خرجت حواء من ضلع آدم لتتأنس برفقته. مر الزمن والقرون ليأتي قرن جديد يشهد على ميلاد حواء صغيرة في الدنيا لا تفقه شيئاً، حتى ألقى بها القدر لسرداب الرجال تسعى لتنشئ بجوار رجل يهوي النساء، أصبح جدراً يأويها من غشاوة الدنيا.
اعتلت الشمس مكانها في المساء لتعلن عن بداية يوم جديد داخل شقة نهى. تداعب جفون عين جواد النائم على فراشها عاري الصدر، فقد قضى الليلة بأكملها لديها. فتح جفونه وجلس نصف جلسة، ثم أخرج سيجاره من علبته وأشعلها ليستنشق دخانها عبر صدره. في تلك اللحظة، دخلت نهى تحمل صينية الطعام، ثم وضعتها على الكومود وقالت بأنوثة: "صباح الفل على سيد الناس." فرك مدمع عينيه متجاهلاً حديثها: "الساعة بقت كام؟ جلست بجواره مجيبة: "عشرة وربع."
أطفأ سيجارته في المطفأة ونهضا من على الفراش، مرتدياً سرواله فقط. سار نحو صينية الطعام وأخذ شريحة جبن وتناولها أثناء حديثه الجاف لها: "صحيح نسيت أقولك أنا اتجوزت امبارح." فزعت من فوق فراشها بدهشة: "نعم اتجوزت؟ هتف بذات الجفاء بعدما وقف أمام المرآة يهندم خصلات شعره السوداء الساقطة على حاجبيه: "أيوه اتجوزت." صقت على أسنانها بغيرة عامرة بكيانها: "ويا ترى بقى عرفي ولا رسمي؟ "رسمي." تجحظت عينيها بحنق يأكلها: "نعم رسمي!
اشمعنى أنا اتجوزتني عرفي؟ قطب جبهته بذات الجفاء دون النظر لها: "عشان انتِ حاجة وهي حاجة تانية خالص." كلماته القاسية زادت من حنقها، فسار نحوها تسأله بزمجرة: "ويا ترى بقى المحروسة شكلها إيه أحلى مني؟ لوي فمه بهدوء الثلج: "مفيش وجه مقارنة بينكم، انتِ حلوة ونغشة، أما هي فهادية، بس الحق يتقال زي القمر وأحلى من القمر كمان." اشتعلت غيرتها، فصاحت بتساؤل: "ولما هي أحلى من القمر سبتها ليه ليلة دخلتك وجاتلي؟ زم فمه ببسمة
يملؤها الشوق لريحانة قلبه: "لو كنت قضيت الليلة معاها مكنتيش هتشوفيني تاني، عشان كدا بعدت عن سحرها عشان أقدر أفضل زي ما أنا جواد الهلالي اللي انتِ عرفاه؟ رفعت حاجبها الأيسر بكراهية: "واضح أن السنيورة بتاعتك شاغلة عقلك وقلبك يا جواد باشا. مقلتليش اسمها إيه؟ "ميخصكيش." هتف بصرامة واتجه للحمام. أما هي فجلست على المقعد
تتمتم بحقد ملء قلبها: "ماشي أنا هعرف هي مين يا جواد. انسى إني أسيبك لواحدة غيري حتى لو كان فيها موتك وموتها." توعدت له بغضب عمى عينيها مثل الكراهية التي عمت قلبها القاسي. *** أما بشقة سمرا، فكانت تقف أمام تختها بعبائتها الكحلية القطنية ممسكة بقطعة قماش تنظف بها حواف التخت. "ياما نفسي تهتمي بيا شوية زي ما بتهتمي بالتنضيف! عاتبها صلاح الذي خرج للتو من المرحاض مرتدي سرواله الأسود بعدما أتم استحمامه.
فنظرت له بذات العتاب: "صلاح بالله عليك بلاش كلام على الصبح، أنا فيا اللي مكفيني." قوس حاجبيه بلوم حاد: "هو إيه اللي فيكي؟ هو أنا بقرب منك ولا حتى باجي جنبك؟ انتِ ليه مشيلاني ذنب حاجة مش عارفاها؟ فهميني فيه إيه؟ ألقت القماشة من يدها واقتربت خطوة منه مشحونة باللوم الحاد:
"ذنبك إنك حرمتني من كل حاجة من غير ما تحس يا صلاح. خرجتني من المدرسة، اتجوزتني وأنت أكبر مني بتلاتشر سنة. بسببك بقيت أم وأنا لسه طفلة. حرمتني من كل حاجة حلوة." اتسعت مقلتاها بدهشة، لم يكن يدرك أنها تخبئ كل هذه القسوة داخلها. لم يتصور يومًا أنه سبب دمارها. علم سبب هذا الجفاء، فتنهد بهدوء يرد لها العتاب بجدية:
"أنا مخطفتكيش ولا أجبرتك على الجواز ولا دمرت حياتك. أنا اتقدمت على سنة الله ورسوله زي ما عوايدنا بتقول، وانتوا وافقتوا. أما بقا لفرق السن اللي بينا فحاجة عادية معظم شباب وبنات البلد بيتجوزوا بعض في نفس السن، وهنروح بعيد ليه، ما لسه جواد ابن عمك اتجوز امبارح من ريحانة بنت القص وبردو أكبر منها بتلاتشر سنة." شعورها بالظلم لم يسمح لها بتقبل ما يتفوه به، فاستدارت للجهة الأخرى ترتب وتوسد التخت باعتراض جاف:
"أنا ماليش دعوة بحد، كل واحد ودماغه يا صلاح." حرك رأسه بتنهيدة يأسه: "صح، كل واحد ودماغه. على العموم أنا رايح الشغل، وانتِ يابنت الناس شيلي السواد اللي جواكِ من ناحيتي عشان نعرف نعيش. أنا خلاص قربت أنسى إني متجوز. البركة في البيرة والحشيش اللي مسحولك عقلك." قطب جبهته بحنق:
"بشربهم عشان أنسى القرف والنكد اللي عايش فيه. أنا بقرب منك بطلوع الروح، ويوم ما بتحني عليا وبتكوني معايا ببقى حاسس بقرفك مني، مبتبقيش طايقة لمستي، إني باغتصـبك. عرفتي ليه بشرب القرف اللي بتعايريني بيه؟ ابتلعت غصتها بذات الجفاء: "لأ ما فهمتش، ولا عمرك هتفهم طول ما انتِ مشيلاني ذنبك." سار للخزانة ليخرج ملابسه، أما هي فلم تهتم بكل ما قيل، فهي لا تراه سوى السبب الأول في ضياع طفولتها وهدم مستقبلها. ***
وفي ذلك الوقت بمنزل خليل، كانت ثريا تضع مقتنياتها بحقيبة يدها. فدخل إليها خليل بعدما ارتدى بدلته السوداء للذهاب إلى القسم: "رايحة فين؟ مش المفروض النهارده يوم إجازتك؟ ألقت بطرف عينيها عليه، ثم عادت للنظر بالحقيبة: "لأ مفيش إجازات بعد كدا، مستر توفيق عنده ضغط شغل وطلب مني ألغي الإجازات الفترة الجاية." "آه مستر توفيق. طب يا ثريا هانم ياريت تعملي حساب لابنك، دا مكنش بيقعد معاكي غير يوم الجمعة، دلوقتي مش هيشوفك أصلاً."
أغلقت حقيبتها والتفتت إليه تحدثه بذات الجفاء: "أنا مش بلعب يا خليل، أنا بشتغل عشان أوفر له كل حاجة هو عاوزها." قطب جبهته بحدة: "انتِ ليه مصممة تقللي مني؟ ليه عايزة تبيني إني مقصر في حقكم؟ أنا شغال ليل مع نهار عشان مخليش حد منكم ناقصه حاجة." تنهدت بهدوء مميت: "خليل بلاش خناق على الصبح، أنا متأخرة ولازم أمشي. ولو على آدم فمتقلقش الدادة هتاخد بالها منه."
"يكون في معلومك أنا الدادة قالت من يومين إنها هتسيب الشغل عندنا يوم الاثنين الجاي عشان هتسافر بلدها. تقدري تقوليلي هنعمل إيه بقى؟ "ولا حاجة، هتشوف دادة غيرها. الموضوع بسيط بس أنت اللي بتحاول تكبره. عن إذنك بقى لازم أمشي." سارة من جواره بكامل غرورها، فاستقبله بتنهيدة تسجن غصته لكي لا يفعل شيئاً يقلل من احترام صغيره له. *** بعد ساعة بقسم الشرطة، دخل مرعى إلى مكتب جواد الجالس على مقعده، فوقف أمامه متسائلاً:
"أنا سمعت إن ساعتك اتجوزت امبارح. إيوه؟ إيوه يعني تتجوز من غير ما تعزمني؟ لأ أنا واخد على خاطري منك." "ياه دا عز الطلب والله." تنهد باستياء: "مش فاهم ساعتك قرش ملحتي كدا ليه؟ فرك جبينه بتجاهل: "مرعى على بره، قبل ما تخرج عايز أبلغك إن النسوان اللي اتقبض عليهم في شقة مشبوهة على طريق الصعيد اتحولوا على القسم هنا وهما دلوقتي بره." "دخّلهم." ذهب مرعى وعاد بعد دقيقة برفقة ثلاث فتيات يلفون أجسادهم بملاءات ملونة. فنظر
لهم جواد بتنهيدة جافة: "اصبحنا واصبح الملك لله. عارفين الله ولا عايشين للشيطان وبس؟ قالت إحداهن بدلع: "للاتنين يا باشا، مش ساعتك باشا برضو؟ "لأ، شغل النحنحة دا مبيقولش معايا يا روح أمك. اظبطي عشان مظبطكيش." هتف بحدة، فابتلعت الفتاة لعابها واعتمدت الصمت. وفي تلك اللحظة دخل خليل إليه يبوح بغرابة: "مالك صوتك عالي كدا ليه؟ "متشغلش بالك، قعد. وأنت يا مرعى أحدفهم في التخشيبة ورحّلهم بكرة على وكيل النيابة." "ممكن تسمعني؟
" التفتت الأعين إلى ياسمينا، الفتاة الثالثة التي تقف بجوار المقعد تستر جسدها بملاءة حمراء ويبدو على وجهها الخوف. جلس جواد برسمية قائلاً: "خد الاتنين دول على الحبس يالا، وأنتِ قولي اللي عندك." ارتجفت عينيها بدموع الندم وحاولت التماسك: "أنا اسمي ياسمينا، بشتغل رقاصة في كباريه الدلع على طريق القاهرة. بشتغل رقاصة بس، والله ماليش في الشغل الشمال." قاطعها بسخريته الجادة:
"صح ملكيش في الشمال، طب بالنسبة للملاءة اللي ستراكِ إيه نظامها؟ موضة جديدة في اللبس؟ شدتها من احتواء بها: "لأ مش موضة، أنا فعلاً اتمسكت في شقة مشبوهة بس إقسم لك بالله إني مرحتش هناك بمزاجي. أنا رحت بسبب الست صاحبة الكباريه، هي اللي غصبتني على كدا وهددتني إني لو مرحتش الشقة هتبعت تبلغ أهلي عن مكاني." راود خليل الفضول حيالها، فالقى بسؤاله: "هما فين أهلك؟
"في إسكندرية. المهم لما هددتني فكرة إني أهرب منها بس رجالتها مسكوني ونزلوا ضرب فيا بأمر منها وأجبرتني أروح الشقة بالعافية. إقسم لك بالله هي دي الحقيقة، إكسب فيا ثواب وعتقني لوجه الله وأنا أوعدك إنك مش هتشوف وشه تاني." أشعل سيجارته بتجاهل لكل ما قالته: "كل القصة دي ماليش فيها، انتِ هتتحولي على النيابة وهما بقى يا إما يلبسوكِ قضية دعارة يا إما يخرجوكِ بكفالة." عارضته برأسها بحزن صاخب لبكاء عينيها:
"لأ بالله عليك بلاش قضايا، أنا حكيتلك الحقيقة وحياة أغلى حاجة في حياتك لتقف جانبي. أنا ماليش غيرك دلوقتي بعد ربنا." "ربنا بريء منك انتِ وامثالك، بلاش كهنة الحريم دي عليا مبيقولوش معايا." تدخل خليل برسمية بعدما شعر ببرائتها: "استنى بس يا جواد، أنا محامي وبعرف أفرق بين المظلومين والكذابين والبنت دي شكلها مظلومة." قطب جبهته بجدية: "من الآخر عايز إيه؟ نظر له مدبراً أمرها: "خرجها بكفالة على ضمانتي." فرك أنفه متسائلاً:
"انتَ إيه اللي يخليك تضمن واحدة زي دي؟ تنهد برسمية لينهي الأمر: "حسي القانوني، متنساش إني محامي وبعرف البريء من المتهم. ماشي هتخرج على ضمانتك بكفالة خمس آلاف جنيه، بس لو لمحتها هنا تاني بالله محد هيخرجك حتى لو كان وزير الداخلية نفسه." أومأ ببسمة أمل. أما خليل، فبعد أن انتهى من كافة الإجراءات، خرج برفقاتها بعدما أعطاها سترته لتسترها فوق الملاءة. ثم وقف أمام القسم تناظره بامتنان:
"شكراً من كل قلبي والله عمري ما هنسى وقفت حضرتك جانبي." هتف مستفهماً: "أنا معملتش غير واجبي. المهم قوليلي هتروحي على فين دلوقتي؟ فرت دموع الرهبة من عينيها باستسلام: "مش عارفة. لو رجعت الكباريه الست نواعم مش هترحمى، ولو رجعت لأهلي هيقتلوني." حن قلبه لضعفها، فاخرج منديلًا وأعطاها إياه: "طب خدي امسحي دموعك ومتخافيش، تقدري تقعدي في مكتبي لحد بكرة وبعدين الأمور هتتحل." اتسعت عينيها بدهشة: "حضرتك بتتكلم بجد؟
"آه، انتِ قولتلي اسمك إيه؟ تبسمت بحزن يغطي ملامحها الدافئة بالجمال: "ياسمينا." أومأ برأسه قائلاً: "ياسمينا تمام، ياله خليني أوصلك للمكتب وبكرة هبقى أعدي عليكِ." ذهبت برفقته وهي تشعر بالراحة بجواره. أما بالداخل، فأتى اتصال لجواد من مأمور القسم: "إيه اللي عملته دا يا حضرة الظابط؟ ضيق عينيه متسائلاً: "خير يا فندم، عملت إيه؟ "انتَ إزاي تحبس إسلام ابن همام الضلعي؟ تنهد بحنق:
"زي أي ظابط بيحبس مجرم، ولا إحنا فتحناها لوكانده وأنا مش عارف؟ هتف المأمور بغضب: "اتأدب وأنت بتتكلم يا حضرة الظابط. أما بالنسبة لإسلام فـيخرج حالا." نهض والغضب يملؤه، فقاله ببعض الرسمية: "أوامرك يا فندم، اعتبره خرج." أغلق الهاتف ودلف للخارج يصيح بزمجرة: "مرعى، إنتَ يا زفت يا مرعى." أتى إليه راكضاً بقلق: "تحت أمرك يا جواد بيه." سأله بحنق: "العيل اللي إسلام ابن همام خبطه جراله إيه؟
"الواد بخير في المستشفى، كل الحكاية دراعه ورجليه اتكسروا." فرك لحيته بتوعد يخفي مكره: "بس كدا، طب بسيطة. امشي خرجُ من التخشيبة الواد برا." "حاضر يا باشا." سار مرعى، فتجه جواد للخارج وركب سيارته وظل منتظرًا لبضع دقائق حتى خرج إسلام من القسم. فشغل محرك السيارة بقول غاضب لما حدث: "مدام هتخرج منها من غير حساب، فخد بقا حسابك بنفس عملتك الوسخة. أنت مش أحسن من اللي خبطه بعربيتك يا ابن همام."
قاد السيارة اتجاه إسلام الذي تفاجأ بقدوم السيارة إليه، فتسعت عينيه برهبة، وقبل أن يتحرك صدمه بالسيارة، فوقع على الأرض على بعد أمتار من السيارة، يصرخ بألم فقد انكسرت ساقه اليسرى. فركض البعض إليه، أما جواد، فنزلا من السيارة وسار إليه حتى أصبح أمامه، ثم جلس نصف جلسة يناظره بعين تلونت بالسواد الكاحل نابع من أعماق الجسد:
"بلغ أبوك إن اللي خبطك بالعربية اسمه جواد رضوان الهلالي. قوله كدا، كل واحد خد حقه. بما أن أبوك إيديه وصلت للمأمور ونجاتك من الحساب، فـأنا بقا اديتك الحساب بنفس الطريقة. أنت خبطت الواد وكسرتله إيده ورجله، وأنا خدت للواد حقه وكسرتلك رجلك. إحنا كدا خلصين يا نانوس عين أبوك. بس خلي في علمك المرة الجاية، بالله لهكون كسرلك رأسك ورأس أبوك لو خبطت حد تاني."
نهض شامخاً بكبريائه اللائق عليه كثيراً، وسار للسيارة يركبها ليغادر المكان. *** عاد جواد إلى بيت أبيه وصعدا الدرج وسار إلى حجرتة وفتح الباب وتدلى للداخل، فوجدها تقف أمامه بعبث. فضيق عينيه يسأله أثناء إغلاقه للباب: "مالك شكلك مضايقة؟ لوت فمها بذات العبث: "أنتَ كنت فين وسايبني لوحدي؟ تعرف إن النور قطع أكتر من ساعتين وفضلت قاعدة بعيط من الخوف عشان بخاف من الضلمة؟ تزامنت غصة بقلبه بقلق عليها:
"معلش كان عندي شغل مهم. المهم أنتِ كويسة." أومأت ببسمة هادئة، فتفحص قميصه الذي مازالت ترتديه: "غيري القميص دا وتعالى معايا هنروح نشتري لك لبس جديد." اتسعت مقلتاها برهبة تبوح بلبكة: "إيه؟ هخرج؟ لاء هخاف." قطب جبهته مستفهماً: "هتخافي من إيه؟ بلعت لعابها بربكة أكثر: "من الشارع، أنا متعودتش إني أخرج."
أدرك أنها تشعر بالرهبة من ذلك العالم الذي لم تتعرف إليه بعد، فقرب خطوة منها وأمسك بيدها يحتويهما بقبضتيه الكبيرتين، تزامناً مع نظراته الدافئة لعيونها: "متخفيش من حاجة طول ما أنتِ معايا، وبعدين أنتِ مش كان عندك تلفزيون وبتشوفي الناس والأماكن والشوارع؟ اعتبري نفسك دخلتي جوه التلفزيون واندَمجي مع اللي هتشوفيه من غير ما تخافي." ضيقت عينيها بعفوية: "يعني أبقى بطلة فيلم وأنتَ البطل بتاعي؟
خفق قلبه بدفء الرياح المحلقة بإعجاب يسكن الروح. فتحمحم ببعض الرسمية مبتعداً عنها: "حاجة زي كدا، وياله بقا أمشي غيري لبسك والبسي لبس امبارح والطرحة وخلينا نمشي." "حاضر." هتفت بهدوء وسارت من جواره لتبدل ملابسها. أما هو فخرج متجهاً لحجرة أخيه ودق الباب فأذن له فارس بالدخول، فدخل يناظره بجدية: "أخبارك إيه؟ وقف أخيه باحترام: "تمام الحمد لله. أنتَ كنت فين؟ دخل وجلس على حافة الفراش قائلاً: "كنت عند نهى." جلس أخيه
أمامه مضيق عينيه بغرابة: "نهى؟ أنتَ لسه على علاقة بالبنت دي؟ فرك عنقه بجفاء: "نهى مراتي، ولا نسيت؟ تنهد بجدية: "لأ منستش، بس شكلك أنتَ اللي مش قادر تنسى رحاب عشان كدا لسه بتلجأ لنهى عشان بتفكرك بيها؟ قبض قلبه بذكريات قد تفتحت، تزامناً مع إكمال أخيه للحديث: "أنتَ ليه مش قادر تعترف إن نهى مجرد بنت بتشبه رحاب؟
نهى مش هي رحاب، رحاب سابتك بإرادتها وقررت إنها تسافر القاهرة عشان تكمل دراستها وتبقى سيدة أعمال. رحاب متستاهلش حبك. فوق بقا يا جواد حبك لرحاب لسه مسيطر عليك." نهض شامخاً وكأنه لم يسمع شيئاً، يسجن ألم قلبه بسلاسل ممزقة بالعذاب لقلب يتألم من العشق. "أنا خارج ومعايا ريحانة هنشتري شوية حاجات، لو احتاجت حاجة ابقى كلمني." حاول السير، فوجد أخيه يعارضه بحديث صائب:
"أنت مش بس أخويا الكبير، أنت أبويا، أنت اللي ربيتني وكبرتني، أنت اللي راعتني من لما أبونا وأمنا ماتوا وأنا عندي تلت سنين. أنا مابكيتش عليهم يا جواد، أنا بكيت عليك. أنت كنت أبويا وأخويا وصحبي، أنت كل حاجة ليا، وأنا ميرضيني أشوفك بتتعذب وماشي في طريق الحرام وأقف ساكت عشان خاطر أخوك. سيبك من نهى، جوازك منها باطل، وسيبك من حبك لرحاب لأنها بقت مجرد ماضي. ارجع تاني صلي وصوم، دا أنت اللي علمتني الصلاة والصيام. كنت أمامي.
عارف إنك بطلت صلاة وصوم ورسمت وشم واتجوزت عرفي عشان ربنا مستجبش لدعائك لما دعيتله كتير أن رحاب تتراجع عن قرارها وتفضل هنا معاك وتتجوزك. ربنا مبيتعاقبش، أنت كدا مش بتعاقب ربنا، أنت بتعاقب نفسك. ليه متقولش أن الله أعز وجل مستجبش لدعائك عشان رحاب متستاهلكش، أو مثلاً جوازك منها كان هيبقى فيه مشا مشاكل أو ابتلاءات أنت كعبد متحملهاش."
استقبل حديث أخيه بتنهيدة عميقة سجنت تلك الكلمات بجوف القلب المأثور بالخذلان، الحانق للأوتار ليخض الشريان دماء ملوثة بحزن الألم. وقال بجمود: "ركز في شغلك يا فارس، أنا مش هتأخر شوية وهرجع." تدلى للخارج، فوجدها تقف بجوار بابها مرتدية ملابس البارحة والحجاب، فلم يتحدث إليها وأكمل سيره، فعقدت حاجبيها بغرابة، ثم سارت خلفه حتى خرجت من باب البيت وركبت برفقته السيارة، فقادها لخارج البيت متجهاً إلى السوق. ***
بعد ساعتين، كانت تسير ريحانة برفقة جواد تتشابك أصابعها بأصابعه، تشعر بالرهبة من هؤلاء البشر والبائعين المتجولين من حولها، حتى دخلت برفقته لمحل ملابس محجبات. كانت به فتاة بمنتصف العشرينيات تقف بجوار كومود النقود. "أهلاً وسهلاً، يا ترى الآنسة بتدور على حاجة معينة؟ سألتهم ببسمة، فلم تجيب ريحانة، فقال جواد نيابة عنها: "عايزك تشوفي لها لبس مناسب لجسمها وفي نفس الوقت يبقى واسع ومحتشم." اقترحت الفتاة ببسمة:
"طب لو بنطلون وفوقيه شيميز أو بلوزة طويلة ينفع ولا إيه؟ عارضها بجمود: "أنا عايزها بنت مش بنت متشبها بالولاد. البناطيل والشغل ده للرجالة، البنات ليهم لبس يستر عورتهم بحشمة مش يظهرها لكل خلق الله. شوفي لها عبايات وفساتين تنفع للبيت." تحمحمت الفتاة بإحراج: "حاضر يا فندم تحت أمرك. اتفضلي يا آنسة معانا." نظرت له بخوف، فربت على يدها بدعم جاد:
"امشي معاها اختاري اللي يعجبك، أنا هستناكي هنا عشان في جوه حريم مينفعش أخش أتلازق فيهم." حاولت الاسترخاء والتماسك، فتركت يده وسارت برفقة الفتاة، أما هو فلم تفارقه عينيه، فظل يراقبها حتى انتهت من شراء ما تحتاج إليه، فتجه للفتاة وأعطاها حق المشتريات وخرج من المحل برفقاتها وهي تحمل أكياس ملابسها الجديدة وسارت للسيارة وأخذ منها الأكياس ثم وضعها في الأريكة الخلفية، ثم نظر لها قائلاً برسمية:
"خلينا نروح نجيب لك كوتش وكام صندل وشباشب للبيت والطرح." أومأت دون اعتراض، فمسك بيدها من جديد وسار لأحد محلات الأحذية، فدخل فاستقبله شاب أصغر منه ببعض الأعوام: "حريمي ولا رجالي يا برنس؟ "حريمي، بس متتعبش نفسك أحنا هنختار." هتف برسمية بحتة. فقاله الشاب: "زي ما تحب المحل قدامك." دخل برفقاتها يتفحصون الأحذية النسائية، فسألها مستفهماً تزامناً مع فحصه للأحذية: "بتلبسي مقاس كام؟ هتفت بهدوء كالمعتاد: "مقاس ٣٧."
لوي فمه برسمية: "٣٧ على كدا سندريلا." لوت فمها بعفوية، أما هو فبدأ باختيار الأحذية بمشورتها وتوجهوا للشاب يعطونه ما تم اختياره، فسألهم مستفهماً: "هي الآنسة قاستهم؟ قطب جبهته بصرامة: "لأ، مقاستش." "طب مش تقعد وتقيس اللي اختارته بدل ما يطلع المقاس كبير على رجليها؟ "إحنا بنحب المقاسات كبيرة، شوف سعر الحاجة كام عشان مستعجلين." تحدث ببرود. فتحمحم الشاب بجدية: "تمام زي ما تحب، ثواني وتبقى الحاجة جاهزة."
غلف الشاب الأحذية وأعطى العلب داخل الأكياس لجواد، فأعطاه النقود، ثم ذهب للسيارة وعادوا للسير يبحثون عن محل للأحجبة، وأثناء سيرهم أوقفهم طفل صغير يحمل الكثير من البالونات الملونة: "تشتروا بلونة بخمسة جنيه بس." شعرت بالعطف حياله، فتركت يد جواد وجلست نصف جلسة لتصبح بطوله: "أنتَ معاك كام بلونة؟ هتف ببسمة: "عشرين واحدة، تاخدي واحدة؟ أومأت ببسمة، فأعطاها بالونة وردية قائلاً بعفوية الصغار: "دي حلوة أوي شبه لون خدودك."
اتسعت شفتيها ببسمة أطلقتها للصغير بائع بالشوارع: "تعرف هي كمان شبه خدودك، أنا وأنتَ زي بعض." اقترب منها يقبل وجنتها، فعانقته بمحبة إلهية قائلة: "اسمك إيه بقا؟ "كريم." خرجت من عناقه تناظره بسؤال: "اسمك حلو أوي، فين باباك ومامتك؟ عقد ملامحه بحزن: "معرفش، أنا معرفش حد غير الراجل اللي بيديني البلالين عشان أبيعها." "ملكش أهل؟ طب بتنام فين؟ "في مدخل بيت بتاع صاحب البلالين." شق الألم قلبها وغزت الدموع عينيها،
ونهضت تناظر جواد بعفوية: "حرام ملوش أهل، هو إحنا ينفع ناخده معانا؟ قطب جبهته بغرابة: "ناخده معانا فين؟ ريحانة استهدي بالله وشوفي عايزة كام بلونة عشان نمشي." أخفت دموعها بحزن: "كل البلالين! تنهدا بجدية: "ماشي." أخرج مائتي جنيه وأعطاهم للصغير قائلاً: "خد وخلي الباقي عشانك." أخذ المال وأعطاها البلالين، فامسكتهم وعادت تعطيه واحدة وردية: "اتفضل دي مني ليك شبه خدودك عشان تفتكرني." أخذها الطفل بسعادة، فقالت بسعادة مثله:
"إيه رأيك لو توزع معايا البلالين على الأطفال؟
أومأ الصغير، فسارت أمام جواد يوزعون البلالين على الأطفال البائعين للورود والمناديل وغزل البنات. كانت مثل الحورية العفوية بينهم، تتنقل بتناغم من صغير لآخر ترسم الفرحة على وجوههم، تتبادل معهم الضحك النابع من القلب الذي يشبههم كثيراً. التفوا حولها الصغار يأخذون منها البلونات، ثم أمسكوا بيدها وبدأو يلتفون بها وكلن منهم يحمل بالونته مثلها. هيئتها بعينيه تشبه فراشة مزخرفة بأبهى الألوان الإلهية، تطير بتناغم لتسرق حواسه بعفويتها المحلقة بسماء كيانه. حتى انتهت من تلك المهمة الحيوية بالحب وسارت إليه ببالونتها تتنفس
بلهفة مندمجة ببسمة راقية: "شوفت الأطفال فرحوا إزاي؟ أنا مبسوطة أوي بيهم." فاقه من سحرها على أنغام صوتها العذب، ففرك مدمع عينيه قائلاً: "شكل كدا مفيش محلات للطرح هنا، خلينا نروح وهبقى أبعت لسمرا تجيب لك من المحلات اللي تعرفها." أومأت مطاوعة إياه، وكادا يتحركا لكنهما سمعا صوت صراخ، فالتفت فوجدا كريم ممدداً على الأرض فاقداً للوعي. فركضت ريحانة إليه وجلست على عقبيها أمامه تحمل رأسه على يدها، تزامناً مع هتافها القلق:
"كريم مالك؟ فوق يا كريم! تقدم منها جواد وجلس نصف جلسة يتفحص الصغير: "شكله داخل من الشمس." نهضت به تضمه لصدرها تناظر الآخر بعين امتزجت بدموع الحزن: "أنا مش هسيبه هنا، خلينا ناخده معانا عالبيت نطمن عليه ولما يفوق نبقى نرجعه. من فضلك عشان خاطر أغلى حاجة عندك وافق." فرك جبهته باستسلام جاد: "ماشي، لما أشوف آخرتها معاكي." حملا الصغير عنها وتجها للسيارة ليعودا للبيت. ***
بعد ساعتين من جديد، كانت تجلس ريحانة بمفردها بالحجرة، وبجوارها كريم، فما زال يغفو بعدما اتضح لهم أنه يعاني من ضربة شمس. أما جواد، فقد ذهب ليجلب للصغير دواء. وبتلك الأثناء، سمعت ريحانة صوت غوايش يملأ المكان من الخارج، فنهضت من جوار الصغير وتدلت للأسفل حتى وصلت إلى الباب وفتحته، فاستقبلتها غوايش بالبكاء: "الحقي يا ريحانة، أبوكي معرفش إيه اللي جراله." اندب الخوف بقلبها، فصرخت بتساؤل: "مال بابا في إيه؟
"أبوكي عمال يكح لحد لما جاب دم، مش عارفة أعمله إيه." "بابا حبيبي، ياله خديني عنده." هتفت بلهفة وكادت تذهب، لكن فارس نزل على الصوت قائلاً باستفهام تزامناً مع اقترابه منهما: "إيه الصوت دا، وأنتِ يا ريحانة رايحة فين؟ ارتجفت ببكاء الخوف: "بابا تعبان ولازم أروحله دلوقتي." سألها بجدية: "جواد يعرف إنك خارجة؟ "لأ ميعرفش." "طب استنى لما أتصل بيه وأعرفه." عارضته غوايش بحدة: "هو دا وقته؟ بتقولك أبوها بيموت ويمكن متلحقش تشوفه."
ارتجفت تزامناً مع هطول دموعها المرتعبة: "لأ أنا همشي، مش هستنى حد، أنا عايزة أشوف بابا." "طب خلاص اهدى، خليني أروح معاكي وفي السكة ابقى أكلم جواد." هتف برسمية وسار برفقتهما، وأخذهما بسيارته. ***
وبعد ساعة، عاد جواد للبيت فلم يجد أحداً غير الصغير، فحذف الأدوية على الأريكة وأخرج جواله وتصل على أخيه فلم يجب، فعاود الاتصال عليه مجدداً فلم يجب، مما جعل الخوف يراوضه، فاسرع بالخروج من البيت وركب السيارة وقادها للبحث عنهما، تزامناً مع معاودة الاتصال. ظلا يبحث عنهم حتى عثرا على سيارة أخيه بجوار أحد الأشجار، فنزلا سريعاً من السيارة يتفقد المكان بعينيه وعلى أذنه الجوال يجرى اتصالاً عليه، فسمعا صوت رن جوال أخيه يأتي من
وراء الأشجار، فبدأ بالسير وسط الزرع، وكلما خطا خطوة اقترب الصوت منه أكثر، حتى خرج من بين الزرع ليتفاجأ بمشهد لم يتوقع أن يراه حتى في أسوأ كوابيسه. رآه أخيه قتيلاً تسبح من حوله الدماء، وبجواره تجلس ريحانة في حالة من الصدمة بدموع امتزجت بدماء فارس، وبيدها سكين حادة يغرقها دماء أخيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!