقتها وطلعت أجري."

تصادمت ضحكاتهم ببعضهم، وسأله "فارس": "طب ورجعت البيت تاني؟ "لأ، أرجع إيه؟ دي كان شكلها في موسم التزاوج. أنا فضلت قاعد عند واحد صاحبي." "هشام" بجدية: "أحسن إنك مشيت. النسوان اللي من النوع ده تبقى مش مظبوطة." "مرعى" بجدية: "طبعاً، فلّت بجلدي، الولية مكنتش هتحلني." ظلوا يتسامرون الحديث والضحكات، حتى أتى الطعام وتناولوه سوياً. وبعد مرور ساعتين تقريباً، غفوا جميعهم بذات الغرفة.

أما لدى "ريحانه"، فكانت تتحدث مع زوجة أبيها التي دخلت إليها منذ قليل، وأيقظتها من النوم تلقي عليها سموم الحديث. "زي ما بقولك، جواد هو اللي بعت ناس تقتل أبوكي. أنا من ساعة ما جيت عايزة أقولك، بس هو مكنش بيديني فرصة أتكلم معاكِ." أصبحت بمنتصف محيط الانكسار الذي يغرقها بخذلان القدر الذي جمعهما، وحاولت التحدث بصوت بالكاد يخرج من حنجرتها: "جواد هو اللي قتل بابا؟

"ده جبار معندوش إحساس، هددني إني لو حكيتلك حاجة هيخلص عليا، بس أنا قولت لازم أقولكم عشان نرجع حق أبوكِ منه. أنا هخرج بقى قبل ما يرجع ويلقيني عندك."

همت بالخروج من الغرفة، تاركة الأخرى في حالة توهج لجروحها، فقد زادت الآلام والخذلان، وأصبح القلب منبع الأسى والحرمان، فقد تحطمت صورته أمام عينيها، فكيف تشفع له كل ما فعله بها. فنزفت عيونها مياه العذاب التي تحرق جوف جسدها، ونهضت بجسد يرتجف من البكاء، وسارت بخطوات مهتزة غير مستقرة، وفتحت الباب عليها، وظلت تسير حتى وقفت أمام الدرج، فاشتدت عليها النوبة، وسقطت من عليه تتأرجح بين درجاته تتصادم بحطام يشبه حطام قلبها، حتى فارقت عينيها الرؤية، واستقر جسدها الهالك أسفل الدرج بجروح لجبهتها ونزيف لرأسها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...