يدها الملوثة بدمائه، وبجانبه الأيسر مقص مزروع يزيد من تدفق دمائه. لم يكن يصدق أنها قد طعنته لتتخلص منه. فزعت مخالب ثورته تود الفكاك بها، لكن هيئتها الخائفة بارتعاد جعلته يخمد ثورته، محاولاً الاسترخاء لسحب المقص. فأغمض عينيه لبرهة، وأمسك بقبضة المقص متنفساً باستعداد، وسحبه على الفور معلناً بصوت متحشرج بالألم عما شعر به، وألقى بالمقص أرضاً.
تزامناً مع ذلك، وضع يده على جانبه ليحبس من تدفق دمائه، ونظر إليها فوجدها تزداد ارتجافاً بدموع متدفقة مثل دمائه. فاقترب خطوة إليها ليهدئها بصوته الهادئ: "متخافيش، أنا كويس. أهدي وخذي نفس، أنا كويس." تقابلت جميع أوجاعها لتشن حروباً بلون قدرها، تثور عليه مثل العاصفة التي تود الفكاك بجنس البشر. تعاتبه بصرخة صوتية مداوية لمجاريحها:
"أنا كنت عايزك تموت زي ما موت أبويا. كنت عايزة أشوفك ميت قدام عيني عشان أرتاح. أنت إيه، إزاي قادر تكون بالقرف ده؟ قاتل وخاين وجاحد، معندكش دم ولا مشاعر!! رميتني في المستشفى زي الكلبه وأنت هنا مقضيها قرف مع الحيوانة بتاعتك وعلى سريري. أنت مفكر نفسك إيه، فوق أنت ولا حاجة؟ سامع ولا إيه؟
يا جواد، أنت متستهلش حتى النفس اللي بتتنفسه. إنسان أناني وبشع. أنا عمري ما كرهت حد في حياتي قد ما كرهتك. أنا بكره اللحظة اللي فكرتك فيها أماني وقلت عنك حضني الوحيد. بس لأ، لو حضني هيبقى معاك فأنا مستعدة أرمي نفسي في حضن النار، هتبقى أشرف لي من إني أرمي نفسي في حضن واحد زيك، واحد قاتل مجرم. خد من أبويا وخد مني أماني، وفوق كل ده بتقطع في مشاعري مع واحدة زبالة معندهاش ولا خشا ولا حيا. فيها بجاحة الدنيا، بس هي شبهك، انتوا الاتنين زي بعض. أنت أوحش حاجة في حياتي، أنا بكرهك، سامعني، بكرهك!
استقبل عتابها الصارخ بلون الدموع بصدراً عانق أوجاعها. رغم ثقل الحديث على مسمعه، فقد رأى ذاته شاهد قيمته داخلها. فشعر بأنه ضئيل بعينيها. صارت كلماتها مثل الثعبان المهاجر ينهش بخلاياه، يفتك بها، لكنه حاول الثبات بقدر الإمكان، ولم يعطها إجابة لتلك التساؤلات التي لازمت صراخها.
"وبتتكلمي حديثها يا ويحك بصندوق قلبه، ثم صار من أمامها متجهاً للحمام ليداوي جرحه، فقد طعنته بمقص الإسعافات، فكان صغيراً فقط تسبب بجرح بعرض عقلة الإصبع. وحينما أصبح بالداخل، أغلق الباب عليه، صار للمرآة ليبصر بهيئته، وبأذنه مازالت تتردد كلماتها القابضة لأنفاسه.
تعمق النظر أكثر وأكثر إلى هيئته، وكأنه يبحث عن ما كانت تراه بعيونها الأيام القليلة الماضية، تلك العيون التي أعطت الأمر لفمها لتخرج ذلك الاعتراف القاتل لكيانه. رآه بشاعته، وضعه، انكساره، وتلوثه بحديثها الذي كان مثل الصفعة التي وقعت عليه لتزيل الغمامة القذرية عن غشاوته. فأخذ نفساً عميقاً، وفرغه بالخلاء، وبدأ بمداواة جرحه.
وبعد بضع دقائق، دلف للخارج، فرآها تقف أمام المرآة في حالة من الرهبة، تنظر ليديها الملوثتين بدمائه، وتفوح من مقلتيها رائحة الدموع الدفينة بحزنها عما فعلته. فتنهد ب استرخاء، يعذب قلبه على حالها، وذهب وأحضر مناديل وعاد إليها مجدداً. ثم وقف أمامها ممسكاً بكفوفها يزيل الدماء عنها. فرفعت مقلتيها تعاتبه بقلب مختنق من تراكم الألم: "ليه عملت فيا كدا؟ ليه تقتل أبويا؟ وليه توجعني بالطريقة دي؟
ليه ترميني في المستشفى وتيجي تقضيها على سريري مع نهى؟ ليه بتكرهني كدا؟ تنهد بحديث هادئ دون النظر لها:
"أولاً، أنا مقتلتش أبوكي. غوايش كدبة عليكِ. هي عملت كدا عشان ياسر هو اللي طلب منها كدا عشان يخليكِ تكرهيني وتبعدي عني. أما موضوع المستشفى، أنا مسبتكيش بمزاجي، كان غصب عني لإني رجعت شغلي في الداخلية وكانت مجبور أقعد أخلص شغل مهم بأمر من اللواء، ومرجعتش البيت نهائي غير من ساعة تقريباً. أما نهى، فأنا مقربتش منها. هي فعلاً دخلت الأوضة من شوية بس أنا طردتها. ودخلت الحمام عشان آخد دوش لأني كان بقالي يومين مرجعتش البيت. وربنا شاهد إني ملمستش حتى شعرة منها. ولو كنت عايز أعمل معاها حاجة كنت عملتها في أوضتها. وعشان متقوليش عليا كداب، هخليكِ تسمعي كل حاجة عشان تتأكدي بنفسك."
ترك المناديل من يده بعدما انتهى من تطهير الدماء من عليها، وصار للفراش، وانحنى وأخذ الجوال، ثم عاد لها وجعلها تسمع المكالمة المسجلة بين غوايش والبارون التي تم الاتفاق فيها عن ما ستفعله لتوقعه بها.
أصيبت بدهشة بعدما سمعت بأذنيها تلك المؤامرة الوضيعة. فازدادت ترعداً بشهقات بكاء هزت وجدانها. كم أصيب بخيبات أمل تحاصرها مثلما تحاصر الذئاب الغزال الشارد بأراضي الله. أما هو، فلم يضيع الوقت أكثر وأكمل قول الحقيقة كاملة لها دفعة واحدة ليفرغ ما يسكن قلبه:
"جوازي منك كان مدبر. أطلب مني أتجوزك عشان أقدر أقبض على البارون اللي مفهمك إن اسمه ياسر، لأنه تاجر سلاح. ويوم الفرح أنتِ ممضتيش على عقد الجواز، يعني ببساطة، بدون إمضتك العقد كان باطل. وهو ده اللي كان مطلوب إن جوازنا يبقى باطل. عشان كدا يوم الفرح سبتك ومشيت عشان معملتش معاكي حاجة حرام. بس بعديها بيوم وأنتِ نايمة براحتك قدامي، استحرمتك على عيني، فقمت وجبت القسمية الجواز السوري بتاعتنا وخليتك تبصمي عليها من غير ما تحسي
عشان ميبقاش جوازي منك باطل. ولما جيتي قولتلي إنك متجوزاني محلل، فكرتها لعبة جديدة من جوزك وفكرتك شريكته في اللعبة، عشان كدا كنت بقسي عليكِ بكلامي. لكن بعد كام يوم عرفت إن الكلب بيلعب بيكِ، عشان كدا خوفت عليكِ لما عرفت إنك متعرفيش حاجة عن لعبته. أنا لو بشع زي ما بتقولي عني كنت استغليتك وعيشتك معايا في الحرام ومخلتكيش تبصمي على عقد الجواز، بس مقدرتش أعمل فيكِ كدا. حتى بعد ما اتجوزتك، مقبلتش إني أقربلك عشان شفت إنك
عفيفة وطاهرة وشوفت نفسي مدنس. حرمت عليا لمستك عشان كدا قمت رغبتي في إني أملك جسدك. لما الشيطان كان بيوسوس لي عشان أملكك كنت بستغفر وأقول بيني وبين نفسي ليه عاوز تخليها مدنسة زيك، ليه عاوزها تبقى زيك. حرمتك على قلبي ونفسي عشان تفضلي طاهرة وعفيفة يا ريحانة. تصدقي إنك قبل ما تيجي كنت بقول لنفسي لازم أتغير عشان أقدر أبقى معاها فيما بعد، بس بعد الكلام اللي قولتيه عني عرفت إني كنت هراهن على حاجة خسرانة. بقيت واثق إن قلبك
عليا محرم حتى لو اتغيرت."
استدار ليذهب من تلك الغرفة المليئة بالجراح، لكنه توقف لثوان، والتفت لينظر لها بجملته الأخيرة المحملة بالحقيقة المؤكدة: "لو في حاجة واحدة حقيقية في حياتك يا ريحانة، فالحاجة دي هي أنا. ويكون في علمك نهى كنت محرمها عليا من يوم ما جيت هنا. أنا مش عارف هي قالت لك إيه، بس كفاية بقى لف ودوران كدا."
التفت من جديد وغادر الغرفة بسرواله فقط. أما هي، فلم تستطع الوقوف على ساقيها من شدة الخذلان، وجلست على الأريكة تلوم حالها بقطرات الألم عما فعلته وعما قالته له. داخلها مثل مساكن قديمة يملأها الغبار الذي يخفي آثار المقتنيات الثمينة، فكان غبار قلبها يخفي نغمات نبضها المطالبة بعناقه والأسف عما فعلته به. كم أصبحت فارغة من الداخل مثل الحفرة الفارغة من المياه التي تسقيها. مشاعرها المتدفقة بحزن عما فعلته كانت مثل الحبل المتين الذي يعقد عقدة حول قلبها ليذيد من اختناقها.
"أما بالحجرة المجاورة، فتلقّت نهى صفعة أطاحت بها فوق الفراش، جعلتها تثور باستفسار: "إيه اللي بتعمله دا؟ "جواد" حانقاً: "ده أنا هطلع عين أهلك بقى. أنا قضيتي معاكِ وقت على سريرها. صحيح بجحة." نهضت بزمجرة: "آه، هي الحكاية كدا؟ المزغودة بتاعتك خبصتلك عليا؟ آه، أنا قولتلها كدا عشان أكيدها؟ "تكديها؟ ماشي يا روحمك، خلي كيدك يفيدك." ألقاها من أمامه بقسوة، واتجه للخزانة يفرغها من ثيابها، تزامناً مع قوله الصاخب:
"مش أنا اللي تعمليني لعبة. يلا خدي هدومك ومشوفش خلقتك تاني." اتسعت مقلتيها بذهول: "إيه؟ متشوفش وشك تاني؟ لأ، أنت بتهزر صح؟ نظر لها بحتقار: "أنا فعلاً كنت بهزر لو كملت جوازي منك، بس خلاص ناوي أصحح حاجات كتير قوي، وأولهم أنتِ. كنت غلطة ودفعت تمنها. ريحانة، يلا لمي هدومك وغوري من هنا، أنتِ طالق، سامعاني؟ طالق يا نهى." تصادمت مشاعرها بنيران الرفض التي ذبحت قلبها، وجعلتها تركض إليه بزمجرة: "نعم؟ طالق؟ أنت بتطلقني عشانها؟
لأ يا جواد، فوق. مش أنا اللي أتساب عشان حتة بت زي الغندورة بتاعتك. أنت ملكي أنا ومش هسيبك لغيري." ألقاها بعيداً عنه بحنق: "أعلى ما في خيلك اركبيه. يلا لمي هدومك وغوري من هنا. والورقة اللي بينا هتتقطع. وبالله لو لمحتك بتقربي من مراتي، همحيكِ من على وش الأرض. وكلها دقائق لو ملقيتكيش غورتي من البيت، هنده على الأمن يطلعوكِ بره." أعطاها ما تستحق من الكلمات، وترك الغرفة، فشنت صارخة برفض لما يحدث:
"أنت بتاعي أنا، وحتى لو سبتني أنا مش هسيبك يا جواد، مش هسيبك ليها." ضربت الأرض بكفوفها، وظلت تفكر ماذا ستفعل لتعود لها وتظل بالمنزل. ـــــــــــــــــــــــــــ تركها تنوح بصرخات باكية متمردة على هذا القرار الضار لكيانها، ثم اتجه إلى حجرة فارس حيث يغفو أخيه، وبجواره كريم، وعلى الأريكة يجلس مرعى الذي لم يبدل ملابسه بعد. وفور أن دخلا إليهم جواد بسرواله فقط: قطب مرعى جبهته باستفسار: "هو الجو حر للدرجة دي بره؟
"جواد" حانقاً تزامناً مع جلوسه على التخت الفارغ: "مرعى، اتمسخر وقول يا مسا." أدرك الأمر، فقاله بصوت منخفض: "قول كدا بقا، مطرود من الأوضة؟ يا عيني عليك يا زمن. بقا جواد باشا اللي كانت بتتهزله شنابات، يطرد وبي بـالباس من حتة شبر ونص. حقيقي عجبت لك يا زمن. رجعنا لبرطمة النسوان تاني يا مرعى." استيقظ فارس على صياحه فجلس باستياء: "استغفر الله العظيم يارب. يا ناس عايز أنام شوية. حرام عليكم." "مرعى" باستياء:
"وهو ده بيت حد يعرف ينام فيه؟ داحنا لو بننام في قلب المعتزل مش هنصحى كل يوم على المصايب اللي بتحصل هنا. ده أنا كلها يومين كمان وهحس إني نايم في قلب معسكر اللي متتسموش." "فارس" بتأييد: "عندك حق والله." "جواد" بصرامة: "بقولك إيه، منك ليه؟ ناموا وكفاياكم كلام. أنا مش ناقص صداع." ناظره أخيه باستيعاب: "إيه دا يا جواد؟ أنت قاعد بالبوكسر كدا ليه؟ "جواد" بصرامة: "مزاجي جابني إني قاعد كدا خلاص بقا. خلصنا." "فارس" باستفسار:
"هو أنت مطرود من أوضتك ولا إيه؟ فزع من مجلسه بزمجرة: "مين دا اللي مطرود يالا؟ أنت اتجننت ولا إيه؟ تراجحت نظراته بين الاثنين، فتلعثم "مرعى" بإنكار: "أنت بتبصلي ليه؟ هو اللي قال مش أنا." "فارس" بتصحيح: "أنا قصدي يعني، سايب أوضتك وقاعد بالمنظر ده ليه؟ "نام يا فارس واتمسخر أنت وهو." هتف حانقاً، وأخذ بنطال وتيشيرت من الخزانة وارتداهم، وترك الغرفة. فقاله أخيه: "شكلك مطرود يابن رضوان." "مرعى" بتأكيد:
"ده أكيد. يخسارتك يا باشا تتطرد. هقول إيه بس، ربنا قوي على كل قوي." "فارس" بسؤال: "بتقول حاجة يا مرعى؟ "مرعى" ببسمة مرتبكة: "بقول ربنا ميطردلكم ولا إيه." ــــــــــ📌لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين 🌿للتذكرة🌿 "بذات الوقت بغرفة ريحانة، كانت تجلس برفقة نسمة التي تعانقها لتخفف عنها. "ريحانه" ببكاء: "دي كل حكايتي من أول ما اتجوزت ياسر لحد لما رجعت البيت النهارده."
أفصحت بكل ما بقلبها لتفرغ قصتها بفرحها وحزنها لنسمة. كم كانت تود أن يشاركها أحدهم هذا الحمل المرهق لقلبها. وبعد أن استمعت إليها بصدر رحب، ربّتت على ظهرها بهدوء: "أولاً، شكراً من قلبي على ثقتك الغالية دي، وأوعدك إن سرك في بير." "ريحانه" بتأكيد:
"أنا متأكدة من كدا، وإلا ما كنتش هحكيلك كل حاجة. عارفة يا حبيبتي، وإن شاء الله مش هخذلك. خلينا بقا نتكلم في المهم. أولاً، ياسر اللي طلع اسمه البارون، واحد حقير وميستاهلش يتقال عليه راجل أصلاً، وخسارة حتى إنك تفكري فيه. وجوازك منه باطل، لأنك بتقولي إنك ممضتيش على القسيمة. أما بقى بالنسبة لجواد، مش هنكر إنه كان غلطان لما خدك طُعم عشان يوصل للبارون، بس برضه حقيقي يعني طلع جدع وشهم، كفاية إنه اتجوزك بجد ومقبلش إنه يعيشك
معاه في الحرام، وأثبت إنه صريح لما جالك وحكالك كل حاجة بنفسه أحسن ما كنتِ تعرفيها من حد تاني. أما بقى حوار الحيزبونة مرات أبوكِ دي، فدي واحدة أحقر من البارون، مينفعش تسمعي لها أصلاً لأنها مش مصدر ثقة. وأديكِ شوفتي بنفسك لما صدقتيها، قتلتِ جواد. ده لولا سِتر الرب، كان زمانه مات وكنتِ هتفضلي عايشة بذنبُه."
خرجت من عناقها تجفف دموعها بجرح صوتي: "أنا معرفش عملت كدا إزاي. أنا مقدرتش أمسك نفسي لما شفت نهى على سريري وسمعت منها الكلام اللي قالته. حسيت إن الدنيا سوت وشوفت جواد هو السواد. حسيت إنه سبب وجعي في كل حاجة، موت أبويا وخيانته ليا، وحسيت بالوجع أكتر لما لقيته مسألش عني وسابني مرمية في المستشفى، عشان كدا محسيتش بنفسي غير وأنا بـقتله." ضيقت الأخرى مقلتيها بابتسامة: "طب بيني وبينك كدا من جواكِ، مكنتيش خايفة عليه؟
تنهدت بحزن مغمور بفيضان تدفق بمطر الشتاء، تناثرت نبضاتها بتمرد فياض، يمطر عليها بكلمات كالنار في ليالي الشتاء القارصة:
"لما ضربته بالمقص حسيت بروحي بتتسحب مني. لما شفت الدم، كنت حاسة إن قلبي بيقتلني. لو كان جراله حاجة، مكنتش هقدر أكمل من غيره. جواد مش بس جوزي، لأ، أنا بعتبره الأمير بتاعي، الفارس اللي جالي وخدني على حصانه بيرمح بيا لبعيد. تقدري تقولي كدا الحارس بتاعي اللي متأكدة إن لو حد فكر يقرب لي، هيكون مطلع روحه في إيده. جواد، بحس معاه بخوف الأب اللي اتحرمت منه. بحس إني بنته، دايما بيوجهني وخايف عليا حتى لو بيحاول يخبئ. بحس معاه بحنان رهيب. أنا مش بس بشوفه جوزي، لأ، أنا بشوفه أبويا. شعور غريب جميل، عمري ما حسيته مع أبويا اللي بجد."
تنهدت نسمة باستحسان لكلماتها: "يخربيت مشاعرك يا ريحانة، أنتِ دايبة دوب في ابن خالي. أنتِ بتحبي جواد." كست الحمرة وجنتيها بلون قرمزي بدموع ممزوجة بكامل أوجاعها: "أنا معرفش إيه الحب يا نسمة، بس لو اللي بحساه ده معناه إني بحبه، فأنا عمري ما هخليه يسيبني عشان متحرمش من الحاجة الحلوة اللي بحسها دي."
"وهو مش هيسيبك يا حبيبتي. جواد لو مش عاوزك بجد، كان هيطلقك ومش هيهمه مهمة ولا غيره. طب موضوع نهى، أنا مش طايقاها. مقطقاها، المهم إنها غارت. أنا قولتلك إني شفت جواد وهو بيطلقها وبيضربها، يعني خلاص ملهاش علاقة بيه تاني. جواد لـ ريحانة وبس." تبسمت بنكسار: "ليا إيه؟ بقولك، قالي إني اتحرمت عليه وعلى قلبه." "هو قالك كدا لأنه عصّبك، أنما لو غيرتي طريقتك معاه وتمسكتِ بيه، صدقيني مش هيسيبك وهيواجه قلبه وهيحبك بجد."
أصبحت ترتعد بجبال ثلجية تجلد بقلبها الباكي بحصار الفراق العليل لمخابئ قدرها، وباحت بنكسار صوتي: "أنا مش هسيبه، لأني من غيره هبقى يتيمة بجد، وأنا مش عايزة أبقى يتيمة تاني." لمست أوجاعها، فكانت العون لها بعناق احتوى رعدتها، مربّت عليها بصوت متحشرج بالبكاء، تدعمها بعطف: "أنتِ مش يتيمة، أحنا كلنا معاكِ، وماما تبقى مامتك، وخالو فوزي يبقى باباكِ، أحنا كلنا معاكِ."
وجدت السلام بعناق قبطية، فشدّت من ذلك العناق الدافئ لتخمد ثورة أحزانها. ـــــــــــــــ📌يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين«للتذكرة🌿» "مر الوقت، وعاد جواد للغرفة بعدما هدأت ثورته، فوجدها تغفو على تختها، فصار إلى الأريكة وممد جسده ليأخذ قسطاً من الراحة، وأغلق جفونه ليستقبل النوم، لكنه سمعها تقول له: "أنا آسفة."
قالتها وهي تدفن رأسها بصدره بعدما نهضت من فوق تختها، وآتت إليه تغفو بجواره على الأريكة التي بالكاد اتسعت لحملهما. لم يلبّ نداء قلبه الذي يطالبه بعناق خصرها والإجابة عليها، فشعرت بالحزن أكثر، وعانقت صدره بتمسك زائد، تزامناً مع كلماتها ذات البحة المكسوة بغيمة البكاء: "عارفة إني قولتلك كلام وحش، بس قولت كدا لما فكرتك فعلاً قتلت أبويا وخنتني مع نهى." "ارجعي نامي مكانك يا ريحانة." حدثها بهدوء مغمض مقلتيه. فشدّت
من التصاقها به: "لأ، أنا مكاني جنبك." عارضها بذات الهدوء المنافي لما يشعر به من غضب: "اسمعي الكلام، ورجعي على سريرك. أنا دراعي وجعني ومش عارف أتحرك منك، المكان ضيق." "طب تعالي نامي جنبي على السرير." "لأ، مرتاحة هنا." "وأنا راحتي معاك، ومش هنام غير في حضنك." تنهد محارباً لنبضاته التي ترهقه: "بلاش مناهدة واسمعي الكلام، قولتلك المكان ضيق ومش هيشيلك."
"لو المكان مش هيشيلني، شلني أنت." هتفت ببحة منكسرة من الخذلان، تجفف دموعها. ولم تمضِ سوى ثانية واعتلت فوقه تغفو فوق جسده. ففتح جفونه بتعجب زاده إرهاقاً من ذلك القرب المحارب له، فلم يكن يصدق ما فعلته، فقد أطاحت ببرقع الحياء من عليها، وصعدت فوقه تغفو، فأصبح جسداً واحداً. وقبل أن يستوعب هذا الوضع النابش بصناديق شوقه إليها، سمعها تقول ببحة زادته إرهاقاً:
"بما إن الكنبة مكنتش شايلاك، فجسمك كفاني. وعلى فكرة، أنا عايزة أبقى مراتك بجد. حتى لو أنت مش عاوزني، فأنا عاوزاك. وأول ما تخف، عاوزاك تتمم جوازك مني. أنت حقي وأنا عايزة الحق ده. أنت قولت إنك شايفني عفيفة وشايف نفسك مدنس عشان كدا حرمتني عليك، بس أنا شايفة غير ما أنت شايف نفسك. أنت طاهر ونقي، حتى لو ملوث بشوية عيوب، فبقربي منك همحي كل التلوث وهظهر طهارتك. بلاش تبعدنا وتحرمنا على بعض."
ختمت جملتها برفع رأسها على صدره، وأبصرت بخضرتيه التي تهتز بإرهاق القلب والجسد من حديثها الذي نشر السرور والشوق بكيانه. مقابلة عينيهما مثل التقاء الشمس بالقمر، كونا هجين يجمع بين النيران ودفء الليل، هجيناً أوحى الكمال بكيانهما وبرز الشوق منهما. هجيناً أعطى الانتعاش للقلب والحاجة للجسد. صدورهما اتحدت بنبض متبادل فوق بعضهما، وإشارة العيون اتجاه رعدة الشفاه التي تسعى لتذوق هذا الشوق الجارف.
فكان الاقتحام حليف جواد، الذي عانق وجنتها بيده المتعافية، وجذب وجهها إليه برفق، ليقبض على وردتيها بقبضته لوعته بها. يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!