الفصل 15 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
20
كلمة
3,751
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

في لحظة الهواء المنعش بلذة الأمان، هبت عاصفة قدرية أزالت النبض من الجذور. جعلتنا أجسادًا بلا قلوب، عادت بنا لمهد اللقاء، وكأننا عدنا غرباء، لم نلتقي يومًا. تحطمت أسوار بنيناها بمشاعر الاحتواء حتى تناثرت في الهواء، فأصبحنا من جديد عراة. "جواد"، يا "جواد"، سرحت في إيه؟ كل ده عشان قولتلك تقولي كلام حلو؟

عاتبته "ريحانه" باستفسار، فحرك جفونه بانتباه. فكل ما حدث منذ قليل كان مجرد مقتطفات هيأها عقله، فهو لم يغنِ لها، ولم يقل أشعارًا حتى. "نهى" لم تأتِ إليه بعد، فقد كانت ما زالت عند بوابة القصر تلوح له ليدخلها. "جواد"، قولي كلام حلو بقى، كفاية سرحان! نهض برسمية بحتة قائلاً: قلت لك ماليش في الجو ده، يلا قومي على أوضتك. أمرها بجفاء، وسار إلى البوابة، حيث الحارس الذي يمنع "نهى" من العبور. فوقف "جواد" بأمر جاف: سيبها.

دخلت إليه سريعًا بلهفة: جواد، مالك يا حبيبي؟ إيه اللي جالك؟ هتف بجمود: إيه اللي جابك؟ وعرفت مكاني إزاي؟ رفعت حاجبها بحنق: وانت ما كنتش عايز تشوفني تاني ولا إيه؟ وبعدين كده تمشي من الصعيد وتسيبني من غير ما تقول لي؟ هتف بصرامة: "نهى"، سؤالي واضح، عرفتي مكاني منين؟ "نهى" بجدية: اللي يسأل ما يتوهش يا "جواد"، وبعدين أنت ناسى إني مراتك ولا إيه؟ مراتك؟ هكذا طرحت عليهن "ريحانه" سؤالها القابض لقلبها، فتنهدت "نهى" بتحدي:

أيوه يا حبيبتي، مراته، عندك مانع؟ رمقها "جواد" بصرامة: "نهى"، ما سمعتش صوتك، وانتِ مش قولتلك تطلعي على أوضتك؟ إيه اللي جابك؟ مشاعر الأمان والاحتواء التي كانت تشعر بها تناثرت في الهواء مثل ذرات الغبار، مما جعلها تكبت نبضها الباكي، مدعية الصلابة: اعتبرني ما جيتش، وعلى العموم مبروك، ما كنتش أعرف إنك متجوز يا حضرة الظابط! قالت ما لديها، وهمت بالذهاب للداخل، تاركة إياه يناظر الأخرى بصرامة:

بالله لو ما قولتي مين اللي قالك على مكاني، هكون رامي عليكِ اليمين وطردك. انطقي يا بت! تلبكت بخوف: لأ، طلاق إيه؟ بصراحة كده الست "معالي" هي اللي أدتني العنوان وقالت لي أجى؟ اتسع بؤبؤ عينيه باستيعاب: وهي الست "معالي" تعرفك عشان تديكي العنوان؟ تلبكت أكثر بقولها: بصراحة أه؟ الست "معالي" عارفة إننا متجوزين. ركضت الصدمات خلف بعضها، فقال بتعجب بغيظ بعدما أمسك بمنتصف ذراعها بشراسة: عارفة إننا متجوزين! إزاي؟ انطقي؟

بلعت لعابها بارتجاف: هقولك، بصراحة كده الست "معالي" هي اللي رمتني في طريقك عشان تتجوزني؟ دبت الصدمة في صميم قلبه، فتجحظت معالمه باشتباه بغيظ: يعني مرات عمي هي اللي سلطتك عليا عشان أتجوزك؟

أيوه، الست "معالي" قابلتني من حوالي ست شهور في السوق، مكان ما كنت بشتغل بياعة في محل الملابس الحريمي، وضربت معايا صحوبية، وجاتلي بيتي كتير، وكانت دائمًا بتفرجني على صورك، لحد لما قالت لي إني شبه واحدة كنت تعرفها، وطلبت مني أتعرف عليك بأي طريقة وأحاول أخليك تحبني وتتجوزني. وده اللي حصل، رميت نفسي قدام عربيتك عشان أتعرف عليك. ترك ذراعها باسترخاء حنق، قائلاً بسؤال: وهي بقى كانت عارفة إني اتجوزتك عرفي؟

أيوه، أنا قولتلها ساعتها إنك عايز تتجوزني عرفي للتسلية، وهي رحبت وقالت لي: وماله، بكرة يحبك، والعرفي يبقى رسمي. أقوالها المنشودة بعزف أقدار الغدر كانت كالأوتار السامة تلوث عروقه: إيه المقابل لخدمتك العظيمة دي؟ أكيد خدتي مقابل لعبتك. اقتربت منه خطوة واحتضنت وجنته اليسرى، تقول بنعومة:

بصراحة، الأول كانت عارضة عليا فلوس، بس لما بقيت مراتك ومعاك، مأخدتش منها حاجة عشان حبيتك. أنت سيد الرجالة كلها، وفلوس الدنيا كلها ما تسويش لحظة أعيشها جنبك. خليني جنبك، أنا ماليش غيرك، حتى لو هابقى خدامة عندك. لم يتقبل معظم ما تفوهت به، وأشاح يدها عنه، قائلاً بأمر: وهو أنا برضه أقبل إن مراتي تكون خدامة؟

انتِ هتدخلي البيت بصفتك مراتي، لكن مرات عمي ما تعرفش أي حاجة من اللي حكيتيهالي دلوقتي، ما تعرفش إنك حكتيلي أي حاجة، فاهمة ولا مش فاهمة؟ شقت البسمة فمها بسعادة: من عيوني يا عيوني. أفهم من كلامك إنك هتعقد عليا رسمي؟

محدش يعرف إنك مراتي عرفي، اللي هيسأل هنقول إني متجوزك رسمي. حتى مرات عمي لو سألتك هتقولي لها إني كتبت عليكِ رسمي قبل ما أجي من الصعيد. أما بقى موضوع إني أتجوزك رسمي، فده لسه مجاش أوان قراره. هعمل كل اللي تأمرني بيه، المهم إني أبقى معاك. تنهد باسترخاء التوعد لشن حرب لم تكن بالحسبان. وبعد دقائق معدودة، كان يقف برفقتها أمام أفراد عائلته الجالسين حول طاولة العشاء، يناظرونه باستفهام لون وجوههم، بعدما أخبرهم بهويتها:

مالكم مش سامعين حد بيقول حاجة يعني؟ تنهدت "بهيه" بجدية: هنقول إيه يا "جواد"، مفيش حاجة تتقال بعد ما قولت إنها مراتك. رمقته "نسمه" بتساؤل: وياترى بقى "ريحانه" عارفة إنك متجوز؟ أيوه، عرفت. هتفت بوقاحة: ومدام حضرتك جامد قوى كده، ما بتديهاش ليه حقوقها؟ ولا "جواد" بيه مبرمج للست "نهى" بس؟ تجحظت عينيه بحنقاً: احترمي نفسك وما تدخليش في اللي ما لكيش فيه. "بهيه" بحدة: "نسمه"، ما تدخليش في الموضوع. "فوزي" بجدية:

محدش يدخل في حياة حد. وأنت يا "جواد" طبعاً محدش يقدر يعارضك، أنت أدرى بمصلحتك. لكن يا ترى هتعرف تعدل بينهم؟ تنهدا برسمية: دي حاجة بقى ترجعلي يا عمي. وي، على العموم أنا حبيت أعرفكم بيها، عشان هتقيم معانا من النهارده. كفى من الحديث معهم، وفتنهدت "بهيه" برسمية، واقفة بشموخ: تعالي معايا أوريكي أوضتك. أظن أنها هتقيم في أوضة منفصلة عن "ريحانه". نهضت "نسمه" باستياء: طبعاً عشان سي السيد يبقى من هنا لهنا براحته! "جواد"

برسمية بحتة: لآخر مرة هقولها لك، خليكي في حالك، عشان المرة الجاية مش هعمل حساب للقرابة اللي بينا. زمجرة "نسمه": هتعملي إيه يعني؟ هتضربني؟ هتف بانفعال: أتمنى أنك متوصلنيش لكده. فزع "فوزي" بانفعال: مالكم؟ أنتوا نسيتوا إننا موجودين؟ بتعلوا صوتكم على بعض في وجودنا؟ إيه مفيش احترام للكبار؟ كبت "جواد" مخزون انفعاله ببعض الثبات، فتدخلت "بهيه" لتهدئة الأجواء:

حقك عليا يا "جواد"، "نسمه" منفعلة لأنها بتحب "ريحانه"، لكنها متقدرش ترفع صوتها عليك، ده أنت في مقام أخوها الكبير. وري "نهى" أوضتها يا عمتي. وي أنتِ يا "نهى" تعالي معايا أوريكي أوضتك؟ فضت الاشتباك، وصعدت "نسمه" لغرفتها، وسارت "نهى" برفقة "بهيه" لتتعرف على غرفتها التي ستقيم بها. أما بغرفة "ريحانه"، بعد دقائق من مكثها بمفردها شاردة بأمر زيجته، وجدت "نهى" تقتحم عليها الغرفة دون استئذان، بعدما عرفت الغرفة من "بهيه".

أوضتك حلوة، بس أوضتي أنا أحلى، وعلى فكرة أوضتي لازقة في أوضتك، بس متقلقيش مش هعمل صوت يضايقك، وأنا مع حبيبي "جواد". هكذا حدثتها بكيد الزوجات، فاستقبلت الكلمات برفض لأذنيها، وكأن لم يمر شيء على مسمعها، وقالت بجفاء: براحتك، مش فارق لي. رفعت حاجبيها الأيسر بجفاء: بقولك إيه يابت، أنتِ لو مفكرة أن حركاتك دي هتخليني أهدى وألعب معاكِ وأسيبلك "جواد"، تبقي غلطانة! "جواد" جوزي وهي يفضل معايا، وبيحبني أنا، فاهمة؟

ولا القطة لسه صغيرة على الفهم؟ أزاحت خصلات شعرها البني خلف أذنها بعدم اهتمام لكل ما قيل: لو خلصتي كلام، أطلعي بره، عايزة أنام. ضمت يداها أسفل نهديها، تقول لها ببسمة أنوثة: أيوه شاطرة، نامي عشان "جواد" هينام النهارده في أوضتي، وبقولك إيه، حطي قطن في ودانك عشان متسمعيش صوتنا. كانت تحاول بقدر الإمكان تفادي كلماتها السامة لقلبها، حتى زادت جرعة سمومها بتلك الكلمات القاسية:

هي بقى ست الحلوين عارفة إن "جواد" سابها ليلة فرحها وجه قضى دخلته معايا ونام في حضني، بدل ما ينام في حضنها؟ تصادمت مشاعرها ببعضها، ليكون هجين منكسر: جواد جالي ليلة فرحنا نام عندك. اتسعت عينيها بوقاحة الإجابة: اسمها نام في حضني ومعايا، مش نام عندي. بتلك اللحظة الحاسمة، دخلا "جواد"، فتبسمت "نهى" بدلع أثناء خروجها: متنسيش تجيلي أوضتي، أنت وحشني أوي، هستناك وهلبسلك القميص الأحمر اللي بتحبه عليا، متتأخرش عليا يا عيوني.

أغلقت الباب خلفها، بعدما أشعلت الأمر بينهما. فقرب "جواد" من "ريحانه" برسمية قائلاً: "نهى" هتعيش معانا بصفتها مراتي، زي مانتِ مراتي وعايشة معايا.

رسمت ملامحها بسمة مشتتة تجمع بين القوة والانكسار، الضعف والصمود، الدموع المرهقة بدموع القهر، وجفون تابة الاعتراف بتلك الدموع المسجونة بمقلتيها. أما قلبها، فكان في حالة انفصام نبض، ينبض بلهفة ممزوجة بالحزن مع الضياع، برفقتهم الخذلان والتجاهل. تصارعت جميع تلك المقتنيات الوجهية والقلبية ببحة صلبة تنتمي لفئة البكاء المنيع: لأ، عندك أنا مش مراتك. إحنا كل اللي بينا ورقة مش متسجلة، القانون مش معترف بيها يا حضرة الظابط؟

ورقة مدتها شهرين، وي، بعد الشهرين الورقة هتتقطع، وي كل واحد هيروح من طريق؟ صفعته بحديثها الناضج بكبرياء أنثى، تلاشة مشاعرها مع الهواء في أول منعطف انحدار قدري لعلاقة محرمة عليها، فضيق مقلتيه بشك الجفاء: وي هي بقى السنيورة "ريحانه" لما تطلق هتروح فين؟ لياسر؟ والا هتدور على راجل تالت؟ زَمّت فمها بزمجرة صاحبتها، بحة منخفضة:

"ياسر" اللي بتتكلم عنه دا أحسن منك، على الأقل كان صريح معايا من أول يوم، مش زيك كداب وي بتاع بنات، رحاب وي نهى وي يعلم في مين تاني في قايمة "حضرة الظابط" جواد بيه الهلالي. تعرف أنا كنت بحس معاك بالأمان، بس في اللحظة اللي واقفة فيها قدامك دلوقتي، الأمان مش موجود، حاسة بالخوف معاك، وبقيت متأكدة إن أماني مع "ياسر" وي بس؟ بالله لولا إني عارف حالتك وسبب زعلك، كنت ربيتك على مدحك في راجل غير جوزك؟ فرت دموعها ببسمة ساخرة:

آه، قصدك حالتي المجنونة "ريحانه" العاقلة، وي "ريحانه" الطفلة العبيطة؟ أقولك على حاجة، "ريحانه" الطفلة حياتها أحلى بكتير مني، عارف ليه؟ عشان العالم بتاعها مفهوش كدب وخداع، عالم نقي كله دفء واحتواء. أنا بحس بيها وي بشوفها وي أنا جواها. بس بعد كده مش هازعل، عارف ليه؟

عشان هي أحسن مني. بس يا خسارة، مش هقدر أعيش جواها تاني، لأني فقت منها لما شفتك بتضرب بالنار. صدمة خوفي عليك كانت السبب في إني خفيت من صدمة موت أمي على إيد أبويا. بس لأ، مش هتخلى عنها خالص، وي مهما حاولت تختفي هرجعها تاني، لأني بلقى أماني معاها. لمس مقدار أوجاعها، ورأى تتغير أمام عينيه من وجه مليء بالنضج لوجه عابث بطفولية. لم يفهم ما الذي يحدث، هل شفيت تمامًا من مرضها، وي تدعي الآن الانفصام؟

أما أنها حقًا ما زالت مريضة، ولم تتخلص من أزمتها؟ خصيصًا عندما هتفت بعفوية: "جواد"، مال دراعك؟ أنت متعور؟ قطب جبهته بشك: آه متعور، لما كنا بنجري من الحرامية؟ اتسعت بؤبؤه بذهول طفولي: حرامية؟ يالهوي امتى؟ اقترب منها خطوة واحتضن خصرها بيده المتعافية، وقربها إليه حتى التحم بجسد واحد، ثم نظرا داخل بؤبؤه الشمسي، ناطقًا بطلب ليمحو شكوكه:

متشغليش بالك، المهم إننا لوحدينا، والليل بتاعنا، وي بصراحة كده أنتِ عجباني، وي نويت نقضي أول ليلة لينا سوا. تعالي بقى عشان أعملك الحاجات الوحشة.

"بعتمة الليل الداكن في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، بغرفة نوم "ريحانه"، كانت تغفو بمفردها على الفراش، وعلى الأريكة أمام التخت يغفو "جواد". كانت الأجواء هادئة تمامًا حتى طرق أحدهم الباب عليهما، ففتح الاثنان عينيهما، لكن "ريحانه" ظلت بمكانها، لم تتحرك، ولم تخبره أنها استيقظت. أما هو، فنهض من مضجعه وسار إلى باب الغرفة وفتح الباب، فقتحمت "نهى" الغرفة، وسندت بظهرها عليه بعدما أغلقت الباب عليهما. فاستدار بوجهه للخلف يرى "ريحانه"، فوجدها تغفو، فعاد بنظره

للأخرى بصوت مختنق بضعف: أنتِ بتعملي إيه هنا؟ ارجعي على أوضتك. هتفت بنعومة: جيت لك لما لقيتك مجتليش. نظرا إلى قميص نومها الأحمر القصير بجفاء: إيه القرف ده؟ ارجعي على أوضتك وي نامي! لأ، مش هروح أوضتي غير وي أنت معايا. زمجر بصوت منخفض حتى لا تستيقظ الأخرى: وطي صوتك عشان ما أمدش إيدي عليكِ. غوري على أوضتك وي غيري الزفت ده، أنا مش هنام عندك. حاصرت عنقه بيداها تغازل بأناملها خصلاته:

الكلام ده من ورا قلبك، أنا عارفة إنك عايزني. ولو مش عايز، نروح أوضتي، مفهاش حاجة، خلينا نقضي ليلتنا هنا. تفتحت جوفن "ريحانه" بتلك اللحظة لتصعق عينيها بما تراه، فكان بين يدي الأخرى يستحوذ على شفاهه بقبلة أحرقت ما تبقى من الأمان بقلبها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...