رأه أخيه قتيلاً تسبح من حوله الدماء. وبجواره تجلس ريحانة في حالة من الصدمة بدموع امتزجت بدماء فارس، وبيدها منجل حاد يغرقه دماء أخيه. فـسرع بالركض والجلوس بجواره يتفقد نبض يده. فشعر بنبضاته أسفل إبهامه. فسقطت الدموع من عينيه بتنهيدة أخرجت معها خوفه القاتل على أخيه. انحنى يقبل جبينه بخفقات قلب تمزق أوتاره. احترقت أجوافه بوجع يكسر عظامه. رفع جسد أخيه يضمه لصدره.
"متخفش يا حبيبي أنا جانبك. أنا جواد أبوك يالا أوعى تسيب أبوك لوحده في الدنيا وتمشي. أنا ماليش غيرك. أنا عايش عشانك يا خويا." حمل أخيه بين ذراعيه ونهضا مسرعين للسيارة. ثم وقفا أمام الباب الخلفي للسيارة يصيح بغضب: "ريحانه! تعالى أفتحي الباب بسرعة. فارس دمه بيتصفى." أرتجف جسدها برهبة مما يحدث حولها. ونظرت إلى طلته المرغبة لكيانها وهي ترى دموعه الجشة تتساقط على وجهه حاد بالصرامة. فنهضت سريعاً وركضت إليه وفتحته له.
فوضع أخيه وأغلق الباب بإحكام عليه. ثم أمسك بذراعها وسار بها للأمام وفتح لها الباب وأدخلها ثم أغلقه عليها. وتجهَّ لمقعده ليقود السيارة بأسرع سرعة يستطيع التحكم بها متجهًا لأقرب مشفى. بعد ساعة تقريبًا بالمشفى، خرج الطبيب من حجرة العمليات. فأسرع جواد بالوقوف أمامه يسأله باندفاع يأكل قلبه من شدة خوفه عليه: "طمني على فارس. عايش صح؟ ربت الطبيب على منكبه بابتسامة مشرقة: "صح. فارس بخير الحمدلله."
عاد الأمان إليه بكلمات كالدواء لقلبه المتألم. ونفخ هواء جوفه الساخن بالخلا. "طب حالته إيه؟ طمني عليه. عدى مرحلة الخطر؟ "إصابته بالمنجل مخترقتش بطنه بالكامل، وده من أسباب نجاته. هو حاليًا اتنقل للغرفة بتاعته وكلها ساعات ويفوق من البنج. تمام." "بس ياريت يا جواد باشا تعمل تحقيق في الموضوع لأنها شبه جريمة قتل. وأنا مردتش أتصل بالشرطة بوجودك ساعتك ظابط واللي جواك دا أخوك. ومن الأفضل إنك أنت اللي تحقق في الموضوع بنفسك."
أومأ برسمية. فغادر الطبيب. أما هو فاستدار ينظر لـريحانه بعين ضيقها بشراسة وسار إليها حتى توقف أمامها يلقي أسئلته عليها: "إيه اللي خرجكم من البيت؟ ومين اللي عمل كدا في فارس؟ أنتِ شوفتي كل حاجة بما إنك كنتِ معاه. قوليلي مين اللي عمل فيه كدا؟! رفعت عينيها التي تشبه حمرة الفراولة الداكنة. ونهضت تناظره بقلب يرتجف خوفًا تزامناً مع نطقها لتلك الكلمات التي تشبه الفيضان الذي سيغرق حياتهما. "ياسر." قطب جبهته مستفهماً:
"ياسر مين؟ "جوزي." تجحظت عينيه بشراسة يحتويها الذهول مما صرحت به. فقبض على مرفقها بقوة كادت تكسره: "جوزك إزاي؟ أنتِ بتقولي إيه؟! أرتجف كامل جسدها من شدة ألم مرفقها وبشراسة ملامحه. فحاولت التحدث ببكاء لم يكف عن الهطول تزامناً مع صوتها المرتجف:
"من سنة اتقدملي شاب اسمه ياسر، تبع مرات أبويا وخلوني وافقت عليه وكتب عليا سوري زي ما أنت ما عملت. جوازي منه كان في السر عشان عائلته كبيرة وكان لما بيحب يقعد معايا كان بيجيلي بيت بابا يبات معايا يوم أو اتنين. بس كان عصبي ودايمًا بيقولي أنتِ طالق لحد لما طلقني بالتلاتة. وعشان نرجع لبعض قال لي إني لازم أتجوز واحد غيره محلل، عشان كدا اتجوزتك." أرتجف جسده ببسمة يملؤها الحنق. لم يكن يصدق أنه مجرد ورقة في لعبتها.
فشدد من قبضته عليها يبوح ببحة يملؤها التواعد: "يعني ريحانة هانم طلعت متجوزة ومطلقة وواخداني كوبري عشان ترجع لحبيب القلب ياسر؟ "أنا آسفة، مكنش قصدي أزعلك. هما فهموني إن جوازنا عادي. ولما تطلقني هقدر أرجع لياسر حبيبي." عزفت الكلمة بلحن الألم على أوتار قلبه لتعلن انكساره للمرة الثانية. لكن هذه المرة الانكسار هشّش رجولته مما جعله يفرغ غضبه بصفعة لوجنتها اليسار. جعلتها تنزف من فمها وأنفه.
تزامناً مع ارتمائها على المقعد وهي تشهق بألم باكي. تزامناً مع صرامته الجشة: "حبيبك إيه؟ أنتِ مفكراني هسيبك ترجعي له؟ أنا مش كوبري يا روح أمك عشان تعدي من عليا. بالله يا ريحانة، لهوريكي اللي عمرك ما شوفتيه حتى في كوابيسك. والكلب اللي كنتِ متجوزاه، أنسي إني أسيبك له. حتى لو فضلت سايبك زي البيت الواقف. لا أطولني ولا أطولوه." عارضت بحركة رأسية مرتجفة بخوفاً: "لأ، أنتَ قولت لي إنك هتتجوزني لمدة شهرين وبعد كدا هتطلقني."
جذبها من منتصف ذراعها بحدة أكثر:
"ده لما كنت مفكرك بريئة وعلى نياتك. بس طلعتي تربية غوايش. الغازية اللي فتحها عالبحري لكل رجالة البلد. ومشء الله عليكي طلعتي أوسخ منها. كنتِ متجوزة في السر. ولما الكلب اللي معاكِ طلقك بالتلاتة، قررتي إنك تتجوزي واحد محلل مغفل تقضي معاكِ كام يوم ويطلقك عشان تقدري تتجوزي الكلب بتاعك تاني. بس حظ أمك الأسود إنه وقعك مع جواد ابن رضوان الهلالي اللي هيوريكي يعني إيه اللي بيحصل للشخص اللي بيحاول يلعب عليه. مش أنا اللي أبقى محلل يا بنت القصة. طلاق مش هطلق حتى لو شوفتك بتموتي تحت رجلي."
اندفعت تقول بقلقاً: "ياسر مش هيسبني ليك. هو بيحبني وأنا كمان بحبه." وقاطعها بصرامة حادة: "اخرسي خالص يا تربية غوايش. وسختك تخفيها عشان مقطعش لسانك. بالله لو سمعتك بتتفوهي حاجة عنه، هحدفك في بئر ملوش قرار عشان تعفني، عشان العفانه لايقة أوي على وسختك. من اللحظة دي اعتبري نفسك بقيتي مسجونتي وسجنك مش هيخلص مهما عملتي أنتِ والمحروس بتاعك." نزع انجذابه لها من جذور قلبه وكأنه لم يراها من قبل.
أما هي فلم تكن تستطيع فعل شيء سوى الخوف الذي بات يأكل جسدها. "قتل فارس ليه. انطقي." عاود السؤال بصرامة. فـارتجفت تجيبه بلبلة: "هحكيلك اللي حصل." ضيق عينيه مثل الذئاب يتلهف لسماع ما ستروي على أذنيه. فزاد خوفها الذي بات يظهر على هيئة ارتجاف يكبل جسدها. فأصبحت على موعد لتذكر ما حدث منذ عدة ساعات. حدث في وقت مضى. تجلس ريحانة بالمقعد الأمامي المجاور لفارس بسيارته المتجهة لبيت أبيها.
منغمسة في البكاء خوفاً من يحدث له مكروه. وبين لحظة وأخرى، ظهرت سيارة GB سوداء اعترضت طريقهم مما جعل فارس يوقف سيارته باللحظة الأخيرة قبل اصطدامه بها. والتفت يتفحص بعينيه زوجة أخيه خوفاً من أن يكون قد حدث لها مكروه. "أنتِ كويسة؟! أومأت برهبة مما حدث. فالتفت ونظر لـغوايش الجالسة بالمقعد الخلفي. فرآها بخير. فستدار للأمام ينظر عبر الزجاج للسيارة السوداء التي خرج منها رجلين ضخمين يرتدون بدل سوداء ونظرات بذات اللون.
يراهم يقتربون من سيارته. فأسرع بالخروج لهم. فـاستقبله أحدهم بضربة قوية على رأسه بمؤخرة السلاح. فسقط فاقداً للوعي. رأت ريحانة ما حدث بعين اتسعت برجفة جعلتها تخرج خوفها بصرخة هزت كيانها. "متخيلتش كدا. دول رجالة ياسر بيه." هتفت غوايش لتطمئنها. فراوضها فضولها المخيف أكثر: "ياسر هو بيعمل إيه هنا؟
"أبوكي مش عيان ولا فيه حاجة. أنا عملت التمثيلية دي كلها عشان ياسر بيه يوصل وكان عاوز يشوفك. ولما أخوه جواد صمم إنه يجي معانا، بعت للبيه رسالة عشان يعمل حسابه." صرحت بما تخفيه. فخرجت ريحانة من السيارة دون أن تنطق بأي كلمة وسارت إلى فارس بقلق. فوجدته الحارس يمسك بيدها يأخذها للسيارة السوداء وفتح الباب وأدخلها وأغلقه. فـبلعت لعابها برهبة وهي ترى زوجها السابق يناظرها بعين مليئة بالمكر.
"وحشاني يا ريحانة. إيه أنتِ مش فرحانة عشان شوفتيني؟ تمتمت بعفوية مندفعة بلوم: "لأ، مش فرحانة عشان الراجل اللي بيشتغل عندك ضرب فارس وهو أصلاً معملوش حاجة عشان يضربه." قطب جبهته مستفهماً بمكر: "ما يضربه أنتِ مالك؟ إيه اللي مزعلك؟ هتفت بعبث: "عشان هو طيب ومعملش حاجة تزعلني. وبعدين جواد لما فارس هيحكيله، هيزعقلي أنا." أهتز ببسمة باردة: "لأ متقلقيش مش هيزعقلك عشان مش هيعرف إن رجالة جوزك السابق هما اللي عملوا كدا."
أظهر الحزن عليها فـلوت فمها بعتاب: "هو أنتَ مش هترجعلي بقا؟ مش قولتلي لو اتجوزتي راجل غيري محلل هقدر أتجوزك تاني بعد ما يطلقك؟ أحتضن وجنتها اليسار بيده يخدرها بسحر كلماته الهادئة: "فعلاً قولتلك كدا، ولسه عند وعدي. عشان كدا جيت لك عشان أعرف إيه اللي حصل بينك امبارح أنتِ وجواد." "عملتي اللي قـلتلك عليه وخـلتيه يقرب منك؟ قوّست حاجبيها بتساؤل:
"أيوه. أنا عملت زي ما كنت قايل لي. لبست لبس قصير ووقفت قدامه. بس هو خرج وسابني لوحدي. مش عارفة ليه." فرك أنفه بضيق. فسألته بعبث: "هو أنتَ عاوز يقرب مني ليه؟ عشان أقدر أتجوزك تاني؟ لأزم يقضي ليلة معاكِ." تذكرت ما أخبرتها به غوايش عن مفاهيم لليلة الحب. فتلونت وجنتيها بحمرة الخجل تسأله: "بس اللي مرات أبويا حكت هولي عشان أعمله مع جواد حاجات غريبة وباين إنها قليلة الأدب. أنا هتكسف أعمل كدا معاه." قاله بدم بارد:
"لأ متتكسفيش، لأزم تعملي اللي طلبت منك عشان نقدر نرجع لبعض." "حاضر. هعمل كل اللي بتقولي عليه عشان إحنا بنحب بعض. مش أنتَ قـولتلي إن أنا وأنتَ بنحب بعض؟ سألته بسطحية لم تكن تدرك حتى معنى الحب ومشاعر الحبيب. فهي تمتلك من الجهل ما يجعلها مثل الطفل الصغير الذي يلقنه الناس الكلمات منها الحسنة والبذيئة فيرددها دون أن يدرك ما معناها الحقيقي. هذا ما يحدث معها تماماً.
يلقنها ياسر الكلمات والمفاهيم الخاطئة لترددها وتعيش بها دون أن تعرف المعنى الحقيقي لها. نظر لها متمتماً بهدوء يلقي ما تبقى لديه: "طبعاً بنحب بعض. أنا بحبك وأنتِ مش بس بتحبيني، أنتِ مقدريش تعيشي من غيري." زم فمها ببسمة عفوية: "وحشتني النوم في حضنك وأنتَ بتقرالي حواديت. هنرجع نتجوز وهاخدك تعيشي معايا في القصر بتاعي اللي في القاهرة ومش هخليكي تبعدي عن حضني تاني. بس عاوزك تسمعي الكلام ومتقوليش أي حاجة عننا لجواد."
"حاضر." "طب يلا أنزلي روحي عند فارس اطمني عليه ومتنسيش تخلي جواد يقرب منك وتعملي معاه كل اللي غوايش قالت لك عليه." أومأت ببسمة وخرجت من السيارة. فلم تجد غوايش إلا فارس. فراوضها القلق عليهما. فبدأت بالبحث عنهما حتى عثرت على فارس خلف الأشجار بطلته المرعبة التي جعلتها ترتجف من الخوف وتسقط جالسة بجواره. تمسك بالمنجل الذي ارتخت به يدها عليه. في الوقت الحاضر: "أكيد رجالة الكلب بتاعك هما اللي طعنوا أخويا." هتف بحدة.
فـارتجفت تنفي برأسها: "معرفش. أنا قولتلك اللي عملته. معرفش حاجة تاني والله." زم فمه ببسمة كارهة أشد من كره العرب لليهود: "اللي قولتيه هيخليني أعمل فيكِ اللي أنا عايزه بضمير مستريح. مش البيه عايزك تقضي معايا ليلة؟ ماشي هنفذ طلبه عشرة على عشرة لدرجة إنه هيديني جايزة تقدير على المجهود اللي هبذله. لكن طلاق برضه مش هطلقك. ينسى إني أرجعك له. تعرفي أنا مستعد أسلمك لعزرائيل ولا إني أسلمك لياسر." "أنتَ ليه بتكرهني؟!
سألته ببكاء. فـألقاها على المقعد بصرامة: "لأنك متستهليش غير الكره. احمدي ربك إني لسه سايبك على وش الدنيا بعد اللي حكيتيه لي. بالله يا ريحانة، لهخلي حياتك الجاية معايا أسود من عتمة القبر." توعد لها بالكثير فما فعلته لا يغتفر. فكيف نغفر ذنوباً مثل جمرة النار تحرقنا بين الحين والآخر. ما فعلته جعله يلقي ببذرة إعجابه بها لجوف قلبه لتسجن إلى وقت غائب لا يعلم إن كان سيأتي أم لا.
بذات الوقت لدى ثريا بمكتب أحد رجال التاريخ التي ذهبت إليه لتعطيه أوراق تأمين سيارته. كانت تتفحص بعينيها هذا المكتب البديع الممتلئ بقطع آثار غير أصلية وخرائط وساعات حائط قديمة. "بعتذر اتأخرت عليكي." التفتت ببسمة لمن يحادثها تقول بنفي: "عادي. ولا يهم حضرتك. أنا مستمتعة بالنظر للتحف وفرش المكتب." أجابها السيد رأفت البالغ من العمر ستون عاماً:
"أي حد بيدخل المكتب بتاعي بيحس إنه رجع بالزمن لسنين ورا. ده حقيقي فعلاً. بحس إني في سنة 1940 مثلاً." "كأني ماما بتحكي لي حكاية المكتب. الماضي بنقدر نسمع حكاويه من ناس عاشوا قبلنا، أما المستقبل مبنقدرش نعرف حاجة عنه لأن محدش عاشه." ضيقت عينيها بفضول هدوء: "يااه لو في حد رجع من المستقبل وحكالي عن حياتي كلها هيحصل فيها إيه." تنهد بيأس: "متفرحيش كدا عشان جايز اللي هتعرفيه هيزعلك مش هيفرحك." انتبه الفضول أكثر:
"كلامك سابق لأوانه. أنا متأكدة إني لو كنت في المستقبل وعرفت إيه اللي عشته في الماضي هبقى مبسوطة ومش هغير فيه أي حاجة." إصرارها الفضولي جعل العجوز يخرج من الكومود ساعة يد غريبة الهيئة ووضعها أمامها.
"الساعة دي عثرت عليها في مقبرة فرعونية. ساعة ملعونة بتدخلك في فجوات زمنية للزمن اللي تختاريها، لا إما للماضي، لا إما للمستقبل. تقدري تجربيها. ظبطي عقاربها على المدة الزمنية اللي عايزاها واضغطي على ختم العالم هتلاقي نفسك بقيتي في الزمن اللي اخترتيه." ظنت أنه يمزح أو أصيب بالجنون. فحملت الساعة وحركت عقاربها الزمنية على مرور ثمانين عاماً أي عام 2104. وقبل أن تضغط على الختم، أوقفها العجوز قائلاً:
"اخترتي الماضي ولا المستقبل؟ "المستقبل." "لما تنهتي رحلتك في المستقبل وتحبي ترجعي للزمن بتاعك، هتلاقي الساعة مدفونة جنب الهرم الأكبر على بعد نص متر فقط. بس خلي في بالك لازم قبل ما تضغطي على الختم تكوني بتفكري في الشخص اللي عايزة تبقي عنده، لا إما هتوهي في المستقبل ومش هتعرفي توصلي لأي حاجة عنك." حركت حاجبيها بضحكة ساخرة أطلقتها بعد حديثه الذي ظنت أنه مجرد هلوسات عجائز.
ثم ضغطت على الختم وهي تتمنى أن تصبح في بيت صغيرها آدم بعد مرور ثمانون عاماً. ظلت واقفة لثوانٍ تنظر للعجوز بسخرية بسبب عدم حدوث أي شيء مما قاله. حتى أتت اللحظة التي لم تكن تنتظرها بتاتاً. شعرت بمصباح شمسي أضاء بعينيها جعلها تحجب الضوء برفع مرفقيها كدرع واقٍ من قوة الضوء. تزامناً على إصدار ضوضاء صاخبة بأصوات حيوانات وقطارات وأصوات أمواج البحر. دب الخوف بقلبها مما يحدث.
فجلست على عقبيها في وضعية السجود تضم جسدها من رهبة تغيرات ما يحدث حولها. حتى تلاشت الضوضاء والضوء. وسمعت صوت عزف موسيقى راقية على البيانو. فرفعت رأسها من على الأرض لتتفاجئ بجلوسها في لاونج قصر شديد الفخامة. فـأسرعت بالوقوف بفزع لم تكن تتخيل أن كلام العجوز جائز حدوثه. فها هي الآن في عام 2104 بعد مرور ثمانين عاماً للمستقبل. "أنتِ المرافقة الجديدة اللي بعتها السيد بهاء." التفتت بفزع لمن يحادثها.
كأنه رجلاً مسن بالغ من العمر 86 عاماً. لم تكن تفهم بعد الذي يحدث. فجنون ما حدث وحقيقة الساعة الزمنية شوشت على تفكيرها. مما جعلها تندفع بسؤال: "إحنا فين وسنة كام؟ قطب المسن جبهته برسمية: "سنة 2104. وفين؟ إحنا في القصر بتاعي." فركت شعرها بإنكار تزامناً مع التفاتتها حولها بجنون: "لأ مستحيل 2104 المستقبل في قصرك؟ لأ، أكيد فيه حاجة غلط. حاجة غلط." "أنتِ مش عاوزة تشتغلي عندي." "أشتغل عندك إيه؟ وأنتَ مين أصلاً؟ تنهد
المسن بمسايسة لما يحدث: "تبقي المرافقة بتاعتي تهتمي بأكلي وشربي ولبسي وقراءة الكتب ليا. أما اسمي إيه فواضح إن بهاء كالعادة نسي يقوله بسبب الزهايمر اللي عنده. أعرفك بنفسي أنا السيد آدم خليل السوالمي، أشهر عازف بيانو في منتصف السبعينيات أي سنة 2072 من حوالي خمسة وثلاثين سنة تقريباً." اتسعت مقلتيها بذهول مرعب صعق نبضاتها. فكيف تقف أمام صغيرها الذي مر الزمن به وأصبح مسن على وشك الاحتضار.
لم يستطع عقلها تحمل ما يحدث مما أدى إلى فقدانها للوعي والسقوط أمام ابنها المسن. في الحاضر لدى هشام. كان يجلس في حجرة نومه يتحدث مع أحدهم عبر الجوال. "أنتَ عايز إيه بالظبط؟ قولتلي اعمل أي حاجة عشان جواد يتجوز ريحانة وعملت. قولتلي أطلع خوفها وأعمل حالي بعتدي عليها وعملت. أفهم ناقص إيه تاني عشان تقولي على مكانهم؟ داخل حجرة مظلمة يجلس أحدهم على مقعد متحرك وأمامه شاشة عليها صورة جواد. يناظره بحقد مخيف:
"لسه بدري. إحنا لسه بنقول يا هادي." فزع من جلسته باعتراض حاد: "هو إيه اللي لسه بدري؟ أنا نفذت كل طلباتك يوميها مقابل إنك تقولي على مكان غنوة وابني." "فعلاً أنا قـلت كدا، بس مش بالسهولة دي أقولك على مكان حبيبتك وابنك. بس قولي، هما أهلك يعرفوا إن كان عندك حبيبة حملت منك وهربت خوفاً من إنك ترفض إنك تتجوزها وترفض الاعتراف بابنك؟ صق على أسنانه بحنق: "لأ محدش يعرف. المهم هتقولي على مكانهم امتى؟ "قريب." أغلق المجهول الجوال.
أما هشام فجلس على حافة فراشه بغضب يحرق عروقه يتذكر ما حدث البارحة ليلة الحفلة. حدث في وقت مضى. بالأمس بقصر الهلالي حيث الموسيقى والضيوف. حينما أتى همام وستاذاً هشام للذهاب قليلاً. دخلا إلى مكتبه يتفحص بعين دامعة صورة لحبيبته السابقة غنوه وهي تحمل ولداً صغيراً يشبهه كثيراً. وصورة أخرى لشهادة ميلاد الصغير باسم "أمان هشام علي الهلالي" واسم الأم "غنوه فراج الأسيوطي". تلك الشهادة كانت شهادة عودته للحياة من جديد.
فقد ظلا على مدار ثلاث سنوات يبحث عنها دون جدوى. حتى أرسل له هاتان الصورتين برسالة بها خمس كلمات فقط: "لو عاوز تعرف مكانهم أتصل." تحتوي الرسالة على رقم هاتف. فتصل سريعاً. فلم تمر ثوانٍ وأجابه ذلك المجهول: "كنت عارف إنك هتتصل." هتف باندفاع ولهفة: "فين غنوه وابني؟! "غنوه وأمان بخير، أوي. أنا أعرف عنوانها وكل حاجة عنها هي وابنك. بس لو عايز تعرف مكانهم لازم تسمع كلامي وتنفذه بالحرف الواحد."
فضوله للعثور عليهما جعله يندفع قائلاً: "هعمل اللي هتطلبه بس قولي على مكانهم؟ تبسم المجهول بكراهية: "هقولك بس لما تنفذ. عايزك تخلي جواد ابن عمك يتجوز خطيبتك ريحانة والنهارده." تجحظت عينيه بذهول من هذا الطلب العجيب: "أنتَ بتقول إيه؟ يعني إزاي أجوزها وليه يتجوزها وإزاي يحصل؟
"ده طلبي لازم يتنفذ. ريحانة بتخاف. لو قسيت عليها هتجيلها نوبة الصرع. يسلم بقى لو كان في وجود جواد والحريم طبعًا هتبقى اللحظة المناسبة اللي تقول فيها إنها مراته. وطبعًا خوف الست معالي من الفضيحة هيخليها تأكد على كلامك وتجوزهم؟ "أنتَ هتستفاد إيه من كل دا؟ وإيه اللي يضمن لي إنك تقولي على مكان غنوه وأمان؟
"مفيش ضمان. وملكش دعوة هستفاد إيه. لو عايز مساعدتي عشان تعرف مكانهم نفذ اللي طلبته منك. وخلي في علمك في حد هيرقبك ويقولي عاللي بيحصل. سلام يا هشام باشا! أغلق المجهول الجوال تاركاً هشام في حيرة من أمره. لكن شوقه للعثور على حبيبته وصغيره كان بمثابة الاختيار الأول والأهم له. وقرر أن يفعل ما طُلب منه. وبالفعل دخل عند ريحانة بعدما تركها جواد وتعمد إخافتها لتأتيها النوبة. وحينها أتى جواد وحاول ردعه بعيداً عنها.
فقرر الاستمرار بالشجار معه ليزيد الأمر سوء وتخرج النساء. ولم تمر دقائق ونجح الأمر. وصرحت معالي أمام الجميع أن ريحانة زوجة جواد وستمرا بالتمثيل والشجار مع والدته ليثبت لمن يراقبه أنه يفعل ما أمر به المجهول. وبعد أن غادروا المنزل ليتم كتب كتاب جواد وريحانه. أتاه رسالة صوتية على ذات الرقم من المجهول يطلب من هشام شيئاً أشد بشاعة:
"براڤو عليك نفذت باحترافية. دلوقتي جه دور الخطوة التانية والأصعب. تطلع حالاً لعند ريحانة وتوهمها إنك عاوز تغتصبها وتهددها بكلام يرعبها وتسبها وتنزل وتنبه عليها إنها لو جابت سيرتك لجواد هتخطفها وتقتله. ده أمر تنفذه من غير نقاش، يا إما تقرأ الفاتحة على روح ابنك. ومتنساش في حد بيراقبك." شعور بالجنون من ذلك الطلب حاول أن يرفضه كثيراً. لكن خوفه من خسارة صغيره للأبد جعله يحسم قراره.
وبالفعل صعدا إليها وأوهمها أنه يحاول الاعتداء عليها جسدياً. من ثم أرعبها بتحذيره. ثم خرج من عندها وتصل عليه قائلاً بحزناً من حاله على ما فعله مع زوجة ابن عمه الذي يضعه بمكانة الأخ: "نفذت طلبك."
"عفارم عليك. دلوقتي أول ما هيجي جواد ريحانة هتحكيله على كل حاجة عملتها معاها وجواد مش هيسكت وهينزل يتخانق معاك. عايزك تعامله وحش وتكذب كلام مراتهُ. خلي في علمك اللي مراقبك لو حس إنك هتعترف أو هتلمح بحاجة ليهم هيديني رنة وساعتها هزعل ومش هقولك على عنوان حبايب قلبك. عايزك تتعامل بكرة حتى قدام أمك تتكلم بقذارة وحقد على جواد. مش عايز حد يحس إنك بتمثل. ولو نفذت كل الأوامر هتلاقيني بتصل وبديك عنوان غنوه وأمان."
أغلق الجوال. فـاستعد هشام لتنفيذ آخر جزء باللعبة. وبالفعل عندما واجهه جواد كذبه وتشاجر معه بعد أن تركوا القصر. أكمل تمثيلهُ مع والدته لكي يتأكد المراقب من ولاء هشام لهم. في الوقت الحاضر استيقظ هشام من مذكرته على صوت جواله الذي يدق برقم والدته. فـحمله وهتف بجدية: "خير يامي." هتفت معالي ببكاء يهز قلبها من داخل سيارته: "مش خير خالص. فارس حد قتله." فزع من فوق الفراش بغضب التحم بالخوف الذي أسرع بهطول دموعهُ:
"يعني إيه اتقتل؟ مين اللي قالك كدا؟ لسه حد مكلمني من المستشفى وبلغني الخبر. أنا رايحلهم دلوقتي أطمن عليه." ركض للأسفل بلهفة وهو يجفف دموعه: "ماشي أنا مسافة السكة وابقى عندهم." قاد سيارته بسرعة فائقة تعلن عن مدى محبته وخوفه على ابن عمه. يحدث في المستقبل. عادت ثريا إلى وعيها لتجد ذاتها تغفو فوق فراش بحجرة نوم سوداء. جميع مقتنياتها وفراشها باللون الأسود الداكن قابض النفوس.
ففزعت من فوقه تلهث أنفاسها بصعوبة تحاول أن تستوعب ما يحدث لها. حتى استقرت عينيها على لوحة معلقة على الجدار لها ترتدي بها ثوباً غاية في الأناقة وعقد يبدو أنه باهظ الثمن. فبدأت تسير ببطء حتى توقفت أمامها تتعمق النظر بها. "أنا كمان استغربت لما شفتك. الشبه اللي بينك وبين أمي عجيب." قاله السيد آدم تلك الكلمات بعدما طرق الباب عليها. لكنها لم تنتبه للصوت. فقرب منها قليلاً ولمس بسبابته منكبه.
فـرتجفت بخوف تزامناً مع التفاتتها إليه. فـضيق عينيه ببسمة: "مالك خوفتي كدا ليه؟ بلعت لعابها برهبة من هول ما يحدث. فكيف تقف وتتحدث مع صغيرها الذي نال الكبر منه وأصبح عجوزاً شائب. "هي اللي في الصورة دي أمك." زم فمه ببسمة حزن ارتسمت على ملامحه المتجعدة: "أيوه السيدة ثريا السعدي." شعرت بحزنه حينما سألته عنها. مما جعل الفضول يقتلها لمعرفة السبب وراء هذا الوجه المتألم.
"يا ترى الزعل دا عشان هي أكيد توفت ولا عشان حاجة تانية؟ وليه حاطط صورتها في أوضة ألوانها أسود ومخيفة كدا؟ كلها أسود فأسود." حرك رأسه ببسمة أشد ألم مع تنهيدة قاسية خرجت من جوفه المحمل بالآلام: "لأن ألوان الأسود أكتر لون شبهها. نفسها كانت مخيفة. هي فعلاً توفت من مدة طويلة. تقدري تقولي كدا. مبقتش حابب أفتكر ماتت امتى." الطعنة الأولى بكلماته الصريحة أصابت منتصف قلبها باحترافية. جعلتها تأخذ نبذة عن حقيقتها بعين صغيرها.
فزارت الدموع عينيها وهتفت مستفهماً: "يا ترى لدرجة دي مامتك إنسانة سيئة وشايفها في ظلمة ألوان الأسود؟ "مش أنا اللي اخترت أشوفها كدا. هي اللي اختارت تبقى كدا في نظارنا." بلعت غصتها ببعض التماسك: "أنا ليه حاسة من كلامك إنك مكنتش بتحبها؟ حرك رأسه ببسمة أشد حزناً: "أنا محبتش في حياتي قدها، بس هي محبتنيش. حبت وفضلت حاجات تانية عليا." فضولها الأليم لمعرفة ما فعلته بالماضي ليتسبب في حالة انكسار صغيرها بالمستقبل جعلها
تهتف بصوت متحشرج بالبكاء: "واضح إن حضرتك عانيت كتير. هو ينفع تحكي لي حكايتك وإيه اللي عملته والدتك خلتك تقول عنها الكلام دا؟ قصته معها لم تكن تعني الكثير له. فقاله: "مع إنها هتفكرني بحاجات مش عايز أفتكرها، بس هحكيلك مقابل إنك تبقي المرافقة بتاعتي. موافقة؟ "اتفقنا. ودلوقتي تعالي معايا أوديكي أوضتك وأعرفك على كل حاجة في القصر. بس مقولتليش اسمك إيه." تبسمت بحزناً: "أسيا."
أختارته على مقدار ما علمته عن حقيقتها بعين ابنها. تبسم آدم لها وذهب أمامها فلحقت به لـ تتعرف على البيت الذي سيشهد على معرفتها بالكثير عن نفسها وما فعلته بالماضي. يحدث في الماضي. وصلت معالي إلى المشفى وبدأت بالبحث عن غرفة فارس حتى عثرت عليه. وقبل أن تمسك بمقبض الباب، وجدت جواد يمسك بيدها يمنعها بجفاء: "جاية ليه يا مرات عمي؟ زادت حصرتها وهطلت دموعها: "جايه عشان أطمن على فارس. طمني عليه يابني."
"فارس كويس. مفيش داعي لوجودك هنا. تقدري تمشي." "أمشي يا جواد بتقول لي كدا عادي." تعمد الجفاء: "أيوه." عاندته بحزناً: "طب أنا بقا مش همشي. هقعد لحد لما أطمن على فارس واللي يحصل يحصل." لوى فمه بجفاء أكثر: "براحتك بس مش هتشوفه." بتلك اللحظة رآه هشام يركض إليه حتى أصبح أمامه يسأله ذات السؤال بقلق أشد: "فارس فين؟ طمني عليه. ومين اللي عمل فيه كدا؟ تنهد بجمود:
"متسألش عن اللي ما يخصكش يا هشام. ويالا خد مرات عمك وامشوا من هنا." كان يعلم سبب هذا الجفاء. فقاله بندم: "أنا عارف سبب زعلك، بس حقك عليا. أقسم لك بالله اللي عملته كان غصب عني." "غصب عنك؟ ولا وسختك اللي ظهرت فجأة هي السبب؟ ليك حق أكتر من كدا. بس أقسم لك بالله إني عمري ما بصيت على حاجة ليك ولا فكرت إني أكرهك. اللي حصل يوم الليلة اللي عملناها لفارس كان غصب عني. عملت اللي عملته لأني كنت مجبر عليه." ضيق عينيه مستفهماً:
"مجبور عليه إزاي؟ لم يكن يملك سبيلاً غير التحدث وإخبارهم بحقيقة تلك المكالمات والمجهول وقصته مع غنوه ليتمكن من إظهار براءته. سمعت معالي كل ما حدث له. فـوقفت أمامه بعد أن انتهى من روى قصته. تناظره بحنق ممزوج بدموع الحزن. ورفعت مرفقها وصفعته بقوة تزامناً مع قولها:
"بسببك خلتني أقول كلام معملتهوش عشان أطفي نارك من ناحية جواد ونيمك عشان متروحش تأذيه أو تتعرض لمراته. بسببك كذبت وقلت على نفسي قتلت عمك ومراته. وبكره جواد وهجبلك مراته تنهش عرضها. خلتني ضربت جواد عشان أقدر أسكتك. بسببك منمتش طول الليل عشان بفكر هعمل إيه وإزاي هصفي قلبك من ناحية ابن عمك. أتاري كل دا بتمثل علينا يا ابن معالي." هتفت بالحقيقة الكاملة فهي لم تقتل أحداً ولم تكره جواد ولا فارس يوماً.
كل ما قالته الليلة البارحة كان مخدر ليقلل حركة هشام من إيذاء أولاد عمه. "يعني أنتِ مقتلتيش عمي ومراته زي ما قولتيلى؟ سألها بفضول متلهف لسماع الإجابة: "محصلش. أنا قولتلك كدا عشان أقدر أسكتك. وبعدين مرات عمك كانت تفيدة أختي من لحمي ودمي. قسماً بالله العلي العظيم مقتلت حد ولا هكره بكره جواد ولا فارس. كل اللي قولته كان كذب وتمثيل زي ما أنت كذبت ومثلت علينا." تنفسا بطمأنينة رسمت الراحة عليه:
"ده أنا من كتر التفكير بموضوع بالليل منمتش. مكنتش مستوعب إنك تعملي حاجة زي دي. واضح كدا إن كلامكم مع بعض طول. أنا ماشي." هتف بجفاء، فـأمسكته معالي من يده بعتاب: "خد هنا مفيش مشي ليك. إحنا أهلك وعمرنا ما كرهناك. أنتَ ابني البكري مش بس ابن أختي. أنا عارفة إننا غلطانين وزعلناك بس كان غصب عننا. ربنا اللي كان عالم باللي في نفوسنا. خلاص بقى متزعلش خليك معانا." "هو حضن معالي موحشكش ولا إيه؟
متزعلش مني يا جواد. أنا عملت كدا عشان خاطر ألاقي غنوه وأمان. والله مفكرة حتى مجرد التفكير إني أقرب لمراتك. مراتك من لحظة ما كتبت عليها وهي بقت أختي وشرفها يعني شرفي." كان يعلم جيداً أنهما يقولان الحقيقة. فعلى مدار الـ 25 عاماً التي قضاهم ببيتهم لم يلقى منهم سوى الحب والدفء الأسري. لكنه لم يغفر لهما بسهولة ما فعلاه. فـقاله برسمية:
"محتاج وقت عشان أنسى عملت السودا يا هشام. أما مرات عمي فـقلمك لسه معلم جوايا حتى لو كان قلم مزيف." قاله ما لديه وتركهم. ومر الوقت وعاد للمنزل برفقة ريحانة. التي فور وصولها تذكرت الصبي كريم. فتركت جواد عند الباب وأسرعت بالصعود إليه ودخلت حجرته. فوجدته ما زال نائماً. "بتعملي إيه عندك؟ سألها جواد بصرامة. فـفزعت من فوق الفراش بخوفاً: "مبعملش. كنت بطمن على كريم." عقد حاجبيه بصرامة زائدة:
"متخفيش عليه يا حنينة. أنا جيت من ساعتين كنت بجيب حاجات وأديته الدوا هينام للصبح. يلا تعالي على الأوضة." سار فسار خلفه حتى أصبحت بحجرة نومهما. فـوقفت بجوار الفراش. فـأغلق الباب عليهما. ثم نزع كنزته وألقاها على الأريكة. ثم نزع التيشرت وألقاه بجوار كنزته. فـظهرت عضلات معدته بشكل يجذب عينيها للنظر إليه. وبعقلها تدور أحاديث: "دا عنده عضلات بجد؟ أنا كنت مفكراها موجودة في الأفلام بس. بس يا ترى لمستها إيه شكلها يخوف؟
لاحظ عينيها التي تتبعه بفضولاً. ففتح الخزنة هاتفاً ببرود: "هتفضلي متنحالي كدا كتير. غوري اتخمدي." بلعت لعابها بقلق: "هو أنتَ هتعمل فيا إيه؟ أنا عارفه إنك زعلان بس أنا مكنتش أعرف إنك هتزعل كدا لما تعرف إني عايزك محلل." ضربة مخازن وقود دمائه لتنفجر بحمم بركانية أطاحت بقبضة حديدية اعصرت كرامته وشنت حروب كبريائه. فتجحظت عينيه بشراسة وأغلق الخزانة بقوة جعلت جسد الأخرى يرتجف بخوفاً. وهي تراه يتقدم منها مثل الأسد الجريح.
وأمسك بذراعيها يعتصرهما بقوة كادت تكسر عظامها. تزامناً مع قوله الحاد: "أزعل ليه؟
وأنا مجرد محلل السنيورة اتجوزته عشان ترجع لحبيب قلبها. عايزة تعرفي إيه اللي مزعلني هقولك. زعلان عشان عرفت إني طرطور. راجل مغفل كل مهمته إنه يقضي ليلة مع مراته عشان تقدر تطلق وترجع لجوزها السابق. ده أنا مشيت امبارح مخصوص ومردتش المس شعرة منك عشان موسخكيش بقرفي. ربنا قال البنت العفيفة الطاهرة متتجوزش غير لراجل عفيف طاهر زيها. ولأني شايف نفسي مش عفيف ولا طاهر وفيا وسخة الدنيا وكنت عارف إن أي لمسة هتحصل بينا هتبقى زنا
وأنا مكنتش عايزك تبقي زانية بسببى كنت عايزك تفضلي عفيفة وطاهرة زي ماكنت شايفك. مردتش المسك امبارح عشان مشيلكيش ذنب صعب غفرانه. وبعد كل دا طلعتي بتلعبي عليا عشان مصلحتك. يا شيخة يلعن أبو الحظة اللي دخلت فيها أوضتك وشوفتك. أنتِ بالنسبالي أقذر وأوسخ بت على وش الأرض."
نبض قلبها بألم الخوف من طلعته المفزعة لكيانها. فسقطت دموعها من ألم ذراعيها: "أنتَ بتخوفني منك. سيبني أمشي من هنا!! مال برأسه لليسار بحنق: "أسيبك تمشي؟ دا في أحلامك. حياتك كلها بقت ملكي بعد اللي خلقك. بالله يا ريحانة اللي جاي من أيامك هيبقي سواد. هبقالك الوحش اللي سجنك ومفتاح فك سجنك في إيدي. بالله لـندمك على لعبك معايا أنتِ وابن الـ... اللي بعتلك. ودلوقتي تغوري تتخمدي مش عايز أشوف وشك. ياله غوري."
ألقاها بقوة فوق الفراش. فتشنجت أعصابها وبدأت بالارتجاف بقوة. تزامناً مع اتساع عينيها فقد أتتها نوبة الصرع من هول ما قاله. فخوفها منه لم تتحمله. فما تفوه به مثل السلاسل الحديدية بأصدافها التي التفت حول يديها لتجعلها سجينة مخدعه لباقي حياتها. أما هو فكان يرى ما يحدث لها. ومن تشنجات ورغم شعوره بالقلق عليها إلا أن كبرياءه جعله يتجاهلها. وسار لخارج الحجرة بعدما أغلق الباب عليها بالمفتاح.
تاركها تشن حروب تشنجات فوق فراشه كادت تؤدي بحياتها للموت. فتلك المرة كانت النوبة أضعاف قوة كل مرة تأتي إليه. فـخرج بعض الدماء من أنفها تعلن عن سوء حالتها. يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!