بما أن الكنبة مكنتش شليني، جسمك كفاني. وعلى فكرة، أنا عايزة أبقى مراتك بجد. حتى لو أنت مش عايزني، فأنا عايزك. وأول ما تخف، عايزك تتمم جوازك مني، أنت حقي وأنا عايزة الحق ده. أنت قلت إنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس، عشان كده محرمني عليك. بس أنا شايفاك غير ما أنت شايف نفسك، أنت طاهر ونقي، حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك. بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض.
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره. وأبصرت بخضرويتيه التي تهتز بإرهاق القلب والجسد. من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه، مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر، كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل. هجينا أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما، هجينا أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد.
صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف. فكان الاقتحام حليف جواد، الذي عانق وجنتها بيده المتعافية، وجذب وجهها إليه برفق ليقبض على وردتيها بقبضة لوعته بها.
داخل ملحمة غرامها فوق الأريكة المشتعلة بنيران جرف القلب، دق هاتفه برقم اللواء. فحاول فك حصارهما بجيوش تأنف ذلك البعد، لكنه لم يكن أمامه سبيل آخر، خصوصًا عندما عاود اللواء الاتصال مرة أخرى. فابتعد عنها بعد ما قاله متزامنًا وهو يلهث أنفاسه: لازم أرد، ده اللواء. جلس على الأريكة وأمسك بهاتفه مجيبًا ببعض الثبات وإظهار بصوت رأسي: آلو، أهلاً يا فندم. اللواء باستفسار: مالك بتنهج كده ليه يا حضرة الظابط؟
حاول ضبط أنفاسه: مفيش يا فندم، كنت بجري شوية. بتجري الساعة اتنين بعد نص الليل يا جواد. هتف برسمية ممزوجة بغمرة لحظتهما: ما هو الجري مبيحلاش غير بالليل يا فندم. هتف الآخر بسخرية وكأنه يدرك ما يحدث: والجري عجبك، ناوي تكمل ولا هتكتفي؟ نظر بلهفة إلى ريحانة التي تلهو بأطرافها على عنقه: والله يا فندم، الجري مفيش منه، بس لازم أكتفي لحد كده عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص.
لاء، ما هو باين من صوتك. المهم عايزك تركز معايا شوية وتسمعني؟ أشار لها بعينيه للابتعاد عنه قليلاً ليستطيع التحدث. فضاقت عينيها بطفولية رافضة أمره. روحت فين يا جواد؟ ما ترد عليا. هتف باستفسار، فـقاله الآخر: معاك يا معالي الباشا، اتفضل. ياترى قدرت توصل لمدخل البارون؟ ارتعش بلهيب لمساتها حينما شعر بأطرافها تتغلغل أسفل ملابسه العلوية، فحاول الثبات الصوتي بقدر الإمكان: المداخل كلها متاحة، بس على الله هو يتهد شوية.
اللواء باستيعاب: يعني أعتمد عليك ولا أسلم القضية لحد غيرك؟ لم تكف عن اللعب فوق تقسيمات معدته، فجذبها من عنقها ناظرًا داخل عينيها باستياء بسبب تلك الحركات التي ترهقه، مجيبًا برسمية: أنا قتيل القضية يا فندم، بس على الله الخصم التاني يعرف إن كل حاجة بأولها. اللواء برسمية: لازم تعمل احتياطاتك كويس، الخصم مش سهل يا حضرة الظابط. هتف عندما تمردت على مسكته وأفلتت عنقها منه،
معاودة مداعبة لحيته: ده طلع مش سهل خالص، والله شكلنا كده داخلين على أيام فرهدة. المهم إنك تعمل كل اللي لازم عشان تتجنب أي هجوم أو تدخل يبوظ مهمتك. الهجمات هتجيب لي ساكتة قلبية، والله يا فندم. اللواء باستفسار: اطلعني على التقرير يا حضرة الظابط. هتف ببعض الثبات الصوتي: لأ، دي تقارير خاصة جداً، ممنوع حد يطلع عليها غيري. الواء برسمية: هي إيه اللي تقرير خاصة؟ بقولك اطلعني على تقرير قضية البارون.
وقفا مبتعدًا عن الأريكة ليستطيع إجراء تلك المكالمة، هاربًا من لمساتها التي تجعله يذوب مثل السكر في المياه. معلش يا فندم، القضايا دخلت في بعضها. اللواء باستفسار: أنت شايف إيه بخصوص المهمة؟ نهضت محررة شعرها البني الغجري ليسقط على أكتافها بشكل أنثوي، جعله يردف بلبلة: شايف إني داخل على اقتحام، ربنا يستر. اقتحام إيه؟ مش لما ندرس القضية الأول ونحط الخطط كويس وكل فرد يشوف مكانه هيبقى إيه في المهمة؟
لاء، كل واحد ومكانه إيه. المهمة دي خصوصًا مينفعش لها غيري، دي مهمة خاصة جداً. زمجر اللواء قائلًا: يعني إيه خاصة جدًا؟ دي مهمة أمن وطني، مهمة بتدمر بلد بحالها. وقفت أمامه محاصرة عنقه بيدها، تقترب من فمه بغمرة عشقاً، فقاله بلهثة أنفاسه رغم محاولات صموده: دي دمرتني خالص يا فندم. اللواء باستيعاب: دمرتك؟ هو أنت لسه عملت حاجة يا ابني؟ ده أنت لسه بتدرس القضية. فك حصارها مبتعدًا
خطوة للوراء: درستها والله يا فندم، بس طلعت صعبة وعايزة كفاءة عشان أثبت وجودي. اللواء برسمية: أتمنى ده عشان شكلنا هيبقى وحش جدًا قدام سيادة الوزير. تنفسا باسترخاء بعدما تركته ودلفت للمرحاض: متقلقش، ساعتك هشرفك. أما بالنسبة لآخر التقرير، أنا قدرت أوصل لمعلومات مهمة. البارون بيخطط لاستلام شحنة سلاح جديدة. لو قدرنا نحدد مكان التسليم، اعتبر البارون خلص خلاص.
ده خبر كويس جدًا، بس عايز سرية يا جواد. الخبر ما يتسربش لحد نهائي. أكيد يا معالي الباشا، من غير ما تقول. اللواء باستفسار: عايزك تجيلي بكرة مكتبي أول ما توصل، لأن خلاص مفيش وقت، لازم نبقى سابقين خطوة البارون، مينفعش يفلت مننا المرادي. متقلقش يا فندم، والله ما هسيب أمه، هو بس يدخل المصيدة وهتكلك عليه بالقوي.
اللواء برسمية: أنا واثق من كفاءتك وقدراتك. المهم عندي المهمة تتم بنجاح وميحصلش أي خلل. إحنا مش ناقصين نسمعلنا كلمتين مالهمش لازمة من معالي الوزير. بتلك اللحظة المنفردة بالحديث الجاد، طلت عليه من الحمام بمنامتها الحريرية السوداء، تلك المنامة التي أذابت أكثر جبال صموده، بالأخص عندما جلست على التخت بدلال. فحاول الحفاظ على
بحته التي تلونت بالأرهاق: المهمة دي ربنا يستر عليا منها، والله. شكلي كده هعمل حظر تجول عشان الأمور خرجت عن السيطرة خالص. تبسم اللواء بدعم: أنا واثق فيك، أنت قدها وقدود، ومُتأكد إنك هترفع راسنا قدام الوزير. تنهدا ببعض الثبات: أتمنى والله يا فندم. المهم عايزك تركز وتصفي ذهنك، عايزك تبقى حاسب حساب كل خطوة بتاخدها عشان ما تقعش في المحظور. فرك جبهته محاولًا
ترويض مقلتيه عنها: ما هو اللي مكلبشني مكاني كده، خوفي لأقع في المحظور وأوسخها معايا؟ اللواء باستفسار: هي إيه اللي توسخها معاك؟ تحمحم بإدراك مصححًا حديثه: المهمة طبعًا يا معالي الباشا. اللواء برسمية: عشان كده بقولك تاخد حذرك ومتديش الأمان لأي حد. خليك فاكر إن دي مهمة في غاية السرية وممنوع منعًا باتًا اطلاع أي حد على التقرير. أعتلت الغيرة عينيها الخضراوية بضوء الشمس الحارقة لكيانه: تقرير مين اللي حد يطلع عليها؟
دي اللي هيفكر يعمل كده والله أموته مرعوب. تنهدا اللواء برسمية: تمام، على خيرة الله. متنساش تجيلي بكرة بدري، مش عايز كسل أو تأخير يا حضرة الظابط. أنا عارف إن المهمة دي هتتعبك شوية، لكن النجاح اللي هتحصده يستاهل التعب. تنهدا بإرهاق جسدي من تلك الأنثى المسطحة أمامه بدلال: هي تعبتني شوية، بس يا فندم، ده أنا ربنا اللي عالم بيا. الواء ببسمة: كل التعب ده هيروح لما المهمة تتم بنجاح. تتم إيه دي؟
لو تمت هبقى وقعت في المحظور. أنا بفكر أكلبش نفسي لحد لما المهمة تتهد وتنام. ضيق عينيه بتساؤل: أنت بتقول إيه يا حضرة الظابط؟ هتف برسمية لتصحيح موقفه: قصدي يعني إني هكلبش نفسي في الشغل لحد لما المهمة تخلص. اللواء برسمية ممزوجة بالمكر: ربنا يوفقك. وبقولك إيه؟ بلاش جري النهارده تاني، متنساش إن دراعك مصاب، وورانا شغل مهم الصبح. فرك مدمع عينيه بتنهيدة أرق: والله يا معالي الباشا بقول نفس الحاجة، بس هنقول إيه بقى؟
الطريق سحلني معاك لحد لما قطع نفسي. بس متقلقش، اعتبرني نمت. كلام ساعتك أوامر يا معالي الباشا. أطفأ الهاتف واستدار للجهاز المعاكس لها ذاهبًا لأريكته ليفر بالنوم منها، لكنها سألته باستفهام مغمغم بالرقة: هتنام بعيد ليه؟ المنطقة عندك ملغمة، وأنا مش ناوي أموت قبل ما تتأكد من توبتي. نفرت من حديثه ببحة لاذعة: وناوي تتأكد من توبتك امتى يا حضرة الظابط؟ مدد جسده فوق الأريكة مخبئ عينيه
بذراعه ليتفادى ضوء القمر: لما ربنا يريد يا ريحانة. شعرت بالجفاء من قوله، فشدت الغطاء على جسدها باستيعاب مرير تحتويه بحة واثقة: لو مفكر إنك جامد وأعصابك تلج، فمبقاش بنت حواء إن مسيحت التلج و خليتك تدوب فيا زي ما الآيس كريم بيدوب في البسكوتة. قولي يارب. أجابته لم تغير شيئًا، فغفت لتتفادى حزن قلبها. وباليوم التالي، كانت تجلس بحجرة المعيشة تخبر نسمة بما حدث بينهما باستياء.
فقالت الأخرى بشك: مش عارفة أقولك إيه، بس جواد ميطمنش. منين عملتي اللي قولتلك عليه وبدأتِ أنتِ بأول خطوة، ومنين هو فضل ثابت ومكمل في بروده ده؟ لو كان لوح تلج كان ساح يا بنتي. تلونت مقلتاها بالحزن، فعزمت قائلة: أنا قولتلك إني مش فارقة معاه، بس أنتِ اللي قولتلي حاولي وهو هيحس بيكي. ربتت على مرفقها بدعم: هيحس قريب قوي، بس الأول لازم نتأكد إن كان بيبعد عنك عشان زي ما بيقولك شايف نفسه مدنس، ولا عشان حاجة تانية.
حاجة تانية زي إيه؟ ملوش في البنات مثلاً؟ إزاي وهو كان متجوز نهى؟ عادي ممكن يكون متجوزها عشان تكون ستارة لمشكلته عشان محدش يعرف إنه ليه ميول للشباب. نفت برفض: لأ، شباب إيه؟ جواد باين عليه راجل أوي. طرحت سؤالها باستهازاء: وأنتِ عرفتي منين إنه راجل؟ عشان يعني طويل وعريض وعنده عضلات؟ دي كلها مظاهر على الفاضي، متبقيش عبطة. راودها الشك، فتغلبت على رفضها بقولها: حتى لو كلامك صح، هنتأكد إزاي؟ هنتأكد إزاي دي سيبها عليا.
نظرت لها باستفسار، فتبسمت الأخرى بتفكير. ولم تمر سوى عدة دقائق، وكان مرعي يجلس أمامهم يقطب حاجبيه باستفسار: أنا لحد دلوقتي مش فاهم أنتو عايزين مني إيه؟ نسمة باندفاع: بصراحة كده يا مرعي، عايزينك تبقى بتاع رجالة. أحييه يا أبو سوسو، أحييه. بتاع رجالة ليه يا ست البنات؟ شكلي ميديش إني راجل ولا ناقصلي شنب ولا أستغفر الله العظيم؟ متخلوش الواحد يقول كلام ميصحش بقى يا جدعان.
نسمة بتمهيد: أنت فهمت كلامنا غلط. إحنا عايزينك تعمل نفسك بتاع رجالة عشان نعرف جواد ميته إيه، ليه في البنات ولا بتاع رجالة. حرك رأسه بصدمة مغمغة بالقلق: جواد باشا؟ نهار أسوح يا جدعان. أنتو شكلكم كده عاملين دماغ ع الصبح. هو مين ده اللي ملوش في الحريم؟ نسمة بتنهيدة يأس: الموضوع مريب، عشان خاطرنا اسمع كلامنا وساعدنا عشان نشوف حياة المسكينة دي هتمشي إزاي، عشان خاطرنا يا مرعي. مرعي بقلق: أنا مش فاهم حاجة خالص.
نسمة بطلب: مش مطلوب منك تفهم حاجة دلوقتي، المهم عايزك تدخل دلوقتي عند جواد أوضة النوم وتحاول تغريه، وهنقف نراقبكم وهنشوف بقى هو هيعمل إيه، هيتجاوب معاك ولا هيصدك. مرعي باستفسار: أغريه؟ هي وصلت للإغراء؟ ودا أغريه إزاي؟ أوريه سيماناتي اللي شبه رجل المعزة اليتيمة، ولا أغريه بشعر صدري؟ وبعدين ده لو حصل معجزة واتجاوب معايا أنا، أنا بقا هيبقي وضعي أنا أمشي في طريق الزلة وأقف على نواصي شارع الهرم أشقط رجالة.
كبتت نسمة بسمتها بقولها: متقلقش، لو اتجاوب هندخل ونحل الموضوع بسرعة، بس يلا بقى عشان خاطرنا بليز يا مرعي بليز عشان خاطرنا. مرعي بقلق: خاطركم على رأسي، بس اللي بتطلبوه مني هيبعتني ملفوف لفة هدية للمدفن جانب حرامية الكفن، يعني سودا دنيا وآخرة. نسمة بتنهيدة: بلاش تكسفنا بقى عشان خاطري، لإنت موافق.
رغم أن الأمر كان مريبًا وشائكًا، إلا أنه لبى الأمر ونهضا قائلًا: حضرولي الكفن، مش هتأخر عليكم، كلها دقايق وتلاقوني نازلكم محذوف من أول دور. نهضا برفقته وصعدوا جميعًا للطابق العلوي، ودلف مرعي إلى غرفة جواد بعدما طرق عليه الباب والإذن الآخر له بالدخول. وبعد دخوله، ترك الباب مواربًا قليلاً لتتمكن من مشاهدة ما سيحدث. وصار مرعي حتى وقفا خلف جواد، الذي يقف عاري الصدر يضع ضمادة جديدة على جراحه.
خير يا مرعي، عاوز إيه ع الصبح؟ هتف دون النظر له، فتنهد الآخر بخوف يأكل جسده: مفيش، أنا كنت جاي أطمن عليك. كويس إنك جيت، بقولك إيه؟ امسك الشاش لف هولي على الجرح، مش طايل ألفه من على ضهري. حاضر يا باشا. أخذ الشاش منه وبدأ بمحاوطة الإصابة به، مع ملامسة أطرافه لظهر الآخر الذي تساءل برسمية بعد عدة ثوانٍ: مالك يالا؟ إيدك مش مظبوطة كده ليه؟ بلع لعابه بربكة: مفيش حاجة، أنا تمام، بس هو الجو حر كده ليه؟
حاول خوض الأمر ليكشف المستور كما طلبت منه. فابتعد خطوة للوراء بعدما انتهى وحرر أزرار قميصه ونزعه منه عليه وحذفه أرضًا، ثم اقترب خطوة من جواد متحدثًا ببحة منخفضة ممزوجة بطريقة لعوبة: إيه رأيك في شعر صدري؟ قطب جواد جبهته بخشونة: يقرف، تحب أنتف هولك؟ مالك يا لا مش على بعضك ليه؟ رغم قلبه المملوء بالخوف، لكنه أكمل قائلًا: مالي، ما أنا زي الفل أهو. هو أنا مش عاجبك ولا إيه؟
فرك جانب أنفه حانقًا: والله يا زفت، أنت لو مظبطتش هاخدك على القسم وهظبطك ظبطة ميري تطلع ميتين أهلك. مرعي إدراكًا للدور تراجع ومدد جسده على الفراش بصعوبة: أنا مش عارف امتى بس هتحس بيا ودلعني وتعملي اللي نفسي فيه. اللي نفسك فيه يا روح أمك، هخلي ناس متخصصة فيه تعملهولك، بس مش هنا في المكان المناسب عشان تتمزج. يئست أوي يا جواد، بجد.
هتف بنعومة، فصدرت قهقهة من الفتاتين، فلمحهما جواد بطرف خضرويتيه فأدرك ما يحدث. فقرر مجاراتهم في تلك اللعبة. ثم رسم بسمة مليئة بالإغواء إلى مرعي، وبدأ بفك حزام بنطاله، تزامنًا مع اقترابه من الفراش: يئست بس هكيفك يا مرعي، استعد بقى للسرير اللي هيولع بينا يا جميل. اتسعت مقلتاه الآخر بذهول تزامنًا بقولًا: دي آخرة اللي يسمع كلام النسوان يا مرعي، آخرتها اغتصاب علني، يا فضحتك.
تدلى الخوف من عيني مرعي حينما زاد اقتراب الآخر الذي نزع حزام بنطاله وجلس على حافة الفراش مائلاً إليه، فتراجع الآخر بخوف أشد بقولًا: نهار أسوح، هو الكلام بجد؟ لوح بعينيه للجهاز المعاكس ببحة أشد برودة من الثلج: دلوقتي لو أنت قمت تجري مني، الست نسمة هتقول عليا ده جواد طلع بجد شا _ذ، برغم إني مش هبقى قربتلك، بس هتقول كده وتأكد ع الموضوع عشان تثبت وجهة نظرها لمراتي، مش كده يا نسمة هانم؟
ابتعد عن مرعي الذي تنفس بارهاق ذو فرحة. أما نسمة فدخلت بعدما علمت بأنه كان يراهما. فقرب جواد منهما متحدثًا بسخط: إيه؟ ساكتة ليه؟ ما تتكلمي وقولي تقريرك عني يلا، سمعي مراتي آخر رأي في جوزها إن كان راجل بجد وهيُعرف يديها حقوقها ولا هيطلع زيها زيها وتاخدها من قاصرها وتشوفلها واحد غيره يبقى راجل بجد. تدلت
العبارات من فمها باستفسار: أنا ما كانش قصدي إنك تفهم الموضوع بالشكل ده. كل الحكاية إن ريحانة صحبتي وبتصعب عليا كل ما تقرب منك تصدها وتبعدها عنك، كأنك فيك مشكلة جسدية مانعاك من إنك تمارس حقوقك معاها. هتف بسخط: وأنتِ مالك؟ أمارس حقوقي ولا ممارسهاش؟ الموضوع يخصك في إيه؟ دي أعراض وخصوصيات يا متعلمة. تدخل مرعي بجدية: الست نسمة ما تقصدش. هما بس كانوا قلقانين عليك. نظر له بضيق: أنت اتكم خالص. بقى رايح تساعدهم؟
ده بدل ما تهب فيهم وتمنعهم عن الغباء اللي عملتوه. مرعي باستفسار: ما هو أنت برضه أمرك يحير يا باشا. حوار إنك مش عايز تقرب من الست بتاعتك يقلق. زادة حنقه فردف بغضب: والله كلمة زيادة في الموضوع ده وهدور فيكم الضرب، ولا ضرب ليه؟ أنا أنام مع السنيورة مراتي قدامكم عشان تتأكدوا بنفسكم إن كنت راجل ولا لأ. نسمة برسمية: جواد، أنا ما كنتش عايزة كل ده يحصل. صدقني.
اخرجي على بره يا نسمة واختصريني اليومين دول عشان مزعلكيش زعل وحش جامد مني. أما أنت بقى يا مرعي، فحسابك معايا بعدين. يلا غوروا بره، مش عايز أشوف حد منكم يلا. تسارعت أقدامهم بالخروج من غرفته، فـأسرع بإغلاق الباب بقوة هزت وجدان ريحانة، الذي عاد إليها حانقًا ممسكًا بمنتصف ذراعها يعاتبه بصياح: المفروض أعمل فيكِ إيه بعد ما فضحتيني كده و خليتي اللي يسوى واللي ما يسوى يجيبوه في سيرتي؟ أنتِ إيه يابت؟ معندكيش مخ خالص؟
مبتحرميش؟ ارتجف وجهها بدموع الندم وقالت: حقك عليا، ما كنتش أعرف إن الموضوع هيضايقك كده. ترك ذراعها بسخرية: صح. وأنا إيه اللي هيضايقني؟ مراتي راحت حكت لبنت عمتي إني مبقربش منها، فـخططوا وبعتولي راجل عشان يختبرني ويشوف حكايتي إيه. اقتربت خطوة منه لتخفف عنه هول ما فعلت: طب اهدى، أنا مش قصدي أزعلك كده والله، حقك عليا. نظر لها حانقًا: حقي على إيه؟
أنتِ مش مستوعبة المصيبة اللي عملتيها. أنتِ كل يوم بتثبتيلي إني متجوز طفلة عمرها ما هتعقل ولا هتشيل مسئولية. البنت اللي متقدرش تحافظ على أسرار بيتها مينفعش تبقى زوجة لأي راجل. هتف بكلمات كالمنبه الذي أنار عقلها، وتركها وغادر الغرفة بعدما أخذ قميصه وسترته. أما هي، فركضت خلفه لتتأسف له. لكن فور نزولها للحديقة رأت سيارته تسرع بالخروج من المنزل. فزادها حزنها وندمها على ما فعلت.
واستدارة لتعود للدخل، فسمعت صوت غوايش يأتي من الجهة المعاكسة لمدخل البيت. فظلت تسير خلف الصوت حتى توقفت أمام البدروم، وبدأت بالنزول خطوتين للداخل حتى توقفت أمام باب حديدي به قضبان تجعلك ترى من بالداخل. فشبت قليلاً لتستطيع الرؤية، فتسعت مقلتاها عندما شاهدت غوايش تصرخ في ركن الحائط، وبعد الجرذان يركضون أمامها. مرات أبويا. هتفت بكنيتها، فنظرت لها الأخرى بلهفة وأسرعت بالركض والوقوف
خلف القضبان تستغيث بها: ريحانة، افتحيلي يا حبيبتي، كويس إنك جيتي، افتحيلي. المتوحش اللي متجوزاه حبسني. تراجعت خطوة للوراء بحزن: ليه عملتي كده؟ ليه كدبتي عليا وهمتيني إنه هو اللي قتل أبويا؟ وكنت هقتله؟ وأنا كنت هموت بسبب كلامك. طلعتي متفقة مع الزفت اللي كنت متجوزاه عشان تخلوني أخرب حياتي مع جواد. حرام عليكم، ليه تعملي فيا كده؟
تلونت بدموع المكر: كدابة، جوزك كداب. بيقولك كده عشان يخليكي تكرهيني وتكرهي ياسر. هو بيكدب عليكِ. أنكرت ما تسمع بحركة رأسية وكممت أذنها بمرفقيها ببكاء صارخ: بس بقى، كفاية كذب. حرام عليكم، عايزين مني إيه؟ أنا خلاص تعبت من كتر الكذب. أنتِ كدابة و"ياسر" كداب. أنا بكرهكم. بكرهك أنتِ وهو. أنا مبحبش غير جواد. هو الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي. هو اللي بيخاف عليا وبيعلّمني وبيحبني بجد. مش "ياسر" الكداب بتاعك.
أدركت أن مخططها نال الفشل، فترنحت للخطة البديلة، تطلق ضحكات بسخرية: جواد يحبك؟ أنتِ شكلك كده مش شايفة نفسك. أنتِ طفلة يا ريحانة، حتة عيلة متملش عين أي راجل. مفكيش حاجة تشده ليكي. أنتِ بالنسبة له حتة بت بيتسلى بيها، وبعد ما الشهرين يعدوا هيرميكي في أقرب خرابة ويشوف له واحدة حلوة زيه تروق عليه. عارفة ليه؟ عشان جوزك شكله خبرة، والراجل الخبر لازمله واحدة تظبطه وتدلعه، مش حتة عيلة مفهاش ريحة الأنوثة.
عبارات التقليل منها فكانت زادت تأثيرًا من نوع خاص على الأخرى التي استقبلت الكلمات بإدراك نابع
بقول احتوى على وقار فريد: أنا عارفة كويس إن جواد خبرة وعرف بنات كتير، بس أنا بالنسبة له حاجة نادرة. بيعاملني معاملة خاصة، مش عشان أنا مفيهمش ريحة الأنوثة، لأ، عشان شايفني حاجة غالية. مش زي باقي البنات اللي زيك. أما بقى كلامك، فأنا هاخد بيه وهتغير للأحسن عشان أملي عين جوزي، مع إني متأكدة إنه مبيشوفش غيري. وموضوع الطلاق مش هيحصل. عارفة ليه؟
عشان أنا وجواد بقينا روح واحدة، محدش فينا يقدر يبعد عن التاني. أما أنتِ، فخليكِ بقى هنا، تستاهلي كل اللي يجرالك عشان أنتِ واحدة حقودة ومفترية. غلت الدماء بعروق الأخرى، فبحت بأغلى ورقة لديها: براڤو عليكِ. شكلك جواد علّمك حاجات كتير أوي وبقيتي ناصحة. طب يا ست الناصحة، الطلاق هيحصل وأنتِ اللي هتبقي السبب فيه غصبن عنك. أصل مفيش اختيار، لا إما تطلقي، لا إما أمك تموت.
تضاربت الصدمات بعقلها بشعاع ناري من الماضي الأليم. فثقلت خطوتها على الأرض مثل بحتها المترددة بثقل على اللسان: ماما ماتت من زمان. ده اللي أنتِ تعرفيه. بس اللي متعرفيهوش إن هنية لسه عايشة، ومش كده وبس، لأ، دي كمان كانت متجوزة ومخلفة بنت وولد. ولو مش مصدقاني، أدي صورتها، مبشلهاش من صدري أبدًا من يوم ما صورتها.
أخرجت الصورة من حمالة نهدها ووضعتها أمام عين الأخرى التي تمعنت النظر بأدق. تتأمل ملامح تلك المرأة التي مازالت بذات الجمال. شعرت بأن الماضي يعود بتلك الذكريات الدافئة التي جمعتها بها في صغرها. نعم، كانت تلك الصورة لوالدتها، مما أثار جنونها وتسبب في تدفق المياه من عينيها المغمضتين بحريق، هدم الذكريات: إزاي عايشة؟ ده أنا شفت بابا وهو بيقتلها.
لأ يا أختي، أمك بسبع ترواح وماتتش. هي هربت لما فاقت ورفعت قضية خلع على أبوكِ وكسبتها غيابي عشان تتجوز المحامي اللي ساعدها وهربها من البلد. أنتِ عارفة الحاجات دي كلها إزاي؟ كل حاجة بأولها. المهم دلوقتي لو عايزة أمك تفضل بخير، نفذي اللي هقولك عليه. هو إيه؟
حاجة بسيطة أوي. تهربيني من هنا وتبقى العين اللي بتراقب كل تحركات جواد لياسر. ومش بس كده، لأ، أنتِ بعد ما تخرجيني تطلبي من المحروس جوزك يسبني أعيش معاكم، وكل يومين تقلبي له في فلوس. أظن جوزك محفظته عمرانه ومش هيتأخر عليكِ، ولو اتأخر، إيدك البيضا الحلوة دي تتمد وتجبلي اللي أنا عايزه. رفضت بحزن: لأ، بلاش جواد. اطلبي أي حاجة تانية، بس بلاش حاجة تكون تخصه.
الله، ده الحب ولع في الدرة يا بنت القص. لأ، أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وأدي صورتها. لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك. ولو بقا عملتي نفسك ناصحة ورحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص لهخلي ياسر يخفيها ومتعرفيلهاش طريق، ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرادي بإيدي لحد لما روحها تطلع. عاتبها بلوم مرير: أنتِ ليه بتعملي معايا كده؟ عضت فمها ببسمة
الكراهية التي اعتلت وجهها: عشان بكرهك يا روح أمك. يلا يا بت، غور، مش طايقة أبص في خلقتك، جاتك الهم. أصبحت في وضعًا لا تحسد عليه أمام أمر الاختيار بينهما يجلب التعاسة والحزن للطرف الآخر.
مر اليوم وأتى المساء بغرفة نوم ريحانة التي تجلس على حافة فراشها بنكسار هدم أحلامها برفقة خيالها. تحولت مشاعرها الدافئة إلى نوبات من الحزن والحرمان. تتردف مقلتاها بدموع كالجمار تحرق وجنتها. وبأذنيها ما زال صديد صوت زوجة أبيها يضرب مسمعها كلما
تذكرتها حينما تلت عليها: أمك عايشة وعارفة فين مكانها، وأدي صورتها لو عايزاني أقولك على عنوانها، اعملي اللي بطلبه منك، ولو بقا عملتي نفسك ناصحة ورحتي قولتي للدكر بتاعك، والله يا بنت القص لهخلي ياسر يخفيها و متعرفلهاش طريق، ولا يخفيها ليه؟ أنا هخنقها المرادي بإيدي لحد لما روحها تطلع.
تلاشت الأصوات من أذنيها حينما دخل جواد إلى غرفتهما بعد يوم عمل شاق، وأغلق الباب خلفه. وحينما استدار رأى ما يحدث لها بتلك الحالة المخذية. فظن أنه من تسبب بذلك الانكسار بسبب مشاجرته معها في الصباح. فتدلى إليها حتى جلس على عقبيه أمامها ناظرًا لعسليتيها المحترقة بحمرة البكاء، فزادة أسفه عليها وشعر بالضيق مما تفوه به هذا الصباح. فتنهد باستياء
مما فعله وقاله ببحة هادئة: أنا لما قولتلك الكلام اللي قولته الصبح كنت بقوله عشان مصلحتك، عشان أنبهك للغلط اللي عمالة تعمليه. أسرار أوضة نومك مينفعش حد يعرفها يا ريحانة. مينفعش تروحي تحكي لحد عن اللي بيحصل بينا. ميصحش إنك تروحي وتتفقي مع بنت عمتك إنكم تبعتولي راجل عشان تشوفني شا
_ذ ولا طبيعي. الحركة دي قللتني في نظرهم وخلتهم يتمادوا في كلامهم معايا، حتى مرعي بقى واقف يسألني ويحاسبني كأني في محكمة. أنا نبهتك ألف مرة إن أي حاجة بتحصل بينا ميصحش إنها تتقال لحد، خصوصًا موضوع إتمام جوازنا وعلاقتنا ع السرير دي حرمات يا ريحانة، مينفعش حد يعرف عنها أي حاجة. أنتِ تعرفي إن البنت اللي تحكي عن اللي بيحصل بينها وبين جوزها ع السرير للناس بتبقى كأنها نامت معاه قدام الناس كلها. قال
النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها". ربنا حرم إن المرأة تقول اللي بيحصل بينها هي وجوزها من متعة، زي ما حرم على الراجل برضه إنه يحكي لحد. اللي بيحكوه اللي بيحصل لهم مكانه أشد وحشية مما تتخيلي، ف ليه عايزة نفسك تبقي من الكارهين عند ربنا. وفي حديث تاني عن أبي هريرة الطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
رد على الفتاة التي قالت: إنهم ليتحدثون وإنهن ليتحدثن. تعني: إفشاء كل من الزوجين سر الآخر. فقال: "هل تدرون ما مثل ذلك؟ فقال: "إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون إليه". عارفة يعني إيه تشبهنا لشياطين بيمارسوا الزنا قدام الناس؟
دي حاجة أشد وسخة من أي حاجة ممكن تحصلك في حياتك. فبلاش بالله عليكِ تحكي لحد حاجة عننا تاني، احفظي سرنا عشان ربنا يحفظك ويرعاكي. أنا مش هاين عليا إنك تشيلي ذنوب، عشان كده زعقتلك الصبح قبل ما أمشي.
سخاء حديثه ومعرفته بالكثير من أمور الدين جعلها تزداد حزنًا وبكاءً من وراء طلب غوايش، ذلك الطلب الذي سيكون نقطة الكراهية بقلبه لها. أما هو، فلم يكن يدرك سبب هذا البكاء المرير، خصوصًا بعد كل ما قاله. فـحاول التمسك بوقت إضافي من الهدوء ورحب الصدر. وأمسك بمرفقيها ثم طبطب على باطن مرفقها بقبلات كالنسيم وقت الخريف. قبلات تشبه تفتح الزهور بقلبها النابض بجهل لا تعرف معناه. أما هو، فنظر لشمسها الباكية في صمت. ورفع طرفه الأيسر وجفف تلك المياه الغنية بالألم. ثم رفع ساقيه قليلاً مقبلاً جبينها. ثم نظر لها بقولًا: خلاص بقى، كفاياكي عياط، عينك وجعتك.
نفت برأسها، فتنهد بفمه ببسمة أظهرت غمازتين فكيه حينما قاله بوقار مندلع ببحة الانجراف الأخلاقي: واضح كده إن بوس الكفوف والرأس مبجوش معاكي سكة. تمام، نجرب بوس الفراولة أهو بالمرة أدوق حاجة مسكرة بعد اليوم المر اللي قضيته.
ضيقت مقلتيها باستفسار زاد ملامحها أناقة، لكن الإجابة كانت بقبلة لورديتيها حينما حاوط وجنتيها بيدها يستولي على فمها بتملك رائع. فـاسترخت بين يديه كاسترخاء القناديل بالمياه الدافئة. وصارت هي والتخت قطعتين واحدة. فأصبح كالغطاء فوقها كالئم التصق يرتوي من شراب كالورد من شفتاها. فلم تـمانع في أن تظل بهذا القدر من الالتصاق لوقت إضافي. فـبادلته عناق العنق بذراعيها كالجام يحاصر الخيل، تقوده للغوص أكثر بكيانها. وعندما تمكنت
منهما نيران الشوق لإتمام تلك المغامرة الخاصة، ارتخت أطرافها لأزرار قميصه تحررها واحدة تلو الأخرى حتى تمكنت منه وأصبحت يدها اليسرى تبحر فوق ضفاف تقسيماته البارزة بإثارة. أصبحت أنفاسهم تتصادم ببعضها ونبضات القلوب كالسهام تخترقهما بفيضان حائر من المشاعر المخزنة. ووسط صراع من نوع الحب الفياض، تسابقت أطرافها لحزام بنطاله محاولة نزعه مرارًا. فشعرت يداها بعد محاولة كثيرة منها، فابتعدا عن شفتاها باستفسار
ذو بحة مغمغة بالمداعبة: هو الحزام مضايقك في حاجة؟ ارتجفت بقهقهة مطلقة مرحها: لأ، مش مضايقني في حاجة خالص. أنا فكرتُه مضايقك أنتَ. تنحى عنها ناهضًا باتجاه الخزانة بقوله المحتوى على ذات البحة: فـقولتي تعملي معايا واجب وتفكي هولي. جلست بقليل من الخجل: أيوه. أخرج بنطالًا وتيشيرت من الخزانة تزامنًا مع قوله: لأ، ما تتعبيش نفسك. لما أعوذ أفككه، هفككه لنفسي. أنا هدخل آخد دش ع السريع، لو حد خبط ما تفتحيش. حاضر. تحمحم بغزل
من الطراز الخاضع للأذان: الفراولة كانت طعمة أوي. كان نفسي آكل طبق الفاكهة كله، بس أنتِ السبب بقى. بفكك للحزام رجعتيني لوعيي. شقت البسمة الباهظة رحاب المشاعر فمه. فغمز لها بقوله المختلط برجولة منعمة بتمني: إشارة أنك قبلت التوبة. يارب عبدك بتعب من الانتظار. تدللت برموشها لليسار هاربة من نظراته القاتلة لكيانها بطلب: هو أنتَ ممكن تنام جنبي ع السرير بعد كده؟ حرك رأسه ببسمة مختلطة بمزيج من
المشاعر المحاربة لبعضها: مع إن الوضع هيبقى خطر، بس عشانك موافق. ثم دخلا إلى الحمام.
وبعد عدة ساعات، حيث دقت الواحدة بعد منتصف الليل، بين طيات الفؤاد ولذة الحرمان يولد عشقًا مخلد بوجدان أنثى حرة ورجل ثائر. تلك الليلة الشتوية كانت أول ليلة في فصل الشتاء الذي يجمع العشاق تحت غطاء واحد يحتويهما بعناق رغماً عنهم يضخ الدفء بكيانهما. وعلى فراشهم الزهري يستلقيان بجوار بعضهما، تتغلغل العيون ببعضهما، تفصح عما يخبئ القلب بصناديق سوداء. جواد: أنا سقعانة أوي. تعالى في حضني أدفيكي.
أمرها ببحة الترحيب المنبعث من أعماق قلبه. فلم تضيع الوقت الذي سيجمعها بـجسده. واقتربت منه تغفو على ذراعه، تحاوط خصره بذراعها. فلم يتأخر في ضمها إلى صدره ليتشبع من لذة هذا القرب الضائع بين سلاسل القدر. أول مرة أحب الشتا. هتفت ببسمة مناظرة لبؤبؤه. فتعمق النظر بها باستفسار: أشمعنى؟ عشان حضنك هيبقى دفايتي. وكل ما الجو ما يشتي أكتر، كل ما هتاخدني في حضنك أكتر، يا خيالي.
كلمتها كالبصمة بوتر قلبه الذي أضاء بؤبؤه ببسمة الاستحسان. متسائلًا ببحة أشد هدوءًا من ليلة الشتاء: خيالك؟ ليه بتقولي كده؟ عشان اسم جواد معناه الخيال، ومعنى خيالي حصاني اللي هفضل جنبه وأرعاه لحد لما أعجز. قطب جبهته بتساؤل: هو أنتِ ناويه تفضلي معايا لحد لما تعجزي؟ أيوه باذن الله. هفضل معاك عشان وجودي معاك هو اللي مخليني عايشة. تنهدا باستحسان لجوابها وقربها أكثر لصدره: طب يلا نامي، عندي شغل مهم الصبح، ولازم أصحى بدري.
عارضته بحركة رأسية ناظرة بعينيه متحدثة ببسمة لم تفارق شفتاه: هتنام وتسيبني؟ ناقشها بهدوء معاكس لشخصيته: عندي شغل مهم والله، عشان كده لازم أنام يا ريحانة. داعبت أوتار قلبه بجملتها الصادقة: هتوشحني الشوية اللي هتنام فيهم يا خيالي.
أشعلت طيات الوصال بـقبلتها لوجنته، فتلونت عينيه بنظرة الاحتياج لماء قلبها الذي يرويه. وانحنى قليلاً إليها، يحكم بصمته فوق ثغرها ليذوبا تحت غطاء كالمهد الذي جمعهما بدفء الشتاء. لم يكن يدرك إلى متى عليه محاربة كينونته المطالبة بالنيل منها. كان يشعر بها كاليقطينة بين يديه، ناعمة كنعومة الحرير مثل بيجامتها الحريرية البيضاء التي ترتديها. غاص مثل البحار بأعماقها بحثًا عن مأوى للمساته المبحرة بين ضفافها التي تشبه رمال الصحراء الناعمة. وبتلك اللحظة الحاسمة بعناق العاشقين لثغر بعضهم، ترنحت بشفاهها بعيدًا عنه قليلاً تلهث
أنفاسها بيد محتضنة وجنته: جواد، عيوني. أنا كنت عايزة أقولك حاجة. أوامري. هتف أثناء مداعبته لخصلاتها البنية. فقالت: هو أنتَ عرفت كام بنت قبلي؟ بتسألي ليه؟ عايزة أعرف كام واحد غيري كانت معاك. هيفرق معاكِ؟ مش عارفة، بس عايزة أعرف. تنهدا برسمية: اتنين، بس. أيوه. نهى ورحاب. ضيق عينيه باستفسار: عرفتي منين رحاب؟ هتفت بهدوء: مش سر، عرفت من أهلك. بس هو أنتَ كنت بتحبها؟
ترنحت مشاعره وذكرياته، فتنهدا بعمقاً بحركة رأسية معلنة عن إيجابيته. فـقالت من جديد بسؤال أشد حيرة: لو رحاب رجعتلك تاني، هتعمل إيه؟ هتسبني عشانها ولا هتسبها عشانى؟ سؤالها ذو حدين، مغمغم بعين امتزجت بحزن مرهق بلمعة البكاء. فزم فمه ببسمة معلنة عن الاحتفاظ بها، تزامنًا مع لمسه ليدها: رحاب ماضي جواد، أما ريحانة، فهي حاضر ومستقبل خيالها. أنت بتتكلم بجد؟ يعني لو رحاب بجد رجعتلك هتختارني وتسبها؟ ضيق عينيه بسؤال
يحتوي على تعزيز قيمتها: أنتِ ليه متخيلة إني شايفك قليلة أو حاجة ملهاش قيمة؟ لازم تعرفي إنك غالية أوي، مينفعش تتقارني بحد. رحاب مش أحسن منك، بالعكس، أنتِ أغلى منها ومقامك أعلى منها. أما بقى بالنسبة لقلبي، فهو طردها من جواه من يوم ما عين ما شافتِك يا بنت القص. معرفش عملتي فيا إيه، سحرتيني ولا جننتيني ولا حكايتك معايا إيه؟ تحمحمت بسؤال أشد جرأة: طب هو أنتَ عملت معاها حاجة؟
يعني قربت منها وعملت معاها اللي كنت بتعمله معايا دلوقتي؟ قطب جبهته ببسمة ماكرة: الباشا قصدُه ع الاقتحام الحامي ده؟ لأ يا باشا، متقلقش، محصلش. ترنحت البسمة منها: بجد؟ قول والله. والله محصل حاجة بينا نهائي. ضيقت عينيها بسؤال آخر: طب ونهى؟ حصل بينك وبينها اقتحام؟ رفع حاجبه ببسمة أثارت غيظها: اقتحام إيه؟
نهى استنزفت معظم مخزوني خلال الست شهور اللي عرفتهم فيها. دي مكنتش بيحصل معاها اقتحام ع الهادي ده. لأ، ده كان فيه تدخل للقنابل والمدفعية. بصي، حرب شاملة كل حاجة. تملكت الغيرة منها فـبحت بتقليل: على إيه يعني؟ هي مش حلوة أصلاً؟ ضيق عينيه باستفزازها حينما قاله: مش حلوة؟ دي عندها شوية أسلحة بدغدغ حصون العدو، حاجة كده كلاشنكوف أوي. تصدق بالله إنك قليل الأدب. عارف؟ أنا مش فاهمة أنتَ إزاي كده؟
أنتَ بجد متربتش خالص، مش فاهمة أهلك كانوا فين؟ كانوا مشغولين بتربية فارس وهشام. يلا، تمم جوازك مني حالاً. ضيق عينيه باستفهام: دلوقتي؟ أيوه، يلا، وإلا أنا مشبهش الست نهى. هتف بنفي: لأ، متشبهيش بصراحة. شرة الغيرة من عسليتها بقولًا: نعم؟ مشبهش ليه بقى؟ احتوى خصرها بيده مقربها إليه قليلاً ثم تلى عليها عبارتين
كالدواء على جروحها: عشان أنتِ قطعة سلاح دهب، مفيش في جاذبيتها وجمالها. أما هي، قطعة فلز من الفضة، متعش في العقل ولا تدخل القلب. ولو ع الاقتحام، الأكيد هيحصل، بس محتاجين شوية هدنة يا سلاحي عشان لما أمسكك أعمل معاك أحلى شغل. وبعدين أنتِ إمكانياتك ع الهادي، حاجة بتمزج القلب قبل العقل. في مين نهى دي اللي بتقارني نفسك بيها؟ بجد يا جواد، أنتَ شايفني حلوة ومالية عينك؟ تنهدا باستسلام للكلمات النافذة
بحقائق مسلسلة بقلبه: مالية القلب قبل العين يا ريحانة. ومدام مليتي القلب، فـعيوني مش هتشوف غيرك. كم من الراحة أن تستمع المرأة لحلاوة الكلمات من فم زوجها من تملكها بالحلال تحت ضياء الرب والخلق. كم من الرضا أن تجد الاحتواء من قلب رجلها المملوك لها بمفردها. كم قلب أنثى ينبض بالحياة عندما تشعر بدفئ الحب من قلب ما زال ينبض بها. جبتلك حاجة هتعجبك.
جلس على الفراش وأحضر من الكومود هاتفًا زهري اللون. أعطاه لها بقولًا: اشتريتلك التليفون ده عشان لو احتاجتي لحاجة تكلميني. وسجلتلك رقمي وعملتك واتساب. وفي باقة نت تكفيكي لشهرين قدام. جلست بجواره بعين متسعة بسعادة: ده تليفوني أنا، شكرًا بجد يا جواد. احتضن وجنتها بيده بسمة دافئة: مفيش شكر، أنا جوزك. وقت ما تحتاجي لأي حاجة قوليلي، هتلاقيها حضرت في دقايق. دفئة وجنته بقبلة مليئة بالحب له،
ثم قالت: أنت أحلى خيل في الدنيا كلها. طب تعالى بقى أعلمك تستخدميه إزاي. وجبتلك كڤر عشان يحميه عشان ميتكسرش منك. أخرج الكڤر الزهري المطبّع بفرشات ملونة بالحياة. فتسعت بسمتها أكثر واقتربت أكثر منه، تضع رأسها على ذراعه تستمع لحديثه لتتعلم التعامل مع هاتفه.
أما باليوم التالي، تمام الساعة العاشرة صباحًا، بحجرة الاجتماع بمقر الداخلية، كان يجلس جواد وسط زملائه ومعهم اللواء منذر، الذي يطلعهم على آخر الأنباء. ووسط الانتباه الشديد، أنار هاتف جواد برسالة واتساب من رقم ريحانة. فسحب الهاتف بحذر لكي لا يراه اللواء. ثم وضع يده الممسكة بالهاتف بين فخذيه لكي لا يراه أحد. وفتح المحادثة التي تحتوي على كلمتها: جواد، كتب سريعًا: خير. مش خير. أنا عايزة أتكلم معاك. أنا في اجتماع مش فاضي.
لما أخلص هرن عليكِ. أرسلت له من فوق مخادعها: لأ، لو بطلت كلام معايا دلوقتي ممكن أتعب، أنا حاسة إن النوبة هتجيب لي. راوده القلق حيالها، فارسل لها: طب اهدى، متخفيش، مش هقفل. تبسمت باحتضان تيشرته: تعرف إنك في حضني دلوقتي وشامة ريحة جسمك حلوة أوي يا جواد. دبت الحرارة بجسده، خصوصًا
عندما أكملت الإرسال بجملة: نفس الإحساس اللي حسيتُه امبارح وأنتَ واخدني طول الليل في حضنك الدافئ وشامة ريحتك وأنا حاطة وشي في رقبتك، ريحتك كانت حلوة قوي. عارف دي كانت أحلى ليلة في حياتي. ما ترسله له كان بمثابة صواريخ تضرب كيانه تهش هش مخزون تمالكه. شعر بـزَبزَبَة كهربائية تزلزل أعصابه الصلبة. فكتب لها حينما تعالت أنفاس صدره: مش وقت الكلام ده خالص، لما أرجع نبقى نتكلم. راودتها بسمة خافتة على ثغرها
وكتبت بخجل لمس جملتها: أنتَ طلعت بتحب البيجامات الحرير. فـهلبسلك البيجامة الحمرا، هتحبها أوي. ضيق عينيه بإرهاق جسدي مرسلًا: هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين لما أرجع. أقولك سر. قولي. أنا نفسي في حضنك دلوقتي أوي، ما تيجي. نفسي، بس مش هينفع. حاول: طب اتحجج وتعالى بجد، وحشتني وعايزك جنبي أوي يا جواد. بتلك اللحظة، دخلا إليهم أحد الضباط
يقول بخبر من النوع الثقيل: بارون الغنيمي عندنا في المقر، وبالأخص في مكتب جواد، وبيزعق وبيقول إن جواد خاطف ريحانة القص اللي تبقى مرات ياسر أخوه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!