تحميل رواية «حواء بين سلاسل القدر» PDF
بقلم لادو غنيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بدروب الحياة تفتح الأبواب. يختار القدر أشخاص يطلق عليهم عنان الأشواك. أصبحت المختارة لأتنقل بقدمي هاوية تجهل السير بتلك السراديب الإلهية. فيا عازف الأقدار اعزف قدري بالحان السلام فبالله لا تقسوا على صغيرة. جردها القدر من أحلامها. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد. " نسافر بخيالنا إلى الصعيد، وبالأخص قنا، في أحد البيوت حديثة البناء، داخل آخر شقة بالطابق الأخير، نجد بحجرة النوم فتاة في بداية الثلاثينات تدعى نهى، قد خرجت للتو من الحمام بعباءة سوداء خفيفة تظهر مفاتنها، ممسكة بمنشفة صغيرة تجفف شعرها...
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الأول 1 - بقلم لادو غنيم
بدروب الحياة تفتح الأبواب.
يختار القدر أشخاص يطلق عليهم عنان الأشواك.
أصبحت المختارة لأتنقل بقدمي هاوية تجهل السير بتلك السراديب الإلهية.
فيا عازف الأقدار اعزف قدري بالحان السلام فبالله لا تقسوا على صغيرة.
جردها القدر من أحلامها.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
"
نسافر بخيالنا إلى الصعيد، وبالأخص قنا، في أحد البيوت حديثة البناء، داخل آخر شقة بالطابق الأخير، نجد بحجرة النوم فتاة في بداية الثلاثينات تدعى نهى، قد خرجت للتو من الحمام بعباءة سوداء خفيفة تظهر مفاتنها، ممسكة بمنشفة صغيرة تجفف شعرها الأسود، وتناظره ببسمة يملؤها الإغراء إلى التخت، تبوح بنعومة:
"صباح القمر على أجمد ظابط عرفته في حياتي."
كان يجلس فوق فراشها عاري الصدر، يحتوى خصره بغطاء خفيف، يشعل سيجارته، بعين تناظر جسدها الذي كان يملكه منذ قليل.
"صباح الروقان، بقولك إيه ما تيجي جانبي شوية."
أطلقت ضحكة مثيرة متحدثة:
"آجي فين تاني حرام عليك."
نهض من فوق الفراش، يستر جزعه السفلي بالغطاء، واقترب بخطوات منها، يجذبها بذراعه من خصرها لتلتصق بتفاصيل صدره. رفعت عينيها له، فاستقبلها بدخان سيجارته الذي أطلقه على وجهها مثل غيمة الضباب.
"حرام عليا، ولا حرام عليك إنت؟ إنت مش شايفه نفسك عاملة إزاي؟"
رفعت يدها تحاصر عنقه، وهي تهتف بتساؤل:
"قولي بقي إمتى هتتجوزني رسمي؟ أنا بصراحة كدا مش مقتنعة بالجواز العرفي اللي ما بنا."
"نعم جواز رسمي؟"
"أيوا جواز رسمي."
نفخ دخانه من جديد بوجهه، مجيبًا بتصحيح جاف:
"فوقي يا نهى، إحنا كاتبين الورقتين العرفي عشان نحلل الوقت اللي بنقضيه سوا، وإنتي عارفه كدا كويس. وبعدين متحسسنيش إني ضحكت عليكي، أنا من الأول مفهمك إن العلاقة اللي هتبقي بينا علاقة انبساط وبس."
لم تكن تهتم لكل ما قيل، وقالت:
"إنت زعلت، مكنش قصدي أزعلك بس العشم حلو."
"أنا معشمتش حد بالجواز، بلاش تسرحي بخيالك عشان ماتقعيش على جذور رقبتك."
رأت الضيق بعينيه، فاحتوت وجنته بكفها الناعم، تقترب من فمه قائلة:
"إنت زعلت حقك عليا، أنا هصالحك."
عارضها مبتعدًا عنها، يسير للحمام، وهو يلوح لها بسبابته برسمية:
"لو سمعتك جبتي سيرة الموضوع دا تاني، الورقة اللي بينا هقطعها وتروحي لحال سبيلك. أنا باجي هنا عشان أروق ساعتين مش تعكنني عليا بلت النسوان بتاعك دا."
دخل إلى المرحاض، وأغلق الباب خلفه بقوة. فرتجفت ببسمة هاوية تسكن فمها:
"تقطع إيه بقي بعد ما لقيت راجل زيك أفرط فيه بسهولة! قاعدة على قلبك يا جوادي."
التفتت للمرآة تضع مساحيق الزينة والعطر لتظهر بأفضل طلة.
ـــــــــــــــ
وبعد ساعتين على طريق رملي لأحد القرى، توقف "جواد" بسيارته البيضاء ب هلل بسبب تلك العجوز التي ظهرت فجأة أمامه، وكاد يدعسها. نزل من السيارة بحنق، يتعارك معها بصوته الأجش:
"مش تفتحي يا ولية إنت؟ إنتي عاميه ولا إيه حكايتك؟ كنت ههرسك بالعربية!"
نظرت له العجوز السوداء بعينين يغطيهما الكحل الداكن، وعلى ذقنها نقوشات خضراء دائرية، وتستر جسدها بالملس الأسود الصعيدي، وعلى رأسها غطاء يحتويها. ظلت تناظره لبضع دقائق في صمت، جعلته يزداد حنقًا.
"إنتي هتفضلي متنحالى كدا كتير؟ إبعدي خلينى أعدي بالعربية."
"إسمك إيه يا ولدي؟"
"وإنتي مالك بإسمى إيه هتعمليلي محضر؟" تحدث بزمجرة.
فقالت بغموض:
"جولي إسمك إيه خلينى أجولك عاللي مخبيه نصيبك."
لوي فمه بجفاء:
"ااه نصيبي؟ هي الست الكبيرة بقى دجالة؟"
"إخرس جطع لسانك، الدجالين بينهم وبين الله أسوار من النار، إنما أنا بيني وبين الله عماااار. الغيب ميعرفهوش غير رب الناس، اللي يرزقني من فضله وخيرني عن بعض الناس بهبة المعرفة. يالا جولى إسمك إيه؟ وإنت عامل زي الخيل اللي ملوش لجام."
صك على أسنانه بحنق، وهتف:
"إصطبحتك زفت يا نهى، إسمى جواد، وسعى بقى خلينى أمشي."
"جواد، مش بجولك خيل بيرمح من غير لجام. هتمشي لما تعرف جدرك مخبيلك إيه."
أخرجت كيس صغيرًا من سيالة الملس به قطعة قماش بيضاء، وضعتها على مقدمة سيارته، وعليها فرشت الرمال التي بالكيس. وأخرجت بعض الأحجار غريبة الهيئة، وضعتها فوق الرمال. ثم نظرت له تتمتم بصوت غير مسموع بكلمات لم يسمع منها شيئًا. ثم التفتت، ونظرت إلى الرمال تتعمق النظر بها، وكأنها تقرأ شيئًا، جعلها تناظره بعين تجحظت بشكل مريب.
"طريجك عوچ. كله سراديب. جلبك ميت مبتخشاش الموت. عامل زي الخيل بترمح من غير لجام في أراضي عامل فيها سيدها. بس يا ويلك من اللي چاي هيضعف رمحك. حياتك هتنجلب، طريچك هيتغير. هتشوف حچات مكنتش بتشوفها. هتجابل إصغيرة هتلچمك بعشجها. عشجك ليها هيبجى زي السكينة متغرج بدم حد من دمك. كل ما تحاول تبعد عنها هتلاقيها بتجربك منها إكتير. بتخليك تتشعلج بهواها وتبجى ملكها. وجلبك مش هيعرف يشوف غيرها. ومع كل خطوة رچلك هتمشيها هتوجع في حفره مليانه أفاعي. وياويل الخيال لما يتلچم بالأفاعى يا ولدي."
كلماتها المفخخة بالألغاز السامة لعقله، جعلته يغمض عينيه رفضًا لتلك التخاريف، ونظر لها يجيبها بقولًا جاد:
"كذب المنجمون ولو صدفوا. تخاريفك خليها لنفسك يمكن تنفعك."
التفتت تلملم أغراضها، بقولها الهادئ:
"ربنا چعلنى سبب عشان أحذرك، بس شكلك إكده رافض إنك تسمع. إنت حر يا ولدي. ربنا يحميك من الأفاعى اللي هتلچمك وتسم بدنك. أما الصغيره هتجابلها دلوك أو بعدين. ولما تعشجها هتتوكد من كلامى. بس خلى في بالك نهاية طريچك معاها مكتوبه بالدم. يا تختار تنچى نفسك يا تختار تنچى حياتها. سلام ولدي."
"إمشي يا وليه! وليه خرفانه صحيح. يالا ياحجه على الله التساهيل."
أشاح بيده رفضًا تامًا لأقوالها، وركب السيارة يبتعد عن طريقها. أما هي، فلم تهتم بعدم اهتمامه، وبدأت بالنزول لمنحدر أرض خضراء يملؤها شجر الليمون. ظلت تسير بينها حتى وجدت نفسها أصبحت بأرض خضراء دون أية أشجار، لا يوجد بها غير بعض الحشائش التي تتناولها الأغنام. ونظرت حولها، ووجدت منزلاً قديمًا يبدو عليه مرور الزمن.
فبدأت بالسير إليه حتى توقفت أمام شرفة صغيرة تقف بها صغيرة يرفض العمر الاعتراف بها، فملامحها الصافية ببرائة الصغار تخدع عين من يراها، بشعرها الذهبي الخاضع للأعين، وبراعة خلق الله في تفاصيل ملامحها. تقف بعباءتها الزهرية التي زادتها جمالًا.
فقتربت منها العجوز تقف أمام الشرفة بطلتها المفزعة، التي جعلت "ريحانه" تتراجع بهلع للوراء، بقلب كاد يخرج من جوف صدرها.
"ماتخفيش يابتى أنا مش چايه أئذيكي، ناولينى حبة مياه عطشانه ريجي كيف الصبار، إسجينى يابتى ينوبك ثواب."
نظرت إلى كوب الماء ثم نظرت إلى الشرفة تحسم قرارها بخوف، فهي لم تخرج من المنزل منذ كانت صغيرة، ولم تقابل امرأة بهذا الشكل المفزع للعين. لكن قلبها رق بالعطف، وحملت الماء، وبدأت بالاقتراب من الشرفة، وهي ترتجف، وتهتف بربكة:
"هحطلك الكوبايه علي السور خديها، وإمشي!"
"حاضر يا بتي."
وضعت الكوب، وتراجعت للوراء مسرعة بخوف. فأخذت العرافة الماء وتناولته، ثم وضعته مكانه على السور، ونظرت لها ببسمة يحتويها التعجب.
"سبحان الخلاج فيما خلج. جوليلي يابتى إسمك إيه؟"
بلعت لعابها بربكة أكثر:
"بتسألي ليه؟"
"معرفت الصبايا الچومال خير. جوليلي على إسمك، وهشوفلك نصيبك بتمن الميه اللي شربتها."
ضيقت عينيها متسائلة بتوتر:
"إنتي عرافة؟"
"الغيب ميعرفهوش غير اللي خلجنا. أنا مچرد مرسال للموعودين. جوليلي على إسمك، ومتخافيش."
تنهدت بإعطائها ما تريد بهدوء:
"ريحانه، إسمى ريحانه."
"إسمك چميل كيفك يا صبيه. يالا خلينى أشوف الجدر مخبيلك إيه."
بدأت بإخراج الكيس، ووضع القماشة على سور الشرفة، ثم وضعت عليها الرمال والأحجار. ونظرت لها تتمتم بذات العبارات المخفية. ونظرت إلى الرمال. ثم نظرت لها من جديد تحرك رأسها بحزن:
"عيني عليكى يابتى. طريجك بدايته هيبجى دم هيكسي يدك، ويلوث جدرك. هتتكتبى على إسم راچل جلبه ميعرفش طريج العشج. هتشوفى المرار. وكل ما حياتك تزهر زي إسمك هتلاقي حاچه بتعتمها وتخليها سواد. جلبك هيتعلج بيه. هتبجى دايبه في عشجه، وهو مش هيسأل فيكى. في طريجك أكتر من حيه هيحاولوا يأذوكي. حرصي منهم. وخلى بالك راچلك في حيه متشعلجه بخلجاته مش هتبجى عاوزه تسيبه ليكي، هي شيفاه ملكها."
النصيب غلاب، وإنتِ اللي هتيجي مراته. بس يا ويلك من نهاية جدرك اللي بدأ بالدم هينتهي بردك بالدم، يا إما دمك يا إما دم اللي عشقتيه.
تملكتها الرهبة من هول ما سمعته. تلك الكلمات المسكونة بالخوف والألغاز جعلتها تجلس على فراشها بعين تمردت بدموع، صرحت عن نبضات قلبها المرتجفة. أما العجوز، فلملمت أغراضها وذهبت.
أما ريحانة، فنظرت بشهقة لزوجة أبيها التي تدعى غوايش، التي دخلت إليها دون استئذان مثل المعتاد، وقالت بحده:
جرا إيه؟ شوفتي عفريت يا جميلة الجميلات؟ وبعدين مالك قاعدة كدا ليه؟ ما تفزي يابت أقفي وأنا بكلمك.
نهضت أمامها بهدوء كالمعتاد رغم حزنها من تلك المعاملة الجافة.
نعم يا مرات أبويا.
لوت فمها بجفاء.
نعم الله عليكي يا أختي. هو أنا مش قولتلك تِجري ع المطبخ تغسلي المواعين وتحضرلينا الغدا؟ ولا ست الحسن تحب أدخل أنا بدالها؟
قالت متنهدة بيأس وهي تسير من جوارها.
حاضر، هدخل أعمل اللي طلبتيه.
استنى عندك.
وقفت تنظر لها، فقالت الأخرى ببرود.
مش قولتلك ألف مرة الزفت الشباك دا ما يتفتحش. إنتِ إيه؟ ما بتسمعيش الكلام ليه؟
ضيقت عينيها بحزن.
إنتِ منعاني من الخروج بره البيت. الشباك الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أشوف العالم اللي بره، بلاش تحرميني منه.
حرمت عليكي عيشتك. والله وطلعلك لسان وبتردي عليا. ماشي، أنا هشوف شغلي مع أبوكي.
ردفت بحنق وهي تغلق الشرفة، فأوقفها صوت هشام، صاحب الأرض.
صباح الخير يا ست غوايش.
تركت الشرفة وهتفت بنعومة تتدلى منها الدلع.
صباح الفل والياسمين على عيونك يا هشام بيه. خير، بتعمل إيه هنا؟
قطب جبهته ببسمة تساؤل.
بعمل إيه؟ دي أرضي، إنتِ نسيتي ولا إيه؟
غوايش بدلع صوتي.
لأ، منستش. بس مبشوفكش بتقرب منها، عشان كدا استغربت.
لاحظت عينيه التي تنظر ببسمة إعجاب لشيء خلفها، فاستدارت ووجدت ريحانة مازالت تقف، مما جعلها تزداد حنقا. تأمرها.
غوري على جوه، شوفي أبوكي، بلاش مياعة.
انسحبت على الفور دون أي اعتراض. فسألها هشام مستفهما.
مين البنت دي؟ أول مرة أشوفها.
تنهدت بجفاء.
دي المزغودة بنت جوزي. مبتخرجش من البيت، عشان كدا محدش يعرفها.
والمزغودة بقى اسمها إيه؟
ريحانه، اسمها خسارة فيها.
تبسم الآخر بفظاظة.
واضح إنك بتحبيها أوي.
أشاحت بإنكار جاف.
أحبها ولا محبهاش، ملوش لازمة.
فرك لحيته بتفكير.
عندك حق، ملوش لازمة.
دعته ببسمة أثناء مداعبتها لشعرها.
بقولك إيه؟ ما تتفضل أعملك كوباية ليمون تبل بيها ريقك في الحر دا؟ ولا هشام بيه بيحب الحر اللي بيلهلب البدن؟
أدرك مقصدها المنحدر بقذارة تفكيرها.
لأ، ماليش في الحر اللي من النوع دا. أما كوباية الليمون، هشربها بس بالليل هجيلكم.
تأتنس وتشرف يا سيد الناس.
ودعته بكلماتها الناعمة مثل غطاء حريري، فذهب. أما هي، فأغلقت الشرفة ودخلت إلى المطبخ حيث تقف ريحانة وتقطع البصل بعين تزداد بكاء من ألم رائحته على عينيها. أما غوايش، فوضعت يدها بخصرها تحدثها بجحود.
خلصي يا أختي المياعة بتاعتك، واطلعي امسحي أوضة الضيوف، خليها بتبرق، وحطي كسوة الكنب الجديدة.
حاضر.
حضرلك الخير يا روح أبوكي.
أجابتها بسخرية، ثم ذهبت. أما هي، فلم تكن تملك شيئًا لتفعله سوى الصمت وتقبل كل شيء يحدث لها.
***
بعد ساعة، بدار الهلالي، حيث تجلس الحجة معالي بالمندرة، وبجوارها تجلس ابنتها سمرا، التي تبكي بحسرة على أحوالها.
ربنا يسامحك، إنتِ السبب فيما أنا فيه دلوقتي.
عارضتها بحده.
ليه؟ عملت فيكي إيه؟ كل دا عشان سترتك، زي ما بتقول عوايدنا؟
عاتبتها بلوم كاره.
سترتيني؟ ولا دفنتيني بالحيا؟ خرجتيني من المدرسة وأنا عندي ستة عشر سنة، وجوزتيني لصلاح اللي كان عنده واحد وثلاثين سنة، وخلفت عيلين بربيهم دلوقتي بحرقة الدم والأعصاب، وياريتني عارفة أربيهم. دا غير صلاح وعمايله معايا. حرام عليكي يا أمي، شيلتيني الحمل بدري. أنا لسه مكملتش الأربعة وعشرين سنة.
قطبت جبهتها بإنكار.
متشيلنيش حاجة يا حبيبت أمك. إنتِ مش أول واحدة تتجوز صغيرة، معظم البنات كدا. وبعدين دي عوايدنا، البنات تتستر بدل ما تجيب لأهلها العار يا ست سمرا.
عار إيه؟ وكلام فاضي إيه؟ البنت لو متربية كويس مستحيل تغلط يا أمي.
ربتت على قدمها اليمين بأمر.
قومي، ارجعي على بيتك، متخربيش حياتك. يالا يا أختي، خلي بالك من جوزك ومن عيالك.
كانت تدرك أن الحديث مع والدتها لم يجدي نفعًا، فأوقفت تجفف دموعها وتستر رأسها بالحجاب.
ماشي يا أمي، هرجع بيتي، بس خليكي فاكرة إن كل ما أجيلك عشان تحافظي على كرامتي من بهدلة صلاح فيا، بترجعيني تاني للعذاب بإيديكي.
سكتك خضرة يا بنت معالي، روحي لدارك، وبدل الكلام الفاضي حافظي على راجلك وعيالك.
حركت رأسها بعدم اهتمام لما تسمعه، وذهبت. أما معالي، فوجدت جواد يدخل إليها برفقة هشام، فتبسمت بفخر.
عيني عليكم باردة.
جلسا بجوارها، فبدأت بالحديث مع جواد.
كنت فين من الصبح؟ البت شادية قالت لي إنك مرجعتش البيت من لما خرجت ستة الصبح؟
فرك لحيته ينكر تواجده مع نهى.
كنت في القسم، كان في شغل مهم كنت لازم أخلصه.
وخلصته على خير يا حبيبي؟
لمعت عينيه ببسمة ماكرة وهو يتذكر تلك اللحظات التي قضاها على فراشها.
خلصته على خير أوي، لدرجة إن المتهم مكنش عايزني أسيبه.
ربتت على قدمه بفخر.
طول عمرك شاطر يا جواد.
تدخل هشام قائلاً.
سيبكم من جو المدح دا دلوقتي. وقوليلي يا أمي، مش كان نفسك دايما تفرحي بيا وتشوفينا متجوز؟ إيه رأيك بقى إني لقيت العروسة؟
تجحظت عينيها بسعادة غمرت قلبها.
ألف مليون مبروك يا حبيبي. قولي، تبقي مين، وبنت مين، وساكنة فين؟
لأ، دي مفاجأة. هعرفك كل حاجة لما أتكلم مع أهلها وأقعد معاها الأول.
مع إنك كدا بتسبني وأنا هتجن، بس ماشي يا سيدي، هسكت وهستنى عشانك، بس مطولش بقى، خلص الموضوع بدري بدري، خليني أفرح بشوفة عيالك.
تبسم برسمية.
على العموم، أنا بالليل رايح أزورهم، وهاخد جواد معايا، دا لو فاضي.
ولو مش فاضي، أفضيلك نفسي يا حبيبي.
نظرت لهما برضا، وربتت على قدمهما تدعي لهما بقولها.
ربنا يحميكم من العين، ويحفظكم لبعض، وتفضلوا دايما كدا عيال عم وإخوات.
ختمت دعواتها، ونهضت من جوارهما تتركهم يتناقشون بأمر موعد المساء.
***
مر النهار، وآتى الليل. داخل دار غوايش، التي تقف بحجرة نومها تضع مساحيق المكياج عليها، بعدما ارتدت عباءة حمراء ضيقة للغاية، وتركت شعرها الأسود منسدلاً على ظهرها. وأمامها على الفراش يجلس زوجها المريض، ينظر لها بعتاب.
لحد إمتى هتفضلي ماشية في السكة النجسة دي؟
التفتت له تبوح بوضوح.
لحد لما تبقي راجل، ومتخلنيش أحتاج لراجل غيرك.
قطب جبهته بحنق.
صحيح، زي الكلاب ما بتشبعيش.
لوت فمها بتهديد.
أنا فعلا وفية زي الكلاب، عشان كدا لحد دلوقتي مقولتش لست الحسن والجمال بنتك إنك إنت اللي قتلت أمها ويتيمتها.
تجحظت عينيه بحزن الماضي متحدثًا.
عملت كدا عشانك إنتِ، اللي غويتيني زي الشياطين. منك لله يا غوايش، منك لله.
ضحكت بسخرية واقتربت منه بعدما حملت كأس ليمون ووضعته على فمه تسقيه.
منا كلنا لله يا حبيبي. يالا اشرب كدا وروق لي دمي.
وضعت الكأس على الكومود بعدما انتهت من تناوله له، ولم تمر دقائق، وذهب في نوم عميق بسبب أقراص المنوم التي وضعتها له بالعصير.
***
أما بحجرة نوم ريحانة، فكانت تغفو فوق فراشها بمنامة حريرية زهرية اللون، كانت تظهر تضاريس جسدها الكيرفي الصغير باحترافية، فكانت رائعة دون أي مساحيق تجميل. كانت تغفو كما أمرتها غوايش، لكي لا تخرج.
*** أما بالخارج، بعد الساعة العاشرة، دق باب المنزل، فاتجهت غوايش وفتحته، فوجدت هشام وجواد أمامها، فلمعت عينيها بمراوغة ناعمة تدعوهم بيداها للدخول. فدخلا، فقالت بترحيب.
أهلا أهلا يا دي النور. جواد باشا بشحمه ولحمه عندنا. دا الواحدة لما بتشوفه جسمها بيتلبش من الخوف بسبب صوته اللي بيرج القسم ليل ونهار.
ضيق عينيه بسخافة.
لأ والله.
آه والله. إنت مش مصدقني؟
لأ إزاي؟ ما هو واضح إنك اتلبشتي. تحبي البشك بالكلبشات عشان الرعشة تزيد.
غمزة هشام بذراعه، فـتنهد بجفاء.
أما "غوايش" فبدأت بالسير أمامهم بطريقة بذيئة تظهر تضاريسها.
"اتفضلوا معايا على أوضة الضيوف مع إنكم أصحاب بيت."
بما إننا صحاب بيت، فندخل على أوضة النوم على طول.
التفتت له بتساؤل ذي بسمة.
"الباشا بيقول إيه؟"
تدخل "هشام" بجدية.
"متاخديش في بالك، "جواد باشا" بيحب يهزر."
"طب على ما يخلص هزار، هروح أجيب لكم حاجة تبلوا بيها ريقكم عشان شكلكم عطشان أوي."
بدأت بالسير بذات الطريقة. فنظر "هشام" إلى ابن عمه يعاتبه.
"إيه اللي قولته دا؟ ميصحش كدا، الست تقول علينا إيه؟"
لوي فمه ببسمة ساخرة.
"ست مين ياعم "هشام" يابني؟ الولية دي نيتها مش سالكة، مش شايفة إزاي ماشية تترقص قدامنا؟ اسمع مني، الصنف دا بيمر عليا كتير في القسم."
"بس يا "جواد"، قفل على السيرة دي، خلينا ندخل نستناها جوه على ما تجيب المشروب."
"إنت مجنون يا "هشام"؟ عاوز تتجوز واحدة اتربت على إيد رقاصة، ومش أي رقاصة، دي "غوايش"."
تنهد الآخر بجدية.
"البنت عجباني، والست "غوايش" ربنا يصلح حالها."
"مش بقولك نيتها مش سالكة؟ قابل بقى جيبالك مكر ياعم الشيخ."
نظر "هشام" إلى "غوايش" التي عادت تحمل صينية فوقها زجاجة خمر، وبجوارها ثلاث كؤوس.
"مالكم واقفين كدا ليه؟ اتفضلوا جوه."
هتف بجدية.
"قبل ما أتفضل جوه، فين الحمام؟"
هتفت ببسمة خليعة.
"عندك في الطرقة ديه."
تحرك باتجاه الطرقة، فوجد ثلاث حجرات، فدخل إلى أول حجرة وأغلق الباب خلفه. وفتح النور، فتفاجأ بنفسه يقف بحجرة صغيرة بمنتصفها تخت، تغفو عليه أنثى مثل الحوريات بمنامتها الحريرية، وشعرها الذهبي الذي يغفو بجوارها على الوسادة. فراقت لعينيه كثيراً. فضوله جعله يقترب منها، حتى جلس بجوارها على الفراش، يمرر عينيه عليها، يدرس تفاصيلها الصغيرة بإغراء. رفع يده ولمس شعرها الذي جعل يده ترتجف بشعور لم يسبق له. فابتعد عنها محاولاً التماسك أمام جمالها الآخاذ لرجل يهوى النساء مثله. وكاد يتحرك ليذهب، لكنه وجدها تمسك بيده. فحاول سحبها منها برفق، لكنه أيقظها بحركته. ففتحت عينيها التي اتسعت بخوف، وزادت ضربات قلبها بأنفاس متلهفة، وبدأ جسدها بالارتجاف.
خوفها المخيف الذي بدا عليها جعله يبتعد عنها فوراً، مسرعاً بالخروج من حجرتها، تاركاً إياها في شدة خوفها تزداد رجفتها، وانتابتها نوبة الرهاب، وفقدت وعيها في حالة إغماء.
ــــــــ
أما لديه، فقد أغلق الباب عليها قبل أن يرى ما حدث لها، وسند بظهره عليه يلهث أنفاسه بلهفة لم تسبقه. وزاد الأمر غرابة عليه عندما ارتفعت نبضات قلبه، تأبى المكوث معه، تود الرجوع لمن بالحجرة. فأنكر ذلك الشعور المريب بحركة رأسه يتمتم بربكة.
"مالك يا "جواد"؟ هي دي أول مرة تشوف فيها بنت؟ ما تجمد كدا، حصلك إيه؟"
بتلك اللحظة العصيبة، خطر عليه حديث العرافة حينما قالت:
"هتجابل إصغيره هتشعلجك بعشجها."
أنكر حديثها الصاخب داخل عقله، قائلاً برفض تام.
"استغفر الله العظيم، كذب المنجمون ولو صدفوا. استغفر الله العظيم."
نفى جميع ما راوده، وذهب إلى الحجرة الأخرى حيث يجلس "هشام" برفقة "غوايش". وتقدم ثم جلس بجواره. فرمقه الآخر مستفهماً بسبب هيئته المشتتة.
"مالك يا "جواد"؟ في حاجة ولا إيه؟"
تحمحم ببعض الثبات الانفعالي، ينكر بصوت أصبح أشد رزانه.
"كله تمام، متشغلش بالك بيا. المهم قول لي، فتحت الست "غوايش" في الموضوع اللي جايين عشانه، ولا لسه؟"
نظرت لهم ببسمة أنوثي، أثناء تناولها من كأس الخمر.
"خير، موضوع إيه؟"
"من الآخر كدا يا ست "غوايش"، أنا جاي أطلب منك إيد "ريحانة"، بنت جوزك."
بصقت الشراب من فمها بزعر.
"تتطلب إيد مين؟ "ريحانة"؟"
قطب "هشام" جبهته بتأكيد.
"أيوه، مالها "ريحانة"؟ إيه أنا مش قد المقام، ولا إيه يا ست "غوايش"؟"
تلخبطت بغيره تأكل قلبها.
"لأ طبعاً، هو احنا نطول. بس يعني "ريحانة" عيلة صغيرة، دا غير إنها تعبانة."
"تعبانة إزاي يعني؟ مالها؟"
قوت بصرها بشماتة، تبوح بصوتها الحياتي.
"بتتشنج. لما بتقعد معا حد أو تقابل حد متعرفهوش، بتفضل تترعش وتعرق. ولو الحالة شدت عليها بتتشنج وتتمرمغ في الأرض، يا إما يغم عليها."
تلقى "جواد" الصدمة بعين اتسعت بقلق. هز قلبه عليها. أدرك سبب أفعالها حينما استيقظت على رؤيته. تبدلت ملامحه للتشتت جديد. كان يود أن ينهض ليطمئن عليها. لكنه حاول الاسترخاء وتجاهل تلك المشاعر الألاهية التي نبتت بقلبه الجشع. أما الآخر، فقاله بتمسك غير مهتم لما قيل.
"معنديش مشكلة، أنا موافق أتجوزها."
أكلتها الغيرة من جديد، وشعرت بقلبها يعتصر من الضيق. فتمسكه بالآخر زاده من حدة كراهيتها لها، وهتفت بعد دقيقة برسمية.
"بس ممكن هي متوافقش."
تبسم بتساؤل يصحبه التعجب.
"ليه متوافقش؟ ياترى عندك تفسير؟"
"لأ معنديش، أنا بقولك ممكن."
"بصي يا ست "غوايش"، أنا معجب ببنت جوزك، وهتجوزها على سنة الله ورسوله، وانتوا هتوافقوا، يا إما مفيش قعاد ليكم في البلد دي تاني. متنسيش إنكم قاعدين على أرضي، وبكل سهولة أقدر أمشيكم من البيت."
تجحظت عينيها بزمجرة.
"هو الجواز بالعافية يا "هشام" بيه؟"
"لأ مش بالعافية، بالرضا. بس واضح إنك مش موافقة. بس أنا متعودتش إني مخدش حاجة عيني منها، و"ريحانة" عجبتني، وعاوزها في الحلال. ومظنش إن الحلال يزعل حد."
تهديده الصريح من نشلها من بيتها ودمار حياتها، جعل الخيار بالنسبة لها معدوم، مما جعلها تكتم غيرتها داخلها، وتبدلت ملامحها القاسية إلى بسمة تزين وجهها.
"لأ طبعاً ميزعلش حد. ماشي يا "هشام" بيه، احنا موافقين، وهنستنا حضراتكم تشرفونا عشان تطلبها رسمي."
تنهد بجدية.
"أنا جات وفعلاً طلبتها رسمي، والفرح هيبقى يوم الخميس الجاي."
"فرح إيه اللي الخميس الجاي؟ النهارده الحد."
"وإيه يعني؟ أنا مش عاوز منكم حاجة. "ريحانة" هتنور بيتي من غير حتى شنطة هدومها، أنا هجيب لها كل اللي هي عايزاه."
لوت فمها بحنق.
"ما تئانسنا يا "جواد" بيه في الكلام اللي بيقوله ابن عمك."
اختنق صدره بتلك الأقاويل التي تحاك من حوله، حول من سكنت عقله. وقال بجمود.
"حاجة ماتخصنيش، مش أنا اللي هتجوز."
نهض "هشام" قائلاً.
"بكرة المغرب هبعتلكم العربية بتاعتي عشان تجيبكم البيت الكبير. عندنا بكرة مناسبة هتضم أهل البلد وكل العائلة، وبما إنكم بقيتوا نسيبنه، فاللازم تحضروه."
هتفت ببرود.
"إن شاء الله."
نهض "جواد" يبوح برسمية.
"يالا خلينا نمشي."
"هشام" ببسمة.
"سلام يا ست "غوايش"."
لم تجب عليهم، أما هما فذهبوا وركبوا السيارة الخاصة "بجواد"، تاركين "غوايش" تشتعل من الغيرة.
ــــــــ
أما بمنزل السوالمي، داخل حجرة نوم "خليل"، كان يقف كالعادة ويتشاجر مع زوجته "ثريا".
"أنا مش قادر أفهم أنتِ عايزة إيه. نفسي أفهم أنتِ مبتزهقيش من كتر الخناق والطلبات؟"
زمجرت بعدم رضا.
"والله يا حضرة المحامي المحترم، أنا مبطلبش حاجة خارج حقوقي. أنتِ جوزي وواجب عليك تجبلي كل حاجة عايزاها."
فرك لحيته بحنق.
"أنا بجيب لك اللي بقدر عليه، مدام في مقدرتي. إنما ساعتك بتطلبي حاجات تفوق مقدرتي."
"مش مشكلتي يا "خليل"، مقدرتك والكلام دا ميخصنيش."
حرك رأسه يميناً بيأس.
"أنتِ عمرك ما هتتغيري، هتفضلي طماعة كدا. "ثريا" هانم معندهاش مشكلة إني أسرق، مدام هنفذ لها كل طلباتها. إنما بقى الموضوع حلال أو حرام ملهاش علاقة."
جلست على مقعد مرآتها، تهندم خصلاتها السوداء باللامبالاة.
"مقولتلكش اسرق. إنت محامي شاطر. بس عيبك بترفض القضايا اللي كلها فلوس."
تجحظت عينيه بحنق.
"قصدك القضايا اللي كلها رشوة وأساليب زبالة خارجة عن القانون. زي مثلاً، إنجى مجرم من حبل المشنقة، وأوصل بداله بريء يتشنق ظلم، مقابل الفلوس؟ يا شيخة، يلعن أبو الفلوس اللي تموت ضميرنا وتخلينا حيوانات."
حذفت الممشطة من يدها بزمجرة.
"إهو دا اللي بأخده منك، الضمير. تقدر تقولي الضمير دا عملنا إيه لما جه علينا وقت مكنش معانا فيه جنيه؟"
تنهدا ببعض الهدوء.
"والحمدلله ربنا صلح الحال، والرزق الحلال معيشنه في أحسن عيشة. وبقى عندنا شقة ملك وعربية. دا غير الدادة اللي ساعتك جبتيها عشان تراعي آدم في غيابنا. المفروض بقى إننا نحمد ربنا على النعم اللي بقينا فيها، مش نسعى لطريق الشيطان؟"
فزعت من فوق مقعدها معترضة.
""خليل"! كل الكلام اللي قولته ماليش علاق بـه. أنتَ كزوج مطلوب منك تجبلي كل طلباتي، دي مسئوليتك."
تسرق، بقي متسرقش، تمشي في طريق الشيطان أو ما تمشيش، دي كلها حاجات متخصنيش نهائي.
تبسم بجفأ.
"طبعًا، أنت كل اللي يهمك الفلوس والبس والفشخرة الكدابة. أقولك على حاجة يا ثريا؟ أنا هسيبلك الأوضة كلها وهروح أنام في أوضة آدم، يمكن لما تنامي لوحدك تفكري بضمير شوية."
غادر الحجرة ليغفوا بجوار صغيره، يتركها تتشاجر مع محتويات الحجرة، بعدم حمد لتلك العيشة التي يحلم غيرها بها.
ـــــــــ
أما بمنزل الهلالي، بعدما عاد الشباب من الخارج، وجلس هشام مع والدته يخبرها بأمر زواجه من ريحانة. نفرت الأم برفض.
"إنت بتقول إيه بقي يا هشام؟ ابن الحسب والنسب يتجوز بت اتربت على إيد غوايش الغازية اللي سيرتها على كل لسان؟"
"أنا مالي ومال الزفتة غوايش، أنا هتجوز البت مش غوايش، وبقولك إيه يا أمي؟ أنا هتجوزها يعني هتجوزها، إنتِ عارفاني كويس مبرجعش في كلمتي. وخلي في معلومك إنهم هيحضروا الليلة اللي هنعملها بكرة بمناسبة نجاح فارس."
فض الحديث معها وذهب دون أن ينتظر حتى إجابتها، مما جعلها تتمتم بكراهية قد زرعت بقلبها.
"ماشي يا تربيت الغازية، أنا هوريكي شغلك."
توعدت لها بداخلها، تنوي أن تلقنها درساً لن تنساه.
ـــــــ
أما باليوم التالي بالصباح، الساعة الحادية عشر صباحًا. داخل قسم الشرطة بمكتب جواد، كان يجلس على مقعده يتحدث مع العسكري مرعى، الذي يقول له:
"زي ما بقول لساعتك، خناقة شديدة بين عائلة غفران وبسيوني."
أشاح بيده بلامبالاة.
"خليهم يموتوا بعض، العائلتين أعفن من بعض."
"قول غيره."
"في متهم بره بسرقة جاموسة الحاج سعيد."
نفر بزمجرة.
"يلعن الجاموسة على الحاج سعيد، هو الراجل دا عايش ليه عشان يتسرق؟ مش لسه من كام يوم جايبله الواد اللي سرق العجلة بتاعته. خلص يا مرعى، قول غيره."
"في حادثة عربية، واد من العيال ولاد الكبارات خبط عيل غلبان من نواحي البلد، ومسكناه بره، تحب أدخلهولك؟"
خبط الطاولة بقبضته بضيق.
"بالله لو مخرجتش من وشي دلوقتي، هقوم أعدي عليك بعربيتي عشان أخلص من غبائك."
تلبك بقلق.
"حقك عليا يا باشا، دقيقة والواد يبقى قدامك."
ذهب مرعى، فخرج جواد سيجارة من علبته وأشعلها بين شفتيه، يستنشق دخانها بصدره. فأتى إليه مرعى ومعه شاب بمنتصف العشرينات، يعافر بخشونة صوتية.
"إبعد إيدك عني، إنت متعرفش أنا مين."
"شيل إيدك من على الناموس يا مرعى، خلينا نشوف أبوه مين، رئيس الوزراء ولا حد من السفراء."
هتف بخشونة، فقال له الشاب معترضًا.
"أنا إسلام ابن الريس همام، أكبر مقاول في بر الصعيد، ولو أبويا عرف إنكم قابضين عليا مش هيسكت."
زم فمه بخشونة صوتية.
"ويسكت ليه؟ خليه ييجي يسمعنا صوته. بقولك إيه يالا، إنت خبط عيل على الطريق وهتتحاسب غصبن عن عين أبوك."
زمجر إسلام برفض.
"أتحبس إيه؟ مش هيحصل."
ضرب الطاولة بقبضته بحنق.
"هو أنا باخد رأيك يا روح أمك؟ دا أمر. خدوه يا مرعى على الحبس، متخلنيش أقوم أصبح على وشك يالا، وتبقي توريني أبوك هيخرجك إزاي. بالله ما هتخرج من هنا غير بمزاجي عشان تبقي تتحامى في أبوك تاني يا ننوس، غوروه من هنا يا مرعى."
أخذ مرعى الفتى للحبس، أما هو فنهض يطفئ السيجارة بحذائه، وأخذ سترته الجلد السوداء وارتداها. ثم أخذ السلاح ووضعه خلف ظهره ببنطاله الأسود، وبدأ بالسير حتى خرج من مكتبه، يذهب للخارج، فقابله صديق طفولته خليل، الذي صافحه ببسمته كالمعتاد.
"أهلاً يا جواد باشا، سامع صوت زعيقك من وأنا بركن العربية."
هتف بجدية.
"أعمل إيه؟ شغال مع بهايم، دا غير العيال اللي شايفه نفسها عشان معاهم قرشين."
عاتبه بفظاظة.
"قولتلك ابقى محامي زيي، بس أقول إيه، إنت اللي صممت تدخل الشرطة، عامل فيها كونان."
"ماشي يا عم الفاهم، أنا همشي دلوقتي عشان عندي مأمورية هخلصها وراجع."
"سلام يا صاحبي."
تدلى جواد من فوق الدرج وركب سيارته وغادر المكان. أما خليل فدلف ينتظر قدوم متهمه من المحكمة.
ــــــــــــ
أما بمنزل ريحانة، فقد استيقظت من الصباح الباكر تشعر بألم في رأسها، تتذكر ذلك المشهد الذي جمعها مساءً مع جواد، لكنها ظنت إنه كابوس راودها بوقت نومها. نهضت وتوضأت ثم صلت الصبح، وبعد ذلك بدأت بمهامها اليومية: التنظيف والغسيل والطهي. وبعد الانتهاء، دعتها غوايش للمجيء إلى حجرة نوم أبيها. فلبت ريحانة الطلب واتجهت إلى الحجرة، فوجدت غوايش تجلس على الفراش بجوار أبيها.
نظرت لهما بهدوء كالمعتاد وهتفت.
"نعم يا مرات أبويا."
لوت فمها بفظاظة.
"نعم الله عليكِ يا ست الحسن، ياللي مدوبة الرجالة في هواكِ."
ضيقت عينيها بقلق.
"إيه الكلام اللي بتقوليه دا يا مرات أبويا؟"
اهتزت ببسمة غليظة.
"اللي سمعتيه يا حبيبة مرات أبوكِ، مبروك إنتِ اتخطبتِ وفرحك يوم الخميس الجاي."
اتسعت مقلتيها بصدمة هزت كيانها.
"جواز إيه؟ ومين قالك إني عايزة أتجوز؟"
"إحنا مبناخدش رأيك يا ست ريحانة، إحنا بنعرفك اللي هيحصل، وخلي في علمك لو فكرتي إنك تقولي لأ، هنطرد من البلد كلها ومش هنلاقي حتى تتاوينا. ولا إيه يا أبو العروسة؟"
التفتت إلى والدها تستعطفه بعينيها التي تتأرجح بخوف. لكنه أخفض وجهه بإنكسار، مرددًا.
"مبروك يا ريحانة، فرحك يوم الخميس الجاي."
فرت الدموع تكسو وجنتيها بظلماً أظلم للياليها القادمة، فاتسعت عين الأخرى بالكراهية اللامعة بالمكر.
"جهزي نفسك، العريس عازمنا النهارده على مناسبة في بيته، عايزكِ تخلصي كل طلبات البيت قبل المغرب، فاهمة ولا لأ؟"
"حاضر يا مرات أبويا، فاهمة."
هتفت بذات الهدوء المنكسر بقهراً يغزو القلب، ثم خرجت وتركت غوايش تجلس بجوار والدها، فهو لا يستطيع أن يعارض قرارها خوفاً من أن يكشف سره أمام صغيرته.
ــــــــ
أما بشقة نهى، بعد ساعة، بحجرة نومها، وبالأخص على الفراش، كانت تجلس بجوار جواد الذي أتى إليها. فكانت تداعب لحيته بأنثوية، تسأله.
"مالك يا جواد؟ من ساعة ما جيت وأنت قاعد ساكت وبتشرب في سجاير. هو أنا مش عاجباك ولا إيه؟"
التفت يتفحصها ببصره، فكانت مغرية كثيراً له، فاستدار للجهة الأخرى وأطفأ السيجارة بزجاجة الإطفاء، ثم عاود النظر إلى نهى ورفع يده يحتوي وجنتها بدفء، وبدأ يقترب من فمها وأغلق عينيه بتناغم ليتناولها، لكن هيئة ريحانة اخترقت عقله بطلتها التي سرقت قلبه مساءً، مما جعله يفتح جفونه بغرابة، بسبب جسده الذي يرفض الاقتراب من غيرها، مما جعل نهى تشعر بالضيق وفزعت من جواره تتشاجر بغيره.
"لأ أفهم بقى مالك؟ من ساعة ما جيت كل ما تقرب مني تبعد."
نهض من فوق الفراش وأمسك بالتيشيرت الأبيض خصته يرتديه أثناء حديثه الجاف.
"عقلي مشغول بشوية حاجات."
"ما إنت دايماً بتبقى مشغول، بس عادي يعني ما بيأثرش على اللي بيحصل بينا. إشمعنى بقي النهارده؟"
جذب سترته من فوق المقعد متحدثاً بخشونة.
"جرى إيه يابت إنتِ؟ هتحققي معايا؟ قولتلك مشغول خلاص، خلصنا."
قطمت على شفاها بإنزعاج.
"ياترى هتيجي إمتى تاني؟ ولا ناوي ماتجيش؟"
رمقها بحنق وغادر الشقة على الفور، فجلست على فراشها بغيره تحوم حولها.
أما هو، فبعد صعوده للسيارة، بدأ يتذكر ريحانة من جديد، وكأنها سكنت عقله وترفض الابتعاد عنه، ففرك لحيته المنبتة بشعيرات صغيرة، يفركها بضيق، طبق صدره وجعله لا يفهم كيانه، وقال بزمجرة.
"إيه اللي بيحصلك يا جواد؟ إنت اتجننت؟ بتفكر بخطيبة هشام؟ فوق دي هتبقى مراته، يعني متحرّمة عليك. افهم كدا، ريحانة لأ، مينفعش."
ظل يعاتب ذاته بتلك الكلمات التي تجعل العقل يستيقظ قليلاً.
ـــــــــ
مر النهار وآتى المساء بمنزل غوايش، التي أعدت حالها للذهاب للمناسبة، وارتدت ثوباً حريرياً أسود يظهرها بكامل أنوثتها. وقفت بساحة الشقة، تهتف بصوت متحشرج بالحدة.
"مات يللا يا ريحانة، كل دا بتهببي. إيه؟ طبعاً تلاقيها بتلخبطي خلقتك بالمكياج."
"لأ أنا مبحطش الحاجات دي، أنا خلاص جهزت يا مرات أبويا."
اتسعت عينيها بغيره احتوت كيانها، كادت تقتلها بنظراتها الموجه بأسهم كارهة، وهي تراها أشد جمالاً بذلك الثوب الحريري الأحمر، وببساطة جمالها الآخاذ دون أي تدخل تجميلي.
"إيه القرف اللي عملتيه في نفسك دا؟ غوري يا مقصوفة الرقبة، غيري الزفت دا، والبسي حاجة محترمة، وامسحي القرف اللي مغطية بيه وشك."
ارتجفت بقلق، تنكر ما توجهه لها.
"بس أنا مش حاطة أي مكياج، والفستان واسع."
جذبتها بقوة من كتفها، فشقّت الفستان بغيرتها.
تبوح بإبتغاض.
"إنت هتردي عليا يا قليلة الأدب؟ يالا غوري على جوه، غيري القرف اللي لبساه واغسلي وشك. عقابًا ليكي همشي وأسيبك وتيجي لوحدك."
رفضت برجفة برأسها.
"لأ، أنا مش هعرف أمشي لوحدي."
"ده أمر يا ريحانة هانم، تلبسي وتروحي لوحدك وألف مين يدلك. اسألي على بيت هشام الهلالي خطيبك والناس هتوصفلك. وبقولك إيه، عالله أبوكي سيبيه نايم مرتاح، فاهمة ولا مش فاهمة؟"
أمرتها بحدة، جعلت الأخرى تذرف دموع الخوف من مقلتيها البريئتين، خوفاً من مواجهة العالم الخارجي بمفردها.
"حاضر يا مرات أبويا."
لوت فمها بفظاظة وخرجت من البيت، تتمتم بسرها.
"وريني بقى هتوصل البيت إزاي يا خسارتك في الموت يا بنت أفنان."
ركبت السيارة التي أرسلها هشام. أما ريحانة، فاتجهت وبدلت ثوبها وارتدت ثوب سماوي اللون كان لوالدتها، فبدت به أشد جمالاً ورُقياً، ومشطت شعرها الذهبي على ظهرها ليُزيدها أنوثة. وبعد دقائق معدودة خرجت من حجرتها وفتحت باب المنزل وخطت أول خطوة للخارج، فشعرت بخلاياها ترتجف من شدة الهواء العليل والشعور بالخوف، فهي لم تغادر المنزل منذ أن كانت صغيرة لا تفقه شيئاً. لم تكن تملك سبيلاً غير تنفيذ أوامر غوايش. وبالفعل التفتت وأغلقت الباب، ونزلت من على الدرج حتى وقفت على الرمال بحذائها الأبيض وبدأت بالسير من وسط الزرع بقلب يرتجف مثل جسدها المرتعب. وعيناها لم تكف عن التأرجح يميناً ويساراً تتفحص المكان من حولها بقلق من أن يظهر لها أحد.
وكادت تخرج من بين أشجار الليمون، لكنها رأت بعض الرجال الملثمين ينزلون من سيارة، يتحدث إليهم كبيرهم بأمر.
"البيت ورا شجر الليمون، هنلاقي البت جوه نخلص عليها ونمشي من غير ما حد يحس بينا."
"أوامرك يا ريس."
هتف رجاله، فرتجف جسدها برعب، فلا يوجد منزل غير منزلها خلف شجر الليمون، مما جعلها تتأكد أنها المقصودة، فبدأت بالتعرق والإرتباك وزادت ضربات قلبها ورجفت جسدها، فكانت النوبة بأولها. فأسرعت بالرجوع إلى الوراء بدموع تسقي الأشجار، ظلت تبتعد بحذر حتى خانتها قدمها، ووقعت على ظهرها وسط الأشجار، فسندت على يديها وبدأت بالسحف للوراء حتى استقرت بالاختباء خلف شجرة كبيرة فروعها تكسو محيطها. رفعت يدها تكمم فمها من خوف أن يصلهم صوت بكائها، ولم تمر سوى الثواني ورأت من يقف أمامها، فاتسعت عينيها برهبة أرهقت قلبها من قسوة ما تراه.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثاني 2 - بقلم لادو غنيم
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
لتجمع روحين اختارهما الله ليتآنسوا بصحبة بعضهما بالدنيا. من قاله أن البشر هم من يختارون نصيبهم؟ إننا مجرد عرائس متحركة تتشابك بخيوط القدر تحركنا كما تشاء، تضعنا معًا من اختاره الله. لنصبح شركاء بحياة اختارها القدر.
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف أمامها فاتسعت عينا
رأت من يقف
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثالث 3 - بقلم لادو غنيم
خرجت حواء من ضلع آدم لتتأنس برفقته. مر الزمن والقرون ليأتي قرن جديد يشهد على ميلاد حواء صغيرة في الدنيا لا تفقه شيئاً، حتى ألقى بها القدر لسرداب الرجال تسعى لتنشئ بجوار رجل يهوي النساء، أصبح جدراً يأويها من غشاوة الدنيا.
اعتلت الشمس مكانها في المساء لتعلن عن بداية يوم جديد داخل شقة نهى. تداعب جفون عين جواد النائم على فراشها عاري الصدر، فقد قضى الليلة بأكملها لديها. فتح جفونه وجلس نصف جلسة، ثم أخرج سيجاره من علبته وأشعلها ليستنشق دخانها عبر صدره.
في تلك اللحظة، دخلت نهى تحمل صينية الطعام، ثم وضعتها على الكومود وقالت بأنوثة:
"صباح الفل على سيد الناس."
فرك مدمع عينيه متجاهلاً حديثها:
"الساعة بقت كام؟"
جلست بجواره مجيبة:
"عشرة وربع."
أطفأ سيجارته في المطفأة ونهضا من على الفراش، مرتدياً سرواله فقط. سار نحو صينية الطعام وأخذ شريحة جبن وتناولها أثناء حديثه الجاف لها:
"صحيح نسيت أقولك أنا اتجوزت امبارح."
فزعت من فوق فراشها بدهشة:
"نعم اتجوزت؟"
هتف بذات الجفاء بعدما وقف أمام المرآة يهندم خصلات شعره السوداء الساقطة على حاجبيه:
"أيوه اتجوزت."
صقت على أسنانها بغيرة عامرة بكيانها:
"ويا ترى بقى عرفي ولا رسمي؟"
"رسمي."
تجحظت عينيها بحنق يأكلها:
"نعم رسمي! اشمعنى أنا اتجوزتني عرفي؟"
قطب جبهته بذات الجفاء دون النظر لها:
"عشان انتِ حاجة وهي حاجة تانية خالص."
كلماته القاسية زادت من حنقها، فسار نحوها تسأله بزمجرة:
"ويا ترى بقى المحروسة شكلها إيه أحلى مني؟"
لوي فمه بهدوء الثلج:
"مفيش وجه مقارنة بينكم، انتِ حلوة ونغشة، أما هي فهادية، بس الحق يتقال زي القمر وأحلى من القمر كمان."
اشتعلت غيرتها، فصاحت بتساؤل:
"ولما هي أحلى من القمر سبتها ليه ليلة دخلتك وجاتلي؟"
زم فمه ببسمة يملؤها الشوق لريحانة قلبه:
"لو كنت قضيت الليلة معاها مكنتيش هتشوفيني تاني، عشان كدا بعدت عن سحرها عشان أقدر أفضل زي ما أنا جواد الهلالي اللي انتِ عرفاه؟"
رفعت حاجبها الأيسر بكراهية:
"واضح أن السنيورة بتاعتك شاغلة عقلك وقلبك يا جواد باشا. مقلتليش اسمها إيه؟"
"ميخصكيش." هتف بصرامة واتجه للحمام. أما هي فجلست على المقعد تتمتم بحقد ملء قلبها: "ماشي أنا هعرف هي مين يا جواد. انسى إني أسيبك لواحدة غيري حتى لو كان فيها موتك وموتها." توعدت له بغضب عمى عينيها مثل الكراهية التي عمت قلبها القاسي.
***
أما بشقة سمرا، فكانت تقف أمام تختها بعبائتها الكحلية القطنية ممسكة بقطعة قماش تنظف بها حواف التخت.
"ياما نفسي تهتمي بيا شوية زي ما بتهتمي بالتنضيف!"
عاتبها صلاح الذي خرج للتو من المرحاض مرتدي سرواله الأسود بعدما أتم استحمامه. فنظرت له بذات العتاب:
"صلاح بالله عليك بلاش كلام على الصبح، أنا فيا اللي مكفيني."
قوس حاجبيه بلوم حاد:
"هو إيه اللي فيكي؟ هو أنا بقرب منك ولا حتى باجي جنبك؟ انتِ ليه مشيلاني ذنب حاجة مش عارفاها؟ فهميني فيه إيه؟"
ألقت القماشة من يدها واقتربت خطوة منه مشحونة باللوم الحاد:
"ذنبك إنك حرمتني من كل حاجة من غير ما تحس يا صلاح. خرجتني من المدرسة، اتجوزتني وأنت أكبر مني بتلاتشر سنة. بسببك بقيت أم وأنا لسه طفلة. حرمتني من كل حاجة حلوة."
اتسعت مقلتاها بدهشة، لم يكن يدرك أنها تخبئ كل هذه القسوة داخلها. لم يتصور يومًا أنه سبب دمارها. علم سبب هذا الجفاء، فتنهد بهدوء يرد لها العتاب بجدية:
"أنا مخطفتكيش ولا أجبرتك على الجواز ولا دمرت حياتك. أنا اتقدمت على سنة الله ورسوله زي ما عوايدنا بتقول، وانتوا وافقتوا. أما بقا لفرق السن اللي بينا فحاجة عادية معظم شباب وبنات البلد بيتجوزوا بعض في نفس السن، وهنروح بعيد ليه، ما لسه جواد ابن عمك اتجوز امبارح من ريحانة بنت القص وبردو أكبر منها بتلاتشر سنة."
شعورها بالظلم لم يسمح لها بتقبل ما يتفوه به، فاستدارت للجهة الأخرى ترتب وتوسد التخت باعتراض جاف:
"أنا ماليش دعوة بحد، كل واحد ودماغه يا صلاح."
حرك رأسه بتنهيدة يأسه:
"صح، كل واحد ودماغه. على العموم أنا رايح الشغل، وانتِ يابنت الناس شيلي السواد اللي جواكِ من ناحيتي عشان نعرف نعيش. أنا خلاص قربت أنسى إني متجوز. البركة في البيرة والحشيش اللي مسحولك عقلك."
قطب جبهته بحنق:
"بشربهم عشان أنسى القرف والنكد اللي عايش فيه. أنا بقرب منك بطلوع الروح، ويوم ما بتحني عليا وبتكوني معايا ببقى حاسس بقرفك مني، مبتبقيش طايقة لمستي، إني باغتصـبك. عرفتي ليه بشرب القرف اللي بتعايريني بيه؟"
ابتلعت غصتها بذات الجفاء:
"لأ ما فهمتش، ولا عمرك هتفهم طول ما انتِ مشيلاني ذنبك."
سار للخزانة ليخرج ملابسه، أما هي فلم تهتم بكل ما قيل، فهي لا تراه سوى السبب الأول في ضياع طفولتها وهدم مستقبلها.
***
وفي ذلك الوقت بمنزل خليل، كانت ثريا تضع مقتنياتها بحقيبة يدها. فدخل إليها خليل بعدما ارتدى بدلته السوداء للذهاب إلى القسم:
"رايحة فين؟ مش المفروض النهارده يوم إجازتك؟"
ألقت بطرف عينيها عليه، ثم عادت للنظر بالحقيبة:
"لأ مفيش إجازات بعد كدا، مستر توفيق عنده ضغط شغل وطلب مني ألغي الإجازات الفترة الجاية."
"آه مستر توفيق. طب يا ثريا هانم ياريت تعملي حساب لابنك، دا مكنش بيقعد معاكي غير يوم الجمعة، دلوقتي مش هيشوفك أصلاً."
أغلقت حقيبتها والتفتت إليه تحدثه بذات الجفاء:
"أنا مش بلعب يا خليل، أنا بشتغل عشان أوفر له كل حاجة هو عاوزها."
قطب جبهته بحدة:
"انتِ ليه مصممة تقللي مني؟ ليه عايزة تبيني إني مقصر في حقكم؟ أنا شغال ليل مع نهار عشان مخليش حد منكم ناقصه حاجة."
تنهدت بهدوء مميت:
"خليل بلاش خناق على الصبح، أنا متأخرة ولازم أمشي. ولو على آدم فمتقلقش الدادة هتاخد بالها منه."
"يكون في معلومك أنا الدادة قالت من يومين إنها هتسيب الشغل عندنا يوم الاثنين الجاي عشان هتسافر بلدها. تقدري تقوليلي هنعمل إيه بقى؟"
"ولا حاجة، هتشوف دادة غيرها. الموضوع بسيط بس أنت اللي بتحاول تكبره. عن إذنك بقى لازم أمشي."
سارة من جواره بكامل غرورها، فاستقبله بتنهيدة تسجن غصته لكي لا يفعل شيئاً يقلل من احترام صغيره له.
***
بعد ساعة بقسم الشرطة، دخل مرعى إلى مكتب جواد الجالس على مقعده، فوقف أمامه متسائلاً:
"أنا سمعت إن ساعتك اتجوزت امبارح. إيوه؟ إيوه يعني تتجوز من غير ما تعزمني؟ لأ أنا واخد على خاطري منك."
"ياه دا عز الطلب والله." تنهد باستياء: "مش فاهم ساعتك قرش ملحتي كدا ليه؟"
فرك جبينه بتجاهل:
"مرعى على بره، قبل ما تخرج عايز أبلغك إن النسوان اللي اتقبض عليهم في شقة مشبوهة على طريق الصعيد اتحولوا على القسم هنا وهما دلوقتي بره."
"دخّلهم."
ذهب مرعى وعاد بعد دقيقة برفقة ثلاث فتيات يلفون أجسادهم بملاءات ملونة. فنظر لهم جواد بتنهيدة جافة:
"اصبحنا واصبح الملك لله. عارفين الله ولا عايشين للشيطان وبس؟"
قالت إحداهن بدلع:
"للاتنين يا باشا، مش ساعتك باشا برضو؟"
"لأ، شغل النحنحة دا مبيقولش معايا يا روح أمك. اظبطي عشان مظبطكيش." هتف بحدة، فابتلعت الفتاة لعابها واعتمدت الصمت.
وفي تلك اللحظة دخل خليل إليه يبوح بغرابة:
"مالك صوتك عالي كدا ليه؟"
"متشغلش بالك، قعد. وأنت يا مرعى أحدفهم في التخشيبة ورحّلهم بكرة على وكيل النيابة."
"ممكن تسمعني؟" التفتت الأعين إلى ياسمينا، الفتاة الثالثة التي تقف بجوار المقعد تستر جسدها بملاءة حمراء ويبدو على وجهها الخوف.
جلس جواد برسمية قائلاً:
"خد الاتنين دول على الحبس يالا، وأنتِ قولي اللي عندك."
ارتجفت عينيها بدموع الندم وحاولت التماسك:
"أنا اسمي ياسمينا، بشتغل رقاصة في كباريه الدلع على طريق القاهرة. بشتغل رقاصة بس، والله ماليش في الشغل الشمال."
قاطعها بسخريته الجادة:
"صح ملكيش في الشمال، طب بالنسبة للملاءة اللي ستراكِ إيه نظامها؟ موضة جديدة في اللبس؟"
شدتها من احتواء بها:
"لأ مش موضة، أنا فعلاً اتمسكت في شقة مشبوهة بس إقسم لك بالله إني مرحتش هناك بمزاجي. أنا رحت بسبب الست صاحبة الكباريه، هي اللي غصبتني على كدا وهددتني إني لو مرحتش الشقة هتبعت تبلغ أهلي عن مكاني."
راود خليل الفضول حيالها، فالقى بسؤاله:
"هما فين أهلك؟"
"في إسكندرية. المهم لما هددتني فكرة إني أهرب منها بس رجالتها مسكوني ونزلوا ضرب فيا بأمر منها وأجبرتني أروح الشقة بالعافية. إقسم لك بالله هي دي الحقيقة، إكسب فيا ثواب وعتقني لوجه الله وأنا أوعدك إنك مش هتشوف وشه تاني."
أشعل سيجارته بتجاهل لكل ما قالته:
"كل القصة دي ماليش فيها، انتِ هتتحولي على النيابة وهما بقى يا إما يلبسوكِ قضية دعارة يا إما يخرجوكِ بكفالة."
عارضته برأسها بحزن صاخب لبكاء عينيها:
"لأ بالله عليك بلاش قضايا، أنا حكيتلك الحقيقة وحياة أغلى حاجة في حياتك لتقف جانبي. أنا ماليش غيرك دلوقتي بعد ربنا."
"ربنا بريء منك انتِ وامثالك، بلاش كهنة الحريم دي عليا مبيقولوش معايا."
تدخل خليل برسمية بعدما شعر ببرائتها:
"استنى بس يا جواد، أنا محامي وبعرف أفرق بين المظلومين والكذابين والبنت دي شكلها مظلومة."
قطب جبهته بجدية:
"من الآخر عايز إيه؟"
نظر له مدبراً أمرها:
"خرجها بكفالة على ضمانتي."
فرك أنفه متسائلاً:
"انتَ إيه اللي يخليك تضمن واحدة زي دي؟"
تنهد برسمية لينهي الأمر:
"حسي القانوني، متنساش إني محامي وبعرف البريء من المتهم. ماشي هتخرج على ضمانتك بكفالة خمس آلاف جنيه، بس لو لمحتها هنا تاني بالله محد هيخرجك حتى لو كان وزير الداخلية نفسه."
أومأ ببسمة أمل. أما خليل، فبعد أن انتهى من كافة الإجراءات، خرج برفقاتها بعدما أعطاها سترته لتسترها فوق الملاءة. ثم وقف أمام القسم تناظره بامتنان:
"شكراً من كل قلبي والله عمري ما هنسى وقفت حضرتك جانبي."
هتف مستفهماً:
"أنا معملتش غير واجبي. المهم قوليلي هتروحي على فين دلوقتي؟"
فرت دموع الرهبة من عينيها باستسلام:
"مش عارفة. لو رجعت الكباريه الست نواعم مش هترحمى، ولو رجعت لأهلي هيقتلوني."
حن قلبه لضعفها، فاخرج منديلًا وأعطاها إياه:
"طب خدي امسحي دموعك ومتخافيش، تقدري تقعدي في مكتبي لحد بكرة وبعدين الأمور هتتحل."
اتسعت عينيها بدهشة:
"حضرتك بتتكلم بجد؟"
"آه، انتِ قولتلي اسمك إيه؟"
تبسمت بحزن يغطي ملامحها الدافئة بالجمال:
"ياسمينا."
أومأ برأسه قائلاً:
"ياسمينا تمام، ياله خليني أوصلك للمكتب وبكرة هبقى أعدي عليكِ."
ذهبت برفقته وهي تشعر بالراحة بجواره. أما بالداخل، فأتى اتصال لجواد من مأمور القسم:
"إيه اللي عملته دا يا حضرة الظابط؟"
ضيق عينيه متسائلاً:
"خير يا فندم، عملت إيه؟"
"انتَ إزاي تحبس إسلام ابن همام الضلعي؟"
تنهد بحنق:
"زي أي ظابط بيحبس مجرم، ولا إحنا فتحناها لوكانده وأنا مش عارف؟"
هتف المأمور بغضب:
"اتأدب وأنت بتتكلم يا حضرة الظابط. أما بالنسبة لإسلام فـيخرج حالا."
نهض والغضب يملؤه، فقاله ببعض الرسمية:
"أوامرك يا فندم، اعتبره خرج."
أغلق الهاتف ودلف للخارج يصيح بزمجرة:
"مرعى، إنتَ يا زفت يا مرعى."
أتى إليه راكضاً بقلق:
"تحت أمرك يا جواد بيه."
سأله بحنق:
"العيل اللي إسلام ابن همام خبطه جراله إيه؟"
"الواد بخير في المستشفى، كل الحكاية دراعه ورجليه اتكسروا."
فرك لحيته بتوعد يخفي مكره:
"بس كدا، طب بسيطة. امشي خرجُ من التخشيبة الواد برا."
"حاضر يا باشا."
سار مرعى، فتجه جواد للخارج وركب سيارته وظل منتظرًا لبضع دقائق حتى خرج إسلام من القسم. فشغل محرك السيارة بقول غاضب لما حدث:
"مدام هتخرج منها من غير حساب، فخد بقا حسابك بنفس عملتك الوسخة. أنت مش أحسن من اللي خبطه بعربيتك يا ابن همام."
قاد السيارة اتجاه إسلام الذي تفاجأ بقدوم السيارة إليه، فتسعت عينيه برهبة، وقبل أن يتحرك صدمه بالسيارة، فوقع على الأرض على بعد أمتار من السيارة، يصرخ بألم فقد انكسرت ساقه اليسرى. فركض البعض إليه، أما جواد، فنزلا من السيارة وسار إليه حتى أصبح أمامه، ثم جلس نصف جلسة يناظره بعين تلونت بالسواد الكاحل نابع من أعماق الجسد:
"بلغ أبوك إن اللي خبطك بالعربية اسمه جواد رضوان الهلالي. قوله كدا، كل واحد خد حقه. بما أن أبوك إيديه وصلت للمأمور ونجاتك من الحساب، فـأنا بقا اديتك الحساب بنفس الطريقة. أنت خبطت الواد وكسرتله إيده ورجله، وأنا خدت للواد حقه وكسرتلك رجلك. إحنا كدا خلصين يا نانوس عين أبوك. بس خلي في علمك المرة الجاية، بالله لهكون كسرلك رأسك ورأس أبوك لو خبطت حد تاني."
نهض شامخاً بكبريائه اللائق عليه كثيراً، وسار للسيارة يركبها ليغادر المكان.
***
عاد جواد إلى بيت أبيه وصعدا الدرج وسار إلى حجرتة وفتح الباب وتدلى للداخل، فوجدها تقف أمامه بعبث. فضيق عينيه يسأله أثناء إغلاقه للباب:
"مالك شكلك مضايقة؟"
لوت فمها بذات العبث:
"أنتَ كنت فين وسايبني لوحدي؟ تعرف إن النور قطع أكتر من ساعتين وفضلت قاعدة بعيط من الخوف عشان بخاف من الضلمة؟"
تزامنت غصة بقلبه بقلق عليها:
"معلش كان عندي شغل مهم. المهم أنتِ كويسة."
أومأت ببسمة هادئة، فتفحص قميصه الذي مازالت ترتديه:
"غيري القميص دا وتعالى معايا هنروح نشتري لك لبس جديد."
اتسعت مقلتاها برهبة تبوح بلبكة:
"إيه؟ هخرج؟ لاء هخاف."
قطب جبهته مستفهماً:
"هتخافي من إيه؟"
بلعت لعابها بربكة أكثر:
"من الشارع، أنا متعودتش إني أخرج."
أدرك أنها تشعر بالرهبة من ذلك العالم الذي لم تتعرف إليه بعد، فقرب خطوة منها وأمسك بيدها يحتويهما بقبضتيه الكبيرتين، تزامناً مع نظراته الدافئة لعيونها:
"متخفيش من حاجة طول ما أنتِ معايا، وبعدين أنتِ مش كان عندك تلفزيون وبتشوفي الناس والأماكن والشوارع؟ اعتبري نفسك دخلتي جوه التلفزيون واندَمجي مع اللي هتشوفيه من غير ما تخافي."
ضيقت عينيها بعفوية:
"يعني أبقى بطلة فيلم وأنتَ البطل بتاعي؟"
خفق قلبه بدفء الرياح المحلقة بإعجاب يسكن الروح. فتحمحم ببعض الرسمية مبتعداً عنها:
"حاجة زي كدا، وياله بقا أمشي غيري لبسك والبسي لبس امبارح والطرحة وخلينا نمشي."
"حاضر." هتفت بهدوء وسارت من جواره لتبدل ملابسها. أما هو فخرج متجهاً لحجرة أخيه ودق الباب فأذن له فارس بالدخول، فدخل يناظره بجدية:
"أخبارك إيه؟"
وقف أخيه باحترام:
"تمام الحمد لله. أنتَ كنت فين؟"
دخل وجلس على حافة الفراش قائلاً:
"كنت عند نهى."
جلس أخيه أمامه مضيق عينيه بغرابة:
"نهى؟ أنتَ لسه على علاقة بالبنت دي؟"
فرك عنقه بجفاء:
"نهى مراتي، ولا نسيت؟"
تنهد بجدية:
"لأ منستش، بس شكلك أنتَ اللي مش قادر تنسى رحاب عشان كدا لسه بتلجأ لنهى عشان بتفكرك بيها؟"
قبض قلبه بذكريات قد تفتحت، تزامناً مع إكمال أخيه للحديث:
"أنتَ ليه مش قادر تعترف إن نهى مجرد بنت بتشبه رحاب؟ نهى مش هي رحاب، رحاب سابتك بإرادتها وقررت إنها تسافر القاهرة عشان تكمل دراستها وتبقى سيدة أعمال. رحاب متستاهلش حبك. فوق بقا يا جواد حبك لرحاب لسه مسيطر عليك."
نهض شامخاً وكأنه لم يسمع شيئاً، يسجن ألم قلبه بسلاسل ممزقة بالعذاب لقلب يتألم من العشق.
"أنا خارج ومعايا ريحانة هنشتري شوية حاجات، لو احتاجت حاجة ابقى كلمني." حاول السير، فوجد أخيه يعارضه بحديث صائب:
"أنت مش بس أخويا الكبير، أنت أبويا، أنت اللي ربيتني وكبرتني، أنت اللي راعتني من لما أبونا وأمنا ماتوا وأنا عندي تلت سنين. أنا مابكيتش عليهم يا جواد، أنا بكيت عليك. أنت كنت أبويا وأخويا وصحبي، أنت كل حاجة ليا، وأنا ميرضيني أشوفك بتتعذب وماشي في طريق الحرام وأقف ساكت عشان خاطر أخوك. سيبك من نهى، جوازك منها باطل، وسيبك من حبك لرحاب لأنها بقت مجرد ماضي. ارجع تاني صلي وصوم، دا أنت اللي علمتني الصلاة والصيام. كنت أمامي. عارف إنك بطلت صلاة وصوم ورسمت وشم واتجوزت عرفي عشان ربنا مستجبش لدعائك لما دعيتله كتير أن رحاب تتراجع عن قرارها وتفضل هنا معاك وتتجوزك. ربنا مبيتعاقبش، أنت كدا مش بتعاقب ربنا، أنت بتعاقب نفسك. ليه متقولش أن الله أعز وجل مستجبش لدعائك عشان رحاب متستاهلكش، أو مثلاً جوازك منها كان هيبقى فيه مشا مشاكل أو ابتلاءات أنت كعبد متحملهاش."
استقبل حديث أخيه بتنهيدة عميقة سجنت تلك الكلمات بجوف القلب المأثور بالخذلان، الحانق للأوتار ليخض الشريان دماء ملوثة بحزن الألم. وقال بجمود:
"ركز في شغلك يا فارس، أنا مش هتأخر شوية وهرجع."
تدلى للخارج، فوجدها تقف بجوار بابها مرتدية ملابس البارحة والحجاب، فلم يتحدث إليها وأكمل سيره، فعقدت حاجبيها بغرابة، ثم سارت خلفه حتى خرجت من باب البيت وركبت برفقته السيارة، فقادها لخارج البيت متجهاً إلى السوق.
***
بعد ساعتين، كانت تسير ريحانة برفقة جواد تتشابك أصابعها بأصابعه، تشعر بالرهبة من هؤلاء البشر والبائعين المتجولين من حولها، حتى دخلت برفقته لمحل ملابس محجبات. كانت به فتاة بمنتصف العشرينيات تقف بجوار كومود النقود.
"أهلاً وسهلاً، يا ترى الآنسة بتدور على حاجة معينة؟"
سألتهم ببسمة، فلم تجيب ريحانة، فقال جواد نيابة عنها:
"عايزك تشوفي لها لبس مناسب لجسمها وفي نفس الوقت يبقى واسع ومحتشم."
اقترحت الفتاة ببسمة:
"طب لو بنطلون وفوقيه شيميز أو بلوزة طويلة ينفع ولا إيه؟"
عارضها بجمود:
"أنا عايزها بنت مش بنت متشبها بالولاد. البناطيل والشغل ده للرجالة، البنات ليهم لبس يستر عورتهم بحشمة مش يظهرها لكل خلق الله. شوفي لها عبايات وفساتين تنفع للبيت."
تحمحمت الفتاة بإحراج:
"حاضر يا فندم تحت أمرك. اتفضلي يا آنسة معانا."
نظرت له بخوف، فربت على يدها بدعم جاد:
"امشي معاها اختاري اللي يعجبك، أنا هستناكي هنا عشان في جوه حريم مينفعش أخش أتلازق فيهم."
حاولت الاسترخاء والتماسك، فتركت يده وسارت برفقة الفتاة، أما هو فلم تفارقه عينيه، فظل يراقبها حتى انتهت من شراء ما تحتاج إليه، فتجه للفتاة وأعطاها حق المشتريات وخرج من المحل برفقاتها وهي تحمل أكياس ملابسها الجديدة وسارت للسيارة وأخذ منها الأكياس ثم وضعها في الأريكة الخلفية، ثم نظر لها قائلاً برسمية:
"خلينا نروح نجيب لك كوتش وكام صندل وشباشب للبيت والطرح."
أومأت دون اعتراض، فمسك بيدها من جديد وسار لأحد محلات الأحذية، فدخل فاستقبله شاب أصغر منه ببعض الأعوام:
"حريمي ولا رجالي يا برنس؟"
"حريمي، بس متتعبش نفسك أحنا هنختار." هتف برسمية بحتة.
فقاله الشاب:
"زي ما تحب المحل قدامك."
دخل برفقاتها يتفحصون الأحذية النسائية، فسألها مستفهماً تزامناً مع فحصه للأحذية:
"بتلبسي مقاس كام؟"
هتفت بهدوء كالمعتاد:
"مقاس ٣٧."
لوي فمه برسمية:
"٣٧ على كدا سندريلا."
لوت فمها بعفوية، أما هو فبدأ باختيار الأحذية بمشورتها وتوجهوا للشاب يعطونه ما تم اختياره، فسألهم مستفهماً:
"هي الآنسة قاستهم؟"
قطب جبهته بصرامة:
"لأ، مقاستش."
"طب مش تقعد وتقيس اللي اختارته بدل ما يطلع المقاس كبير على رجليها؟"
"إحنا بنحب المقاسات كبيرة، شوف سعر الحاجة كام عشان مستعجلين." تحدث ببرود.
فتحمحم الشاب بجدية:
"تمام زي ما تحب، ثواني وتبقى الحاجة جاهزة."
غلف الشاب الأحذية وأعطى العلب داخل الأكياس لجواد، فأعطاه النقود، ثم ذهب للسيارة وعادوا للسير يبحثون عن محل للأحجبة، وأثناء سيرهم أوقفهم طفل صغير يحمل الكثير من البالونات الملونة:
"تشتروا بلونة بخمسة جنيه بس."
شعرت بالعطف حياله، فتركت يد جواد وجلست نصف جلسة لتصبح بطوله:
"أنتَ معاك كام بلونة؟"
هتف ببسمة:
"عشرين واحدة، تاخدي واحدة؟"
أومأت ببسمة، فأعطاها بالونة وردية قائلاً بعفوية الصغار:
"دي حلوة أوي شبه لون خدودك."
اتسعت شفتيها ببسمة أطلقتها للصغير بائع بالشوارع:
"تعرف هي كمان شبه خدودك، أنا وأنتَ زي بعض."
اقترب منها يقبل وجنتها، فعانقته بمحبة إلهية قائلة:
"اسمك إيه بقا؟"
"كريم."
خرجت من عناقه تناظره بسؤال:
"اسمك حلو أوي، فين باباك ومامتك؟"
عقد ملامحه بحزن:
"معرفش، أنا معرفش حد غير الراجل اللي بيديني البلالين عشان أبيعها."
"ملكش أهل؟ طب بتنام فين؟"
"في مدخل بيت بتاع صاحب البلالين."
شق الألم قلبها وغزت الدموع عينيها، ونهضت تناظر جواد بعفوية:
"حرام ملوش أهل، هو إحنا ينفع ناخده معانا؟"
قطب جبهته بغرابة:
"ناخده معانا فين؟ ريحانة استهدي بالله وشوفي عايزة كام بلونة عشان نمشي."
أخفت دموعها بحزن:
"كل البلالين!"
تنهدا بجدية:
"ماشي." أخرج مائتي جنيه وأعطاهم للصغير قائلاً: "خد وخلي الباقي عشانك."
أخذ المال وأعطاها البلالين، فامسكتهم وعادت تعطيه واحدة وردية:
"اتفضل دي مني ليك شبه خدودك عشان تفتكرني."
أخذها الطفل بسعادة، فقالت بسعادة مثله:
"إيه رأيك لو توزع معايا البلالين على الأطفال؟"
أومأ الصغير، فسارت أمام جواد يوزعون البلالين على الأطفال البائعين للورود والمناديل وغزل البنات. كانت مثل الحورية العفوية بينهم، تتنقل بتناغم من صغير لآخر ترسم الفرحة على وجوههم، تتبادل معهم الضحك النابع من القلب الذي يشبههم كثيراً. التفوا حولها الصغار يأخذون منها البلونات، ثم أمسكوا بيدها وبدأو يلتفون بها وكلن منهم يحمل بالونته مثلها. هيئتها بعينيه تشبه فراشة مزخرفة بأبهى الألوان الإلهية، تطير بتناغم لتسرق حواسه بعفويتها المحلقة بسماء كيانه. حتى انتهت من تلك المهمة الحيوية بالحب وسارت إليه ببالونتها تتنفس بلهفة مندمجة ببسمة راقية:
"شوفت الأطفال فرحوا إزاي؟ أنا مبسوطة أوي بيهم."
فاقه من سحرها على أنغام صوتها العذب، ففرك مدمع عينيه قائلاً:
"شكل كدا مفيش محلات للطرح هنا، خلينا نروح وهبقى أبعت لسمرا تجيب لك من المحلات اللي تعرفها."
أومأت مطاوعة إياه، وكادا يتحركا لكنهما سمعا صوت صراخ، فالتفت فوجدا كريم ممدداً على الأرض فاقداً للوعي. فركضت ريحانة إليه وجلست على عقبيها أمامه تحمل رأسه على يدها، تزامناً مع هتافها القلق:
"كريم مالك؟ فوق يا كريم!"
تقدم منها جواد وجلس نصف جلسة يتفحص الصغير:
"شكله داخل من الشمس."
نهضت به تضمه لصدرها تناظر الآخر بعين امتزجت بدموع الحزن:
"أنا مش هسيبه هنا، خلينا ناخده معانا عالبيت نطمن عليه ولما يفوق نبقى نرجعه. من فضلك عشان خاطر أغلى حاجة عندك وافق."
فرك جبهته باستسلام جاد:
"ماشي، لما أشوف آخرتها معاكي." حملا الصغير عنها وتجها للسيارة ليعودا للبيت.
***
بعد ساعتين من جديد، كانت تجلس ريحانة بمفردها بالحجرة، وبجوارها كريم، فما زال يغفو بعدما اتضح لهم أنه يعاني من ضربة شمس. أما جواد، فقد ذهب ليجلب للصغير دواء. وبتلك الأثناء، سمعت ريحانة صوت غوايش يملأ المكان من الخارج، فنهضت من جوار الصغير وتدلت للأسفل حتى وصلت إلى الباب وفتحته، فاستقبلتها غوايش بالبكاء:
"الحقي يا ريحانة، أبوكي معرفش إيه اللي جراله."
اندب الخوف بقلبها، فصرخت بتساؤل:
"مال بابا في إيه؟"
"أبوكي عمال يكح لحد لما جاب دم، مش عارفة أعمله إيه."
"بابا حبيبي، ياله خديني عنده." هتفت بلهفة وكادت تذهب، لكن فارس نزل على الصوت قائلاً باستفهام تزامناً مع اقترابه منهما:
"إيه الصوت دا، وأنتِ يا ريحانة رايحة فين؟"
ارتجفت ببكاء الخوف:
"بابا تعبان ولازم أروحله دلوقتي."
سألها بجدية:
"جواد يعرف إنك خارجة؟"
"لأ ميعرفش."
"طب استنى لما أتصل بيه وأعرفه."
عارضته غوايش بحدة:
"هو دا وقته؟ بتقولك أبوها بيموت ويمكن متلحقش تشوفه."
ارتجفت تزامناً مع هطول دموعها المرتعبة:
"لأ أنا همشي، مش هستنى حد، أنا عايزة أشوف بابا."
"طب خلاص اهدى، خليني أروح معاكي وفي السكة ابقى أكلم جواد." هتف برسمية وسار برفقتهما، وأخذهما بسيارته.
***
وبعد ساعة، عاد جواد للبيت فلم يجد أحداً غير الصغير، فحذف الأدوية على الأريكة وأخرج جواله وتصل على أخيه فلم يجب، فعاود الاتصال عليه مجدداً فلم يجب، مما جعل الخوف يراوضه، فاسرع بالخروج من البيت وركب السيارة وقادها للبحث عنهما، تزامناً مع معاودة الاتصال. ظلا يبحث عنهم حتى عثرا على سيارة أخيه بجوار أحد الأشجار، فنزلا سريعاً من السيارة يتفقد المكان بعينيه وعلى أذنه الجوال يجرى اتصالاً عليه، فسمعا صوت رن جوال أخيه يأتي من وراء الأشجار، فبدأ بالسير وسط الزرع، وكلما خطا خطوة اقترب الصوت منه أكثر، حتى خرج من بين الزرع ليتفاجأ بمشهد لم يتوقع أن يراه حتى في أسوأ كوابيسه. رآه أخيه قتيلاً تسبح من حوله الدماء، وبجواره تجلس ريحانة في حالة من الصدمة بدموع امتزجت بدماء فارس، وبيدها سكين حادة يغرقها دماء أخيه.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الرابع 4 - بقلم لادو غنيم
رأه أخيه قتيلاً تسبح من حوله الدماء.
وبجواره تجلس ريحانة في حالة من الصدمة بدموع امتزجت بدماء فارس، وبيدها منجل حاد يغرقه دماء أخيه.
فـسرع بالركض والجلوس بجواره يتفقد نبض يده.
فشعر بنبضاته أسفل إبهامه.
فسقطت الدموع من عينيه بتنهيدة أخرجت معها خوفه القاتل على أخيه.
انحنى يقبل جبينه بخفقات قلب تمزق أوتاره.
احترقت أجوافه بوجع يكسر عظامه.
رفع جسد أخيه يضمه لصدره.
"متخفش يا حبيبي أنا جانبك. أنا جواد أبوك يالا أوعى تسيب أبوك لوحده في الدنيا وتمشي. أنا ماليش غيرك. أنا عايش عشانك يا خويا."
حمل أخيه بين ذراعيه ونهضا مسرعين للسيارة.
ثم وقفا أمام الباب الخلفي للسيارة يصيح بغضب:
"ريحانه! تعالى أفتحي الباب بسرعة. فارس دمه بيتصفى."
أرتجف جسدها برهبة مما يحدث حولها.
ونظرت إلى طلته المرغبة لكيانها وهي ترى دموعه الجشة تتساقط على وجهه حاد بالصرامة.
فنهضت سريعاً وركضت إليه وفتحته له.
فوضع أخيه وأغلق الباب بإحكام عليه.
ثم أمسك بذراعها وسار بها للأمام وفتح لها الباب وأدخلها ثم أغلقه عليها.
وتجهَّ لمقعده ليقود السيارة بأسرع سرعة يستطيع التحكم بها متجهًا لأقرب مشفى.
بعد ساعة تقريبًا بالمشفى، خرج الطبيب من حجرة العمليات.
فأسرع جواد بالوقوف أمامه يسأله باندفاع يأكل قلبه من شدة خوفه عليه:
"طمني على فارس. عايش صح؟"
ربت الطبيب على منكبه بابتسامة مشرقة:
"صح. فارس بخير الحمدلله."
عاد الأمان إليه بكلمات كالدواء لقلبه المتألم.
ونفخ هواء جوفه الساخن بالخلا.
"طب حالته إيه؟ طمني عليه. عدى مرحلة الخطر؟"
"إصابته بالمنجل مخترقتش بطنه بالكامل، وده من أسباب نجاته. هو حاليًا اتنقل للغرفة بتاعته وكلها ساعات ويفوق من البنج. تمام."
"بس ياريت يا جواد باشا تعمل تحقيق في الموضوع لأنها شبه جريمة قتل. وأنا مردتش أتصل بالشرطة بوجودك ساعتك ظابط واللي جواك دا أخوك. ومن الأفضل إنك أنت اللي تحقق في الموضوع بنفسك."
أومأ برسمية.
فغادر الطبيب.
أما هو فاستدار ينظر لـريحانه بعين ضيقها بشراسة وسار إليها حتى توقف أمامها يلقي أسئلته عليها:
"إيه اللي خرجكم من البيت؟ ومين اللي عمل كدا في فارس؟ أنتِ شوفتي كل حاجة بما إنك كنتِ معاه. قوليلي مين اللي عمل فيه كدا؟!"
رفعت عينيها التي تشبه حمرة الفراولة الداكنة.
ونهضت تناظره بقلب يرتجف خوفًا تزامناً مع نطقها لتلك الكلمات التي تشبه الفيضان الذي سيغرق حياتهما.
"ياسر."
قطب جبهته مستفهماً:
"ياسر مين؟"
"جوزي."
تجحظت عينيه بشراسة يحتويها الذهول مما صرحت به.
فقبض على مرفقها بقوة كادت تكسره:
"جوزك إزاي؟ أنتِ بتقولي إيه؟!"
أرتجف كامل جسدها من شدة ألم مرفقها وبشراسة ملامحه.
فحاولت التحدث ببكاء لم يكف عن الهطول تزامناً مع صوتها المرتجف:
"من سنة اتقدملي شاب اسمه ياسر، تبع مرات أبويا وخلوني وافقت عليه وكتب عليا سوري زي ما أنت ما عملت. جوازي منه كان في السر عشان عائلته كبيرة وكان لما بيحب يقعد معايا كان بيجيلي بيت بابا يبات معايا يوم أو اتنين. بس كان عصبي ودايمًا بيقولي أنتِ طالق لحد لما طلقني بالتلاتة. وعشان نرجع لبعض قال لي إني لازم أتجوز واحد غيره محلل، عشان كدا اتجوزتك."
أرتجف جسده ببسمة يملؤها الحنق.
لم يكن يصدق أنه مجرد ورقة في لعبتها.
فشدد من قبضته عليها يبوح ببحة يملؤها التواعد:
"يعني ريحانة هانم طلعت متجوزة ومطلقة وواخداني كوبري عشان ترجع لحبيب القلب ياسر؟"
"أنا آسفة، مكنش قصدي أزعلك. هما فهموني إن جوازنا عادي. ولما تطلقني هقدر أرجع لياسر حبيبي."
عزفت الكلمة بلحن الألم على أوتار قلبه لتعلن انكساره للمرة الثانية.
لكن هذه المرة الانكسار هشّش رجولته مما جعله يفرغ غضبه بصفعة لوجنتها اليسار.
جعلتها تنزف من فمها وأنفه.
تزامناً مع ارتمائها على المقعد وهي تشهق بألم باكي.
تزامناً مع صرامته الجشة:
"حبيبك إيه؟ أنتِ مفكراني هسيبك ترجعي له؟ أنا مش كوبري يا روح أمك عشان تعدي من عليا. بالله يا ريحانة، لهوريكي اللي عمرك ما شوفتيه حتى في كوابيسك. والكلب اللي كنتِ متجوزاه، أنسي إني أسيبك له. حتى لو فضلت سايبك زي البيت الواقف. لا أطولني ولا أطولوه."
عارضت بحركة رأسية مرتجفة بخوفاً:
"لأ، أنتَ قولت لي إنك هتتجوزني لمدة شهرين وبعد كدا هتطلقني."
جذبها من منتصف ذراعها بحدة أكثر:
"ده لما كنت مفكرك بريئة وعلى نياتك. بس طلعتي تربية غوايش. الغازية اللي فتحها عالبحري لكل رجالة البلد. ومشء الله عليكي طلعتي أوسخ منها. كنتِ متجوزة في السر. ولما الكلب اللي معاكِ طلقك بالتلاتة، قررتي إنك تتجوزي واحد محلل مغفل تقضي معاكِ كام يوم ويطلقك عشان تقدري تتجوزي الكلب بتاعك تاني. بس حظ أمك الأسود إنه وقعك مع جواد ابن رضوان الهلالي اللي هيوريكي يعني إيه اللي بيحصل للشخص اللي بيحاول يلعب عليه. مش أنا اللي أبقى محلل يا بنت القصة. طلاق مش هطلق حتى لو شوفتك بتموتي تحت رجلي."
اندفعت تقول بقلقاً:
"ياسر مش هيسبني ليك. هو بيحبني وأنا كمان بحبه."
وقاطعها بصرامة حادة:
"اخرسي خالص يا تربية غوايش. وسختك تخفيها عشان مقطعش لسانك. بالله لو سمعتك بتتفوهي حاجة عنه، هحدفك في بئر ملوش قرار عشان تعفني، عشان العفانه لايقة أوي على وسختك. من اللحظة دي اعتبري نفسك بقيتي مسجونتي وسجنك مش هيخلص مهما عملتي أنتِ والمحروس بتاعك."
نزع انجذابه لها من جذور قلبه وكأنه لم يراها من قبل.
أما هي فلم تكن تستطيع فعل شيء سوى الخوف الذي بات يأكل جسدها.
"قتل فارس ليه. انطقي."
عاود السؤال بصرامة.
فـارتجفت تجيبه بلبلة:
"هحكيلك اللي حصل."
ضيق عينيه مثل الذئاب يتلهف لسماع ما ستروي على أذنيه.
فزاد خوفها الذي بات يظهر على هيئة ارتجاف يكبل جسدها.
فأصبحت على موعد لتذكر ما حدث منذ عدة ساعات.
حدث في وقت مضى.
تجلس ريحانة بالمقعد الأمامي المجاور لفارس بسيارته المتجهة لبيت أبيها.
منغمسة في البكاء خوفاً من يحدث له مكروه.
وبين لحظة وأخرى، ظهرت سيارة GB سوداء اعترضت طريقهم مما جعل فارس يوقف سيارته باللحظة الأخيرة قبل اصطدامه بها.
والتفت يتفحص بعينيه زوجة أخيه خوفاً من أن يكون قد حدث لها مكروه.
"أنتِ كويسة؟!"
أومأت برهبة مما حدث.
فالتفت ونظر لـغوايش الجالسة بالمقعد الخلفي.
فرآها بخير.
فستدار للأمام ينظر عبر الزجاج للسيارة السوداء التي خرج منها رجلين ضخمين يرتدون بدل سوداء ونظرات بذات اللون.
يراهم يقتربون من سيارته.
فأسرع بالخروج لهم.
فـاستقبله أحدهم بضربة قوية على رأسه بمؤخرة السلاح.
فسقط فاقداً للوعي.
رأت ريحانة ما حدث بعين اتسعت برجفة جعلتها تخرج خوفها بصرخة هزت كيانها.
"متخيلتش كدا. دول رجالة ياسر بيه."
هتفت غوايش لتطمئنها.
فراوضها فضولها المخيف أكثر:
"ياسر هو بيعمل إيه هنا؟"
"أبوكي مش عيان ولا فيه حاجة. أنا عملت التمثيلية دي كلها عشان ياسر بيه يوصل وكان عاوز يشوفك. ولما أخوه جواد صمم إنه يجي معانا، بعت للبيه رسالة عشان يعمل حسابه."
صرحت بما تخفيه.
فخرجت ريحانة من السيارة دون أن تنطق بأي كلمة وسارت إلى فارس بقلق.
فوجدته الحارس يمسك بيدها يأخذها للسيارة السوداء وفتح الباب وأدخلها وأغلقه.
فـبلعت لعابها برهبة وهي ترى زوجها السابق يناظرها بعين مليئة بالمكر.
"وحشاني يا ريحانة. إيه أنتِ مش فرحانة عشان شوفتيني؟"
تمتمت بعفوية مندفعة بلوم:
"لأ، مش فرحانة عشان الراجل اللي بيشتغل عندك ضرب فارس وهو أصلاً معملوش حاجة عشان يضربه."
قطب جبهته مستفهماً بمكر:
"ما يضربه أنتِ مالك؟ إيه اللي مزعلك؟"
هتفت بعبث:
"عشان هو طيب ومعملش حاجة تزعلني. وبعدين جواد لما فارس هيحكيله، هيزعقلي أنا."
أهتز ببسمة باردة:
"لأ متقلقيش مش هيزعقلك عشان مش هيعرف إن رجالة جوزك السابق هما اللي عملوا كدا."
أظهر الحزن عليها فـلوت فمها بعتاب:
"هو أنتَ مش هترجعلي بقا؟ مش قولتلي لو اتجوزتي راجل غيري محلل هقدر أتجوزك تاني بعد ما يطلقك؟"
أحتضن وجنتها اليسار بيده يخدرها بسحر كلماته الهادئة:
"فعلاً قولتلك كدا، ولسه عند وعدي. عشان كدا جيت لك عشان أعرف إيه اللي حصل بينك امبارح أنتِ وجواد."
"عملتي اللي قـلتلك عليه وخـلتيه يقرب منك؟"
قوّست حاجبيها بتساؤل:
"أيوه. أنا عملت زي ما كنت قايل لي. لبست لبس قصير ووقفت قدامه. بس هو خرج وسابني لوحدي. مش عارفة ليه."
فرك أنفه بضيق.
فسألته بعبث:
"هو أنتَ عاوز يقرب مني ليه؟ عشان أقدر أتجوزك تاني؟ لأزم يقضي ليلة معاكِ."
تذكرت ما أخبرتها به غوايش عن مفاهيم لليلة الحب.
فتلونت وجنتيها بحمرة الخجل تسأله:
"بس اللي مرات أبويا حكت هولي عشان أعمله مع جواد حاجات غريبة وباين إنها قليلة الأدب. أنا هتكسف أعمل كدا معاه."
قاله بدم بارد:
"لأ متتكسفيش، لأزم تعملي اللي طلبت منك عشان نقدر نرجع لبعض."
"حاضر. هعمل كل اللي بتقولي عليه عشان إحنا بنحب بعض. مش أنتَ قـولتلي إن أنا وأنتَ بنحب بعض؟"
سألته بسطحية لم تكن تدرك حتى معنى الحب ومشاعر الحبيب.
فهي تمتلك من الجهل ما يجعلها مثل الطفل الصغير الذي يلقنه الناس الكلمات منها الحسنة والبذيئة فيرددها دون أن يدرك ما معناها الحقيقي.
هذا ما يحدث معها تماماً.
يلقنها ياسر الكلمات والمفاهيم الخاطئة لترددها وتعيش بها دون أن تعرف المعنى الحقيقي لها.
نظر لها متمتماً بهدوء يلقي ما تبقى لديه:
"طبعاً بنحب بعض. أنا بحبك وأنتِ مش بس بتحبيني، أنتِ مقدريش تعيشي من غيري."
زم فمها ببسمة عفوية:
"وحشتني النوم في حضنك وأنتَ بتقرالي حواديت. هنرجع نتجوز وهاخدك تعيشي معايا في القصر بتاعي اللي في القاهرة ومش هخليكي تبعدي عن حضني تاني. بس عاوزك تسمعي الكلام ومتقوليش أي حاجة عننا لجواد."
"حاضر."
"طب يلا أنزلي روحي عند فارس اطمني عليه ومتنسيش تخلي جواد يقرب منك وتعملي معاه كل اللي غوايش قالت لك عليه."
أومأت ببسمة وخرجت من السيارة.
فلم تجد غوايش إلا فارس.
فراوضها القلق عليهما.
فبدأت بالبحث عنهما حتى عثرت على فارس خلف الأشجار بطلته المرعبة التي جعلتها ترتجف من الخوف وتسقط جالسة بجواره.
تمسك بالمنجل الذي ارتخت به يدها عليه.
في الوقت الحاضر:
"أكيد رجالة الكلب بتاعك هما اللي طعنوا أخويا."
هتف بحدة.
فـارتجفت تنفي برأسها:
"معرفش. أنا قولتلك اللي عملته. معرفش حاجة تاني والله."
زم فمه ببسمة كارهة أشد من كره العرب لليهود:
"اللي قولتيه هيخليني أعمل فيكِ اللي أنا عايزه بضمير مستريح. مش البيه عايزك تقضي معايا ليلة؟ ماشي هنفذ طلبه عشرة على عشرة لدرجة إنه هيديني جايزة تقدير على المجهود اللي هبذله. لكن طلاق برضه مش هطلقك. ينسى إني أرجعك له. تعرفي أنا مستعد أسلمك لعزرائيل ولا إني أسلمك لياسر."
"أنتَ ليه بتكرهني؟!"
سألته ببكاء.
فـألقاها على المقعد بصرامة:
"لأنك متستهليش غير الكره. احمدي ربك إني لسه سايبك على وش الدنيا بعد اللي حكيتيه لي. بالله يا ريحانة، لهخلي حياتك الجاية معايا أسود من عتمة القبر."
توعد لها بالكثير فما فعلته لا يغتفر.
فكيف نغفر ذنوباً مثل جمرة النار تحرقنا بين الحين والآخر.
ما فعلته جعله يلقي ببذرة إعجابه بها لجوف قلبه لتسجن إلى وقت غائب لا يعلم إن كان سيأتي أم لا.
بذات الوقت لدى ثريا بمكتب أحد رجال التاريخ التي ذهبت إليه لتعطيه أوراق تأمين سيارته.
كانت تتفحص بعينيها هذا المكتب البديع الممتلئ بقطع آثار غير أصلية وخرائط وساعات حائط قديمة.
"بعتذر اتأخرت عليكي."
التفتت ببسمة لمن يحادثها تقول بنفي:
"عادي. ولا يهم حضرتك. أنا مستمتعة بالنظر للتحف وفرش المكتب."
أجابها السيد رأفت البالغ من العمر ستون عاماً:
"أي حد بيدخل المكتب بتاعي بيحس إنه رجع بالزمن لسنين ورا. ده حقيقي فعلاً. بحس إني في سنة 1940 مثلاً."
"كأني ماما بتحكي لي حكاية المكتب. الماضي بنقدر نسمع حكاويه من ناس عاشوا قبلنا، أما المستقبل مبنقدرش نعرف حاجة عنه لأن محدش عاشه."
ضيقت عينيها بفضول هدوء:
"يااه لو في حد رجع من المستقبل وحكالي عن حياتي كلها هيحصل فيها إيه."
تنهد بيأس:
"متفرحيش كدا عشان جايز اللي هتعرفيه هيزعلك مش هيفرحك."
انتبه الفضول أكثر:
"كلامك سابق لأوانه. أنا متأكدة إني لو كنت في المستقبل وعرفت إيه اللي عشته في الماضي هبقى مبسوطة ومش هغير فيه أي حاجة."
إصرارها الفضولي جعل العجوز يخرج من الكومود ساعة يد غريبة الهيئة ووضعها أمامها.
"الساعة دي عثرت عليها في مقبرة فرعونية. ساعة ملعونة بتدخلك في فجوات زمنية للزمن اللي تختاريها، لا إما للماضي، لا إما للمستقبل. تقدري تجربيها. ظبطي عقاربها على المدة الزمنية اللي عايزاها واضغطي على ختم العالم هتلاقي نفسك بقيتي في الزمن اللي اخترتيه."
ظنت أنه يمزح أو أصيب بالجنون.
فحملت الساعة وحركت عقاربها الزمنية على مرور ثمانين عاماً أي عام 2104.
وقبل أن تضغط على الختم، أوقفها العجوز قائلاً:
"اخترتي الماضي ولا المستقبل؟"
"المستقبل."
"لما تنهتي رحلتك في المستقبل وتحبي ترجعي للزمن بتاعك، هتلاقي الساعة مدفونة جنب الهرم الأكبر على بعد نص متر فقط. بس خلي في بالك لازم قبل ما تضغطي على الختم تكوني بتفكري في الشخص اللي عايزة تبقي عنده، لا إما هتوهي في المستقبل ومش هتعرفي توصلي لأي حاجة عنك."
حركت حاجبيها بضحكة ساخرة أطلقتها بعد حديثه الذي ظنت أنه مجرد هلوسات عجائز.
ثم ضغطت على الختم وهي تتمنى أن تصبح في بيت صغيرها آدم بعد مرور ثمانون عاماً.
ظلت واقفة لثوانٍ تنظر للعجوز بسخرية بسبب عدم حدوث أي شيء مما قاله.
حتى أتت اللحظة التي لم تكن تنتظرها بتاتاً.
شعرت بمصباح شمسي أضاء بعينيها جعلها تحجب الضوء برفع مرفقيها كدرع واقٍ من قوة الضوء.
تزامناً على إصدار ضوضاء صاخبة بأصوات حيوانات وقطارات وأصوات أمواج البحر.
دب الخوف بقلبها مما يحدث.
فجلست على عقبيها في وضعية السجود تضم جسدها من رهبة تغيرات ما يحدث حولها.
حتى تلاشت الضوضاء والضوء.
وسمعت صوت عزف موسيقى راقية على البيانو.
فرفعت رأسها من على الأرض لتتفاجئ بجلوسها في لاونج قصر شديد الفخامة.
فـأسرعت بالوقوف بفزع لم تكن تتخيل أن كلام العجوز جائز حدوثه.
فها هي الآن في عام 2104 بعد مرور ثمانين عاماً للمستقبل.
"أنتِ المرافقة الجديدة اللي بعتها السيد بهاء."
التفتت بفزع لمن يحادثها.
كأنه رجلاً مسن بالغ من العمر 86 عاماً.
لم تكن تفهم بعد الذي يحدث.
فجنون ما حدث وحقيقة الساعة الزمنية شوشت على تفكيرها.
مما جعلها تندفع بسؤال:
"إحنا فين وسنة كام؟"
قطب المسن جبهته برسمية:
"سنة 2104. وفين؟ إحنا في القصر بتاعي."
فركت شعرها بإنكار تزامناً مع التفاتتها حولها بجنون:
"لأ مستحيل 2104 المستقبل في قصرك؟ لأ، أكيد فيه حاجة غلط. حاجة غلط."
"أنتِ مش عاوزة تشتغلي عندي."
"أشتغل عندك إيه؟ وأنتَ مين أصلاً؟"
تنهد المسن بمسايسة لما يحدث:
"تبقي المرافقة بتاعتي تهتمي بأكلي وشربي ولبسي وقراءة الكتب ليا. أما اسمي إيه فواضح إن بهاء كالعادة نسي يقوله بسبب الزهايمر اللي عنده. أعرفك بنفسي أنا السيد آدم خليل السوالمي، أشهر عازف بيانو في منتصف السبعينيات أي سنة 2072 من حوالي خمسة وثلاثين سنة تقريباً."
اتسعت مقلتيها بذهول مرعب صعق نبضاتها.
فكيف تقف أمام صغيرها الذي مر الزمن به وأصبح مسن على وشك الاحتضار.
لم يستطع عقلها تحمل ما يحدث مما أدى إلى فقدانها للوعي والسقوط أمام ابنها المسن.
في الحاضر لدى هشام.
كان يجلس في حجرة نومه يتحدث مع أحدهم عبر الجوال.
"أنتَ عايز إيه بالظبط؟ قولتلي اعمل أي حاجة عشان جواد يتجوز ريحانة وعملت. قولتلي أطلع خوفها وأعمل حالي بعتدي عليها وعملت. أفهم ناقص إيه تاني عشان تقولي على مكانهم؟"
داخل حجرة مظلمة يجلس أحدهم على مقعد متحرك وأمامه شاشة عليها صورة جواد.
يناظره بحقد مخيف:
"لسه بدري. إحنا لسه بنقول يا هادي."
فزع من جلسته باعتراض حاد:
"هو إيه اللي لسه بدري؟ أنا نفذت كل طلباتك يوميها مقابل إنك تقولي على مكان غنوة وابني."
"فعلاً أنا قـلت كدا، بس مش بالسهولة دي أقولك على مكان حبيبتك وابنك. بس قولي، هما أهلك يعرفوا إن كان عندك حبيبة حملت منك وهربت خوفاً من إنك ترفض إنك تتجوزها وترفض الاعتراف بابنك؟"
صق على أسنانه بحنق:
"لأ محدش يعرف. المهم هتقولي على مكانهم امتى؟"
"قريب."
أغلق المجهول الجوال.
أما هشام فجلس على حافة فراشه بغضب يحرق عروقه يتذكر ما حدث البارحة ليلة الحفلة.
حدث في وقت مضى.
بالأمس بقصر الهلالي حيث الموسيقى والضيوف.
حينما أتى همام وستاذاً هشام للذهاب قليلاً.
دخلا إلى مكتبه يتفحص بعين دامعة صورة لحبيبته السابقة غنوه وهي تحمل ولداً صغيراً يشبهه كثيراً.
وصورة أخرى لشهادة ميلاد الصغير باسم "أمان هشام علي الهلالي" واسم الأم "غنوه فراج الأسيوطي".
تلك الشهادة كانت شهادة عودته للحياة من جديد.
فقد ظلا على مدار ثلاث سنوات يبحث عنها دون جدوى.
حتى أرسل له هاتان الصورتين برسالة بها خمس كلمات فقط: "لو عاوز تعرف مكانهم أتصل."
تحتوي الرسالة على رقم هاتف.
فتصل سريعاً.
فلم تمر ثوانٍ وأجابه ذلك المجهول:
"كنت عارف إنك هتتصل."
هتف باندفاع ولهفة:
"فين غنوه وابني؟!"
"غنوه وأمان بخير، أوي. أنا أعرف عنوانها وكل حاجة عنها هي وابنك. بس لو عايز تعرف مكانهم لازم تسمع كلامي وتنفذه بالحرف الواحد."
فضوله للعثور عليهما جعله يندفع قائلاً:
"هعمل اللي هتطلبه بس قولي على مكانهم؟"
تبسم المجهول بكراهية:
"هقولك بس لما تنفذ. عايزك تخلي جواد ابن عمك يتجوز خطيبتك ريحانة والنهارده."
تجحظت عينيه بذهول من هذا الطلب العجيب:
"أنتَ بتقول إيه؟ يعني إزاي أجوزها وليه يتجوزها وإزاي يحصل؟"
"ده طلبي لازم يتنفذ. ريحانة بتخاف. لو قسيت عليها هتجيلها نوبة الصرع. يسلم بقى لو كان في وجود جواد والحريم طبعًا هتبقى اللحظة المناسبة اللي تقول فيها إنها مراته. وطبعًا خوف الست معالي من الفضيحة هيخليها تأكد على كلامك وتجوزهم؟"
"أنتَ هتستفاد إيه من كل دا؟ وإيه اللي يضمن لي إنك تقولي على مكان غنوه وأمان؟"
"مفيش ضمان. وملكش دعوة هستفاد إيه. لو عايز مساعدتي عشان تعرف مكانهم نفذ اللي طلبته منك. وخلي في علمك في حد هيرقبك ويقولي عاللي بيحصل. سلام يا هشام باشا!"
أغلق المجهول الجوال تاركاً هشام في حيرة من أمره.
لكن شوقه للعثور على حبيبته وصغيره كان بمثابة الاختيار الأول والأهم له.
وقرر أن يفعل ما طُلب منه.
وبالفعل دخل عند ريحانة بعدما تركها جواد وتعمد إخافتها لتأتيها النوبة.
وحينها أتى جواد وحاول ردعه بعيداً عنها.
فقرر الاستمرار بالشجار معه ليزيد الأمر سوء وتخرج النساء.
ولم تمر دقائق ونجح الأمر.
وصرحت معالي أمام الجميع أن ريحانة زوجة جواد وستمرا بالتمثيل والشجار مع والدته ليثبت لمن يراقبه أنه يفعل ما أمر به المجهول.
وبعد أن غادروا المنزل ليتم كتب كتاب جواد وريحانه.
أتاه رسالة صوتية على ذات الرقم من المجهول يطلب من هشام شيئاً أشد بشاعة:
"براڤو عليك نفذت باحترافية. دلوقتي جه دور الخطوة التانية والأصعب. تطلع حالاً لعند ريحانة وتوهمها إنك عاوز تغتصبها وتهددها بكلام يرعبها وتسبها وتنزل وتنبه عليها إنها لو جابت سيرتك لجواد هتخطفها وتقتله. ده أمر تنفذه من غير نقاش، يا إما تقرأ الفاتحة على روح ابنك. ومتنساش في حد بيراقبك."
شعور بالجنون من ذلك الطلب حاول أن يرفضه كثيراً.
لكن خوفه من خسارة صغيره للأبد جعله يحسم قراره.
وبالفعل صعدا إليها وأوهمها أنه يحاول الاعتداء عليها جسدياً.
من ثم أرعبها بتحذيره.
ثم خرج من عندها وتصل عليه قائلاً بحزناً من حاله على ما فعله مع زوجة ابن عمه الذي يضعه بمكانة الأخ:
"نفذت طلبك."
"عفارم عليك. دلوقتي أول ما هيجي جواد ريحانة هتحكيله على كل حاجة عملتها معاها وجواد مش هيسكت وهينزل يتخانق معاك. عايزك تعامله وحش وتكذب كلام مراتهُ. خلي في علمك اللي مراقبك لو حس إنك هتعترف أو هتلمح بحاجة ليهم هيديني رنة وساعتها هزعل ومش هقولك على عنوان حبايب قلبك. عايزك تتعامل بكرة حتى قدام أمك تتكلم بقذارة وحقد على جواد. مش عايز حد يحس إنك بتمثل. ولو نفذت كل الأوامر هتلاقيني بتصل وبديك عنوان غنوه وأمان."
أغلق الجوال.
فـاستعد هشام لتنفيذ آخر جزء باللعبة.
وبالفعل عندما واجهه جواد كذبه وتشاجر معه بعد أن تركوا القصر.
أكمل تمثيلهُ مع والدته لكي يتأكد المراقب من ولاء هشام لهم.
في الوقت الحاضر استيقظ هشام من مذكرته على صوت جواله الذي يدق برقم والدته.
فـحمله وهتف بجدية:
"خير يامي."
هتفت معالي ببكاء يهز قلبها من داخل سيارته:
"مش خير خالص. فارس حد قتله."
فزع من فوق الفراش بغضب التحم بالخوف الذي أسرع بهطول دموعهُ:
"يعني إيه اتقتل؟ مين اللي قالك كدا؟ لسه حد مكلمني من المستشفى وبلغني الخبر. أنا رايحلهم دلوقتي أطمن عليه."
ركض للأسفل بلهفة وهو يجفف دموعه:
"ماشي أنا مسافة السكة وابقى عندهم."
قاد سيارته بسرعة فائقة تعلن عن مدى محبته وخوفه على ابن عمه.
يحدث في المستقبل.
عادت ثريا إلى وعيها لتجد ذاتها تغفو فوق فراش بحجرة نوم سوداء.
جميع مقتنياتها وفراشها باللون الأسود الداكن قابض النفوس.
ففزعت من فوقه تلهث أنفاسها بصعوبة تحاول أن تستوعب ما يحدث لها.
حتى استقرت عينيها على لوحة معلقة على الجدار لها ترتدي بها ثوباً غاية في الأناقة وعقد يبدو أنه باهظ الثمن.
فبدأت تسير ببطء حتى توقفت أمامها تتعمق النظر بها.
"أنا كمان استغربت لما شفتك. الشبه اللي بينك وبين أمي عجيب."
قاله السيد آدم تلك الكلمات بعدما طرق الباب عليها.
لكنها لم تنتبه للصوت.
فقرب منها قليلاً ولمس بسبابته منكبه.
فـرتجفت بخوف تزامناً مع التفاتتها إليه.
فـضيق عينيه ببسمة:
"مالك خوفتي كدا ليه؟"
بلعت لعابها برهبة من هول ما يحدث.
فكيف تقف وتتحدث مع صغيرها الذي نال الكبر منه وأصبح عجوزاً شائب.
"هي اللي في الصورة دي أمك."
زم فمه ببسمة حزن ارتسمت على ملامحه المتجعدة:
"أيوه السيدة ثريا السعدي."
شعرت بحزنه حينما سألته عنها.
مما جعل الفضول يقتلها لمعرفة السبب وراء هذا الوجه المتألم.
"يا ترى الزعل دا عشان هي أكيد توفت ولا عشان حاجة تانية؟ وليه حاطط صورتها في أوضة ألوانها أسود ومخيفة كدا؟ كلها أسود فأسود."
حرك رأسه ببسمة أشد ألم مع تنهيدة قاسية خرجت من جوفه المحمل بالآلام:
"لأن ألوان الأسود أكتر لون شبهها. نفسها كانت مخيفة. هي فعلاً توفت من مدة طويلة. تقدري تقولي كدا. مبقتش حابب أفتكر ماتت امتى."
الطعنة الأولى بكلماته الصريحة أصابت منتصف قلبها باحترافية.
جعلتها تأخذ نبذة عن حقيقتها بعين صغيرها.
فزارت الدموع عينيها وهتفت مستفهماً:
"يا ترى لدرجة دي مامتك إنسانة سيئة وشايفها في ظلمة ألوان الأسود؟"
"مش أنا اللي اخترت أشوفها كدا. هي اللي اختارت تبقى كدا في نظارنا."
بلعت غصتها ببعض التماسك:
"أنا ليه حاسة من كلامك إنك مكنتش بتحبها؟"
حرك رأسه ببسمة أشد حزناً:
"أنا محبتش في حياتي قدها، بس هي محبتنيش. حبت وفضلت حاجات تانية عليا."
فضولها الأليم لمعرفة ما فعلته بالماضي ليتسبب في حالة انكسار صغيرها بالمستقبل جعلها تهتف بصوت متحشرج بالبكاء:
"واضح إن حضرتك عانيت كتير. هو ينفع تحكي لي حكايتك وإيه اللي عملته والدتك خلتك تقول عنها الكلام دا؟"
قصته معها لم تكن تعني الكثير له.
فقاله:
"مع إنها هتفكرني بحاجات مش عايز أفتكرها، بس هحكيلك مقابل إنك تبقي المرافقة بتاعتي. موافقة؟"
"اتفقنا. ودلوقتي تعالي معايا أوديكي أوضتك وأعرفك على كل حاجة في القصر. بس مقولتليش اسمك إيه."
تبسمت بحزناً:
"أسيا."
أختارته على مقدار ما علمته عن حقيقتها بعين ابنها.
تبسم آدم لها وذهب أمامها فلحقت به لـ تتعرف على البيت الذي سيشهد على معرفتها بالكثير عن نفسها وما فعلته بالماضي.
يحدث في الماضي.
وصلت معالي إلى المشفى وبدأت بالبحث عن غرفة فارس حتى عثرت عليه.
وقبل أن تمسك بمقبض الباب، وجدت جواد يمسك بيدها يمنعها بجفاء:
"جاية ليه يا مرات عمي؟"
زادت حصرتها وهطلت دموعها:
"جايه عشان أطمن على فارس. طمني عليه يابني."
"فارس كويس. مفيش داعي لوجودك هنا. تقدري تمشي."
"أمشي يا جواد بتقول لي كدا عادي."
تعمد الجفاء:
"أيوه."
عاندته بحزناً:
"طب أنا بقا مش همشي. هقعد لحد لما أطمن على فارس واللي يحصل يحصل."
لوى فمه بجفاء أكثر:
"براحتك بس مش هتشوفه."
بتلك اللحظة رآه هشام يركض إليه حتى أصبح أمامه يسأله ذات السؤال بقلق أشد:
"فارس فين؟ طمني عليه. ومين اللي عمل فيه كدا؟"
تنهد بجمود:
"متسألش عن اللي ما يخصكش يا هشام. ويالا خد مرات عمك وامشوا من هنا."
كان يعلم سبب هذا الجفاء.
فقاله بندم:
"أنا عارف سبب زعلك، بس حقك عليا. أقسم لك بالله اللي عملته كان غصب عني."
"غصب عنك؟ ولا وسختك اللي ظهرت فجأة هي السبب؟ ليك حق أكتر من كدا. بس أقسم لك بالله إني عمري ما بصيت على حاجة ليك ولا فكرت إني أكرهك. اللي حصل يوم الليلة اللي عملناها لفارس كان غصب عني. عملت اللي عملته لأني كنت مجبر عليه."
ضيق عينيه مستفهماً:
"مجبور عليه إزاي؟"
لم يكن يملك سبيلاً غير التحدث وإخبارهم بحقيقة تلك المكالمات والمجهول وقصته مع غنوه ليتمكن من إظهار براءته.
سمعت معالي كل ما حدث له.
فـوقفت أمامه بعد أن انتهى من روى قصته.
تناظره بحنق ممزوج بدموع الحزن.
ورفعت مرفقها وصفعته بقوة تزامناً مع قولها:
"بسببك خلتني أقول كلام معملتهوش عشان أطفي نارك من ناحية جواد ونيمك عشان متروحش تأذيه أو تتعرض لمراته. بسببك كذبت وقلت على نفسي قتلت عمك ومراته. وبكره جواد وهجبلك مراته تنهش عرضها. خلتني ضربت جواد عشان أقدر أسكتك. بسببك منمتش طول الليل عشان بفكر هعمل إيه وإزاي هصفي قلبك من ناحية ابن عمك. أتاري كل دا بتمثل علينا يا ابن معالي."
هتفت بالحقيقة الكاملة فهي لم تقتل أحداً ولم تكره جواد ولا فارس يوماً.
كل ما قالته الليلة البارحة كان مخدر ليقلل حركة هشام من إيذاء أولاد عمه.
"يعني أنتِ مقتلتيش عمي ومراته زي ما قولتيلى؟"
سألها بفضول متلهف لسماع الإجابة:
"محصلش. أنا قولتلك كدا عشان أقدر أسكتك. وبعدين مرات عمك كانت تفيدة أختي من لحمي ودمي. قسماً بالله العلي العظيم مقتلت حد ولا هكره بكره جواد ولا فارس. كل اللي قولته كان كذب وتمثيل زي ما أنت كذبت ومثلت علينا."
تنفسا بطمأنينة رسمت الراحة عليه:
"ده أنا من كتر التفكير بموضوع بالليل منمتش. مكنتش مستوعب إنك تعملي حاجة زي دي. واضح كدا إن كلامكم مع بعض طول. أنا ماشي."
هتف بجفاء، فـأمسكته معالي من يده بعتاب:
"خد هنا مفيش مشي ليك. إحنا أهلك وعمرنا ما كرهناك. أنتَ ابني البكري مش بس ابن أختي. أنا عارفة إننا غلطانين وزعلناك بس كان غصب عننا. ربنا اللي كان عالم باللي في نفوسنا. خلاص بقى متزعلش خليك معانا."
"هو حضن معالي موحشكش ولا إيه؟ متزعلش مني يا جواد. أنا عملت كدا عشان خاطر ألاقي غنوه وأمان. والله مفكرة حتى مجرد التفكير إني أقرب لمراتك. مراتك من لحظة ما كتبت عليها وهي بقت أختي وشرفها يعني شرفي."
كان يعلم جيداً أنهما يقولان الحقيقة.
فعلى مدار الـ 25 عاماً التي قضاهم ببيتهم لم يلقى منهم سوى الحب والدفء الأسري.
لكنه لم يغفر لهما بسهولة ما فعلاه.
فـقاله برسمية:
"محتاج وقت عشان أنسى عملت السودا يا هشام. أما مرات عمي فـقلمك لسه معلم جوايا حتى لو كان قلم مزيف."
قاله ما لديه وتركهم.
ومر الوقت وعاد للمنزل برفقة ريحانة.
التي فور وصولها تذكرت الصبي كريم.
فتركت جواد عند الباب وأسرعت بالصعود إليه ودخلت حجرته.
فوجدته ما زال نائماً.
"بتعملي إيه عندك؟"
سألها جواد بصرامة.
فـفزعت من فوق الفراش بخوفاً:
"مبعملش. كنت بطمن على كريم."
عقد حاجبيه بصرامة زائدة:
"متخفيش عليه يا حنينة. أنا جيت من ساعتين كنت بجيب حاجات وأديته الدوا هينام للصبح. يلا تعالي على الأوضة."
سار فسار خلفه حتى أصبحت بحجرة نومهما.
فـوقفت بجوار الفراش.
فـأغلق الباب عليهما.
ثم نزع كنزته وألقاها على الأريكة.
ثم نزع التيشرت وألقاه بجوار كنزته.
فـظهرت عضلات معدته بشكل يجذب عينيها للنظر إليه.
وبعقلها تدور أحاديث:
"دا عنده عضلات بجد؟ أنا كنت مفكراها موجودة في الأفلام بس. بس يا ترى لمستها إيه شكلها يخوف؟"
لاحظ عينيها التي تتبعه بفضولاً.
ففتح الخزنة هاتفاً ببرود:
"هتفضلي متنحالي كدا كتير. غوري اتخمدي."
بلعت لعابها بقلق:
"هو أنتَ هتعمل فيا إيه؟ أنا عارفه إنك زعلان بس أنا مكنتش أعرف إنك هتزعل كدا لما تعرف إني عايزك محلل."
ضربة مخازن وقود دمائه لتنفجر بحمم بركانية أطاحت بقبضة حديدية اعصرت كرامته وشنت حروب كبريائه.
فتجحظت عينيه بشراسة وأغلق الخزانة بقوة جعلت جسد الأخرى يرتجف بخوفاً.
وهي تراه يتقدم منها مثل الأسد الجريح.
وأمسك بذراعيها يعتصرهما بقوة كادت تكسر عظامها.
تزامناً مع قوله الحاد:
"أزعل ليه؟ وأنا مجرد محلل السنيورة اتجوزته عشان ترجع لحبيب قلبها. عايزة تعرفي إيه اللي مزعلني هقولك. زعلان عشان عرفت إني طرطور. راجل مغفل كل مهمته إنه يقضي ليلة مع مراته عشان تقدر تطلق وترجع لجوزها السابق. ده أنا مشيت امبارح مخصوص ومردتش المس شعرة منك عشان موسخكيش بقرفي. ربنا قال البنت العفيفة الطاهرة متتجوزش غير لراجل عفيف طاهر زيها. ولأني شايف نفسي مش عفيف ولا طاهر وفيا وسخة الدنيا وكنت عارف إن أي لمسة هتحصل بينا هتبقى زنا وأنا مكنتش عايزك تبقي زانية بسببى كنت عايزك تفضلي عفيفة وطاهرة زي ماكنت شايفك. مردتش المسك امبارح عشان مشيلكيش ذنب صعب غفرانه. وبعد كل دا طلعتي بتلعبي عليا عشان مصلحتك. يا شيخة يلعن أبو الحظة اللي دخلت فيها أوضتك وشوفتك. أنتِ بالنسبالي أقذر وأوسخ بت على وش الأرض."
نبض قلبها بألم الخوف من طلعته المفزعة لكيانها.
فسقطت دموعها من ألم ذراعيها:
"أنتَ بتخوفني منك. سيبني أمشي من هنا!!"
مال برأسه لليسار بحنق:
"أسيبك تمشي؟ دا في أحلامك. حياتك كلها بقت ملكي بعد اللي خلقك. بالله يا ريحانة اللي جاي من أيامك هيبقي سواد. هبقالك الوحش اللي سجنك ومفتاح فك سجنك في إيدي. بالله لـندمك على لعبك معايا أنتِ وابن الـ... اللي بعتلك. ودلوقتي تغوري تتخمدي مش عايز أشوف وشك. ياله غوري."
ألقاها بقوة فوق الفراش.
فتشنجت أعصابها وبدأت بالارتجاف بقوة.
تزامناً مع اتساع عينيها فقد أتتها نوبة الصرع من هول ما قاله.
فخوفها منه لم تتحمله.
فما تفوه به مثل السلاسل الحديدية بأصدافها التي التفت حول يديها لتجعلها سجينة مخدعه لباقي حياتها.
أما هو فكان يرى ما يحدث لها.
ومن تشنجات ورغم شعوره بالقلق عليها إلا أن كبرياءه جعله يتجاهلها.
وسار لخارج الحجرة بعدما أغلق الباب عليها بالمفتاح.
تاركها تشن حروب تشنجات فوق فراشه كادت تؤدي بحياتها للموت.
فتلك المرة كانت النوبة أضعاف قوة كل مرة تأتي إليه.
فـخرج بعض الدماء من أنفها تعلن عن سوء حالتها.
يتبع.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الخامس 5 - بقلم لادو غنيم
في منتصف حديقة قصر "رضوان الهلالي" يقف "جواد" وبيده آلة حادة تشبه الفأس، يضرب بها شجرة عتيقة مضى على وجودها ثلاثون عاماً. يضربها بقوة أرهقت منكبيه، لكنه لم يكن يبالي بألم منكبيه بقدر ما كان يهتم بضخ غضبه بها. كان يراها بهيئة "ريحانه"، يراها سبب جراحه، سبب خداعه، سبب انكساره، سبب حطام كبريائه. قطرات العرق المتساقطة على الأرض تزامناً مع صوت أنفاسه المتلهفة، دليلاً على ما يشعر به من خراب داخل جوف قلبه.
ثم ألقى هذا الشيء من يده، وبدأ بلكم الشجرة عدة لكمات قوية وراء بعضها تسببت بجروح مرفقيه بشدة. مع كل لكمة كانت تزداد أنفاسه المتسارعة، بأنّين قهراً يخرج من صندوق قلبه المحمل بالأسى. نبضاته مثل البحر الثائر، كلما زادت زاد معها الألم الغريق لكبرياء رجل. انتهى من تسديد لكماته، وسند بيده عليها يلهث أنفاسه بصدر يعلو ويهبط مثل الأمواج، بعينين ترتجفان بحنق كاد يفقأهما. فما فعلته به غير قابل للغفران.
وبعدما حاولا الهدوء قليلاً، قررا الصعود لحجرة نومهما. سار نحو الداخل وصعدا الدرج حتى انتهى منه، وأكمل سيره حتى وقف أمام باب الحجرة. أمسك بالمفتاح وحرر غلقه، ثم دخلا وأغلق الباب خلفه. استدار يبحث بعينيه الخضراوين عنها، حتى استقر بصره عليها ممددة بجوار التخت في حالة إغماء، وعلى وجنتها الدماء السائلة من أنفها.
في تلك اللحظة تبدل غضبه لخوفاً عليها. رغم أنه قد نزع إعجابه بها من قلبه، إلا أن دافع المسؤولية بصفته زوجها، جعله يركض إليها. جلس على عقبيه وحملها بين ذراعيه، ونهضا بها ليضعها فوق الفراش. ثم جلس بجوارها يتفحص نبضها، وتأكد أنها ما زالت على قيد الحياة. فنهض وأحضر مناديل ثم عاد، وأزال دمائها من على وجنتها، وألقاها بسلة المهملات المجاورة للفراش. ثم نهضا من جوارها وغطى جسدها بغطاء خفيف، وسار للحمام ليغتسل.
بعد ثلاث ساعات، حيث دقت الساعة الثالثة صباحاً، فتحت "ريحانه" جفونها وجلست على فراشها تتفحص المكان من حولها. كانت إضاءة الحجرة مشتعلة، فرأته يغفو فوق الأريكة ببنطال أسود، دون ستره لجزئه العلوي. تفحصته بعينيها، فقد كان شديد الوسامة بذلك الجسد العضلي المشدود بتناسق، فكأنه يضع ذراعه الأيمن أسفل رأسه مما أبرز عضلاته بشكل جذاب. يغفو بتلك الشعيرات السوداء الساقطة بتمرد على جبهته. نظراتها المغازلة الحلالية له لم تكن محرمة، فهو زوجها.
لكن ليس هذا فقط ما جذب انتباهها، فظهر مرفقه المنجرح بدم ما زال يخرج منه بشكل ضئيل. جعلها تنهض من فوق الفراش وأمسكت ببعض المناديل وطرحتها الصغيرة، وتقدمت منه حتى جلست بجواره على حافة الأريكة. بدأت بإزالة الدماء بالمناديل. وحينما انتهت، حملت مرفقه بهدوء، وبدأت بلف حجابها على جرحه، ثم عقدتها برفق لكي لا تؤلمه. ثم وضعت يده بجواره.
نظرت لوجهه الهادئ، فرفعت مرفقها وداعبت خصلاته السوداء، وفمها يبتسم بهدوء. ثم نظرت لتقسيم عضلات معدته، فراوضها الفضول لفحصها. فحملت يدها من على شعره وأسقطتها بهدوء لتستقر على جسده، لتنقل أصابعها بين تدريجات عضلاته التي تزيد من بسمتها بغرابة. تتنقل بينهم وكأنها تعزف بين درجات الفؤاد التي تشعل نيران قلب رجل يحارب كيانه المطالب بالنيل من الغزالة الشاردة التي تفتح بلمساتها العفوية صناديق شوقه إليها من جديد.
كان يجاهد نفسه لكي لا يفتح عينيه التي تطالبه بالنظر إليها. نبضاته المتدفقة أصبحت مثل الطبول القارعة لتفصح عن حالها. بصدره الذي بدأ يعلو ويهبط بشكل لاحظته "ريحانه"، فضيّقت عينيها قلقاً، فقد ظنت أن هذا يحدث له بسبب مرضه أو شيئاً ما. لم تكن تدرك أنها من تسببت بهذا التمرد الداخلي له. فرفعت يدها ووضعتها على صدره فوق موضع قلبه مباشرة، فشعرت بتلك النبضات المتسارعة.
ملمسها لباطن مرفقها زاد فضولها لمعرفة كيف يبدو صوتها. فحملت يدها بعيداً وانحنت عليه بوجهها من جهة اليمين، فالتحمت بصدره وسمعت نبضات قلبه بأذنها التي أرسلت صوت النبضات لكيانها. فشعرت أنها تستمع إلى معزوفة موسيقية فاتنة تأسرها بلهيب المشاعر الثائرة. ظهر الرضا على ملامحها ببسمة راقية تعلن عن محبتها لتلك النبضات. وبدأت بتحريك أصابعها على جسده العضلي تراقصها على صوت نبضاته. أصبحت أصابعها رفيقة دقاته، ثنائي راقص فوق ضفاف المشاعر الخفية.
أما هو، فلم يستطع أن يقاومها أكثر من ذلك. جهاده لكيانه الذي يلح عليه للتشبع منها والارتوي من أنوثتها، جعله يفتح عينيه دون النظر إليها، مردداً بأمر يعلن ببحته المرهقة عن ذلك الجهاد الداخلي: "أبعدي عني حالاً، وأرجعي على سريرك وغطي نفسك كويس، مش عايز ألمح حاجة منك نهائي."
"يا له!" اتسعت عينيها بحرجاً، ورفعت رأسها من عليه، ونظرت إليه فوجدته يرفض النظر لها، فقالت بعفوية يملؤها الحزن: "حقك عليا، مكنش قصدي أزعلك. أنا لما شفت شكل إيدك قلقت عليك عشان كدا جيت جنبك."
صوتها الناعم بنغمة أنثوية، جعله يأمرها بذات البحة المرهقة: "ريحانه، اسمعي الكلام وروحي نامي. اعملي اللي قولتلك عليه."
تنهدت متسائلة بذات الحزن: "والله مكان قصدي أضايق منك. لو يعني عشان قربت منك وسمعت صوت قلبك، أوعدك إني مش هعمل كدا تاني."
إلحاحها بالاعتذار منه، بذات الصوت الناعم، وهيئتها التي يحارب عينيه لعدم النظر لها، جعلته يثور بصرامة: "قولتلك غوري على سريرك، مبتسمعيش الكلام ليه ياله! اعملي زي ما قولتلك، مش عايز ألمح طرفك ياله."
فزعت من جواره برجفة خوف من صوته الجش، وركضت لفراشها وغفت عليه، وغطت كامل جسدها كما أمرها. أما هو، فجلس على الأريكة وأشعل سيجارة أخذها من علبته. بدأ يتنفسها بلهفة، تزامناً مع فرك جبهته وشعره بحنقاً بسبب ذلك الشعور المسيطر عليه اتجاهها. كان يرفضه كل الرفض، لم يكن يود أن يقيم علاقة معها، يراها محرمة من وجهة نظره ومن وجه الدين. فهو ليس رجلاً عفيفاً ليختلي بها، فلديه علاقة نسائية مع "نهى"، فالورقة العرفي التي بينهما ساقطة لا يعترف بها الدين ولا القانون. كان يدرك جيداً أن أي علاقة سيقيمها مع "ريحانه"، قبل أن يتوب وينهي علاقته بغيرها، ستكون علاقة محرمة تحت مسمى "الزنا". فهذا ما قاله الدين: المرأة العفيفة لا ينكحها إلا رجل عفيف مثلها.
ظلا على هذا الحال لبضع دقائق يجاهد مع الشيطان وغضبه منها. الأخير يطالبه بالنيل منها وإشباع غرائزه الدفينة، لكن الجانب الأخلاقي المسجون بداخله كان يرغمه على الابتعاد عنها وعدم إقامة أي علاقة معها. وبعد لحظات، أطفأ السيجارة وأغلق الضوء وغفا فوق الأريكة محاولاً التغاضي عما بداخله والنوم قليلاً.
***
وفي نهار اليوم التالي، استيقظ مبكراً الساعة السابعة صباحاً، واغتسل. ثم ارتدى بنطالاً أسود وقميصاً أبيض اللون قسم جزئه بشكل ممتاز، وبقدمه حذاء أسود. وهندم شعره الأسود على جبهته بشكل مبعثر زاده حلا. ثم أخذ السلاح والمفاتيح من الكومود المجاور للفراش. ثم نظر إليها، فكانت تغفو بأنوثة أظهرت منحنياتها المتوازنة باحترافية. فبلع لعابه وتنهد بجموداً ليكبت غرائزه. وأمسك بالغطاء وستر جسدها من عينيه. ثم سار للخارج.
وبعد ساعة، وصلا للقسم ونزلا من سيارته ودخلا لمكتبه وجلس على المقعد. فدخلا إليه "مرعى" متسائلاً: "صباح الخير يا باشا، إيه اللي جايبك بدري كدا؟ هو ساعتك اتخانقت مع مراتك ولا إيه؟!!"
ضيّق عينيه مستفهماً: "هو أنت ليه محسسني إنك فرد من العائلة؟"
زم فمه بعبث: "الحق عليا، عايز أطمن عليك."
"لأ ما تطمنش، روح هاتلي الشاي بتاعي."
"حاضر، بس هعملك الشاي بمياه عادي عشان مياه الورد خلصت، وساعتك مشترتش."
هتف بزمجرة: "ولما هي خلصت مقولتيش ليه عشان أديك تشتري غيره؟"
"نسيت من كتر المصايب اللي بتجلنا."
تنهد بلامبالاة: "عينداً فيك هتعملي الشاي بمياه الورد حالاً."
"تجيبها منين بقا دي شغلانتك؟"
هتف بقلق: "أنا مبقتش عارف شغال إيه بالظبط."
هتف بزمجرة: "أنتَ لسه هتطبرطم يا "مرعى"، لسه هتتبرطملي. بقولك إيه، أنا فيا اللي مكفيني، متخلنيش أطلع غلي فيك."
ابتعد خطوة للوراء بعبث: "كنت متأكد إن الجواز هيزيد عصبيتك، ما هما صنف الحريم دول بيعصبوا العاقل، ما بالك بقا باللي متعصب من الأول."
ضرب الطاولة بصرامة: "بالله يا "مرعى" لو ممشيت وعملت الشاي بمياه الورد ولقيته قدام كمان عشر دقايق، هخليك تقضي اليوم في التخشيبة عشان خلاص فاضلي تكه وهولع في الكل."
"لأ و على إيه، ربنا يكفينا شر النار."
أسرع "مرعى" بالخروج لتنفيذ أوامره. وبعد دقائق، دخلا عسكري وبرفقته "غوايش". فأشار له "جواد" بسبابته للخروج، فلبي الأوامر. أما هو، فقال لها بجمود: "أتمنى أن التخشيبة تكون عجبتك."
صكت على أسنانها بزمجرة بسبب مكوثها بالتخشيبة طوال الليلة البارحة، فقد أرسل بالمساء عساكر قاموا بالقبض عليها وتركها بالتخشيبة طوال الليل.
"أنتَ بتقبض عليا ليه؟"
هتف بصرامة: "صوتك لو علّى تاني هخرسك خالص."
راودها القلق، فظلت صامتة. أما هو، فاخرج سيجارة وأشعلها عبر شفتيه يستنشق دخانها ثم يفرغ ما تبقى في الهواء. وقال بجمود: "أكيد طبعاً سمعتي عن اللي حصل لـ"فارس"؟"
قالت بمكر مدعية الحزن: "طبعاً سمعت، وفضلت أدعيله قد إيه إن ربنا يقومه بالسلامة."
زم فمه بسخرية: "أول مرة أعرف إن ربنا بيستجاب للشمال."
"قصدك إيه؟" باحت بضيق.
فقال بحدة: "قصدي ياروح أمك إن الشويتين دول مش هيخلوا عليَّ."
"فارس فاق وحكى لي كل حاجة من لما جيتي القصر عشان تاخديهم لحد ما حصل له اللي حصل." حاول خداعها والكذب عليها، فلم يخبره أخوه بشيء بعد، لكنه لم يكن يود أن يخبرها بالحقيقة التي اعترفت بها "ريحانه" لكي لا تعلم أنه أصبح يعرف هدف زواجهم لها.
"ساكتة ليه؟ ماتردي!!" هتف بصرامة.
فقالت باندفاع بصوتاً خائف: "أنا عملت كدا عشان الرجالة متتقتلش. عملت نفسي في صفهم، ومسكت المنجل وجرحت "فارس" عشان أوهمهم إنه خلاص مات. بس هو كان مغمى عليه، معرفش إنه كان واعي وبيشوفني."
تجوّحت عيناه بشراسة معلنة عن براكينه التي انفجرت بعروقه. لم يكن يتوقع أنها الفاعلة. فنهض من على مقعده وتقدم إليها تزامناً مع بحته الهادئة كهدوء ليلة على وشك العاصفة: "يعني عشان تثبتي لهم إنك معاهم قررتي إنك تقتلي أخويا؟ حلو أوي كدا. مين بقا الرجالة دول وتبع مين؟ واضح إنك تعرفيهم كويس أوي."
اعترافها أوقعها بشر أفعالها أمام رجل لا يعرف شيئاً عن الهدوء. فبدأت بالتحدث بربكة: "دول ناس قاطعين طرق، كانوا عايزين الفلوس واللي معانا. أنا معرفهمش، أنا لما قولت أبقى في صفهم كان قصدي إني سبتهم يعملوا اللي هما عايزينه."
"بالله لو منطقتيش وقولتي الحقيقة مهخلي رجلك تخطي بره القسم ده غير وأنتِ ميتة. كل الكلام اللي قولتيه مسمعتش منه حاجة. ياله ابدئي من الأول عشان مزعلكيش، وأنا زعلي بيحرق من غير ما أتسمى."
نظرة الكراهية المفخخة بالحنق التي رآها بعينيه، جعلتها تتفوه بقلقاً يحتويه بعض الكذب: "الرجالة يبقوا تبع راجل مهم اسمه "ياسر الغنيمي". كان بيجيلنا زيارات عشان يعطف علينا ويدينا قرشين نصرف منهم. ولما شافنا راكبين في العربية مع أخوك وريحانه بتعيط، فكر إننا مخطوفين عشان كدا نزل رجّالته عشان يشوفونا. ولما أخوك نزل ضربوه بالمسدس على راسه خلوه يغمى عليه، وكانوا عايزين يقتلوه، عشان كدا أنا عملت نفسي في صفهم وجرحته بالمنجل."
كان يعلم أنها تكذب في بعض الأمور، مما جعله يلقي عليها سؤاله مستفهماً بحدة: "ومدام هما يعرفوكم، ليه مقولتيش إن "فارس" مش خطفكم؟ ما تيقي كان هيصدقك."
"ما كانش هيصدق عشان "ريحانه" جالها نوبة الصرع، فكذب كل كلامي لأنه عارف إنها مبجيلهاش النوبة غير لو كانت خايفة."
"ليه هربتي وسيبتي "فارس" و"ريحانه" لوحدهم؟"
"خوفت، مكنتش عارفة أعمل إيه؟"
لم يصدق حديثها، فقد كان يعلم أن معظم ما قالته مجرد كلمات خداعاً له. فكلامها يتنافى مع اعتراف "ريحانه". الشيء الصادق الوحيد التي هتفت به هو كنية "ياسر الغنيمي"، مما جعل "جواد" يهاتفها بذات المكر بشراسة بصرية: "ماشي يا "غوايش"، هصدقك وهسيبك تمشي عشان خاطر "ريحانه". مراتي أنا برضه، مراعي إنك مرات أبوها، وأبوها عاجز، ما فيش حد غيرك بيراعيه."
شقت البسمة وجهها بقولها: "تعيش يا "جواد" بيه، متحرمش منك. أمشي أنا بقا لأحسن زمان الراجل مش لاقي اللي يساعده."
أشار لها برأسه لتغادر، فغادرت على الفور. أما هو، فجلس على مقعده مجدداً. ثم أجرى اتصالاً على أحد أصدقائه بقسم المرور، فأجابه بعد ثوانٍ: "أهلاً يا صاحبي."
"عملت إيه في اللي طلبته منك؟"
"آه بخصوص خط سير العربية الـ GB السوداء، أنا راجعت كاميرات مخارج ومداخل البلد، ولقيت فعلاً عربية بنفس المواصفات خرجت من البلد امبارح عالساعة خمسة بعد العصر، ولما بحثت عن رقمها طلعت عربية واحد من الناس التقيلة أوي في مصر."
ضيّق عينيه بشراسة متسائلاً: "اسمه إيه؟"
"بارون الغنيمي، من أكبر رجال الأعمال." اتضح له أنه من نفس العائلة، والترجيح الأعلى له أن "البارون" شقيق "ياسر". فسأله من جديد: "بيشتغلوا في إيه؟"
تبسم الصديق قائلاً: "قول ما بيشتغلوش في إيه، بس أشهر شغلهم في المقاولات."
"تمام تمام يا صاحبي، لو احتاجت حاجة في أي وقت ابقى قولي. ياله سلام."
أغلق "جواد" المكالمة، فوجدا "مرعى" يدخل إليه بكوب الشاي، ثم وضعه على الطاولة. فحمل "جواد" الكوب وتناول أول رشفة التي لم يتحملها لثانية بفمه، وفرغها في الهواء. ونظر له متسائلاً بزمجرة: "إيه القرف ده؟ أنتَ عملت الشاي ده إزاي؟"
هتف "مرعى" بصراحة مستفزة: "ساعتك قولتلي اتصرف وجيب مياه ورد. قمت أنا لميت كل الورد اللي في الزرع اللي حوالين القسم، وغسلته وغليته، وبمياته عملتلك الشاي."
قضم على شفتيه السفلى بحنقاً، ثم هتف: "اخسا من وشي يا "مرعى"."
تراجع بقلق: "مش فاهم، أرضي ساعتك إزاي والله."
"بطل برطمة، الحريم دي مش ناقص برطمة في البيت، وهنا كمان. خد الكوبايه واخسا من وشي."
"مرعى" بعبث: "مش فاهم، مش طايقني ليه من صبحية ربنا؟"
"غور بدل ما أحطك في التخشيبة." صاح بزمجرة، فخرج الآخر بعدما أخذ كوب الشاي، وتركه يتبادل الآراء مع عقله.
***
"يحدث الآن في المستقبل عام ٢١٠٤"
بقصر "أدم السوالمي" بحديقة القصر، كانت تجلس "ثريا" برفقة "أدم" بعدما تناول الفطور وأحضره له الشاي.
"ممكن لو مفهاش إزعاج تقول لي حكاية والدة حضرتك؟"
رآه الفضول بعينيها، فترك الفنجال على الطاولة، وهتف بقول يأس: "مع إني مبحبش أفتكر الحكاية، بس هحكيها لك. أمي كانت سيدة جميلة قوية، شايفة نفسها فوق الكل، مصلحتها كانت رقم واحد. كانت دايماً بتتخانق مع والدي "خليل السوالمي" مطالبة دايماً بحاجات فوق مقدرته. فضلت الحياة ماشية بنهم كدا لحد لما ظهرت "ياسمينا" في حياتنا."
ضيّقت عينيها بتساؤل: "مين "ياسمينا" دي؟"
"كانت البنت اللي والدي قابلها صدفة في القسم عند صديقه "جواد الهلالي"."
زادت التساؤلات بعينيها، فـأجابها ببدء الحكاية: "لما والدي قابل "ياسمينا"، كانت بنت جميلة بتشتغل راقصة. كانت متهمة في قضية زور، بس والدي خرجها بما إنه كان محامي. ولما عرف إنها مالهاش مكان تروح له، خدها المكتب بتاعه. باتت في يوم، وتاني يوم راح لها والدي عشان يطمن عليها، وأنا كنت معاه."
بتلك اللحظة، عاد "أدم" بذكرياته للماضي، ليتذكر ما حدث بين والده و"ياسمينا" بالمكتب. دخل "خليل" المكتب برفقة صغيره "أدم" الذي أحضره معه لأن "ثريا" كانت منغمسة بأعمالها. وفور أن دخلا، استقبلتهم "ياسمينا" ببسمة امتنان.
"صباح الخير يا أستاذ خليل، شكراً عشان خلتني أقضي الليلة هنا بمكتبك."
"خليل" بجدية: "مفيش داعي للشكر. ياترى أعصابك ارتاحت عن امبارح؟"
"ياسمينا" بتأييد: "طبعاً ارتحت، دي أول مرة من سنين أحس بالراحة دي." صمتت حينما رأت "أدم"، فتساءلت ببسمة: "ما شاء الله، دا ابن حضرتك؟"
"أيوه، أدم خليل السوالمي، ابني الوحيد."
"ربنا يحفظه لك. اتفضلي، جبت لك اللبس ده والفطار."
تبسمت بحرج: "مكنش في داعي للتكاليف دي."
أخذت الأغراض منه ودخلت، وارتدت الثوب الأسود الطويل الذي يخفي كامل جسدها. ثم خرجت إليه لتشكره: "شكراً من قلبي، الفستان جميل ومحتشم. فكرني بلبسي قبل ما أهرب من بيت بابا."
نبشت فضوله، فجلس على الأريكة بجوار صغيره متسائلاً: "لو مفهاش تدخل مني في حياتك، ممكن تقولي لي هربتي ليه من بيت أهلك؟"
جلست على المقعد أمامه بحزن خيّم عليها: "أنا "ياسمينا الخولي" بنت صياد، ليه سمعته وأهلي معروفين في إسكندرية. وأنا عندي اتنين وعشرين سنة، ماما توفيت وكانت حالتي النفسية مدمرة، وسقطت في الامتحانات وقررت أسيب الجامعة وقعدت في البيت. وقتها جه ساكن جديد في الشقة اللي قدام بلكونة أوضتي، كان شاب اسمه "يوسف"، كان شكله حلو وفي أوله جامعة، وكل الشارع كان بيحبه وبيشكروا دايماً فيه. كان دايماً بيقف في شباكه قدام بلكونتي ويلوّح لي ويحاول يحدف لي جوابات. لحد لما اتعلقت بيه وحبيته، وبقينا نتقابل ونتكلم بالساعات على التليفون. لحد لما جه في يوم وهو بيكلمني بالليل طلب مني أبعت له صورتي. بشعري، وقتها كنت محجبة. قال لي إنه نفسه يشوف شعري تحت مسمى إنه حبيبي، وأكيد هيتقدملي، ووافقت وبعت له الصورة. وبقيت كل يوم أبعت له صورة. لحد لما لقيته بيكلمني وبيقول لي إنه اشترى لي حاجة وعايز يشوفها عليا، ففتحت البلكونة وأخدت الشنطة اللي حدفها، وفتحتها ولقيت فيها هدوم داخلية شبه البكيني القطعتين. أول ما شفتهم اتخضيت، وقولت له لأ مش هلبسهم، وإلا هتصور بيهم. فزعل مني وقعد لمدة شهر مش بيكلمني، فخوفت ليضيع مني ويسبني، فبعت له رسالة وقولت له إني موافقة على اللبس. وبالليل لبست الغيارات الداخلية، كانت حرفياً بكيني أسود قطعتين. لبسته واتصورت بيه وبعت له الصور. فلقيته شافهم وبيرن عليا مكالمة فيديو، فقعدت على السرير وغطيت نفسي بالبطانية ورديت على مكالمة الفيديو بتاعته، فاستغرب وقال لي أشيل البطانية من عليا وأفرجه عليا عشان يشوف الغيارات على الطبيعة. قال لي لو بتحبيني بجد هتعملي كدا وتفرجيني، أنتِ حبيبتي وأنا في كل الأحوال هتقدملك وهتبقي مراتي. أصر على كلامه، فشلت الغطا وقمت وقفت وبدأت أمشي الكاميرا على جسمي عشان يتفرج، وأنا أسمعه بيشتم بكلام قليل الأدب وبيقول كلام غريب، فقربت الكاميرا وقولت له كفاية كدا، فابتسم وقال لي: "ماشي يا حبيبتي." حبي ليه كان عامي عنيه، وفضلنا كل يوم نتكلم فيديو، ومعظم الوقت أبقى لابسة هدوم مبينة جسمي عشان بيطلب مني كدا. لحد لما جه في يوم ولقيته بيقول لي وإحنا فاتحين الكاميرا: "عايز أشوفك من غير هدوم خالص." وإن الغيارات الداخلية اللي بيشوفني بيها مش ساترة كتير، فعادي لو شفتك من غير حاجة خالص. قعد يقول لي كلام حب ووعود كتير، الحد لما سلمت وقلعت كل لبسي و"خليته يتفرج عليا"، وهو عمال يقول لي كلام حب وألفاظ غريبة. وجه تاني يوم ولقيته بيقول لي إنه عايز يقابلني في شقته عشان نقعد على راحتنا، فخوفت ورفضت، فقال لي إن الموضوع بسيط وإنه في كل الأحوال هنتجوز، مفهاش حاجة لو قعدنا سوا بعيد عن الناس. بس أنا أصررت على الرفض، فلقيته ظهر على حقيقته وقال لي: "لو مجتليش هفضحك بالصور والفيديوهات"، لأنه كان بيسجلهم على تليفونه. وقتها من الخوف معرفتش أعمل إيه؟ أروح له وأنا عارفة إنه عايزني عشان يشبع رغبته مني، وإلا أقول لبابا ويقتله ويدخل السجن؟ مكنش قدامي حل غير إني سبت البيت وهربت، واستخبيت عند واحدة صحبتي. وبعد أيام عرفت إن "يوسف" نشر صوري وفيديوهاتي على مواقع مش كويسة، وكمان على مواقع فيس. وطبعاً الصور والفيديوهات وصلت لأهلي، وعرفت إن بابا بيدور عليا عشان يقتلني، فهربت من عند صحبتي، وفضلت في الشوارع لحد لما لقتني "نواعم" وشغلتني عندها رقاصة. هي دي كل حكايتي يا أستاذ خليل."
نهت حديثها بدموع ممزقة خرجت من صميم جروحها. أمام "خليل" الذي هتف بجدية: "مفيش حبيبي حقيقي بيحب بجد يطلب من حبيبته صور وفيديوهات، لأن الراجل اللي بيحب بجد هيبقي شايفك شرفه حاجة زي الإزاز مش مسموح لحد إنه يكسرها. الراجل اللي بيحبك بجد هيخاف عليكِ من نفسه، من نظرته، من رغباته. ومن غير لف ودوران ووعود، هيدخل البيت من بابه زي أي شاب محترم وهيتقدم عشان يتجوزك، عشان تبقي حلاله. وطول فترة خطوبته ليكِ مش هيطلب يشوف خصلة من شعرك، لأنه عايز يحافظ عليكِ من رغباته، لحد لما يتكتب كتابكم ويتم الفرح قدام الكل ويزفوكي عروسة لبيته. وقتها بس يقدر إنه يملى عينيه منك ويشوفك من غير حاجة لأنك بقيتِ حلاله قدام رب العالمين وقدام الناس كلها. هو ده الراجل اللي بيحب بجد. أما أي راجل تاني يطلب من البنت أي طلب مش محترم يبقى بيتسلى بيها وعايزها عشان تلبي رغباته فقط. أما لما هييجي يتجوز، هيرميها وهيجوز واحدة تحافظ على شرفه واسمه، وعمره ما هيفكر إنه يطلب منها أي طلب يفضح شرفها وسترها."
زادت بالبكاء كثيراً، وكأنه أشعل كبتها بحديثه الصريح. فنهض ممسكاً بيد صغيره: "أنا مصدق حكايتك وعارف إنك ضحية، بس مشتركة بجريمة في حق نفسك وربك. بس هساعدك لو عايزة تتوبي بجد، خليكي هنا هشوف لك شغل عشان تبدأي من جديد."
أبصرت به بانكسار: "ده يبقى معروف، عمري ما هنسا هولك."
أومأ "خليل" بالموافقة، وذهب برفقة صغيره. بتلك اللحظة، عاد "أدم" من ذكرياته مكملاً لـ"ثريا" التي تستمع له بانتباه شديد: "وخلصت "ياسمينا" حكايتها ومشيت أنا ووالدي من المكتب ورجعنا البيت."
"وبعدين إيه اللي حصل؟" سألته بفضول.
فقال بأرق: "مش قادر أحكي النهارده أكتر من كدا. قومي من فضلك سنديني لأوضتي، عايز أرتاح شوية."
قامت بلهفة، فهي تعلم جيداً أنها والدته. ثم أمسكت بيده وبدأت بالسير برفقته لتأخذه لحجرة نومه.
***
"يحدث الآن في الماضي 2024"
عاد "جواد" للقصر بعد أن اطمأن على حالة أخيه وتأكد أنه على ما يرام. وحينما دخلا، وجدا "ريحانه" تجلس على الأرض، وبجوارها دلو من الماء تغسل الأرض، وهي مرتدية عباءة سوداء قطنية، وشعرها البني مربوط على هيئة كحكة، وهناك بعض الشعيرات القليلة ساقطة على وجنتها. رغم انشغالها بالتنظيف، إلا أنها كانت فاتنة بعينيه. لكن ما فعلته معه لم يغفر لها بعد، مما جعله يسير حتى وقف أمامها.
"هو ده تمامك خدامة؟ بس ياترى الباشا لما كان هياخدك القصر بتاعه كان هيخليكي الهانم بتاعته، وإلا مجرد خدامة تنضف وسخة جزمهم؟"
شعرت بالإهانة تمزق قلبها، فنهضت تناظره بحزن: "أنا مش خدامة، أنا مراتك وعايشة هنا، فاللازم أنا اللي أنضف البيت. أما بقى اللي أنتَ بتتكلم عنه، فمعرفش كان هيخليني إيه، بس أكيد كان هيعاملني أحسن منك."
أمسك بمنتصف ذراعها يعتصر نسيجها بين أصابعه الغليظة، متفوهاً بصرامة: "عارفة هيعاملك أحسن مني ليه؟ عشان أنتِ بالنسباله مجرد لعبة. لأن مفيش راجل بيحب بجد يطلق مراته، وحتى لو طلقها، مش هيقولها تتجوز محلل، لأنه مش هيستحمل إن راجل غيره يلمسها."
"أنتَ ليه عايز تفهمني إنه بيكرهني؟" هتفت بصوت مليء بقدوم البكاء.
فشدد من قبضته عليها: "بيكرهك أو لأ ميخصنيش، وميخصكيش. من الاحترام يا مؤدبة إنك متفكريش بأي واحد وأنتِ متجوزة، عشان اللي بتفكر في راجل غير جوزها تبقى مشفتش تربية ومبتصونش الشرف."
أومأت من خوفها من عينيه المتجوّحتين بكراهية، فالقاها للوراء وذهب، فتعثرت بالدلو ووقعت على الأرض، بعدما التوى كاحلها. فصرخت باكية من شدة الألم. فاستدار للخلف، فرآها جالسة على الأرض تمسك بقدمها، فسار مسرعاً إليها وجلس أمامها نصف جلسة يتفحصها.
"إيه اللي بيوجعك؟" سألها ببحة مبعثرة بالغضب الخائف.
فقالت وهي تشير لكاحلها الأيسر: "رجلي من هنا بتوجعني أوي، مش قادرة."
نظر لموضع الألم ولمس كاحلها فصرخت، فقال لها ببعض الهدوء ليهدئها: "متخفيش، مفكيش حاجة. غمضي عينك وافتحي لي، أعملي زي ما بقولك."
لم تكن تمتلك خياراً، فأغمضت عينيها. فعدّل كاحلها في غمضة عين لموضعه الطبيعي، فصرخت تزامناً مع فتح عينيها. فهتف بجدية: "كلها دقايق والإلم يختفي."
أومأت وهي تمسح دموعها بظهر مرفقها مثل الصغار. فـقرب منها وحملها بين ذراعيه، ثم نهضا بها. فعترضت: "نزلني من فضلك."
سار بها صاعداً الدرج دون إجابة، حتى وصلا للحجرة وأدخلها ووضعها برفق فوق الفراش بأمر: "متتحركيش من على السرير عشان ما تتعبيش، رجلك محتاجة شوية راحة."
عارضته بهدوء: "بس أنا مش متعودة على القعاد، أنا متعودة على شغل البيت."
بدأ بتحرير أزرار قميصه تزامناً مع حديثه الجاد لها: "ده لما كنتِ في بيت أبوكي. وبعدين أنا مقولتش إنك هتفضلي قاعدة كدا، أنا بقولك ارتاحي لحد لما رجلك تخف، وبعد كدا نضفي زي ما أنتِ عايزة."
انتهى من تحرير الأزرار ونزع القميص من على جسده وألقاه على الفراش. فخفضت نظرها بخجلاً، مما جعله يتحدث ببرود أثناء سيره للخزانة: "مشوفتش الكسوف ده امبارح وأنتِ بتحركي إيديكي فوقيا."
بلعت لعابها بإحراج: "أنا كنت مستغربة شكل الحاجات اللي عندك، فقولت أشوف ملمسها إيه."
زم فمه بجفاء: "اسمها عضلات. هو حبيب القلب مكنش عنده منها؟"
"هتفت بجدية: "لاء، مكنش عنده."
أغلق الخزانة بقوة واستدار، ونظر لها بحنق: "انزلي كملي مسيح."
"بس أنتَ قولتلي متحركش عشان رجلي."
"بلاش مناهدة، نفذي من سكات ياله. غوري على تحت."
بدأ إجابتها على سؤاله الخاص بياسر قد أوقد غضبه. فنهضت من فوق الفراش تسير بعرج، تخرج أنين إرهاقها بصوتاً أنثوي أشعل مخازين جسده المطالب بها. لكنه حاول بقدر الإمكان أن يتجاهلها، حتى رآها تستدير له، تناظره بعين دامعة من ألم كاحلها.
"جواد، ممكن تخليني قاعدة شوية، وبعد كدا هنزل أكمل مسيح. والله رجلي وجعاني أوي مش قادرة أدوس عليها."
بتلك اللحظة التي سمع اسمه بصوتها المتناغم بإرهاق أنثوي يخرج عبر شفتيها الوردية، هزمته جيوش فيضان مشاعره. وسار إليها ووقف أمامها. وقبل أن تكمل حديثها، انحنى إليها ولعب بشفتيها بنيران الشوق، فأضاءت بلمستها مصابيح الكمال بقلب رجل متشقق من الخذلان. حاوط خصرها مثلما تحاوط الشمس البحر وقت الشروق. رفع يده وحرر شعرها لينسدل عليها مثل شلالات بلون الرمال، ليسبح بإصبعه بين الموج والأخرى. أما هي، فعجزت تماماً عن التحرك. فهذا الشعور العازف الذي يجمعهما بمثابة موسيقى هادئة وسط ليلة ممطرة يأسرها.
وبعد ثوانٍ، ابتعدا عنها بعدما نفذ الهواء من رئتيهما. فسندا جبينه على جبينها، يتبادلان لهفة الأنفاس بصدور تتصاعد بنبضات متمرة بحرارة التذوق. ثم انحنى عليها ليكمل ما بدأه، لكن أحدهم فتح الباب عليهما، فاستدار "جواد" بعين تجحظت بشراسة لمن يقف أمامهما.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السادس 6 - بقلم لادو غنيم
ابتعدت ريحانه عنه حينما فتح كريم الباب عليهما. نظر له الآخر بصرامة:
"إنتَ إزاى تدخل كدا من غير إستئذان؟"
تراجع الصغير للوراء بقلق.
"كنت بدور على أي حد أكلمه، كنت خايف."
أسرعت بالسير عند الصغير، ثم جلست علي عقبيها أمامه تسأله ببسمة لتخفف عنه ذلك القلق:
"إنتَ هنا عندي في البيت بتاعي، ماتخفش. إيه رأيك لو تيجى نشوف اكل عشان نفطر سوا؟"
"ماشي، أنا أصلاً جعان أوي."
داعبت وجنتيه قائله:
"و أنا كمان جعانه، يالا بينا."
نهضت وأمسكت بيد كريم وذهبت برفقتهُ للأسفل.
أما جواد، فاخذ نفساً عميقاً فرغهُ في الهواء ليخفف من إشتعال جسدهِ الذي يطالبه بالمزيد من قربها. كانَ يشعر بالإستحسان لدخول كريم في تلك اللحظة عليهما لينهي ذلك التشابك الذي لم يكن يدرك إلى أين سياخذهما.
بعد عدة دقائق بالمطبخ، قد أعدت ريحانه الفطور المكون من البيض والجبن والفول والبطاطس المقرمشة واللبن. حملت جميع الاطباق على صينيه، وحملتها وخرجت، ثم وضعتها على الطاوله بحجرة الطعام، وجلست بالمقعد المجاور لكريم وبدأت باطعامهُ. تناوله لقمه وتتناول مثلها.
وبعد ثوانٍ معدودة، سمعت صوت الباب، فنهضت وذهبت عند الباب، وأمسكت بالمقبض وفتحت الباب لتجد نهى تقف أمامها بتنوره بنيه وبلوزه حمراء وحذاء أحمر بكعب عالٍ وبشفتاها حمرة شديد اللون. فناظرتها بإستفهام:
"نعم، عايزه حاجة؟"
دخلت نهى ببروداً:
"ااه، عايزه أقابل مرات جواد بيه."
ريحانه ببسمة عفوية:
"أنا ريحانه مرات جواد."
مررت عليها نظرها من الأعلى للأسفل بتقزز:
"بقا أنتِ مراتهُ؟ وحشه أوي؟"
"أومال إيه؟ قمر، دانتِ متجيش حاجة جنب حلاوتي."
ضيقت عينيها مستفهمه:
"أنا مش فاهمه حاجة!!"
"مش لازم تفهمي. قوليلى فين جواد؟"
أشارت للإعلى بسبابتها بعفوية:
"فوق، بيغير هدومه. تحبى أقوله مين؟"
أبعدتها عن طريقها قائله وهي تصعد إليه:
"متتعبيش نفسك، أنا هقوله بنفسي!"
أغلقت الباب بلامبالاه واتجهت لحجرة الطعام، وعاودت الجلوس بجوار كريم.
"مين الست اللي دخلت دي؟"
"معرفش، كانت بتسأل عن جواد."
"طب هي ليه طالعة فوق؟"
"مش عارفه، هي سالتني عنهُ، ولما قولتلها أنه فوق زقتني وطلعت عنده!"
قطب الصغير حاجبيه بتعجب:
"طلعت عند جوزك، وإنتِ سبتيها؟ أول مرة أشوف وحدة تسيب ست تطلع عند جوزها عادي كدا. إطلعي شوفيها بتعمل إيه. الوليه دي بتفكرني بالست نوسه اللي المعلم كان بيخون مراته معاها."
ضيقت عينيها مستفهمه:
"يعني إيه خيانة؟"
ضرب الصغير جبهتهُ بإستسلام:
"ده البت سوما بنت عم محمد البواب اللي عندها عشر سنين هي اللي عرفتني يعني إيه خيانة، وإنتِ إزاي مش فاهمه؟ بصي يا ريحانه، خيانة يعني عم جواد هيعمل معاها الغلط."
"يعمل معاها الغلط ازاي؟"
"يعمل معاها زي ما كان بيعمل معاكِ لما دخلت عليكم."
فزعت من فوق مقعدها تقطب حاجبيها بتساؤل:
"إيه دا؟ هو يعرف يعمل كدا مع حد غيري؟"
هرش كريم حبينهُ بغرابة:
"مش عارف، بس أيوه، مش هو راجل."
"مش عارف."
تحمحمت بحرج:
"مش قصدي، أنا قصدي مش عارفه يقدر يعمل كدا مع غيري ولا لأ؟"
"إنتِ لسه هتفكري؟ إجري يا حاجة شوفي جوزك قبل ما يتعلقه منك الوليه أم زمبلك دي."
على ما كمل فطار، أشارت علي كوب الحليب قائله بتأكيد:
"تشرب اللبن كله، أوعى تسيب حاجة في الكوبايه."
"ماشي."
وافق الصغير على حديثها، ثم إستدارت لتذهب إليهما.
أما بالإعلى، فقد خرج جواد من الحمام بعدما إغتسل. كانَ يقف إمام المرايا يجفف شعره بمنشفة صغيرة، ويستر جزعه السفلي بمنشفة بيضاء. وعندما إنتهى، إستدار فتفاجئ بوقوف نهى أمامهُ. فتطايرت حممهُ البركانية، وأمسكها من منتصف ذراعها بصرامة:
"إيه اللي جابك هنا؟"
لوت فمها بأنوثة ورفعت يداها تضعهما على صدرهُ:
"وحشتني، فقولت أجي أشوفك."
نظر ليدها بأمر:
"أبعدي إيدك، وغوري من هنا."
"أمشي؟ لاء، هو أنا عبيطة عشان أضيع فرصة زي دي."
أنزلت عينيها بوقاحة للمنشفة الساترة لنصفهُ السفلى، ومدت يدها وأمسكت بها لتنزعها بعيداً عنه. لكنه أمسك بيدها وألقى بجسدها للوراء مشيراً بسبابته لوجهها بتحذيراً صارم:
"ع الله تتخطئ حدودك بعد كدا، عشان المرة الجاية هزعلك. يالا، ارجعي على شقتك. حسابك معايا بعدين."
بتلك اللحظة دخلت ريحانه تناظرهما بتساؤل:
"في حاجة؟"
جواد برسمية:
"مفيش، الضيفة هتمشي."
وسعلها.
"إبتعدت عن الباب."
فرمقتها نهى بغضب وهمت بالذهاب وغادرت القصر.
أما جواد، فأمسك بذراع ريحانه يعاتبها بصرامة:
"إنتِ إزاي تخليها تدخل عليا الأوضة كدا؟ إنتِ إيه، معندكيش مخ؟"
ريحانه بارتباك:
"مكنتش اعرف إنك هتضايق. هي زقتني وقالتلي إنها هتطلع لك بنفسها."
"وهو أي حد يقولك هيطلع لي، تسبيه يطلع عادي؟"
لوت فمها بندم:
"أسفه."
ألقى يدها وإستدار يفرك وجههُ بحنقاً من تصرفها الغبي. فزادت من غضبهُ حينما تفوهت:
"اللي عملته معايا قبل ما كريم يدخل عندنا، عايزاك تكمله دلوقتي عشان تقدر تطلقني."
إستدار لها بعين تجحظت ببسمة ساخرة يملؤها الغضب:
"ااه، أكمل الحكاية كلها عشان نخلص بدري بدري وترجع السنيورة للكلب بتاعها. تمام، أنا هعمل اللي أنتِ عايزاه، لكن مش هطلقك. إيه رأيك بقا؟"
تنهدت بمعارضة:
"أنا مش فاهمه، إنتَ ليه بتعمل كدا؟ فيها إيه لما تقرب مني وبعدها نطلق بقى؟"
سخافة حديثها جعلته يثور مثل الأسد الجامح، وجذبها من خصرها بقسوة عليها بأصابعهُ التي تشبه الخناجر، تمزق نسيج خصرها، وعينيه تقاتل عينيها بسهام الكبرياء التي مزقتها:
"أنا مش لعبة تحركيها على مزاجك؟ قولت هالك قبل كدا، إنتِ مسجونة عندي وسجنك مش هيتفك مهما عملتي. أما بقى حوار إني أقرب منك أو لاء، فده بمزاجي مش بمزاجك!!"
دب الخوف بقلبها من طلتهُ القاسية، فاومأت بموافقة بخوفاً. فظل ممسكاً بها بذات القسوة، يحادثها بخشونة:
"مهما كانت لعبتك، فخليكي متأكده إن مش على آخر الزمن هتيجي عيلة زيك تلبسني قرون وتمشيني على مزاجها. إنتِ متعرفيش جوايا إيه من نحيتك؟ بالله اللي جوايا ليكي كفيل يحرقك حية. أنا بصبر نفسي عشان مأذيكيش، بقول لنفسي حرام دي مهما كانت مراتك ورسول الله قال (رفقاً بالقوارير). شوفي إنتِ بقا أنا برفق بيكي حتى بعد اللي عرفته منك. المفروض تخلي عندك دم وتبطل تجيبلي سيرة الخروف بتاعك وتحمدي ربك إني لسه سايبك عايشة."
إكتفت بتحريك رأسها. فترك خصرها وإبتعد عنها يأمرها بضيق:
"إطلعي بره، مش طايق أشوف وشك، يالا على بره."
لم تنتظر كثيراً بل أسرعت بالخروج، وتركته ليجلس فوق فراشه يشعل سيجارتهُ ليفرغ غضبهُ بدخانه. فتلك الساذجة أشعلت حممهُ لأعلى درجة، فما تتفوه به كفيلاً بجعلهُ يقتلها.
بذات الوقت لدى هشام، يقف عند باب قصرهم يتحدث مع والدتهُ الماثلة أمامهُ:
"أنا مش هسيب غنوه، هدور عليها لحد لما ألاقيها هي وابني."
"باحت برسمية: من إمتى كنا بنسيب لحمنا؟ بس إحنا لسه منعرفش إذا كان الواد ابنك ولا لاء."
"ابني يا أمي، أنا متأكد إنه ابني."
"ماشي يا هشام، دور عليهم وهاتهم، بس من غير ما تأذي جواد. كفاية اللي عملناه معاه ليلة فارس، أنا لحد دلوقتي زعلانة من نفسي بسببك."
إنحنى وقبل يدها بإعتذار:
"حقك عليا، عارف إني غلطان بس كان غصب عني. المهم عندي إنك متعيدش الغلط تاني."
هشام بتأكيد:
"متقلقيش، اللي حصل مش هيتكرر تاني. عن إذنك، هروح الشغل، عندي حاجات مهمة لازم أخلصها النهارده."
"طريق السلامة."
ودع والدتهُ وركب سيارتهُ وذهب لمكتبهُ. وحينما وصل، كان همام ينتظارهُ. فنزل من السيارة متسائلاً:
"مش عوايدك تيجي من غير معاد."
عقدت ملامح الآخر بحنق:
"جيت عشان أبلغك إني مش هسكت على اللي عمله جواد في ابني."
هشام متسائلاً:
"جواد عمل إيه يعني؟"
"الظابط اللي مش همه حد، خبط ابني وكسره عشان المأمور قرر إنه يخرج ابني من حبس جواد ليه، بس طبعاً ابن الهلالي معجبوش الكلام وخبط ابني. بس أنا مش هسيب حق ابني."
قطب جبهتهُ بإستفزاز:
"أيوا يعني إنتَ جاي تبلغني إنك مش هتسيب جواد وهتربيه على عملته مع ابنك؟ تمام، جواد في بيت عمي رضوان، إتفضل روح له لو قدرت تعمله حاجة وريني."
ضيق عينيه بتقاتل:
"إنتَ مش همك كلامي وبتتحداني؟ دا بدل ما تطيب خاطري وتراضيني."
هشام بصرامة:
"أراضيك وأنا سمعك بتهدد حياة أخويا. بقولك يا همام، أي حركة غدر هتحصل منك لجواد هتلاقيني في وشك، وبردلك الضربة مية. استهدي بالله كدا واحمد ربنا إن ابنك بخير."
همام بمعارضة:
"كان نفسي أقولك ماشي، بس يا خسارة، متعودتش إني أسيب حقي."
هتف بتهديد خفي وذهب.
أما هشام، فأخرج جواله وأجرى إتصالاً على أحدهم قائلاً بأمر:
"تطلع إنتَ واربعة معاك على المستشفى تأمنوا أوضة فارس باشا، وأي حد يحاول أن يتعرضله تصفوه من غير تفاهم. لو فارس جاله حاجة مش هرحم حد فيكم."
أغلق المكالمة، ثم أجرى إتصالاً آخر على جواد الذي يقف بتراث حجرتهُ. وحينما سمع الجوال، ذهب للداخل وحملهُ من فوق الكومود، وقال مجيباً بجفاء:
"عايز إيه؟"
هشام بتجذير أثناء إتجاههُ لداخل مكتبهُ:
"خلي بالك، همام ناويلك على الشر وناويلك على الغدر."
تجعدت ملامحهِ بإستعدادً يحتويه الحنق:
"يا أهلاً بيه، في إنتظاره من يومين."
جلس الأخر على طاولتهُ هاتفاً:
"أنا بعت حرس على المستشفى عشان يأمنوا فارس، وإنتَ هات مراتك وتعالى على القصر الكبير خلينا مع بعض أحسن."
"مش هسيب بيتي، واللي عاوز يتعرضلي يتفضل، بس ميبقاش يرجع يعيط عاللي هيحصله."
أغلق المكالمة بوجه هشام، الذي هتف بحنق:
"مش فاهم، هتبطل إمتى نشفان دماغك."
نهض من على مقعده وأسرع بالخروج وركب سيارتهُ.
أما بالمشفى، لدى فارس، فقد إستقرت حالتهُ وكان يجلس على تختهُ متحدثاً مع السيدة بهيه الهلالي عمتهُ، ومعها أبنتها نسمه. الأتانى أتيا من القاهرة للإطمئنان عليه.
"مكنش في داعي لتعبك يا عمتي."
بهيه ببسمة:
"متقولش كدا عشان مزعلش منك، ده إنتَ ابن أخويا يعني في مقام ابني."
تدخلت نسمه متحدثة بذات بسمة والدتها:
"حقيقي اتخضينا لما عرفنا اللي حصلك، بس الحمدلله طلعت كويس. أنا صليت كتير ودعيتلك المسيح عشان تخف وتبقا كويس."
لم يستغرب حديثها، فهى ليست مسلمة، أنها مسيحية. فقال ببسمة:
"وياترى عمتي كنتِ بتصلي وتدعيلى؟"
بهيه مؤكدة:
"طبعاً، أنا كنت بصلي الفجر حاضر وأقرأ لك سورة يس، والحمدلله ربنا استجاب لدعائي."
فرك شعرهُ ببسمة إستفهام:
"علاقتكم غريبة أوي، عمتي مسلمة أما بنتها مسيحية؟ مش فاهم إيه اللخبطة اللي عملناها دي."
تبسمت بهيه ووضحت الأمر ببساطة:
"للمرة المية هحكيلك الحكاية، أنا مسلمة لكن حبيت شاب مسيحي اسمه بطرس، وهو حبني، وعشان يتجوزني كان لازم يبقى مسلم، فأسلم وبقى اسمه المحمدي. وبعد الجواز حملت في نسمه، ولما اتولدت المحمدي قرر أنها تبقى على نفس ديانة أبوه وأجداده لأنه من جواه بيحب ديانته، عشان كدا نسمه بقت مسيحية."
أومأه بتفهم. أما نسمه فقالت بأضافة:
"الموضوع ده بشرحه حوالي عشر مرات يومياً لكل الناس اللي بتجيلنا المجلة، ولما بيعرفوا اسمي الغريب (نسمه المحمدي بطرس أبرام) مبيبطلوش أسئلة. بمناسبة الشغل في المجلة، أخبارك إيه؟"
"تمام، شغلة الصحافة مش سهلة، خصوصاً إني لسه مبتدئة ومحتاجة أعمل موضوع يخليني أضرب كدا في المجلة عشان يبقالى وضع واسم. المهم سيبك مني وقولي أخبار روايتك الجديدة إيه؟"
"لسه محضرتش فكرتها، لما أتعافى هبقى أفكر في حاجة جديدة عشان تحقق نجاح كبير."
ربتت بهيه على ساقهُ بدعم:
"إن شاء الله يا حبيبي. قولي بقا، اومال فين جواد؟ عايزة أشوفه، وحشني."
"جواد لا إما في الشغل يا إما في بيت أبونا رضوان مع مراته."
قطبت جبهتها متسائلة:
"هو جواد اتجوز؟!!"
"أيوه، من يومين."
"من غير ما يقولي؟ ماشي يابن رضوان، حسابك معايا."
تبسم أخيه بقولاً:
"الموضوع مكنش مترتبله والجوازة تمت بسرعة عشان كدا ملحقش يقولك."
أومأت بتفهم، وظلوا يتسامرون الحديث حتى أتت معالي وصافحت الجميع بمحبة وجلست قائلة:
"طمني عليك يا حبيبي، بقيت كويس."
فارس بجدية:
"الحمدلله، أحسن كتير."
"طب الحمدلله. منورة الصعيد يا بهيه."
بهيه ببسمتها التي تشبه كنيتها:
"منورة بأهلها. حقيقي وحشاني يا معالي. مانتِ اللي مبتسأليش علينا."
"معلش، مشاغل بقا. المهم قوليلي، مش ناوين تيجوا تعيشوا معانا في القاهرة؟ متنسوش إن فوزي عايش في القصر الكبير وبيدير الشركة اللي أنتو رامينها خالص وصحته مبقتش زي الأول."
معالي بجدية:
"فوزي هو اللي سابنا ومشي من لما هدى مراته ماتت، وهو اللي طلب إنه يمسك الشركة اللي هناك. حتى لو دا حصل، بس لازم جواد وهشام وفارس يروحوا يقفوا جنبه. متنسيش إنه عمهم الكبير وربنا مكرمهوش بالأطفال وكان دايماً بيعتبر عيال أخوه يبقوا عياله."
فارس بتخطيط:
"من قبل ما حضرتك تتكلمي عنه، أنا كنت ناوي أنزل أعيش معاه لأن جو الصعيد مبقاش مريح ليا."
"خير ما هتعمل يا فارس، عمك هيفرح جداً بوجودك. وأنا هتكلم برضه مع جواد وهشام وهشوف رأيهم إيه في موضوع عمهم."
تبادلت نظرات التخاطب مع معالي والباقين، وتحدثوا في عدة أمور مختلفة.
أما لدى هشام، فقد وصل لبيت جواد، وفور أن نزل من السيارة أتاه إتصالاً من الرقم المجهول، فأجابه سريعاً:
"عاوز إيه؟"
"قولتلك قبل كدا، إنتَ اللي عاوز."
"على فكرة غنوه بتسلم عليك، كنا لسه امبارح جايبين في سيرتك."
إنتفض قلبهُ بشوق:
"قولي على مكانها، أنا نفذت كل طلباتك."
"قولتلك لسه بدري على موضوع عنوانها، بس عشان إنتَ حبيبي هقولك نبذة صغيرة. غنوه وابنك موجودين في القاهرة، إنما فين بقا في القاهرة، فده مش هتعرفه دلوقتي."
صاح بزمجرة:
"إنتَ مين؟ وإنتَ بتعمل كدا ليه؟"
"ما قولتلك كل حاجة هتعرفها في أوانها. المهم أنا بكلمك عشان أقولك على حاجة مهمة."
"إيه؟"
"ريحانه تتخطف."
تجحظت عينيه برهبه:
"إنتَ بتقول إيه؟ مستحيل."
"فكر قبل ما تجاوب. تتخطف، تختفي عن حياة جواد وتظهر في الوقت اللي أنا أقول عليه."
أغلق الجوال بوجه المتحدث، فوجد جواد يتقدم إليه متسائلاً:
"إيه اللي جايبك هنا؟"
التوتر كان يحتل كيانهُ مما أثار فضول الآخر ليقولهُ متسائلاً:
"مالك؟ في إيه؟"
هشام قائلاً بصوتاً مرتبكاً:
"الشخص المجهول اللي بيكلمني لسه قافل معايا حالاً، وطلب مني أخطف مراتك ومرجعهاش ليك غير لما يقولي."
تناثرت الدماء الساخنة بين عروقهُ وتجحظت عينيه مجيباً:
"منفذتش ليه عشان توصل لغنوه وابنك؟ عشان مش هعيد الغلط تاني. مش هاذي مراتك. خليني أكلمه."
"ليه؟"
"إنتَ عاوز غنوه وابنك، أنا هعرف أوصل ليهم من غير ما حد يتحكم فينا ويوقعنا في بعض. لو واثق فيا، إديني التليفون."
تعمق هشام النظر بعين إبن عمهُ، ولم يأخذ وقتاً بالتفكير، بل أعطاه الجوال على الفور. فتأكد جواد من حسن نيتهِ وأخذ الجوال واتصل على ذلك المجهول الذي أجابه بعد ثوانٍ بحنق:
"بتقفل في وشي التليفون؟ إنتَ ناسي إن روحك في إيدي."
"الروح ملك اللي خلقها، مش ملك العبيد."
إعتدل المجهول من على مقعدهُ متسائلاً بشك:
"مين اللي بيتكلم؟!!"
هتف جواد ببحة هادئة مفخخة بحنق:
"اللي هيجيبك راكع تحت رجلينا. بقولك إيه، الحق عيش لك يومين حلوين عشان يوم ما إيدي تطولك بالله مهرحمك. أما بقا ابن أخويا اللي عندك، لو فكرت إنك تلمس شعرة منه، هتلاقيني في وشك بطلع قلبك في إيدي."
أثاره غضبهُ الناري، فنهض من على مقعدهُ بشراسة:
"بلاش فتحت الصدر دي، عشان لو عاوز أموتهم دلوقتي هموتهم ومش هيهمني تهديدك. إنتَ متعرفش أنا مين وأقدر أعمل فيك إيه!"
"اللي تقدر عليه، إعمله. بس أوعى لا تتعب، عشان أنا مبقعش بسرعة. عامل زي الخيل، كل ما بقع بقوم وأجري أحسن من الأول."
حاول كبت غرورهُ وقال بـدساسة:
"طب ياترى الخيل عارف إنه مجرد محلل لمراته؟ أنا بس بعرفك عشان متبقاش عايش مضحوك عليك من حتة عيلة صغيرة."
ضربة نبضاتهُ صدرهُ بقوة معلنة عن تلك الثورة الداخلية، وتجحظت عينيه مجيباً بجفاء قاتل:
"كده ظهرت إنتَ الكلب اللي كان متجوزها."
سار حتى وقف أمام المرايا ينظر لحالهُ ببسمة إنتصار:
"بالظبط كدا. أنا جوزها السابق اللي هاخدها منك بعد ما تتمم مهمتك وتقضي ليلتك الحلوة معاها. بس خدها نصيحة منى، عاوزك تبسطها على الآخر عشان هي بتموت في الانبساط."
قبض على أصابعهِ بغلاظة يفرغ بعضاً من غضبه:
"لاء، من ناحية الانبساط متقلقش، هروق لك عليها على الآخر لدرجة إنها بعد الليلة اللي هتقضيها معايا هتحس إنك كنت لمؤاخذة متفرقش حاجة عن النسوان. أصل الخيل غير الحمير اللي زيك."
ياسر بجفاء:
"ريحانه بتاعتي، وهرجعها ليا. أما بقا جو الحمار والحصان، فمظنش إنها هتعرف تفرق بينهم، لأنها مجرد عيلة مش فاهمه حاجة."
جواد بإستفزاز:
"تؤ، عيلة أه مش فاهمه حاجة برضه أه، إنما مش هتعرف تفرق دي حاجة مستحيلة، عشان أنا مبتنسيش، أدائي يدخلني موسوعة جينس. ويكون في علمك، مراتى، شيلها من عقلك لإني مش ناوي أسيبها. وشكراً لأنك كنت السبب في جوازي منها. سلام يا ياسر، مش اسمك برضه ياسر؟"
صق على إسنانهُ بزمجرة:
"مش هسيبك، خليك فاكر كويس الصوت دا عشان اللي جاي مفهوش رحمة، وريحانه هاخدها يعني هاخدها."
"بالله لو اسمها اتذكر على لسانك الوسخ دا تاني، أنا اللي مش هرحمك، وخليك فاكر إن لعبتك معايا هتنتهي بدمارك إنتَ وأهلك."
أغلق الجوال بوجه ياسر، الذي ثار مثل الثور، يكسر محتويات حجرتهُ بجنون. أما هشام، فأخذ الجوال قائلاً:
"إنتَ تعرفه؟"
معالم وجههِ كانت ثائرة، بأنفاس ساخنة تخرج من فمهُ محاولاً تهدأت ما سمعهُ عنها من ياسر. ذلك الحديث الذي ضخ الغضب بشحنة نارية لجميع عروقهُ، وهتف ببحة جشة:
"مشفتهوش قبل كدا، بس بيني وبينه تار لازم أخلصه. ومتسألش إيه التار اللي بينا لأني مش هقدر أجاوبك عليه."
"وأنا مش هسألك، بس قولي ناوي على إيه؟"
"من بكره هسافر على القاهرة، هعيش مع عمك فوزي، وهتولى إدارة الشركة اللي هناك لحد لما أخليها من أكبر شركات السوق، عشان أقدر أوصل للكلب ده."
هشام مستفهماً:
"هتسافر وتسيبنا وتسيب شغلك؟"
جواد بجدية:
"لاء، لازم تيجوا معايا عشان نبقى إيد واحدة، وكمان عشان نقدر نوصل لابنك. أما الشغل، فهتكلم مع المأمور وهطلب أجازة."
لم يتنهى من حديثهِ، ولقيا جواله يدق برقم المأمور الذي يجلس أمامهُ همام.
جواد برسمية:
"أهلاً يا فندم."
المأمور بحده:
"لا أهلاً ولا سهلاً. إنتَ موقوف عن العمل يا حضرة الظابط بسبب تخطيك للقانون. وصدم إسلام همام بعد خروجه من القسم: إحنا راجعنا الكاميرات وشوفنا اللي عملته."
لم يهتز بتاتاً، وكأنهُ لم يسمع شيئاً أزعجهُ:
"تمام يا فندم، في كل الأحوال أنا كنت ناوي أبعد عن الشغل تماماً."
"يعني إيه تبعد؟ إنتَ مفكر نفسك شغال في سوبر ماركت؟ تسيبه وقت ما تحب."
تعمد الجمود:
"لاء، سوبر ماركت إيه؟ السوبر ماركت فيه نظام وأمانة وضمير عن القسم بتاعنا."
المأمور بغضب:
"هي حصلت لكدا؟ إنتَ اتوقفت عن العمل نهائي، وقرار رجوعك مش هيحصل غير لو جيت واعتذرت مني أنا وهمام بيه."
"للأسف، متعودتش على الاعتذار، خصوصاً لو مكنتش غلطان. مع السلامة يا فندم، وبلغ سلامي لهمام. بصراحة، كنت مفكرة راجل وهياجي يواجهني مش يروح يشتكيني زي العيال. بعد إذن سيادتك، مضطر إني أقفل عشان ورايا شغل مهم."
أغلق الجوال، ونظر لمرعى القادم إليه:
"ده إيه اللي جابه دا كمان؟ خير يا مرعى، في إيه؟"
إستقر بالوقوف أمامهُ بوجهاً عابس:
"المأمور وقفني عن الشغل وحولني للتحقيق."
قوس حاجبيه بغرابة:
"ليه كل دا؟"
"عشان دخلت عليه، وكان بيتكلم هو وهمام بيه بطريقة وحشة عنك، ولما دافعت عنك قدامهم زعقلي وطردني بعد ما حولني للتحقيق، وواقفني عن الشغل. بقيت مشرد بسببك."
فرك لحيتهِ بإستسلام:
"قدري يا مرعى، ورايا وورايا. أمري لله، هاخد لك معايا القاهرة تشتغل في الشركة."
مرعى بعبث:
"وياترى هشتغل إيه؟ ماهو أنا مبقاش مطرود ومتشرد بسببك، والآخر تشغلني شغلانه أي كلام؟ ما تمسك ميكروفون وتذيع فيه، وسمع الناس إني كنت السبب."
"إيه يا مرعى؟ هتذلني؟"
"مش الفكرة يا باشا، الذل والفضاياح هتحصل كدا كدا، متشلش هم. أنا بس عايز أعرف منصبي هيبقى إيه، عشان لو اتعرض عليا حاجة أحسن أقدر أميز."
صق على إسنانهُ بزمجرة:
"كفاياك كلام، لما نسافر نبقى نتكلم، أنا دلوقتي مشغول ومش فايق لك."
مرعى بتنهيدة عابثة:
"اللي جاي بنا مش مبشرني. بس سؤال أخير."
"إرغي."
مرعى مستفهماً:
"لما هسافر معاكم هعيش فين؟ مانا ماليش أهل في مصر، ده غير إني ممعيش فلوس عشان أأجر أوضة، وكل دا لإني بقيت عاطل ومتشرد وكمان متحول للتحقيق بسببك."
قطمَ بحنق على شفاه السفلية ثم هتف:
"هاخدك تعيش معانا مكان ما هنعيش يا مرعى. كفياك كلام بقا."
تبسم برضا:
"كدا ضمنت شغل وسكن، عقبال بقا ما ألاقي العروسة ونجيب جواد بيه صغير نسميه على اسمك."
"إمشي من وشي، أنا ضغطي بقى واصل للسما بسببك. روح تلم حاجتك وتبقى هنا بكرة الساعة خمسة الفجر عشان نسافر. بالله لو اتأخرت ثانية عن المعاد همشي وأسيبك."
مرعى ببسمة تخطيط:
"لاء، متشغلش بالك، أنا هروح أجيب الهدمتين بتوعي وهاجي أبيت هنا في الجنينة عشان نسافر بدري بدري. ياه، جايلك يا مصر، جايلك يا حريم مصر، يا عيني على الكنافة بالقشطة اللي هتتلحوس بيها يا واد يا مرعى."
نفذ رصيد الصبر لديه، فصرخ بصرامة منعقدة بشراسة بصرية:
"غور من خلقتي قبل ما أرتكب جناية."
ذهب مرعى بعبث يتمتم:
"مش بقولك مش مرتاح للي جاي بنا، يعني مطرود ومتشرد بسببك، وكمان مش عاجبك، ده إنت مفتري."
جواد بحنق:
"مش ناوين نخلص من برطمت الحريم، شكلها كدا مكملة معانا."
نظر إليه بتزمت:
"حتى برطمتي مش عاجباك؟ مش بقولك مش مرتاح للي جاي بنا."
إستدار وأكمل سيره. أما هو فنظر لهشام بجدية:
"لو هتسافر معايا، تحضر حاجتك وتستناني على مدخل البلد الساعة خمسة. إنما لو عاوز تفضل هنا، إنت حر."
قاله ما لديه ودخل للقصر. أما هشام فركب سيارته واتجه للمشفى. وحينما وصل، صعد لحجرة فارس، فوجد لديه معالي وبهيه ونسمه. فالقى التحية وصافحهم جميعاً. فضمتهُ السيدة بهيه بمحبتاً:
"وحشني يا هشام، أخبارك إيه يا حبيبي؟ كنت لسه جايبه في سيرتك إنتَ وجواد."
بعدما بادلها العناق، إبتعد عنها قائلاً:
"أنا بخير الحمدلله. أخبار حضرتك إيه؟"
"أنا بخير الحمدلله، كله تمام."
إستدار وعانق فارس بمحبة أخوية:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
بادله العناق بذات المحبة:
"الله يسلمك يا إتش."
معالي ببسمة رضا:
"ربنا يبعد عننا الشيطان ويديم المحبة بنا."
التفت هشام لهم بقراراً:
"جواد هيسافر بكرة هو ومراته وفارس القاهرة. قرر إنه هيعيش هناك في القصر الكبير عند عمي فوزي، وهيتولى إدارة الشركة."
دبت التساؤلات على وجوه الجميع، فابدت معالي سؤالها أولاً:
"يسيب الصعيد ويروح مصر؟ طب ليه؟ وشغله هيعمل فيه إيه؟"
هشام برسمية:
"حصلتله مشكلة في شغله، وسابه مؤقتاً. المهم إني قررت إني أسافر معاه وأدير شركتنا معاه."
تبسمت السيدة بهيه:
"عين العقل، عمكم فوزي هيفرح جداً بقراركم."
معالي بإستفسار:
"طب وشغلنا هنا وأراضينا هنعمل فيهم إيه؟"
"متشغليش بالك بالموضوع دا، هخلي حد يدير الأراضي ومكتبي هقفله وهحول كل شغله للشركة بتاعتنا. هاا، موافقة تسافري معانا؟"
تنهدت برسمية:
"وأنا من امتى سبت عيالي يبعدوا عني؟ رجلي على رجلكم."
"تمام، لازم نمشي دلوقتي عشان نلحق نحضر شنطنا عشان هنتحرك الساعة خمسة الفجر."
"ماشي، يالا خلينا نمشي. وإنتِ يا بهيه، خلي بالك من فارس."
السيدة بهيه بطمئناينه:
"متقلقيش عليه، مش هسيبه. أنا في كل الأحوال هسافر معاكم. إنتو ناسيين إني عايشة مع فوزي من ساعة ما المحمدي جوزي مات."
هشام بجدية:
"تمام يا عمتي. أنا هتواصل مع جواد وأشوف مين فينا اللي هيعدي عليكم، وهبقى أتصل وأبلغك."
السيدة بهيه بهدوء:
"ماشي يا حبيبي، في انتظارك."
غادروا ليحزموا أغراضهم قبل مرور الوقت.
بالمساء الساعة الحادية عشر مساءً، بحجرة نوم جواد، دخلت ريحانه فوجدته يمسك بتيشرت النوم الأسود يرتديه. فلمحت طرف ذلك الوشم الغريب. فاستدار لها بصرامة محدثها، فلم تفارقهُ أقاويل ياسر:
"مالك متنحالى كدا ليه؟ غوري من وشي."
تراجعت خطوة للوراء بقلق:
"أنا كنت جايه أقولك إن كريم نام. عايزانى أعمله إيه يعني؟ مش فاهمك."
هتف بصرامة، فتلربكت:
"إنتَ قولتلي متدخليش الأوضة غير لما ينام، فكنت بعرفك إنه نام عشان كدا دخلت."
جلس على حافة الأريكة يفرك مدمع عينيه بحنق:
"ماشاء الله عليكِ، بتنفذي الأوامر على أكمل وجه. عشان كدا الكلب بتاعك متمسك بيكِ."
اتسعت عينيها ببسمة شوق:
"ياسر، هو جه هنا؟"
أغمض عينيه يصق على أسنانهِ بشراسة كادت تكسرها، وفزع من مجلسهِ يقترب منها بعين تتطاير منها سهام الحنق، المخففة ببحتهِ الصارمة:
"للدرجادي الكلب بتاعك وحشك؟ طبعاً ماهو مالى إيديه منك وعارف إنك جارية بيحطها مكان ما يحب ويقدمها هدية لأي راجل غيره. كلما اقترب منها خطوة، ابتعدت خطوتين للوراء حتى التصقت بالخزانة، بجسد يرتجف من بحتهِ وطلتهِ. أما هو فوقف أمامها يناظرها برخصاً:
"حبيب القلب قال لي إنك بتحبي تتبسطي ع السرير. ياترى في واحد بيحب واحدة يروح يقول لراجل غيره ابسطها حتى لو كان جوزها؟ إنتِ مجرد واحدة بتشبعه وقت شهواته بتبسطه مش أكتر من كدا. بس شكلك كنتِ بتعرفي تبسطيه كويس أوي عشان كدا متمسك بيكِ. ماتوريني حاجة من مهاراتك، ولا أنا مش عاجبك؟"
فرت الدموع من عينيها بحسرة تمزق قلبها، تلهث أنفاسها بصعوبة:
"إنتَ ليه بتحاول توجعني كدا؟ أنا مش فاهمه ليه بتكرهني أوي كدا؟ وعايزني أشوف نفسي زي غوايش مرات أبويا؟ أنا مش غوايش ولا عمري هكون زيها، أنا ريحانه، سامعني؟ أنا ريحانه."
قطب جبهتهُ بإستفزاز يغطيه التقليل:
"متفرقيش عنها كتير، نفس الطينة بس الأشكال مختلفة."
ريحانه باعتراض باكية:
"لاء مش زيها، أنا عارفة ربنا وعمري ما غضبته مني، ومش ذنبي إنك اتجوزتني، مش ذنبي تشيلني ذنب حاجة معملتهاش."
جذبها بقوة من منتصف ذراعها يلقي عليها كلماتهُ السامة، وهو كان في تاني عشان تعمليه:
"بالله يا ريحانه، لا أكرهك في نفسك عشان تعرفي قذارتك ولعبتك الوسخة مع الكلب بتاعك وصلتك لأيه."
ألقاها فاصتدم ظهرها بالخزانة، فتألمت دون صوت. أما هو فأطفأ الأضواء واتجه ليغفو على الأريكة، تاركها تجلس على الأرض تبكي في الظلام، حتى مرت الساعات عليهما.
ودقت الساعة الثالثة والنصف صباحاً، واستيقظت ريحانه على صوت منبه هاتف جواد. فنهضت وأشعلت الضوء واتجهت لمكان الهاتف المتواجد على الكومود وأغلقتهِ. ثم استدارت وسارت إلى جواد النائم على جانبه الأيمن. فانحنت لتيقظهِ، لكنها لمحت طرف الوشم يظهر من أسفل التيشرت عند الحمالة اليمنى، مما راود فضولها لتستكشف هويتهِ. وجلست على عقبيها، ثم رفعت يدها ولمست بأصابعها منكبهُ الأيمن، ففتح عينيه فور أن لمستهُ، لكنهُ لم يلتفت لها، فقد كانَ يود أن يعرف ماذا تفعل.
أما هي فحاولت أبعاد حمالة التيشرت ببطء لتنظر إلى ذلك الوشم، وبالفعل أبعدتها فظهر وشم العقرب، فضيقت عينيها بغرابة، فلم ترى شيئاً يشبههُ من قبل. فبدأت بالسير بمرفقها عليه تتفحصهُ، جاعلة جواد يغمض عينيه بكفاحاً للمساتها التي ستجعله يفقد صوابهُ. أما هي فأكملت ما بدأتهُ وزادت الأمر سوءاً عليه عندما بدأت بالحديث ببسمة تنغميه:
"إنتَ شكلك حلو أوي، عامل زي الناس اللي كنت بشوفهم في التلفزيون. شعرك ناعم وشكله حلو وعينيك ملونة أخضر لون الزرع، وعندك عضلات شكلها يخوف بس عجباني، وعندك رسمة غريبه على كتفك. تعرف إنت عامل زي أبطال أفلام المافيا، بس في حاجة واحدة ناقصاك، تضحك بشر زيهم. عارف مرات أبويا قالتلي على حاجات أعملها معاك، أنا بصراحة متحمسة أوي عشان أجربها، مع أنها غريبة وفيها حاجات مش كويسة، بس بجد متحمسة أوي لتجربتها معاك، بس مش فاهمه إنتَ رافض ليه؟ هو إنتَ مبتحبش الحاجات اللي قالتلي عليها؟ أيوه ممكن، أصلها حاجات غريبه أوي بصراحة، بس مش مهم، أنا مش مستعجله على حاجة، وقت ما تبقى عايز تجربها قول لي وأنا هوافق مش هقولك لاء. على فكرة الرسمة اللي على ضهرك لمستها حلوة اوي، حاسة إني بصحح رسمة."
ضربت العواصف الدافئة صدرهُ بنبضاتاً تقذفهُ بسهام الارتواء منها. حديثها ولمساتها مثل النيران تشعل جسدهُ بلهيباً يغزوه، مما جعلهُ يفزع من نومتهُ جالساً على الأريكة أمامها ممسكاً برأسها يلصق جبهتهُ بجبهتها، متنفساً بلهفة كادت تفجر رئتيه:
"أول وآخر مرة تقربي مني وأنا نايم! المرة الجاية مش ضامن نفسي."
شعرت بالرهبة من وجودهِ أمامها، فاومأت برأسها. فتركها ونهض متحدثاً ببعض الثبات:
"روحي صحي كريم عشان هنتحرك كمان نص ساعة."
ذهبت على الفور. أما هو فدخل للحمام ليغتسل. وبعد قليل كان يقف بالحجرة بعدما أرتدي ملابسهِ، يراها تجلس على الفراش بعدما أرتدت ثوباً زهري وحجاباً أبيض زادها جمالاً. فحجب عينيه عنها ليتفادى تأثيرها على مشاعرهِ، وجلس ليرتدي الحذاء.
ريحانه مستفهمه:
"هو إيه البتاع اللي مرسوم على ضهرك؟"
"وشم."
"يعني إيه وشم؟"
"حاجة بتتطبع على الجسم بالرسمة اللي نختارها."
"طب إنتَ راسم إيه؟"
"عقرب."
"عقرب؟ أيوه اللي بشوفه ساعات في الكرتون. وأنا بقول شفته فين قبل كدا. طب هو إنت ليه رسمت عقرب؟"
نهض بجفاء:
"مزاجي كدا. يالا قومي خلينا نمشي."
ريحانه بحزناً:
"هو إحنا هنسافر كتير؟ أنا نعسانه أوي وعايزة أنام."
جواد برسمية:
"ابقى نامي في العربية."
"حاضر."
إستسلمت للأمر وذهبت برفقتهِ ونزلا للأسفل، ومعهم كريم، وركبوا السيارة بعدما أنزل السائق الحقائب، وركبوا. مرعى بالمقعد المجاور للسائق، أما بالكنبة الخلفية جالس جواد وبجوارهِ ريحانه، وبجوارها عند الباب جالس كريم، وقاد السائق السيارة.
وبعد ساعه تقريباً، تقابلت سيارتهُ بسيارة هشام، الذي يجلس معهُ معالي وفارس والسيدة بهيه ونسمه. فأشار لهُ جواد بالتحرك ليبدأوا سفرهم. وبالفعل تحركت السيارتين خلف بعضهما. وبعد ساعه حيث السادسة صباحاً، كان مرعى نائم، وأيضاً كريم يغفو برأسهِ على قدم ريحانه. أما هي فقد كانت تغفو على منكب جواد، وتضع يدها اليمنى بين فتحات أزرار قميصهُ تحتضن تقسيمات معدتهُ. أما هو فكان ينظر لإنعكاس وجهها النائم بالمرآة، يتأمل جمالها السالب لعينيه، ويشعر أن شخصيتها مزيجاً عجيب لم يستطيع اكتشافها بعد، فبعض الأحيان تكون صلبة ومتفهمة، وفي البعض الآخر تكون طفلة لا تفقه شيئاً. تركيبتها الغامضة كانت تجذبهِ أكثر إليها ليستكشفها. ظلا يتأملها بالمرآة، وهو يشعر بحركة أصابعها بين الحين والآخر على عضلات معدتهِ، لكنهُ لم يزيل يدها عنه، بل تركها. فقربها منهِ رغم غضبهِ وإستيائهِ منها يجعلهُ يشعر بالراحة.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل السابع 7 - بقلم لادو غنيم
أنعكست ملامح الحياة السوداء بظلال هاوية، نبحث بعين مشققة بخطوات حمراء يكسوها الخوف عن هويتنا الضائعة. وكلما حاولنا لمس ظلالنا تنكسر المرأة مثلما ينكسر الثلج بمياه محرمة علينا. إلى متى سنظل هاوين مظلمين ننحدر بين سراديب القدر المعكوس بمرآة مظلمة سوداء تخبئ بظلمها وجوهاً ماكرة تدبر سراديب لضياعنا.
***
أتت الساعة الثانية عشر ظهراً حينما توقفت السيارتين داخل جراج القصر الكبير بالقاهرة، ونزلوا جميعاً. وذهب بعضهم للداخل حيث ينتظرهم السيد فوزي الهلالي باللايڤينچ القصر. أما بالجراج، فنزلت ريحانة بصحبة كريم بعدما أيقظهم جواد. وفور نزولهم تصادف وجهها بوجه هشام، فدارت الذكريات بعلقها، وتذكرت تلك الدقائق التي جمعتهما. فبدأ جسدها بالأرتجاف بملامح خائفة.
فشعر كريم برجفة يدها التي تحاضن مرفقهِ.
"مالك يا ريحانة؟ بتترعشي ليه؟"
التفت جواد يتفحصها ببصرهِ، فلاحظ اتجاه عينيها الناظرة لهشام، فعلم أنها تشعر بالخوف منهِ.
"متخفيش، هشام زي أخوكي. اللي حصل منه المرة اللي فاتت مش هيتكرر تاني."
شعر الآخر بالأسف حيال ما تسبب به من رهبة لها. فاقتربا خطوة للأمام هاتفاً برسمية:
"بعتذر عن اللي حصل مني. أوعدك أنه مش هيتكرر تاني. المرة اللي فاتت مكنتش بوعي."
لم تستطع الرد عليه، فما تعلق بذكرياتها لم يمحوه الاعتذار. علم هشام أنه لم يلقى منها إجابة، فصار من أمامهم. أما جواد، فصار أمامها مشيراً لها برأسهِ لكي تلحق بهِ. فلبت أوامرهِ.
وبعد دقائق، أصبحوا بالداخل. بدأ مصافحة السيد فوزي. وبعد أن انتهى من المصافحة، نظر إلى ريحانة التي يبدو عليها الإرتباك، فهي تخشى التجمعات. فاقتربا منها متسائلاً برسمية:
"يناظرها هي وكريم الواقف بجوارها: معرفتنيش مين دول؟"
حولت نظرها لجواد، الذي هتف برسمية متبادلة:
"ريحانه مراتي، وكريم طفل كفلته."
أومأ السيد بحركة رأسية تزامناً مع قوله:
"أهلاً بيكي، فرد جديد في عائلتنا."
هتفت بارتباك:
"شكراً. وأنت يا كريم، بقيت فرد كمان مننا بما أن جواد هيتكفل بتربيتك."
تدخلت بهية بأمر تحتويه البسمة:
"أنا كلمت امبارح فوزي وقولتله إنكم راجعين، وطلبت منه يخلى سامية وسيد يجهزوا لكم أوضكم. اتفضلوا معايا أوري لكل واحد أوضته. بس مكنتش أعرف موضوع كريم، عشان كدا بقا هيقعد مع فارس لحد لما نجهز له أوضة. ياله اتفضلوا معايا. ارتاحوا شوية على ما سامية تحضر الغدا."
ذهبوا جميعاً برفقتهِ. وبعد نصف ساعة، بحجرة نوم جواد، كان ممدداً بكامل ملابسهِ على الفراش مغمض العينين، يتناول قسطاً من الراحة. وبين الغفوة والإفاقة، سمعا صوتها يحدثهُ:
"أنا خايفة."
فتح عينيه ببطء، فوجدها تقف أمامهُ. فرفع يدهِ وفرك جبهتهُ بأرهاق، يتمتم برسمية:
"من إيه؟"
"من هشام."
"متخفيش. بس أنا خايفة."
اعتدل وجلس، ثم أمسك بعلبة الدخان خصتهِ، وأخرج سيجاره. ثم وضع العلبة على الكومود، وأمسك بشعلتهِ السوداء، وأشعل السيجارة. واستنشق أول دخانها، ثم فرغ ما تبقى بالهواء، وهتف ببرود:
"المطلوب مني إيه؟"
"معرفش. بس أنا خايفة منه. خايفة ليدخل ويعملي حاجات وحشة زي ما كان قايل لي."
فرك جبهتهِ من جديد، ونهضا واقفاً أمامها يناظرها بجفاء:
"حاجات وحشة؟ لأ، متخفيش. ابن عمي ملوش في اللحم الرخيص."
ضيقت عينيها بحزناً:
"لحم رخيص؟ بس أنا مش رخيصة. أنا مش فاهمة أنت ليه شايفني كدا؟"
مرر عينيه عليها يرمقها باستنكار:
"أنا مش شايفك أصلاً. أنتِ مجرد بت اتجوزتها غلطة. متلقيش بيا، ولا بعائلتي. دا غير إنك تربية الشريفة غوايش."
ذبح شرفها بذكرهِ لزوجة أبيها ذات الماضي السيئ. فتنفس باعتراض يحتويه التعصب:
"قولت لك أنا مش زي غوايش. أنا حاجة وهي حاجة. بلاش تعاملني اكنى هي. متشيلنيش ذنبها."
ضيق عينيه بحنقاً، ثم ألقى بالسيجارة يدهسها أسفل نعلهُ، تزامناً مع حديثهِ إليها:
"أنتِ أوسخ منها. هي ما شاء الله مقضياها مع كل رجالة البلد القريب والغريب، والكل عارف بقذرتها. إنما السنيورة ريحانة ماشية على خطاها بس بأسلوب جديد. اتجوزت، وبعد ما الكلب شبع منها، طلقها. وبعد ما شوقه جالها، قرر أنه يرجعها، والتمن تتجوز محلل. وطبعاً وافقت، واتجوزتني. وبكل بجاحة ووساخة بتطلب مني كل شوية أني أقضي معاها الليلة عشان تقدر ترجع له. وبعد ما ترجع له، يطلقها تاني، فتتجوز محلل تاني، وتفضل مقضياها على كل سرير شوية."
مزق شرفها بكلماتهِ الحادة، التي جعلت عينيها تتسع بدموع الاعتراض. بوجه زم ملامحهِ بهيئة الانكسار، الذي لازمه صوتها المتحشرج ببحة البكاء:
"الحد هنا وكفاية بقا. أنا مش رخيصة، ولا ببيع نفسي للرجالة. أنا أشرف من أي واحدة عرفتها في حياتك. مش معنا إني اتربيت مع مرات أبويا أبقى زيها. وبعدين أنا مغصبتكش على الجواز مني، أنت اللي وافقت. ولما هطلقني هرجع لياسر، مش هسيبه، ولا هتجوز حد تاني."
زم فمهِ بزمجرة، ممسكاً بذراعها:
"قولتلك قبل كدا متذكريش اسم راجل غيري على لسانك. أما بقا جوازي منك، فمكنتش أعرف أن السنيورة كانت متجوزة. بس ملحوقة، كل حاجة هتتصلح بس في الوقت المناسب. أما بقا ياسر، فتشليه من عقلك خالص عشان مش هسيبك ليه."
تبدلت ملامحها الناضجة لملامح طفولية تكسوها براءة الأطفال، بدموعاً سقطت من عينيها أثر ألم ذراعها:
"أنت بتوجعني. دراعي وجعني. أنا أسفة، مكنش قصدي أضايقك."
ألقاها بعيداً عنهُ، وفرك جبهتهِ بحنقاً تزامناً مع زمجرة صوتهِ الجش:
"عشان نقفل على الموضوع دا نهائي. فحب أعرفك أن ياسر اللي مفكراه بيحبك، هو اللي طلب من هشام يطلع لك الأوضة ويهددك ويحاول يغتصبك. مظنش أن في واحد بيحب واحدة هيطلب من واحد أنه يغتصبها."
رفضت دون تفكير حديثهِ، بحركة رأسية ترهقها دموع الرهبة:
"فزادت من اشتعال غضب جواد، الذي اقترب منها يمسكها من ذراعيها يحركها بشراسة بصرية. أنتِ مش عايزة تصدقي لإنك خبيثة وكدابة. اعمليلي فيها بريئة مش عارفة حاجة؟ معا إنك فاهمة كويس كل كلمة بقولها؟ تقدري تقوليلي إزاي كنتِ متجوزاه ومتعرفيش يعني إيه جماع متجوزين؟ معا إنه قال لي إنه كان بيجتمع بيكي ويبسطك زي ما بتحبي."
ارتجفت بخوفاً تكسوه دموع الارتباك:
"يعني إيه يجتمع بيا ويبسطني؟ أنا مش فاهمة قصدك إيه؟"
قطب جبهتهِ بشراسة بعروقاً برزت من عنقهِ توحي بكم الغضب الذي يتملكهِ، وهتف بصوتاً جش أرعبها:
"مش عارفة يعني إيه؟ أنا بقا هعرفك."
اتسعت مقلتيها برهبة حينما استدارة بها وألقاها بقوة فوق فراشهِ، واعتلى فوقها مكبل مرفقيها بقبضتهِ:
"الوضع دا مبيفكركيش بحبيب القلب وذكرياتك الوسخة معاه على سريرك؟"
زادت رجفة رأسها بنفي يحتويه خوفاً فاق حدودها، جعلها تزرف الدموع دون حساب، تتوسل إليه بعينين توسعت ببرأة أرغمته عن الابتعاد عنها بقوة داخلية تحارب كبريائهِ. فزع من فوقها يكسر فازة الكومود مخرجاً بها بعضاً من نيرانهِ، ثم فرك شعرهِ بعين تجحظت من التعصب، وأشار لها بإصبعهِ بخشونة:
"مهما كانت لعبتك اللي بتحاولي تلعبيها عليا، بردو مش هرحمك. أنتِ مش هبلة ولا على نياتك. أنتِ بتفهمي كلامي كويس، بدليل إنك أوقات كتير بتتعصبي وبتردي عليا الكلمة بكلمة. إنما وش الأطفال اللي مصدره هولي، فوحياة أمك لهكسره عليكِ. بالله مبقاش ابن رضوان إن مخلّيتك ترجعي لعقلك وتبطلي تمثيل."
جلست على الفراش تضم ساقيها لصدرها، ترتجف ببكاءً دون صوت، تحرك رأسها بموافقة لحديثهِ. سراديب خوفها تسربت لكيانها ترهقها. كان جواد يرى ما يحدث لها وتغيرها بين الدقيقة والأخرى، يرى ضعفها ورهبتها الحقيقي الذي من المستحيل أن يكون خداعاً أو تمثيلاً. مما زاد جنونهُ. فركل الكومود بساقه وصار من الحجرة تاركها في حالتها المخذية.
***
أما بالأسفل، بعد خمسة عشر دقيقة، بحجرة المكتب، كان يجلس برفقة السيد فوزي يُلقي عليه بعض الأسئلة:
"بارون الغنيمي بيتسأل عنه ليه؟"
قطب جواد جبهتهِ برسمية:
"مجرد سؤال."
هتف الآخر بجدية:
"بارون الغنيمي يبقى من أكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط، من ضمن منافسنا الكبار."
حرك رأسهِ بجفاء:
"شركة مين الأقوى، أحنا ولا هو؟"
"هوَ. ليه مش أحنا؟"
"لأننا مش على نفس مستوى ذكائه ولا نجاح صفقاته. دا غير استحواذه على كل المناقصات والمزادات. من النهارده مش هيطول مزاد ولا مناقصة."
ضيق السيد فوزي عينيه باستفسار:
"أنت ناوي على إيه؟!"
تنهد بشموخاً محترقاً بالتوعد:
"على كل خير. من النهارده شركة الهلالي للمقاولات هتبقى رقم واحد، والغنيمي هيفضل ينزل ينزل لحد لما يبقى تحت الصفر."
راود السيد فوزي القلق من اندفاع ابن أخيه، فقال له ببعض الرسمية:
"جواد، أنا عارف إنك ذكي وهتعرف تدير الشركة، لكن الاندفاع في شغلنا مش كويس. لازم تحسب كل خطوة قبل ما تخطيها عشان متلاقيش نفسك في الآخر غرقان ومغرقنا معاك."
"متقلقش عليا، أنا عارف كويس همشي الشغل إزاي."
بتلك اللحظة، دخل هشام قائلاً:
"مرعى قال لي إنك عايزني."
نهض جواد بشموخاً:
"هنروح الشركة عشان نشوف أخبار الشغل إيه. اتفضل يا عمي خلينا نمشي."
نهض السيد فوزي برفقتهم، وصاروا ليذهبوا إلى الشركة.
***
يحدث في المستقبل ٢١٠٤. تقف ثريا أمام آدم الذي يعزف على البيانو لحناً حزيناً جعلها تشعر بالحزن كثيراً على شئ تجهلهِ. وعند انتهائهِ، صقفت له:
"العزف رائع، لكن حزين."
ارتسم الحزن عليه ببسمة:
"أنا والحزن أصدقاء. تعرفي يا آسيا، إن والدتي السيدة ثريا عمرها ما حضرت لي أي حفلة من اللي عزفت فيهم. اللي دايماً كانت معايا وبتشجعني ياسمينا. حتى لما كبرت وبقيت عجوز كانت جنبي لحد لما توفت من عشر سنين. وقتها بس حسيت إني يتيم."
اقشعر بدنها وشعر بكلماتهِ المحطمة لأمومتها. تغرق بياض عينيها بمياه ساخنة من جوف قلبها البائس بحزناً حراري يحرق أوتارها:
"ياآه، للدرجادي والدة حضرتك كانت وحشة وعمرها ما حسستك بالإمومة؟"
تنهد بعمقاً يتذكرها بيأساً:
"والدتي مكنتش تعرف حاجة عني. مكنتش بتشوفني غير وقت النوم وبس. متعرفش بأكل إيه أو بشرب إيه، ولا هوياتي إيه. كانت مفكرة إن الفلوس هتفرحني وإن الألعاب هي هدفي. لكن ياسمينا كانت الأم الحقيقية اللي اتمنيتها بحنانها وعطفها وتشجيعها ليا دايماً، اهتمامها بكل حاجة تخصني."
"ليه بحس في كلامك إن والدتك عمرها ما حبتك ولا اهتمت بيك؟"
"الاهتمام عند ثريا كان معناه الفلوس. مكنتش بتخليني محتاج للبس أو للعب. لكن بالمقابل حرمتني من الشعور بحبها. حتى والدي خليل السوالمي مكنش بيشوفها غير وقت النوم، ولما كانوا يقعدوا مع بعض يوم اجازتهم كانت مبتبطلش طلبات وشكوى وخناق. عشان كدا والدي وجد الراحة مع ياسمينا اللي عوضتني وعوضته عن جفاء وإهمال والدتي."
ارتعشت جفونها بقلقاً من القادم بحكايتها الخفية، وتلبكت بسؤالاً تمنت ألا يجيب عليه:
"هو خليل؟ قصدي والدك اتجوز ياسمينا؟"
نهضا من فوق مقعدي، وأمسك بيدها يتسند عليها، وصاره باللايڤينچ، مجيبها:
"لسه بدري على إجابة سؤالك. هتعرفي الإجابة لما تسمعي كل الحكاية. ياسمينا بعد ما والدي قال لها إنه هيشوف لها شغل، رجع البيت. وكالعادة اتخانق مع والدتي لإنها قررت تسافر النمسا لمدة شهر عشان تبقى المسؤولة عن تصدير شحنة السيارات الجديدة تبع المكان اللي بتشتغل فيه. يوميها كنت واقف عند باب أوضتي، وكالعادة سمعت خناقها مع والدي اللي انتهى فعلاً بسفرها. وتاني يوم مكنش في حد معايا أنا ووالدي. الدادة كانت سابت الشغل بقالها يوم، وكمان مكنش في حد يهتم بينا، خصوصاً إن السيد جواد صاحب والدي سافر القاهرة يعيش هناك هو وأهله. فمكنش عند والدي أي حد يخليني عنده لحد لما يخلص شغله بالمكتب. عشان كدا قرر إنه يتصل بالساعي وطلب منه يجيب ياسمينا لبيتنا. وبعد ساعة، وصلت وسلمت عليا بكل حنان. أما والدي فقرر إنه يشغلها الدادة بتاعتي، وقال لها."
"عادا ببُحور ذكرياتي إلى الوراء لسنوات الصغر، يرى ياسمينا تضع يدها على منكبهِ الصغير، وعينيها تنظر ببسمة إلى وجه أبيه الواقف أمامها يحدثها بجدية: أنا قولت لك إني هلقيلك شغل، عشان كدا طلبت من الساعي يجيبك هنا."
ضيقت عينيها مستفهماً:
"وهو أنا هشتغل إيه هنا؟"
"مربية لأدم، وهتعيشي هنا معانا. هيبقالك أوضة خاصة بيكِ، وأكلك وشربك معانا هنا، وقبض شهري ألفين جنيه قابلين للزيادة مع مرور الوقت."
اتسعت عينيها ببسمة أمل:
"موافقة. أنا أصلاً كنت في كلية تربية، وهعرف أتعامل وأخلي بالي من أدم."
أومأه بموافقة ثم قاله برسمية:
"تمام. تقدري تبدأي شغلك من النهارده. أنا هروح المكتب، وبالليل وأنا راجع هجيب عشا لينا. بس على مرجع في جبنة ولانشون وفينو عشان تتغدوا."
"بحماس هادئ: متشغلش بالك بينا، لو حسينا بالوجع هتصرف. روح شغلك واطمن."
أومأه لها بموافقة، وداعب شعر صغيرهِ بأمر ذات بسمة:
"مش عاوز شقاوة، متتعبش ياسمينا معاك."
"حاضر يا بابا."
قبّله، ثم أخذ جاكتهِ من فوق المقعد وغادر. أما ياسمينا، فداعبت شعر أدم ببسمة اطمئنان:
"تعالى بقا وريني أوضتك، وقولي يومك بيمشي إزاي، وعرفني على لعبك عشان نلعب مع بعض."
اتسعت شفاه الصغير ببسمة السعادة، لأنه سيجد من تشاركهِ يومهُ، واحتضن مرفقها بمرفقهِ الصغير، وأخذها لحجرتهِ. تلاشت الذكريات، وعادت لواقعهِ، يناظر ثريا متنهداً بجدية:
"أثناء جلوسهِ على مقعد الحديقة: دا كان اليوم اللي بدأت فيه ياسمينا شغلها عند والدي. شاركتني كل لعبي ويومي. لأول مرة أبقى سعيد. حسيت إني بعامل أمي اللي محروم منها، وهي كمان عاملتني على إني ابنها مش مجرد دادة لطفل متعرفهوش."
هربت دمعتين من عينيها، فجففتهما سريعاً، وهي تبتلع غصتها الواقفة بمنتصف صدرها تألمها:
"يعني ياسمينا بقت الدادة بتاعتك؟ وبعدين إيه اللي حصل؟"
"اللي حصل كتير مش هيتحكى في يوم وليلة. المهم قوليلي، أنتِ منين؟ من القاهرة؟ مرتبطة؟"
تبسمت بحزناً، فكيف تخبرهُ أنها والدتهِ:
"لأ، مش مرتبطة."
"أنا حاسس إن الشمس أرهقتني. خديني على المكتب، في كتاب عايزك تقرئي لي منه."
"حاضر."
نهضت برفقتهِ، ممسكة بمرفقهِ المتجعد، وصارت معهُ لحجرة المكتب، وأجلستهِ على المقعد، وجلست على المقعد الأمامي لهُ، وأمسكت بالكتاب الذي أعطاه لها، وبدأت بالقراءة لهُ.
***
أما بالقاهرة، داخل قصر الهلالي، كانت تجلس نسمة برفقة ريحانة بحجرتها، فقد أتت للتعرف عليها:
"أنتِ زي القمر يا ريحانة. ليه حق جواد ينسى ماضيه مع رحاب ويتجوزك؟"
ضيقت عينيها بطفولية مستفهماً:
"مين رحاب؟ إيه دا؟ هو أنتِ مكنتيش تعرفي عن حكايته معاها؟"
"وهعرف ليه؟ أنا أصلاً لسه عارفة جواد من كام يوم."
"من كام يوم؟ ليه هو أنتو مش بتحبوا بعض؟"
هتفت الأخرى باللامبالاة:
"لأ، هو بيكرهني، ودايماً يخوفني منه."
"بستفسار: جواد بيخوفك؟ طب ليه؟"
زمّت فمها بتزمت:
"مش عارفة. بس هو يعرف بنت تانية بتلبس لبس غريب وبتحط مكياج كتير. باين بيكرهني عشانها."
اتسعت مقلتيها بغرابة:
"إيه؟ يعني جواد يعرف بنت عليكي، وأنتِ عارفة وساكتة؟"
"هو حر. ماليش دعوة بيه."
"هو إيه اللي مالكيش دعوة بيه؟ دا جوزك يا عبيطة! يعني ملكية خاصة ليكي أنتِ وبس! واللي تقرب له تديها على دماغها."
قطبت جبهتها بسؤالاً:
"بس مش كدا جواد يزعل؟"
نفخت نسمة بزمجرة:
"أنتِ عايزة تجننيني؟ ما يزعل. المهم أنتِ متجيش على كرامتك، ولا تفرطي في حقك فيه. مش أنتِ مراته وبتحبيه؟"
اتسعت مقلتيها ببسمة استحسان:
"أحبه؟"
"أيوه. مش هو جوزك، فأكيد بتحبيه. أومال متجوزاه ليه؟ بصي أنتِ شكل السفر مقصّر عليكي، وشكلك كدا، سوري يعني، هبلة ومش فاهمة أي حاجة. أنا بقا هظبطك وهخليكِ أحلى من البنت التانية. هخلي جواد لما يرجع بالليل يتلوح كدا من أنوثتك وجمالك."
"يعني لو عملت كدا، هيوافق يعمل معايا حاجات مش كويسة اللي قالت لي عليها مرات أبويا؟"
"متسائلة: حاجات إيه اللي قالت لك عليها مرات أبوكِ دي كمان؟"
اقتربت من أذنها وأخبرتها بما قالتهُ زوجة أبيها من معارف لليلة الزفاف. فتسعت مقلتي نسمة، التي فور انتهائها الأخري قالت:
"ينهار! هو أنتِ وجواد لحد دلوقتي أخوات؟"
نفت بعبث:
"لأ، إحنا مش أخوات. كل واحد فينا ليه أب وأم غير الثاني."
جذبت شعرها على عينيها بفقدان صبر:
"كدا كتير عليا. يابنتي افهميني. أنا قصدي إنكم معملتوش علاقة مع بعض. يعني كلام مرات أبوكِ لسه متنفذش؟"
"لأ."
"ليه؟"
"عشان هو مش موافق."
زمّت فمها باستياء:
"وهو هيوافق إزاي؟ وأنتِ على الله حكايتك كدا مش فاهمة أي حاجة. بس ملحوقة، أنا معاكي وهظبطك."
تبسمت بعفوية:
"بجد؟ يعني هتخلي جواد يعمل لي حاجات وحشة؟"
قوّست حاجبيها باستفسار محرج:
"مالك يابنتي مدلوقة عليه كدا ليه؟ وبعدين إيه حاجات وحشة دي؟ هو أنتِ صغيرة؟ اسمها علاقة حب. وريني بقا دولابك فيه لبس إيه ليكِ."
نهضت نسمة وفتحت الخزانة تبحث عن لانچيري للنوم، لكنها لم تجد سوى منامات قطنية بنصف كم. فالتفتت لها متسائلة:
"هي فين هدوم النوم بتاعتك؟ هي اللي عندك دي؟ وهي دي هدوم عرايس؟ بصي أنا عندي كام قطعة حرير حلوة جداً لسه طالبهم أون لاين. هجبلك كام حاجة منهم تبقا ليكِ. ماشي؟"
اتسع فم نسمة برحم:
"شكلنا هنبقى صحاب. أنا مبسوطة أوي على فكرة إن هيبقالي صديقة مسلمة."
ضيقت ريحانة حاجبيها باستفسار:
"مسلمة؟ ليه؟ هو أنتِ مش مسلمة؟"
أغلقت الخزانة وصارت، ثم جلست أمامها على حافة الفراش، مجيبة عليها:
"لأ، أنا مسيحية."
"بتسأل: وليه مش مسلمة؟"
"عشان أنا بحب ديانتي زي ما أنتِ ما بتحبي ديانتك؟"
"بحب ديانتي عشان الإسلام جميل وسيدنا محمد أجمل. الإسلام دين تسامح ومحبة وبيعرفنا الصح من الغلط. زي ما في ديانتك حاجات جميلة مخلياكِ متمسكة بي، فأنا كمان في ديانتي حاجات حلوة مخلياني متمسكة بي."
"بسمة: بس ربنا قال "موتوا إلا وأنتم مسلمون"، يعني دي علامة من ربنا أن الإسلام الدين الأول والأخير."
"بمناقشة: بس ربنا كمان اللي نزل الإنجيل على عيسى عليه السلام، والمسيحية ديانة معترف بيها عند أهل السماء وأهل الأرض."
"بنقاشاً: عارفة كدا، بس دا ما يمنعش أن الإسلام مهد كل الأديان. وحتى سيدنا يعقوب اللي من نسله اليهود، دعا الله أنه ما يتوفاهوش غير وهو مسلم."
"بإبداء رأيها: قرأت الكلام دا كتير، لكن دا مش معناه أن ديانتي غلط أو غير معترف بيها. إحنا بنعبد نفس الرب، كلنا لينا إله واحد اسمه الله."
"بابتسامة محبة: اختلاف ديانتنا مش هيفرق بنا، بردو هنبقى صحاب. بس هو أنتِ إزاي مسيحية وتبقى بنت عمة جواد؟ مش المفروض أن عمتهُ مسلمة؟"
"بشرحاً: فعلاً ماما مسلمة، لكن بابا كان مسيحي. وعشان يقدر يتجوزها أعلن إسلامهُ. بس لما اتولدت، جدتي مامة بابا خدتني وعمدتني في الكنيسة عشان أبقى مسيحية."
"إزاي مسيحية؟ المفروض أن الابن بيبقى على نفس ديانة أبوه، وبما إنهُ كان مسلم فالمفروض تبقى مسلمة."
"بجدية: عارفة كدا كويس، وهما كمان كانوا عارفين كدا. ولما بابا سأل شيخ أن جدتي خدتني والتعميدة في الكنيسة عشان أبقى نصرانية اللي معناها مسيحية، فالشيخ جاوبه وقاله: تعميد الطفل لا يعني أن يصير نصرانياً بالفعل، بل هو مسلم يتبع دين أبيه، أو يصير نصرانياً حتى يعقل النصرانية ويختارها بنفسهِ. يعني أنتِ لما كبرتي وفهمتي، اخترتي بنفسك أنك تبقي مسيحية زي ما جدتك عمدتك في الكنيسة. بالظبط كدا وأنا صغيرة اتعمدت في الكنيسة عشان أبقى مسيحية."
"صحيح، وأنا صغيرة اتعمدت في الكنيسة عشان أبقى مسيحية. لكني كنت على دين أمي وأبويا اللي هو الإسلام. ولما كبرت شوية قررت أني أبقى مسيحية زي ما جدتي ما عملت فيا."
"طب ليه مفكرتيش تبقي مسلمة؟"
"بصي أنا يوم ما اخترت أعتمد دين المسيحية كان عندي ست سنين. خلالهم كنت بصلي في الجامع وبصلي في الكنيسة، بقرا القرآن وبقرا الإنجيل. بس جدتي كانت دايماً بتحاول تحببني في النصرانية وتحكي لي حكايات وتزورني كنايس جديدة. عشان كدا حبيت دين المسيحية وقررت أني أبقى مسيحية باختياري."
تنهدت ريحانة بأرهاق:
"دا أنتِ قصتك عاملة زي الأفلام."
تبسمت الأخري قائلة:
"سيبك من حكايتي وركزي معايا بقا عشان أفهمك هتعملي إيه بالليل عشان تخلي جواد يقرب لك."
اتسعت مقلتيها بحماس:
"ماشي، أنا متحمسة أوي لليلة معاه."
أصدرت الأخرى ضحكة صاخبة تزامناً بقول:
"مشوفتش في حياتي كدا. دا أنتِ حكاية بس عسل والله."
بادلتها البسمة، وظلت تسمع نصائحها.
***
أما بالشركة، بحجرة الاجتماعات، كان يجتمع السيد فوزي بمدرين الشركة، يُعرفهم على جواد وهشام:
"أعرفكم جواد رضوان الهلالي، ابن أخي، ومن النهارده بقا مدير عام الشركة والمسؤول عن كل كبيرة وصغيرة. وأعرفكم بهشام رؤوف الهلالي، ابن أخي وابن عم جواد، ومن النهارده بقا نائب المدير العام لجواد."
بدأ البعض بالترحيب بهم. فألقى جواد بعينيه للنائب القديم قائلاً ببروداً:
"أظن أنك سمعت أننا المسؤولين الجدد. يعني مسمعناش كلمة ترحيب؟ ولا الباشا مش عجبه؟"
زمّ محسن، ذات الأربعون عاماً، فمهُ ببسمة مكراً:
"لأ طبعاً سمعت، وأهلاً طبعاً بيكم. أنتو المالكين الأصيلين للشركة."
تحدثا بشموخاً صارم:
"من النهارده في سيستم جديد، شغل جديد. كل اللي فات حاجة، واللي جاي في عهدنا حاجة تانية خالص. كلمتي تتنفذ من غير اعتراض. هيبقا في شغل بجد، انتظام. شركة الهلالي لازم تبقى رقم واحد في الشرق الأوسط كله في أقل وقت. ومن أولها كدا، اللي مش هيبقا قد الشغل يقدم استقالته."
نظر الأعضاء لبعضهم، ومن ضمنهم سالي، تلك الفتاة ذات الثلاثون عاماً، السكرتيرة الخاصة لمكتب جواد، التي ناظرته ببسمة استحسان:
"أنا عن نفسي موافقة جداً على استمراري في الشغل، حتى لو هيبقا مرهق، المهم إنه هيبقا ممتع."
أدار عينيه إليها، يراها تطالعهِ بنظرات عرف مخزاها جيداً، فمال برأسهِ قليلاً لليسار، تزامناً مع تضيق عينيه بمكر:
"لأ، ماهو واضح إنك بتحبي الشغل المرهق. اتسع فمها ببسمة أنوثة."
"فعدّل موضع رأسهِ قائلاً برسمية: بس الإرهاق بتاعنا غير اللي في دماغك. من النهارده هتتنقلي لقسم الحسابات عشان تفرغي شغلك فيه براحتك. اتفضلي من هنا."
انطفئ وجهها بحرج جامح، ونهضت تسير بخطى متعثرة من الغيظ. أما هو، فأكمل بشموخاً:
"الهزار ملوش مكان في شركتنا. من بكرة الشركة هتشهد على تغير جذري. الساعة ثمانية يبقى الكل متواجد في مكاتبه، واللي هيتأخر ثانية واحدة يعتبر نفسه مرفوض. المعلومة تتبلغ لكل العاملين بالشركة. اتفضلوا، الاجتماع انتهى."
نهض الأعضاء وغادروا الحجرة. فباح السيد فوزي بنصيحة:
"براحة على الناس يا جواد، هما لسه ميعرفوش طبعك."
"بجدية: لازم الشدة معاهم من أول يوم عشان يخافوا مني ويعملوا لي بدل الحساب مية. المهم نسيت أسألك. هو البارون ليه أخ أو قريب اسمه ياسر الغنيمي؟"
"أيوه أخوه. بس بتسأل ليه؟"
صق على أسنانهِ بغضب خفي:
"مفيش، كنت حابب أعرف كل حاجة عن المنافس بتاعنا."
"مؤيداً: فعلاً لازم نعرف كل حاجة عنهم عشان نقدر نتخطى نجاحهم. كل المعلومات اللي محتاجينها هجيبها لكم. متشغلوش بالكم. ودلوقتي خلينا ننزل عشان أعرفكم على جميع أقسام الشركة، وكمان عشان الموظفين يعرفوكم."
نهضا برفقة عمهما ليتعرفوا على الجميع.
***
مر النهار وأتى الليل، وعاد الجميع إلى القصر، فوجدوا معالي تنتظرهم برفقة بهية. فتحدث السيد فوزي أثناء جلوسهِ على مقعد الصالون:
"أومال فين الباقين؟"
"بجدية: فارس ونسمة اتعشوا وطلعوا ناموا، والواد كريم مرديش ينزل ياكل، فخدت له بهية الأكل أكلته ونيمته."
"بجدية: أما بقا مراتك يا جواد، فمدقتش أي لقمة. رفضت إنها تاكل. شكلها مكسوفة. أنا قولت لسامية إنها تحضر لكم العشا لما ترجع من الشغل بتاعك، وطلع هولكم أوضتكم عشان تاكلوه سوا. بس قولي إيه حكاية كريم دا، وليه تكفلت بتربيته؟"
"برسمية: مفيش سبب معين. كل الحكاية إنه يتيم ملوش أهل، ولقيته، فقررت بدل ما أوديه الأحداث أو ملجأ، أتكفل بتربيته."
"بأعجاب: خير ما عملت. الرسول ﷺ قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة. تربيتك للولد دا أجرها كبير جداً عند ربنا."
لم يكن يفكر بالثواب بتاتاً، مما جعلهُ يجيب:
"طب أنا هطلع عشان عايز أرتاح شوية. ومتنساش يا هشام الساعة سبعة تبقى جاهز عشان نتحرك سوا."
جلس بجوار عمهِ:
"متقلقش، هتلاقيني موجود في المعاد."
أومأه بتفهم، وصعدا الدرج حتى وصلا لممر الحجر، وتجها لحجرة نومهِ، فوجدا مرعى يقف عند بابهِ، فوقف أمامهِ متسائلاً بخشونة:
"إيه اللي موقفك هنا؟"
"باستياء: أنا اتهنت في بيتك يا جواد بيه، ودا ميصحش. دا إكرام الضيف واجب ياراجل."
فرك لحيتهِ بتسع صدراً لحديثهِ:
"أرغي يا مرعى."
"يرضيك أن البت سامية تقولي إن دمي تقيل ويلطش، وكل دا عشان بقولها إنها زي عود النعناع، كل ما تخضر رائحتها تنعنع الجو؟"
"باستياء: وأنت بتاعكس البت ليه؟ مانا قولت ألغيها يمكن الصنارة تغمز ونتجوز. تعرف يا مرعى، بالله لو متعدلت لهتشوف معايا أيام سودا أسود من أيام الصعيد."
زم فمهِ باستياء:
"الجواز غيرك فين جواد بيه اللي كان كل فين وفين لما يتعصب عليا. حقيقي الواحد يتجوز عاقل يتحول مجنون، مبالك بقا باللي كان مجنون من الأول."
تجحظت عين الأخر بشراسة، وأمسكهِ من لايقة قميصهِ:
"هو مين دا اللي مجنون يالا؟"
ابتلع ريقهِ بصعوبة بتلبك:
"مش ساعتك، أنا قصدي على الناس التانية. هو في حد في عقلك؟ ولا هدوئك؟ دا أنت مشاء الله عليك تتحط على الجرح يولع. قصدي يبرد."
"أنا هفوت هالك المرة دي بمزاجي، لكن بالله المرة الجاية هعلقك على باب القصر عشان تستعيد ذكريات الصعيد بمزاج."
تركهُ فهم بالذهاب مردداً بعبث:
"ربنا على المفتري. كانت ساعة سودا لما دافعت عنك قدام المأمور. وهمام."
"بتبرطم في إيه؟"
زمجر، فقاله الآخر ببسمة قلق إثناء سيره:
"بدعيلك بطول العمر، هو أنا ليا بركة غيرك."
نزل يركض من فوق الدرج. أما جواد، ففرغ حنقهُ بنفخة بالهواء، ثم أمسك بمقبض الباب، وفتحهُ، ودخلا، وأغلق الباب خلفهُ، واستدار يحرر أزرار قميصهِ. فسمع صوتها الناعم بأنثى يناديه:
"جواد."
لم يستطع رفض صوتها، فاستدار يجيبهُا بخشونة:
"عاوزة إيه؟"
سُجنت باقي الأحرف بحلقهِ حينما سُجن عقلهِ وكيانهِ ببطلتها القابضة بنبضات ملتهبة أشعلت جسدهِ، فبلع لعابهِ، وكأنهِ أصبح مسحوراً بمن تقبض عينيها بطلتها المفاجئة لكيانهِ الرجولي. فقد كانت تغفو فوق الفراش مرتدية...
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل الثامن 8 - بقلم لادو غنيم
جواد
لم يستطع رفض صوتها، فاستدار يجيبها بخشونة.
عاوزة إيه؟
سجنت باقي الأحرف بحلقه حينما سُجن عقله وكيانه بطلتها القابضة بنبضات ملتهبة أشعلت جسده. فبلع لعابه وكأنه أصبح مسحورًا بمن تقبض عينيها بطلتها المفاجئة لكيانه الرجولي. فقد كانت تمدد جسدها فوق الفراش مرتدية روب لونه أزرق سماوي حريري مصمم باحترافية تحبس الأنفاس. فمن فوق الصدر بالإكمام دانتيل يظهر بياضها، وباقية حتى القدم من الحرير، وشعرها البني مموج مثل موج البحر فوق منكبيها، تزينه برابطة رأس بذات اللون الأزرق السماوي. أما بوجهها الفاتن، فكانت شفاهها بلون زهري خاطف لمقلتيه، وعينيها العسلية يحتويها الكحل الأسود الذي زاده من اتساعها.
أنثى بغاية الفتنة تناظره بخجل الأطفال، فزادت من سخونة نبضاته المرهقة برؤيتها. أقسم أنه تفحصها بعينيه أكثر من عشر مرات بالدقيقة الواحدة من سحرها لكيانه. كان يعلم أن أسفل الروب شيئًا سيجعله يفقد صوابه، فأي قوة تستطيع أن تحارب هذا الجمال؟ مما جعله يلتفت للجهة المعاكسة لها يتجاهلها تمامًا. فضيقت عينيها بغرابة ونهضت من فوق مخدعها وصارت إليه حتى وقفت بجوار يمينه متسائلة.
مالك؟
ماليش.
لأ فيه، أومال ليه مش عايز تبص لي؟
حاجة متخصكيش.
تحركت خطوتين ثم توقفت أمامه تنظر مباشرة لمقلتيه الخضرويتين التي تشبه حقول النعناع في صباح شتاء دافئ.
هو شكلي مش عاجبك؟ أنا كنت فاكراك هتبقى فرحان لما تشوفني كدا.
كبلت جوارحه قائلًا ببعض الدفاع لجيوش عينيها.
وهفرح ليه؟ انتي متعنيش ليا حاجة.
لوت فمها ببسمة حزن.
هو أنت ليه شايف البنت التانية أحلى مني؟
بت مين؟
البنت اللي جاتلك البيت وطلعتلك الأوضة، البت أم أحمر.
أدرك مقصدها، فتخطاها يسير للخزانة ليخرج ملابسه.
متشغليش بالك بيها، هي حاجة وانتِ حاجة تانية.
صارت إليه حتى وقفت بجوار باب الخزانة تناظر عينيه بسؤال تغزوه بسمة البراءة القاتلة لرجولته.
بتحبي مين فينا أكتر؟ أنا ولا هي؟
عينيها له مثل السماء الصافية التي تنافي هطول الأمطار، براءتها تنافي الخداع. لغة العيون كانت أشد صدقًا من أي شيء آخر. فشعر بأن قلبه يراها عكس ما يقول عقله. سحر مقلتيها يجعله أسيرًا لشهابها الخاطف. لكنه شغله عقله بشيء آخر ليتفادى تلك الساحرة الصغيرة لرجل لم يخضع لأنثى من قبل. فالتفت وأخذ بنطال وتيشيرت من الخزانة وتجه للمرحاض دون أن يجيب عليها. فشعرت بالحزن يراودها بسبب ذلك التجاهل الجارح لكيانها.
بعد نصف ساعة خرج من الحمام يمسك بمنشفة صغيرة يجفف شعره بعدما ارتدى البنطال الأسود والتيشيرت الأبيض ذات الحمالات. فتفاجئ بها تغفو على الأريكة بدون الروب، باللانجري الروب بذات اللون الأزرق السماوي. هيئته كب دانتيل حتى الخصر، ومن الخصر حتى منتصف الفخذين حريري.
كان الجزء العلوي الدانتيل يظهر جسدها السفلي بأنوثة جعلته يبلع لعابه من شدة فتنتها له بتلك اللحظة. كانت تغفو مثل الحوريات كأنها قادمة من عالم ديزني الخاص بأميرات الخيال. فترك المنشفة من يده واستدار وأمسك بالغطاء وأخذه ثم استتر جسدها من عينيه من عنقها حتى أصابع قدميها. ثم جلس بجوارها على حافة الأريكة يتفحصها بانجذاب يأكل قلبه المتمرد لانجذابه. فرفع يده وملس على وجنتها اليسار القطنية بنعومة.
ويحادثها داخل عقله باستفهام يحرقه.
تصرفاتك بتخليني أتجنن. ببقى عايز أرمي عليكِ يمين عشان أرتاح منك، لكن قلبي بيرفض بعدك.
أنتِ سبب كسرتي قدام نفسي، تمسكك براجل غيري عامل زي السكينة بيدبحني، مخليني مش طايق أسمع صوتك. ورغم كدا فيه حاجة جوايا رافضة إني أسيبك. ورغم كدا بكرهك، عمري ما كرهت حد في حياتي قد ما كرهتك. يمكن عشان أنتِ الوحيدة اللي قدرتي تكسريني في نظر نفسي. بس كرهي ليكِ بيوجع قلبي وأنا مبحبش الوجع.
ورغم كدا شايفك غير كل البشر جوايا، حاجة بتقول إنك بريئة ومضحوك عليكِ. بس كلامك وردودك عكس شكوك. أنا عمري ما احتارت في قضية زي ما احتارت في قضيتك معايا، لغز لحد دلوقتي مش قادر أحله.
ختم حديثه بتنهيدة ساخطة بشكوك تأثره. ثم نهض وصار للتخت ليغفو عليه.
بذات الوقت بقصر شديد الفخامة بحجرة نوم تغفو [غنوه] معانقة [ياسر] زوجها، الذي يملس على شعرها بقول مليء بالتوعد.
أنا وعدتك إني أجيب لك حقك، وأديني بنفذ.
طالعته بمقلتيها متسائلة.
حتى لو [جواد] صدق الحكاية كلها، طب لحد إمتى هيفضل مصدق؟ أكيد هيجي له يوم ويعرف الحقيقة؟
[ياسر] بتوعد عصيب.
عارف إنه هيعرف، بس بقى على ما يعرف هيكون عاش له كام يوم في عذاب. خليه يحس باللي عمله معاكي.
باح بشذايا ذكرياتها المفخخة ببراكين الآلام جعلت مقلتيها تتسع بدموع الكراهية.
عمري ما هنسى اليوم اللي شافني فيه وقال لي إنه مش هيسمح ل [هشام] يتجوزني. دا غير تهديده ليا اللي بسببه قررت إني أهرب عشان أبعد عن شره.
شدد من احتضانه لها مواسيًا بقول جاد.
من يوم ما عمي ما مات بعد ما حد بعت له جواب بيحكيله فيه عن حكايتك مع [هشام]، وأنا خدت عهد على نفسي إني مش ههدا ولا هرتاح غير لما أكسر [جواد] وخليه ييجي زي الكلب يركع تحت رجلك. أنتِ مش بس بقيتي مراتي وتجوزنا بعد ما عمي ما توفى، لأ. أنتِ عمري وكرامتك من كرامتي.
أنا واثقة إنك هتجيبي لي حقي يا حبيبي.
تبسم الآخر بمكر.
هجيبه فعلاً، من النهارده. والبداية هتبقى مفاجأة لبيت [الهلالي]، وبالأخص [لجواد] اللي هيصحى على صريخ خبر هيخلي اللي باقي من حياته دمار.
فزعت من عناقه تناظره بعين تجحظت بقلق مما يخطط.
مر أول ساعات الليل والدقة الثانية بعد منتصف الليل بقصر [الهلالي] بالقاهرة، وبحجرة [هشام] النائم. فتح مجهول غريب عليه الباب وبدأ يقترب بحذر حتى توقف أمام التخت وأخرج شيئًا حاد تلمع أطرافه. فنحنا عليه ليفعل ما قد أتى من أجله.
لأن حقيقي أنا مش هتعب وأكتب وأنزل لناس مبتقدرش تعبي ولا بتحترم مجهودي.
أتمنى نعدي الـ 1500 لايك وكومنت.
آراءكم بلاش ملصق وشير للحلقة وريفيو على الجروب دا.
جميلات بحور الخيال 🌊❤️
معاً أديبة الأحساس العازف 🎸
لادو غنيم 🌿
ـــــــــ🎸
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد 🌺
ـــــــــ]
مرّت أول ساعات الليل، ودقّت الثانية بعد منتصف الليل بقصر الهلالي بالقاهرة، وبحجرة هشام النائم، فتح مجهول غريب عليه الباب، وبدأ يقترب بحذر، حتى توقف أمام التخت، وأخرج شيئاً حاداً تلمع أطرافه، فنحنا عليه ليفعل ما قد أتى من أجله.
ففتح هشام عينيه، وأمسك بيد الدخيل وجذبه فوق الفراش، فشعر بحمل زائد تسبب بحبس أنفاسه لثوانٍ، فألقاه بعيداً عنه، وفزع من فوق الفراش يشعل الضوء، أثناء محاولاته لضبط أنفاسه، ونظر إلى من فوق فراشه، فوجدها فتاة بالعشرينات من عمرها، سمينة الجسد، بيضاء البشرة، بشعر بني وعيون بذات اللون، ووجنتين سمان بطعامه، أدرك سبب هذا الوزن الذي تسبب بكتم أنفاسه لثوانٍ، لكنه تجاهل كل تلك الأمور وهتف بزمجرة:
أنتِ مين وبتعملي إيه هنا؟
نهضت من فوق الفراش، وبيدها مرآتها الصغيرة التي أخرجتها منذ قليل من الحقيبة لتضعها على الكومودينو، ثم ناظرته بارتباك:
أنا زلابية، قصدي شغف، أبقى مساعدة مستر فوزي في الشركة وفي البيت.
قوس حاجبيه باستفهام:
مساعدته في الشركة والبيت إزاي؟
هفهم حضرتك، أنا بنت نعيم السكرتير بتاعه الخاص، ولما بابا توفى أونكل فوزي صمم إني أجي أعيش معاه هنا، وأخلي بالي من طلباته، وكمان من شغله.
وإيه اللي جايبك أوضتي؟
دي أوضتي، حتى اسأل أونكل فوزي، أنا كنت مسافرة الساحل بخلص شوية ورق ولسه واصلة حالاً.
فرك جبهته برسمية:
يعني إيه أوضتك؟ بصي أنا هسيبك النهاردة، والصبح ابقى اسألي بهية هانم عن أوضتك الجديدة.
سار من أمامها، فالتفتت له توقفه بسؤالها:
معرفتش حضرتك مين هشام، ولا جواد، ولا فارس؟
نظر لها مستفهماً:
ده انتِ مذاكرة العيلة كلها بقى؟
شغف بحرج:
لأ، دي سامية هي اللي فتحتلي الباب وقالتلي على أساميكم.
ردف تزامناً مع التفتاته لجهة الباب:
أنا هشام.
تبسمت بقول:
تشرفت بيك يا...
لم تكمل جملتها، ووجدته ترك الحجرة، فلوت فمها بغيظ:
طب حتى عبرني بالكلمة، دي الكلمة الحلوة صدقة.
انتهت من الحديث ودخلت للحمام لتغتسل.
ـــــــــ
أما هشام، فتجه لحجرة فارس ليغفو لديه.
ـــــــــ
أما بحجرة جواد، فاستيقظت ريحانة، فوجدت نفسها تغفو فوق الأريكة وجسدها مغطى بالكامل، فالتفتت للجهة التخت، فرأته يغفو مكانها، فألقت الغطاء من فوقها ونهضت، ثم صارت إليه وجلست بجواره على حافة الفراش تناظره باستفهام:
أنت ليه مش بتقرب مني؟ هو أنا وحشة ولا مش عاجباك؟ ولا البنت أم أحمر شاغلة بالك أوي كدا؟ ساعات بحس إنك بتكرهني، وساعات بحس إنك بتداري حبك ليا، حاجة غريبة أوي مش قادرة أكتشفها، حاسة إني قدام كيان بحاول استكشفه.
فتح عينيه بعدما أيقظته بكلماتها الشائكة باستفهام، وقالها باستفسار:
أنتِ إيه بالظبط؟ إزاي بتتكلمي بعقل كدا؟
نبض قلبها بحزن، ففرغت المياه لتصير لمجرى عينيها:
أنا بنت عادية أوي، أقل من أي بنت ممكن تقابلها في حياتك، كل الحكاية إن اللي عشته خلاني غريبة عن الباقين.
جلس أمامها يحاورها ليكشف لغزها:
أنتِ اسمك إيه؟
تبسمت بصفاء:
ريحانه.
أنتِ فعلاً متجوزة من الواد التاني؟
تحركت مقلتاها بارتجاف:
ياسر، أنت مش ناوي تطلقني بقى وترجعني ليه؟ نسمة قالتلي إني لما ألبسلك البس ده هتقرب مني وتعملي حاجات وحشة.
فرك مدمع عينيه بسخط:
رجعنا للجنان تاني، ادخلي عليا بالمصايب، السنيورة قالت إيه لنسمة؟
أجابته بعفوية:
قولتلها إنك مش عاوز تقرب مني وتعملي حاجات وحشة، عشان كده لبستني البس ده وعملت فيا كده، وقالتلي إنك أول ما هتشوفني كده هتتلوى، ومش هتقدر تقاومني، وهتنحرف، وهنعيش ليلة عالمية.
كادت الضحكة تفر من بين شفتيه، لكنه كبلها بداخله بسبب عفويتها القاتلة، وأكمل ارتداء قناع الصرامة:
ريحانه، اتكلي على الله من قدامي وروحي غيري اللبس ده، وانسى كلام نسمة نهائي.
وقفت بتزمت:
هو إيه اللي أنسى كلام نسمة؟ أنا مش فاهمة، متلوحتش لي زي ما قالتلي.
فرك جبهته، ونهض واقفاً أمامها، بعدما أخذ الروب من فوق التخت وألبسها إياه ليخبئ مفاتنها من عينيه التي تطالبه بالتشبع بها، تزامناً مع حديثه الجاد:
عشان الحاجات دي هتحصل بمزاجي مش بمزاجك.
وأمتى بقى هيجيلك مزاجك ده؟
لما أعرفني، هبقى أبلغ ساعتك.
أنتِ ليه بتاخديني على قد عقلي؟ وبعدين أنتِ بتلبسيني ليه؟ أنا مش عايزة ألبس.
نزعت الروب وألقت به على الأرض، فناظرها جواد بتعصب:
أنتِ عايزة إيه في ليلتك دي؟ ما تتهدي يابت.
مش هتهدى غير لما تعملي حاجات وحشة.
فرك شعره بفقدان صبر:
أنتِ مش فاهمة أنتِ بتقولي إيه، استهدي بالله كده، والبس الزفت ده ونامي.
انحنى وأحضر الروب وأعطاها إياه، فألقت من جديد على الأرض بتزمت أشد:
قولتلك مش عايزة ألبس، أنا مبسوطة كده.
وضعت يدها بخصرها، فزاد تحديد خصرها، فتنهد جواد بكبت لمطالبها قائلاً بسخط:
وأنا كده بقى مش مبسوط، بالله يا ريحانة لو معملتيش اللي بقولك عليه، لهخليها ليلة جحيم عليكِ بسبب أم أعصابي اللي باظت بسببك دي.
تذكرت بعضاً من دروس نسمة لها، فلمعت عينيها ببسمة خافتة بنعومة، وتقدمت منه خطوتين، ثم رفعت مرفقيها تعانق وجنتيه بنعومة مردفة:
حبيبي، أنا عايزة إياك جانبي شوية عشان خاطري.
تعالت أنفاسه بصدر يعلو ويهبط برياح حرارية آتية من جوف القلب الثائر، فشعرت بأن مخططها يلقى النجاح مثلما أخبرتها نسمة، فقررت البدء بالخطوة الثانية، وأنزلت يداها ببطء حتى طرف التيشيرت، ونزعته من عليه وألقت به بجوار روبها، ثم نظرت إلى جواد الواقف بحالة لا يحسد عليها، فهو أمام اختيارين، إما أن يتهاون ويلبي طلباتها، أو أن يرفضها من أجل دوافعه، وزاده الأمر سوءاً حينما حاوطت عنقه بيديها، ثم رفعت ساقيها تقف على أطراف أصابعها لتصبح بقامته، وبدأت بالاقتراب منه لترتوي من ذلك الرجل الرافض للخضوع لها، ورأت أنه على وشك النيل منه، فأغمض عينيه رفضاً لتلك المطالب، وأمسك بيديها وألقاها بعيداً عنه، تزامناً مع فتح عينيه وقوله الصارم:
يُتُرى دي بردو تعليمات نسمة، ولا اجتهاد شخصي من الليليكي مع الباشا بتاعك؟
نفت بخوف أربكها:
أنا مكنتش بعمل كده معاه، دي نسمة هي اللي قالتلي على الحاجات دي عشان تقربلي.
جواد بصرامة:
أنتِ إيه مبتفهميش؟ أنا مش عايزك، ولا عمري هعوزك.
فرت الدموع من مقلتيها المرتجفة، فاقترب منها قائلاً بسخط:
البسي ده، يرجع الصبح لنسمة، وع الله تاخدي لبس تاني من عندها، واللي يحصل مابيني أنا وأنتِ هنا في أوضتنا محدش يعرف عنه أي حاجة، من الاحترام إن أي حاجة بتحصل مابينك أنتِ وجوزك مفيش تالت يعرفها.
أومأت بالموافقة، فـانحنى وحمل الروب وألقاه على جسدها يأمرها بحدة:
ادخلي غيري القرف ده حالا، ياله.
حاضر.
لبت أوامره ودخلت للحمام وهي ترتجف بخوف من صوته المخيف لكيانها.
أما هو، فأمسك بالتيشيرت وارتداه، ثم انحنى وأخذ سيجارة من علبته، ثم أشعلها بالمشعلة السوداء وألقاها على الكومودينو، وبدأ يتناول دخان سيجارته بلهفة، يخرج باقي دخانها بتوعد قائلاً:
ماشي يا نسمة، أنا أوريتك مابقيش أنا جواد، أما أنتِ يا ريحانة، فأنا هفضل وراكِ لحد لما أعرف حكايتك إيه.
بتلك اللحظة، خطر شيء على عقله، فـامسك بجواله وبدأ يبحث عن تشخيص تغير أسلوب الشخص وكأنه شخصين، كان يبحث عن أي شيء يعطيه نبذة عن تلك المخلوقة العجيبة، فتفاجأ بالإجابات التي أظهرها علم النفس، فبدأ يقرأها بعين ضيقها بغرابة:
انفصام شخصية حاد، يجعل المريض يعيش بشخصيتين، كل شخصية تظهر في وقت معاكس للشخصية الأخرى، المعروفة بشيزوفرينيا أو المايو كلينك، هذا الانفصام يحدث إثر الضغوطات النفسية أو مشاكل قهرية بالصغر، المريض يعيش بشخصيتين بجسد واحد.
رفع عينيه من على شاشة الجوال، وبدأ يتذكرها وتغيراتها التي تحدث بين الدقيقة والأخرى، بدأ يتذكر شخصيتها الناضجة التي تظهر لبعض الوقت، وشخصيتها الطفولية المتصدرة له، علم بتلك اللحظة أن زوجته ريحانة تعاني من انفصام شخصية حاد، تعيش بشخصيتين بجسد واحد، الشخصية الأولى هي شخصية طفلة لا تدرك الحياة، والشخصية الثانية ناضجة تفهم كل شيء بأمور الحياة، رغم معرفته بالحقيقة، إلا أنه كان يجب أن يتأكد بنفسه.
فقرر انتظارها حتى تخرج من الحمام ليستجوبها بأسلوبه الخاص.
وترك الجوال وأطفأ السيجارة، وظل ينتظرها حتى خرجت من الحمام تحاوط جسدها بالمنشفة البيضاء وشعرها المبلل يحتضن ظهرها، واقتربت من الخزانة لتخرج ملابسها.
فـسار إليها حتى توقف خلفها مباشرة، وأمسك بخصرها وجعلها تسير له لتصبح أمام عينيه التي سبحت ببحور شمسها، ثم اقترب من أذنها ليبدأ بمخططه قائلاً بمكر:
تعرفي إنك بتفكريني بغوايش مرات أبوكِ، يوم ما جننكم البيت سابتنا ودخلت الحمام وخرجت بنفس شكلك ده، كانت مفكرانا زباين جايين لمزاجنا.
حاول استفزاز شخصيتها الخفية، فقد تذكر أنها تظهر بكل وضوح عندما يذكر اسم زوجة أبيها، وبالفعل نجح الأمر، ووجدها تدفعه بكفتيها بصدره تبعده للوراء، تزامناً مع زمجرتها الدامعة:
أنت مبزهقش؟ قلتلك أنا مش غوايش ولا عمري هبقى زيها، أنا ريحانة، أشرف من أي بنت قابلتها وأشرف من مرات أبويا.
زم فمه ببسمة ربح، متنهداً بجفاء:
أهلاً، نورتي ملعب ابن الهلالي، واحدة واحدة على بعض عشان لسه المشوار قدامنا طويل، قوليلي بقى أنتِ مختلفة عن غوايش في إيه؟ ده أنتِ تربيتها.
قوس عينيها بحنق:
أنا اتربيت في بيت أبويا معاها، بس عمري ما خلتها تقرب مني أو تلوثني زي ما لوثت نفسها.
يُتُرى بقى التلوث ده نوعه إيه بالظبط ياست الشريفة؟ ولا الشريفة مكنتش ضمن ليالي مرات أبوها؟
حاول استفزازها ليخرج كامل شخصيتها، فنزفت عينيها دم الغضب الذي مزق كيانها:
أنت بتستفاد إيه من كلامك ده؟ ليه مش مقتنع إني غيرها؟
أنا عارفة إنك مش عاوز تقربلي عشان مفكرني ملوثة زيها. أنت حر في تفكيرك، لكن أنا محدش لمسني، أنا أشرف من الشرف. والتفكير اللي في دماغك دا بقا أنت حر فيه.
قطب جبهته مستفهمًا بجدية.
محدش لمسك؟ أومال الكلب اللي كنت متجوزاه كان إيه دنيته معاك؟ إيه مقضيها نوم؟
تنهدت بتزمت وهي تجفف الدموع المتساقطة بصمت.
أنا مقولتش كدا. وبعدين أنا زهقت من أسئلتك الغريبة دي، أنا تعبت وعايزة أنام.
التفتت لتخرج ملابسها من الخزانة، فجذبها بقوة من ذراعها قائلًا بشخط.
لما أكون بكلمك متلفيش وتديني ضهرك عشان مزعلكيش مني زعل بجد.
رأى الغضب في مقلتيه، فـرتجف جسدها بعين تزوغ برهبة.
أنا مكنش قصدي أزعلك، حقك عليا، بس سيب دراعي، أنت بتوجعني.
أدرك أنها عادت لشخصيتها الطفولية مما جعله يبتعد عنها بتزمت.
أصل أنا ناقص جنان، بدل ما كانت واحدة بقوا اتنين.
[ريحانه] بارتباك.
خلاص متزعلش، أنا مش هعمل كدا تاني. والحاجات الوحشة مش هقولك عليها غير لما مزاجك يجيلك، بس متتأخرش.
يا معين.
زمجر بدعاء ثم أكمل ناظرًا لها.
أموت وأعرف التانية مسمية الحاجات الوحشة إيه؟
تانية مين؟ قصدك على أم أحمر؟
قطم على شفاهه السفلية بحنق.
لأ، قصدي على أم شخصيتين. بصي عشان شكل اللي جاي كدا سواد، من النهارده عايزك تشيلي الحاجات الوحشة دي من عقلك، وتحاولي تبقي عاقلة كدا، وبلاش أمور الاستفزاز عشان أنا جايب آخري.
تركها تناظره بغرابة، وغفا على الأريكة يضع يده على عينيه ليحجب ضوء الحجرة، وبـعقله يـفكر بأمرها الذي أصبح يشغله.
***
أما بالأسفل بمطبخ القصر كان يقف [مرعي] يتناول الماء، فوجدت [سامية] دخلت، وحينما رأته لوت فمها بتزمت.
استغفر الله العظيم على الإشكال اللي جاتلنا.
أغلق قنينة المياه بستياء.
الله ليه بس كدا يا نعناعة حياتي، دا بدل ما تقوليلي إنك شفتي ملك جمال مصر.
لوت فمها بتزمت.
أنت ملك جمال مصر؟ أومال [جواد] باشا يبقى إيه؟
لأ [جواد] باشا دا حلاوة تجزع النفس، زي عصير القصب المسكر، أومال أنا حرش زي البصل مطلوب كتير.
بقا البصل مطلوب، وعصير القصب اللي يروي الواحدة بقا يجزع النفس.
أيوه، اسمعي مني، أنا النسخة الأورچينال.
أبعدته بيدها لتفتح الثلاجة.
طب وسعلي كدا يا أورچينال عشان عطشانة وعايزة أرتوي.
اعصريني وشربيني يا نعناعة قلبي.
أشربك هو في حد بيشرب بردو البصل؟ بلا نيلة بقا مش شبه لي نفسك بالبصل.
بس الحرش، ياريت تاخدي الكلمة على بعضها.
بص يا [مرعي]، أنت بكبيرك أوي أعتبرك زي أخويا، أنما غير كدا متلاقيش يا عنيا.
زم فمه بستياء.
أخوات؟ لأ، متشكر.
العفو.
قطب جبهته مستفهمًا.
بصي أنت شكلك كدا ملكيش في البصل الحرش، يمشي معاكي طبق الفول المدمس.
نفخت بزمجرة.
بصل وفول مدمس؟ والله أنت أخرك رنجة.
يوه، ومالها الرنجة بس يا نعناعتي، دي حتى عليها الطلب.
[سامية] بتزمت.
أنا همشي قبل ما مرارتي ما تتفقع.
كادت تذهب لكن الكهرباء انقطعت عن القصر بالكامل، فـامسكت بيد [مرعي] بخوف.
النور قطع ليه؟ أنا بخاف من الضلمة يا [مرعي].
عانقها من منكبيها مبتسمًا.
الله عاش إيدك يا ريس، ضلمها علينا، هو أحنا خدنا إيه من النور.
نغذته بكوعها بصدره بتزمت.
النور يشتغل، وأنا هكسرلك دراعك يا فحل البصل.
تبسم بضحكة استمتاع.
ضرب الحبيب زي أكل الزبيب يا نعناعتي، امسكي فيا بضمير بدل ما تلاقي حاجة بتشدك.
بتلك اللحظة سمع صوت حركة تأتي من الإيڤينچ، فقالت [سامية] باقتراح.
اتحرك معايا، شكل حد صحي ونازل يشوف النور قطع ليه.
ما إحنا كدا حلوين.
حلوين؟ طب لو ممشيتيش معايا هصوت، وألم عليك البيت، وأقول إنك بتتهجم عليا.
زم فمه بسخرية.
أتهجم عليكي؟ مرة واحدة، دا أنا ماسكك أكنى ماسك مصارع، دا أنت عندك عضلات مش عندي.
يالهوي، هصوت يا [مرعي].
خلاص، خلاص، أمشي معايا.
بدأ يتحركا سويا بحذر في الظلام، حتى وصلا لستارة ممر المطبخ المقابل للإيڤينچ، وقبل أن يتخطي الستارة، سمعا شخصًا يقول بأمر ذات صوت منخفض.
كل واحد فينا هيعمل اللي أطلبه منه، هنطلع نولعوا في أول و تاني أوضة، وننزل على طول، مش عايز غلطة عشان الباشا ميولعش فينا.
دب الخوف بقلب الاثنين، ونظرا من خلف الستارة، فوجدا رجلين بأقنعة سوداء، يمسكان بكاشفات ضوء، وبيد كل منهما جركن بنزين، فنظرا بخوف إلى [سامية] قائلًا بصوت بالكاد تسمعه.
الأوضة الأولى والتانية بتوع [فوزي باشا] و [فارس] و [الواد] كريم.
و [هشام] بيه أنا شوفته من قيمة ساعة داخل ينام عند [فارس] بيه.
هتفت [سامية]، فتجحظت عيناهما بخوف الموت مما سيحدث.
***
بذات الوقت، بحجرة [غنوه]، فكانت تسأل [ياسر] باستفسار.
مقولتليش إيه الحاجة اللي هتدمر [جواد]؟
ناظرها بخبث.
موت أخوه وعمه.
تجحظت عينيها بصدمة.
أنت ناوي تموت [فارس] و أونكل [فوزي]؟
هما ونصيبه، لا يموتوه، يا أما يتشوه.
تلبكت بقلق.
بس هو كدا مش غلط، هما مالهومش ذنب؟
لأ، ليه؟ دول أهله، وأكتر ناس هتوجعه. وبعدين بلاش قلبك يبقى رؤيا كدا، عشان إحنا لسه بنقول يا هادي.
[غنوه] بصلابة.
من يوم اللي حصل وبابا مات بسبب جواب [جواد]، وأنا شيلت الرؤية من قلبي، وحلفت إني مش هرتاح غير لما أخليه ذليل ملوش قيمة.
ملس على شعرها بدعم.
هيحصل قريب أوي، زمان دلوقتي [قصر الهلالي] مولع.
طب هو أنت عارف أزي إن النار هتوصل لـ [فارس] و أونكل [فوزي]؟ بس.
عشان العين اللي لينا في قصرهم، حددتلي مكان أوضة، وعلى أساسهم اتحركوا رجالتي.
[غنوه] ببسمة.
مع إني مبحبش الأسلوب دا، بس أنا معا أي حاجة توجع [جواد].
[ياسر] ببسمة ربح.
تعالى في حضني بقا، خلينا نحتفل.
زمت فمها ببسمة خجل، فقد فهمت مقصده، واقتربت منه لتسكن ذراعيه، وتبدأ معه ليلتها التي ستشهد على اندماجهما كجسد واحد.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل التاسع 9 - بقلم لادو غنيم
سمع ما دار بين الدخيلين اللذين على وشك إشعال النيران بغرفة النائمين، فخطرت فكرة على عقل مرعي. أخرج الجوال من جيب بنطاله ودخل قائمة الموسيقى وفعل موسيقى الشرطة ورفع الصوت لأعلى درجة. ضربت الموسيقى بصدى صوتها في ذلك المكان الهادئ، مما أثار قلق الدخيلين، فقد ظنوا أن الشرطة أتت.
تلخبطوا وأسرعوا بالركض للاختباء خلف الستارة. فتفاجئ بسامية بوجههم على وشك الصراخ. فرفع أحدهم يده ليلكمها، فخرج مرعي من خلفها ممسكاً بيد الدخيل قائلاً: "ارفع يدك على واحدة ست يا خسيس، حقيقي الرجولة لم، يا جدعان". ختم كلمته بضربة رأس قوية بمنتصف أنف الدخيل تسببت بكسر أنفه وإغمائه.
فأخرج الآخر سلاحاً حاداً يلمع في الظلام واقترب من مرعي ليمزق معدته، لكنه تفادى الطعنة وركله بقدمه بقوة بمنتصف معدته، ثم جذبه من يده وضربة بالرأس ثلاث مرات، فسقط بجوار الآخر.
أما هو فعدّل من لايقة التي شيرت قائلاً بثقة: "مفكرين نفسكم هتعدوا وأنا موجود، دا حتى عيب، عايزين جواد باشا يقول عليا إيه، معرفش أربي العسكري بتاعه ويقعد يبهدلني". اكتفى من الحديث معهما ونظر لسامية ببسمة فخر: "ايه رأيك يا نعناعتي، شوفتيني وأنا بكسر عضمهم زي القراقيش؟"
لوت فمها بتزمت: "ده وقت كلام، إحنا هنفضل نتكلم كده لحد لما يصحوا؟"
"آه عندك حق، خدي كشاف وروحي شغلي النور على ما أشوف حاجة أربطهم بيها، ياله بسرعة."
أومأت وذهبت، وبعد دقائق اشتعل الضوء بالقصر وكبل الدخيلين، ثم سحبهم بمساعدة سامية لحجرة فارغة بحديقة القصر.
بعد ذلك اتجه لحجرة نوم جواد ليوقظه وطرق الباب خمس طرقات. ففتح جواد عينيه ونهضا من فوق الفراش ونظر للساعة، فكانت الثانية صباحاً. فالتفت للخلف ووجد ريحانة غارقة في النوم.
فتجه للباب وفتحه بحذر لكي لا يراها من بالخارج، فوجدا مرعي، فقاله برسمية: "بتخبط ليه في ساعة زي دي؟"
"فيه اتنين دخلوا القصر، بس إحنا مسكناهم وحبسناهم تحت."
خرج من الحجرة وأغلق الباب خلفه متسائلاً بحدة: "مين دول وهما فين دلوقتي؟"
"معرفش، بس كانوا عايزين يحرقوا أوض فاروق بيه وفارس بيه، بس أنا مسكتهم وحبستهم في أوضة الجنينة."
غمم الغضب على عينيه ونزل بعاصفة محملة بالعصيان لذلك القدر المصمم على أخذ كل شيء يتعلق به. وبعد خمس دقائق أصبح داخل الحجرة أمام الرجلين اللذين عادا إلى وعيهما. فقرب منهما هاتفاً بصرامة: "هنجيب من الآخر، وهتقولوا لي مين أنتوا ومين اللي وراكم، وإلا حابين تسمعوا مني وساخة لسان وعلقة محترمة."
تعمدا الصمت، فتحرك رأسه بإدراك لإجابتهما: "تمام، حابين تسمعوا وساخة لسان وعلقة محترمة، تمام يا رجالة، بس متبقوش تزعلوا مني." أنهال عليهما بأفظع الألفاظ مع عراك تسبب بنزيف أنفهما وفمهما.
ثم وقف بشموخ يعيد خصلات شعره عن جبهته تزامناً مع أخذ أنفاسه بلهفة: "واضح كده إنكم متعودين على الضرب، تمام أوي، خلونا ندخل بالتقيل."
"مرعي ناولني الحديدة اللي جنبك دي."
"استهدى بالله يا باشا، الضربة منها هتجيب أجلهُم."
"نفذ الكلام، هاتها."
التفت وأخذها ثم أعطاها له، فأخذها وصار إليهما يشير بها عليهما: "أنا بقول نبدأ بتكسير العضم وبعدين ندخل على المصلحة ونفصلها عن الجسم خالص، إيه رأيكم يا رجالة؟"
نظرا لبعضهما بقلق، فنظر لهما مرعي هاتفاً بتحذير: "ده ميهزرش، اسألوني أنا، والله هيفصل المصلحة بجد، وكله إلا المصلحة، دا الواحد منا ملوش غير مصلحته يا رجالة."
"لاء رجالة إيه، إنتو بعد مايفصلكم المصلحة هتبقوا زينة البنات."
حذرهما فزادت الخوف بقلبهما، فقال أحدهما مسرعاً: "لاء استنى يا باشا، إحنا اللي بعتنا ياسر بيه، هو اللي قالنا نيجي ونحرق أول أوضتين."
لمعت عينيه بشراسة وألقى الحديدة من يده تزامناً مع صرامته: "ياسر بيه، أيوه كده. وريني تلفونك بقا يا حيلة أمك منك ليك." انحنى وأخذ الجوال من جيبهما وبدأ بفحص سجل المكالمات لديهما، فعثرا على رقمه بقائمة المتصلين.
فتصلا عليه، فنهض ياسر من عناق غنوه وأمسك بالجوال يجيب ببسمة ربح: "إيه الأخبار؟ أقول الله يرحمهم."
"لاء لسه ليهم عمر."
اتسعت مقلتاه بغضب: "مين معايا اللي هيقلبك ست يا حيلة أمك، ظبط كلامك عشان مزعلكش."
"الظبطان ده هعلم هولك على إيدي، جوز الخرفان اللي بعتهم متكتفين ومحدوفين تحت رجلي."
"بالله يا ياسر، لـهخليك من كتر اللي هعمله فيك تخاف تنام لأحسن أجيلك في كوابيسك."
صك على أسنانه بزمجرة: "كوابيس مين؟ إنت لحد دلوقتي متعرفش أنا مين وقدر أعمل فيك إيه؟"
"لسه متخلقتش اللي يخوفني، بالله لـخسف بيك الأرض إنت واللي يتشددلك. فوق أنا جواد الهلالي اللي بيشيب رجالة بشنبات العقرب يا حيلة أمك. كل كلامك ده ملوش قيمة عندي، يكفيني إني عارف إنك مدبوح بسبب حبيبة قلبي اللي عندك. ريحانة، ياترى أخبارها إيه؟ أوعى تكون مزعلها لأحسن هي رقيقة أوي وناعمة أوي."
"محتاج حد محترم يرد عليك بدالي عشان ردي ميعرفش حاجة عن التربية وهيبقى فعل، ولو فعلت هـتعبك لدرجة إنك هتحب الفكرة ومش بعيد تقلب نفسك ست عشان تتكيف أكتر."
اشتعلت النيران في عروقه، فأغلق جواد الجوال مردفاً بصرامة: "غوروهم في داهية، مش عايز ألمح خلقتهم هنا، ومش عايز حد ياخد خبر عن أي حاجة حصلت."
أومأ مرعي بالموافقة ونفذ أوامر جواد الذي ألقى الجوال من يده وذهب لحجرة نومه. وفور دخوله نظر إلى من تغفو مثل الملائكة بأنوثة تتحدث عن جمالها، فكان يشعر بالغضب منها بسبب ما سمعه من زوجها السابق، وكاد يوقظها ليفرغ حقده بها، لكنه تراجع في الدقيقة الأخيرة وألقى بجسده على الأريكة محاولاً تفادي تلك البراكين التي تحاول إشعال الدماء بعقله.
أما لدى ياسر، فجلست غنوه بجواره بعدما سترت جسدها بالغطاء: "مالك إيه اللي حصل؟"
فزع من جوارها بحنقاً يرتدي بنطاله بشخط: "مفيش حاجة خالص حصلت."
"جواد مسك الرجالة بتاعتي ومتصل يهددني كمان."
"بجد؟"
"متشغلش بالك بيه، إنت عارف كويس إنه مش هيقدر يعملك حاجة. ولو رجالتك فشلوا المرة دي فالجايات كتير."
"غنوه مش عاوز غباء، بقولك إيه سيبيني وروحي نامي في أي أوضة تانية. كفاية موضوع ريحانة."
"هو إيه اللي نامي في أوضة تانية؟ بقولك إيه أنا بقيت ملاحظة إن كل ما تذكر اسم الزفتة ريحانة تتجنن وتتعصب، هو إنت حبتها بجد وإلا إيه؟"
زاغت عيناه بعيداً عنها بشغفاً حاول إخفاءه بإنكاره الجاف: "ريحانة إيه اللي أحبها، فوقي يا غنوه بلاش كلام ملوش لازمة."
"ياسر، أنا مش عبيطة، ساعات كتير بحس إنك ميال للبنت دي بس بفوت بمزاجي، لكن يوم ما اتأكد إنك بتحبها، مش هرحمها."
"إنت اتجننتى خالص، أنا هسيبلك الأوضة كلها عشان ترتاحي."
صار خارجاً من الحجرة تاركها تبصر في أثره بشك.
أشرق صباح يوم جديد بحجرة نوم جواد الذي لم ينام منذ البارحة. وفي تلك اللحظة حيث السادسة والنصف، كان يقف أمام المرأة يهندم خصل شعره بعدما غير قصة شعره وأصبح يمشطه للخلف وليس للأمام. وارتدى بذلة بيضاء بقميص قحلي اللون وسديري بذات اللون الأبيض وسترة وبنطال بذات اللون وحذاء أسود، فكأنه في غاية الفخامة الممتزجة بالوسامة.
وفور انتهائه التفت ليذهب، لكن ريحانة استيقظت على صوت حركته بالحجرة وجلست على الفراش تناظره بتساؤل: "هي الساعة كام؟"
"داخل على سبعة."
فركت عينيها بنعاس: "بدري أوي، إنت صاحي بدري كده ليه؟"
هتف بجفاء وهو يوزع العطر على جزعه العلوي: "مش عايز أسمع صوتك لحد ما أخرج من الأوضة."
ضيقت عينيها متسائلة: "هو أنا عملتلك حاجة أصلاً؟ إنت ليه مش طايقني كده؟"
ترك الزجاجة على الطاولة بقوة واستدار لها بشخط: "خلقي في مناخيري، اصطبحي وقولي يا صبح عشان مطلعش خنقتي عليكِ."
"هو أنا جيت جنبك عشان تطلع خنقتك عليا؟"
"بالله يا ريحانة، لو محطيتيش لسانك في بوقك واعتمدتي السكوت، لا أخلي اصطباحتك زفت على دماغك."
"خلاص مش هتكلم، بس هو إنت هتسيبني هنا لوحدي؟ أنا هخاف، قعد مع الناس اللي هنا."
"متخافيش مش هياكلوكِ، أنا همشي دلوقتي. عالله تفتحي بوقك بالكلام مع نسمة في أي حاجة تخصنا، اديني نبهت عليكي."
"حاضر."
التفت وغادر الحجرة، أما هي فمددت جسدها على الفراش لتكمل نومها الذي يداعب جفونها.
بعد ساعتين بمقر شركة المغازي، وبالأخص بمكتب مدير عام الشركة، نجد جبران يجلس بهيبته المعتادة ببدلة رمادية، يناظر بعينيه البنيتين جواد الذي طلب لقاءه، فاستقبله بترحيب هو وعمران الجالس أمام هشام.
"نورت شركة المغازي يا حضرة الظابط."
"لأ، ده كان زمان، خلاص مبقتش ظابط، وكنت جايلك عشان حاجة تانية خالص."
"خير."
"أنا مسكت شركة عائلتي شركة الهلالي وعاوز خدمة منك."
"خدمة إيه؟"
"من سنة لما قابلتك في تأمين مزاد وزارة الداخلية وسهلت نقل المقتنيات وتخليص الأوراق ليك، افتكر أن يوميها قولتلي لو احتجت أي حاجة في أي وقت أجلك، فاكر طبعاً، ولسه عند كلمتي."
"بارون الغنيمي."
ضيق الآخر عينيه بغرابة تحتويها الجفاء: "اشمعنى؟"
"ليا حق عند أخوه، والحق مش هيرجع غير باللعبة الصح، وأخد كل لقمة نفسهم فيها."
تدخل عمران متسائلاً برسمية: "المطلوب إيه؟"
"مزاد مصانع البزاوي ترسى عليا."
زم جبران فمه ببسمة استفهام: "إنت عارف المزاد ده محتاج كام مليون عشان يرسي عليكم، مش أقل سبعين مليون جنيه، عارف كده كويس، عشان كده جالك؟"
"إنت جاي تستلف سبعين مليون جنيه، مش شايف إن الموضوع مش مناسب."
"أنا طالب شراكتكم في المزاد، المهم إن البارون ميطولش قشاية منه."
تبادل جبران وعمران نظرات الاتفاق على ذلك العرض.
رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل العاشر 10 - بقلم لادو غنيم
"أنا طالب شراكتكم في المزاد"
المهم إن [البارون] ميطولش قشايه من المزاد.
تبادل [جبران] و [عمران] نظرات الاتفاق على ذلك العرض.
أما هو فأكمل بذات الرزانة: "لو الفلوس موجودة وزيادة، ومستعد أبيع اللي ورايا واللي قدامي، ولا أخلي [البارون] يطول قشايه من المزاد. أنا طالب شراكتك لإني عارف كويس إنك حتة تقيلة في السوق، والكل بيعملك حساب، ودخولك المزاد هيضعف قوتهم، ومحدش هيقدر يقف قصادك. أنا مش هسألك عن سر العداوة اللي بينكم، ولا هقولك إني ماليش علاقة بالموضوع عشان أدخل نفسي في عداوة مع حد، لكن هـوافق لسبب واحد إني مابرجعش في كلمتي، وأنا وعدتك من سنة إنك لما تحتاج خدمة مني هتلاقيني جنبك."
[جواد] بتأكيد: "اعتبر كلامك موافقة رسمية منك."
[جبران] بتأييد: "أكيد، لكن اللعب هيبقى على طريقتي. أولاً أنا مش محتاج للمزاد عشان أشاركك فيه، لكن بما إنك عايزه فـبوعدك إنه هيرسي عليك."
"إيه المقابل؟"
"مفيش مقابل، أنا بقدم لك الخدمة اللي وعدتك بيها."
زم فمه ببسمة: "تعالى، بس أنا مبحبش حد يقدم لي خدمة ببلاش، عشان كده هيبقى لك 10% من أرباح مبيعات صفقة المزاد لما تتم."
[جبران] برسمية: "بحب عزة النفس، يابن [الهلالي] أنا موافق. المزاد بكرة، نتقابل الساعة عشرة قدام باب المزاد."
نهض بشموخاً يهندم من سترته: "اتفقنا، نتقابل بكرة، عن إذنكم يا بشوات. يلا بينا يا [هشام]."
نهض [هشام] وودعهُم، وسار برفقة [جواد] ليذهبان لشركتهُم.
وبعد ساعتين بالشركة، بمكتب [جواد] كان يجلس على المقعد، وسترته معلقة على علاقة السترة، وأكمام قميصه مطوية حتى كوعيه، يتفحص بعض الأوراق بعناية حتى أتاه اتصالاً من رقم [ياسر]، ذلك الرقم الذي رسخه بعقله منذ ليلة البارحة.
فحمل الجوال واستقبل المكالمة، ثم وضع الهاتف على أذنه ليسمع الآخر يقول: "ياترى لسه فاكر صوتي؟"
[جواد] مجيباً بجفاء: "وأنا بأقول التليفون ماله بقى نجس كدا لي."
لوى الأخر فمه بحنق تزامناً مع جلوسه بمقعد حجرته: "لم لسانك عشان مزعلكش مني."
"وريني زعلك، أصل اللي بتكلمه دا ميهموش زعل حد، كله تحت رجلي."
"طب [ريحانه] عاملة إيه؟"
قبض مرفقه يفرغ بعضاً من غضبه، مجيباً بجفاء: "زي الفل بتسلم عليك."
تبسم [ياسر] باستفزاز له: "تصدق واحشتني أوي!!"
"بأقولك إيه، ما تبقى تسلفهالي ساعة أظبط نفسي بيها، وارجعهالك."
[جواد] بحتقار صوته: "معنديش مشكلة، بس لما تسلف لي أمك الأول تظبطني، دي أكيد خبرة، وأنا بحب النسوان اللي عندها خبرة."
ضرب الطاولة بيده معترضاً بشخط: "لحد هنا وتخرس خالص، أنا صبري بدأ ينفذ منك."
"وهو حد قالك تصبر عليا؟"
"واضح كده إنك مش همك حاجة، بس معلش، كله في وقته حلو."
تراجع بـجسده ليسترخي على المقعد متسائلاً بخشونة: "الباشا مش هيقول هو مين، وعاوز مني إيه، وإشمعنى أنا بالذات اللي عايز تتلاعبُه؟"
جلس من جديد هاتفاً بجدية: "أنا عملك الأسود في الدنيا."
تذكر [ريحانه] فقاله ببرود: "لأ، عملي الأسود موجود، وبالدوبل كمان. شوفلك حاجة تانية. إنتَ عايز توصل لإيه بالظبط؟"
تقدم للأمام يضع يده الفارغة على حافة الطاولة، متسائلاً بحنق مختلط بصوتاً ضئيل: "عايز أعرف إنتَ مين، وليه بتعمل كدا، وإشمعنى أنا بالذات اللي اخترته عشان أتجوز طليقتك؟"
"الحسبة بسيطة أوي، برجع حق حد غالي عليا منك. [غنوه] فاكرها؟"
تجحظت عينيه بكراهية: "[غنوه] الزهري، إنتَ إيه علاقتك بيها؟"
"مانا قولتلك غالية عليا. تقدر تقول كدا قصدتني أجيب لها حقها منك بعد اللي عملته معاها من سنين، فاكر؟ ولا تحب أفكرك؟"
عاد بذكرياته للوراء، لذلك اليوم الذي قابل به [غنوه] بمكتبه بالقسم، بعدما اتصل بها وطلب حضورها.
[حدث في وقت مضى]
أتت [غنوه] وجلست أمامه بمكتبه، فنظر إليها باحتقاراً: "أهلاً [بغنوه] هانم."
[غنوه] ببرود: "عايز إيه يا [جواد]؟ دلوقتي بقيت عايز إيه؟ الله يرحم اللي كان بينا؟"
"اللي كان بينا ساعدتك اللي رميته."
[جواد] بانزعاج: "هو عشان سيبتك ومردتش أتـجوزك تقوم تلفي حوالين [هشام] وعايزة تشيليه ليلة مش ليلته؟"
[غنوه] بزمجرة: "مردتش تتجوزني بعد ما عملت عملتك معايا وسبتني حامل، والله أنتَ وابن عمك واحد، خليه يلبس الولد."
ضرب الطاولة بقبضته بانفعال: "بالله لو مظبطي نفسك لهحدفك في التخشيبة ومش هتشوفي الشمس تاني. عملت إيه، اللي بتتكلمي عنها؟ محسساني إنك كنتِ بنت بنوت وأنا اللي ضيعتك. فـوقي يا [غنوه]، أنا يوم ما قربت منك لقيتك متاحة للكُل، مكنتيش بنت بنوت، وهي ليلة مفيش غيرها اللي قضيتها معاك بسبب الزفت اللي كنت شربُه. أما بقى الحمل، فمش مني. عارفة ليه؟ عشان فاكر كويس يوميها إنك قولتي لي إن الزفتة بتاعتك متأخرة بقالها يومين عن ميعادها وقلقانة لتجيلك وإنتِ معايا، فإزاي بقى حصل حمل؟"
قالت بثبات رهيب: "اللي حصل بقا قدرت ربنا."
"آه قدرت ربنا، ولا كهن نسوان! دإنتِ من فجورك رحتي ولعبتي على ابن عمي وشعلقتيه بهواكِ، وبكل بجاحة قضيتي ليلة معاه، وجاية توهميه إنك حامل ومنه كمان. عايزاه يلبس عيل مش ابنه."
[غنوه] باعتراض: "اللي في بطني ابنك، وكل ما هتنكر هدبسلك [هشام] فيه."
[جواد] بتحذير: "اللي في بطنك ولا ابني ولا ابن [هشام]. ومن الآخر كده هما كلمتين ملهومش تالت، تغوري من البلد ومشوفش وشك تاني، وحسك عينك [هشام] ياخد خبر بأي حاجة، ولا هى طلقة طايشة تـخرج من مسدسي فيكِ ومش هاخد فيكِ دقيقة حبس، وإنتِ عرفاني مبهزرش وقد إيه كلمة بقولها؟"
نهضت بقلق: "إنتَ بتهددني؟"
"بالظبط كده. عقلك في راسك تعرفي خلاصك يا ست الشريفة."
[عاد من الذكريات]
بعدما تذكر آخر لقاء بينهما قبل أن تفر هاربة من البلد، هتف بشك: "طبعاً فاكرها كويس، بس هو أي حد يقصدك في خدمة تقوم تخرب حياة أي حد تاني؟ مش شايف الموضوع مش راكب على بعضُه؟"
"هو يبان غريب، لكن بالنسبالي تمام. ليه جوزت [ريحانه] ليا؟ إيه الهدف؟"
"حاجة بسيطة، أنا كنت متجوزها، وللأسف طلقتها تلات طلقات. وحبيت أرجعها ليا تاني، فقصدتني [غنوه] إني أجيب لها حقها منك، فقولت أصطاد عصفورين بحجر واحد: جوزتهالك عشان تحس بالذل وكسرة النفس لما تعرف إنك مجرد محلل، وعشان لما تطلقها أقدر أرجعها لحضني تاني. شوفت الحسبة سهلة إزاي؟"
"كده فهمت اللعبة. [ريحانه] مجرد طُعم عشان تكسر ضهري وتصغرني في عين نفسي وتشفي غليل [غنوه] مني، وبكل ثقة ناوي تاخد البنت مني؟"
"براڤو عليك، هو كدا بالظبط."
تنهد الأخر برسمية الحرب: "إنتَ اللي بدأت اللعبة معايا، ومفكر نفسك هتبقى الليدر بتاعها، بس للأسف أنا مبمشيش على هوا حد. إنتَ اللي بدأت الحرب بينا، والحرب مش هتنتهي غير بدفنك إنتَ وأهلك وغنوه تحت رجلي. أما بقا بالنسبة لـ [مراتى]، فـشيلها من دماغك خالص، لإني مش هطلقها مهما عملت. فكرة موتك أسهل بكتير من فكرة رجوعك ليها."
تجحظت عينيه بكراهية: "[ريحانه] بتحبني وعمرها ما هتحبك، ولا هتقبل إنها تكمل معاك، وأنا مش هسيبهالك."
[جواد] بنهي: "مش بمزاجك ولا بمزاجها، هي هتفضل مراتى غصباً عن عينها وعينك، وأعلى ما في خيلك اركبه."
[ياسر] بتحذير: "طول ما [ريحانه] عندك الحرب اللي بينا مش هتخلص غير برجوعها لبيتي. يبقى الحرب هتفضل شغالة بينا لحد ما يموت واحد فينا. أما [غنوه] فـبلغها إنها مش هتوصل للي عايزاه، وكل اللي بتفكر فيه تبلُه وتشرب مايتُه."
أغلق الجوال بوجه [ياسر] ووجد أحدهم يطرق عليه الباب.
فقال بشخط: "ادخُل."
دخل [مرعى] وبيده صينية عليها كوب الشاي بماء الورد، واقترب من طاولة المكتب مردداً بصوتاً منخفض: "يادي النيلة، شكل حد معكنن عليه، وأنا اللي هشيل الليلة."
وضع الكوب على الطاولة قائلاً ببسمة: "أحلى كوباية شاي لأجدعها سيد أعمال."
زم فمه بحنق: "سيد أعمال، بقولك إيه أنا مش طايق نفسي، روحى في مناخيري. امشي من وشي."
تراجع خطوات للوراء مردداً بقلق: "لأ، وعلى إيه بس. كنت عايز أقولك إن [هشام] بيه قالي أبلغك إنه هيمشي عشان حاسس بشوية صداع."
"تمام."
[مرعى] ببسمة: "بس ساعدتك مقولتليش إيه رأيك فيا وفي اللي عملته امبارح مع العيلين، حاجة ظُباطي خالص."
[جواد] بجدية: "اخرج واقفل الباب وراك. عدي يومك معايا عشان العفاريت بتتنطط قدام وشي؟"
[مرعى] باستياء: "وهي من إمتى سكتت؟ دأنا من يوم ما اشتغلت معاك وهي بتتنطط قدام وشك يوماتي، دا أنا مصدقت نمشي من الصعيد عشان نرتاح منها، تقوم تيجي ورانا على هنا. فعلاً المنحوس منحوس."
[جواد] بشخط: "[مرعى] غور من هنا."
"يعني مطرود من الشغل بسببك، وإمبارح مسكت مجرمين وعرضت نفسي للموت بردو بسببك، وفي الآخر بتطردني من المكتب. حقيقي آخرة خدمة الغز علقة. بالله هقوم أنتفك شعرة شعرة لو مخرجتش من هنا."
تعصب [جواد] فخرج [مرعى] سريعاً.
أما هو فاخذ أنفاسه بلهفة، ثم جلس على مقعده متسائلاً بداخله: "إزاي متمسك بيها أوي كدا، وإزاي كان بيشجعني ويستفزني عشان أقرب منها؟ الموضوع فيه حاجة غلط، والحاجة دي مش هعرفها غير منها هي."
ظل يفكر بأمرها المشكوك فيه، ثم أكمل مراجعة الأوراق.
***
بذات الوقت بالقاهرة، بحجرة نوم [ريحانه] كانت تجلس على الأريكة برفقة [نسمه] التي تسألها: "ها يابنتِ، عمل معاكِ إيه؟ طمنيني."
لوت فمها بقلق: "مش هقول عشان ميزعقليش."
"هو إنتِ قولتي له إني عارفة إنه مقربش منك؟"
"أيوه."
ضربت ساقها بيدها باستياء: "غبيه أوي بجد، هو في حد عاقل يقول كده؟ إنتِ عايزة تجننيني يا [ريحانه]؟"
"لأ والله، بس اللي حصل بقا."
تنهدت [نسمه] بهدوء: "طب قوليلي، هـو لما شافك مقربش منك ولا قرب؟ جاوبي بـ اه أو لاء."
[ريحانه] باستياء: "لأ."
ضيقت عينيها باستغراب: "لأ؟ هو إيه جبله مبيحسش؟ دأنا قـولت مش هيقدر يقاوم وهيـتجاب على بوزه؟"
"طب قوليلي، هـو محاولش حتى إنه يقرب خالص؟"
"لأ."
"لأ؟ أنتِ كده هتخليني أشك فيه. اومال الطول والعرض والعضلات والهيبة دي كلها إيه زينة على الفاضي؟ لأ الموضوع فيه حاجة غلط. بصي إحنا نتقل العيار شوية ونشوف لو استجاب يبقى تمام، وكان بيكابر. إنما بقى لو مقربش فكده هيخليني أشك إنه ملوش في البنات؟"
قوصت الأخرى حاجبيها: "يعني إيه؟"
[نسمه] بجدية: "متشغليش بالك بكلامي. المهم قوليلي بتعرفي ترقصي؟"
تبسمت بخجلاً: "أيوه، كنت بشوف مرات أبويا بترقص فاتعلمت."
[نسمه] بشك: "حلو أوي، قومي بقا وريني كدا عشان أعرف إذا كنتِ بتعرفي بجد ولا بتحوري عليا."
شغلت موسيقى شرقية على الجوال، فنهضت [ريحانه] وبدأت تتراقص مع دقات العزف باحترافية، مما جعل [نسمه] تطفئ الموسيقى تزامناً مع مدحها: "تحفة أوي إنتِ، ولا أجدعها راقصة شرقية. كدا اطمنت عليكِ. دلوقتي بقا تعالي هنطلب بدلة رقص شرقي تبقا شيك ومغرية، وهقولك تعملي إيه بقا."
جلست [ريحانه] بجوارها، وبدأت باختيار البدلة، فاختارتا بدلة سوداء مفتوحة الأجناب من الفخذين حتى الكعب مرصعة بدوائر ذهبية، وأكمام بها دوائر تظهر بياض يديها، وعلى الخصر حزام مرصع بالدوائر الذهبية، ومن الصدر مفتوحة حتى منتصف الخصر، وأسفلها حمالة صدر مرصعة بتلك الدوائر الذهبية. كانت غاية في الجمال والإغراء.
وبعد أن اختارتاها، نظرت لها [نسمه] بتمهيد: "بصي بقا بالليل كدا لما ييجي [جواد]، عاوزاكِ تفضلي هادية ولابسة أي حاجة من هدومك، وبعد ما يقعد ويغير ويرتاح من فرهدة الشغل، عاوزاكِ تقومي وتدخلي الحمام وتاخدي شاور وتلبسي بدلة الرقص، وتعطري جسمك بعطر طلبتهولك خاص بالمتجوزين، وتحطي ميكب هادي كده، أهم حاجة كحل في عيونك، والأحمر بتاع امبارح، وتطلعي تشغلي الأغنية على الشاشة، أنا هحملهالك وهعرفك بتشتغل إزاي. المهم تشغليها وتبدئي ترقصي بدلع، من غير ما تطلبي منه حاجة. هو بقى مش هيقدر يقاومك، والمراد هيتم من غير ما تقللي من كرامتك معاه."
[ريحانه] باستفسار: "حاضر، بس قوليلي هو إنتِ عرفتي كل الحاجات دي إزاي؟"
تبسمت [نسمه]: "لإني كنت متزوجة، بس بقالي ست شهور مطلقة."
[ريحانه] باعتذار: "مكنش قصدي أزعلك."
"لأ يا حبيبتي مفيش زعل. أنا هقوم دلوقتي عشان عندي شغل، هخلصه وارجعلك."
أومأت بتفهم، فنهضت [نسمه] وذهبت من الحجرة، تاركة [ريحانه] تتمدد فوق الفراش تفكر بالليل الذي سيجمعها مع [جواد].
***
بذات الوقت بالقاهرة، بحجرة نوم [أدم] الممدد فوق الفراش، تجلس [ثريا] تناظره باستفسار: "كل ما أبص في وشك أفتكر أمي."
تبسمت بحزن: "ياترى بقا بتبقى مبسوط ولا مضايق؟"
"الاتنين. إنتِ لسه متعرفيش حاجة عن اللي عملته."
[ثريا] بفضول الحزن: "كملي حكاية والدك مع [ياسمينا]."
"بعد ما والدي ما شغلها عندنا، تاني يوم بالليل رجع والدي من الشغل، ولقاها محضرة العشا، فوقف يكلمها في ريسبشن شقتنا."
عاد بذكرياته للوراء، يتذكر حينما سمع صوت والده الذي يقف بالريسبشن يتحدث معها بعدما عاد من العمل.
[ياسمينا] ببسمة: "متشغلش بالك بيا، حقيقي [أدم] طفل مريح جداً وبيسمع الكلام، وأنا استمتعت جداً معاه امبارح."
[خليل] ببسمة احترام: "أنا أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة، ولو احتاجتي لأي حاجة قوليلي."
"شكراً بجد، مش محتاجة لأي حاجة طول ما أنا معاك أنتَ و [أدم]. صح، أنا عرفت من [أدم] إنك بتحب الحمام المحشي فريك، فعاملت لك هولك، إن شاء الله هيعجبك."
تذكر حينما كان يطلب من [ثريا] أن تطهوه له، لكنها كانت ترفض دائماً بسبب انشغالها بالعمل، فلمعت عيناه ببسمة ارتياح: "تسلم إيدك، مكنش في داعي تتعبي نفسك."
"لأ مفيش تعب، أنا كنت مبسوطة أوي وأنا بعملك الأكل، بس عالله يعجبك."
"أكيد هيعجبني، تسلم إيدك مقدماً. على العموم أنا هدخل آخد شاور على ما تحضري الأكل."
سار [خليل] لحجرة نومه، أما هي فدخلت لـ [أدم] تقول بمحبة: "مين القمر حجى اللي عملتلهُ الجلاش اللي بيحبه؟"
ركض إليها [أدم] وعانقها من خصرها بفرحة: "أنا بحبك أوي يا [ياسمينا]."
ضمته بود: "وأنا بحبك يا حبيبي. يلا بقى خلينا نروح نجهز الأكل لبابا."
"يلا تعالى ساعدني يا بطلي."
أمسك بيدها وذهبا سوياً للمطبخ، ووضعوا الطعام على الطاولة، وبعد نصف ساعة خرج [خليل] وجلس يتناول الطعام برفقتهم، وبعد الانتهاء ساعد [ياسمينا] بلم الأغراض من على الطاولة.
ومرت نصف ساعة أخرى، وجلس [خليل] على الأريكة، وبجواره [أدم] بالمنتصف، وبجوار [أدم] تجلس [ياسمينا] يشاهدون مسرحية مدرسة المشاغبين، يتبادلون الضحك، وأمامهم أصحن الحلويات. كانت الأجواء أسرية دافئة، جعلت [خليل] ينظر لـ [ياسمينا] بنظرة إعجاب، وكأنه يتمنى لو كانت هي زوجته، وقابلها قبل [ثريا]. أما هي فكانت تختلس النظر له بين الحين والآخر، وبداخلها تدعو الله ألا تفترق عنهما، وكأنهما هديتها بالحياة.
عاد [أدم] من ذكرياته ينظر لـ [ثريا] مكملاً الحديث: "دي كانت أول ليلة نحس فيها أنا ووالدي بالأسرة. [ياسمينا] خلتنا نحس بالدفء اللي كنا مفتقدينه."
دعمه لامرأة غيرها كان يطعنها بمنتصف قلبها، الذي أظهر الحزن على عينيها.
[ياسمينا] بوضوح: "كده إني فعلاً من كلامك حسستكُم بالفرق اللي بينها وبين والدتك."
[السيد أدم] بجدية: "دي حقيقة فعلاً."
نهضت [ثريا] بحزن لأنها لم تستطع أن تكمل باقي الحديث: "أنا بعتذر منك، محتاجة إني أنام، عن إذنك."
"اتفضلي يا آسيا."
أذن لها بأن تغادر، فذهبت لحجرتها وأغلقت الباب عليها، وجلست خلفه تبكي بقهر يمزق قلبها، على ما تسمعه يومياً بلسان صغيرها الذي تمكن منه العمر، وهو يقص لها حكايتها كامرأة قاسية ظالمة أدت بالهلاك لعائلتها، وتسببت بدخول غيرها لتمتلك عائلتها بدلاً منها.
***
بقصر [الهلالي] عاد [جواد] وصعد لحجرته، ودخل فوجدها تجلس على التخت، فتجاهل نظراتها إليه، وأغلق الباب بالمفتاح، ثم ذهب عند الأريكة ونزع سترته وتركها عليها.
[جواد] بجدية وهو ينزع قميصه: "قومي ظبطيلي نفسك كده عشان نعمل اللي عايزاه."
فزعت من فوق الفراش بحماس: "بجد يعني هتعملي حاجات وحشة؟"
لمعت عين [جواد] بانحراف: "الحاجات الوحشة اللي بتقولي عليها جنب اللي ناوي أعمله معاكِ هتبقى في قمة الجمال."
أشعل حماسها، فقالت: "ياريت بجد، متحمسة أوي، بس إدخُل أنتَ الحمام الأول عشان أنا هغيب شوية جوه."
"تمام."
ذهب وأخرج بنطالاً وتيشيرت بنصف كم من الخزانة وذهب للحمام.
وبعد نصف ساعة خرج، فركضت بالدخول به وأغلقت الباب عليها.
فاتجه [جواد] للمرآة، ثم وقف يمشط خصلات شعره، مرتدياً بنطال قطن أبيض وتيشيرت بذات اللون حدد عضلات جزعه العلوي، ثم اتجه وجلس على التخت، وأمسك بعلبة السجائر وأخذ سيجارة، ثم أشعلها بقداحته السوداء، وبدأ باستنشاق دخانها، وهو يقول بعقله: "لازم آخدها على قد عقلها بحنية وهدوء عشان أعرف حكايتها مع الزفت [ياسر]."
ظل يفكر بمخططه حتى انتهى من سيجارته والتفت ليطفئها، فسمع أغنية "بوجودك يا أبو سمرة" يصدح بأرجاء حجرته، فالتفت لجهة اليسار، فتفاجأ بـ [ريحانه] تتراقص على أنغام الموسيقى، ببدلة الرقص السوداء التي حددت منحنيات جسدها الكيرڤي الصغير، وشعرها البني مثل السلاسل على ظهرها تزيدها جمالاً.
سرقت عينيه بإغواء رقصها، فاتسعت عينيه بشوقاً لامتلاكها. أصبحت أنفاسه متسارعة تضرب نبضاتهُ الساخنة صدرهُ. شعر بأنه مسحوراً بحضرة جمالها. ضربت عاصفة ساخنة عروق جسده لتشعل مخازن رجولته الذي يحاول كبتها أمام صغيرتاً تحاول إغواءه بتمايلها على أنغاماً تلعب على أوتار قلبه.
حاول إبعاد عينيه عنها، يفرك عنقه بلهفة الصلابة: "أعمل معاها إيه دي بقى؟ أجمد كدا يا [جواد] ولا كأنك شايفها مش حتة عيلة صغيرة هتـهزك."
نهض من على الفراش واتجه وأغلق الموسيقى، فوقفت أمامه بتزمت: "بتقفل الأغنية ليه؟ أنا عايزة أرقُص."
اعترض بشخط بعدما وقف أمامها: "مش عايز رقص، اتهدي بقى."
لوت فمها بعفوية: "هو رقصي معجبكش؟"
كان يلتهمها بعينيه، فكانت تلمع مثل نجمة مضيئة بظلام لياليه الماضية، لكنه حاول تجاهلها لكي لا يضعف وينهار كبرياؤه أمامها: "رقصك حلو، بس أنا دماغي مصدعة شوية، مش عايز دوشة."
أومأت بتفهم واتجهت للفراش، ثم مدت جسدها بأنوثة، تناظره ببسمة يملؤها الخجل الممزوج بالعفوية. فبلع لعابه، ثم فرك شعره مردداً بعقله: "واضح كده إنها ليلة تعب أعصاب. سيطر بقى يا عم الظابط على نفسك عشان متصحاش الصبح تلاقي نفسك متكلبش في حضنها."
[جواد] واقف عندك ليه؟ تنهد ببعض الثبات واتجه وجلس بجوارها، ثم نظر إليها متسائلاً تزامناً بلمسه لشعرها: "أنا هعملك الحاجات اللي عايزاها عشان ترجعي [لياسر]، لإني اتأكدت إنك عايزاه، بس قوليلي هـو إنتِ وهو اتجوزتو إمتى؟"
نظرت لعينيه بغرابة: "من سنة بس، بتسأل ليه؟"
"عادي مجرد سؤال."
"طب ياترى [ياسر] قرب منك، يعني عملك حاجات وحشة ولا لاء؟"
[ريحانه] بعفوية: "لأ، هو كان بيخاف يعملي حاجات وحشة عشان أنا نزفت لما قرب مني، وكنت هموت، لإن الدكتور قال إني صغيرة."
أبعد يده عنها بعدما دارت التساؤلات أكثر بعقله: "فضيق عينيه بشكاً: يعني [ياسر] أول ما قرب منك إنتِ نزفتي، ومن وقتها مقربش منك خالص؟"
"أيوه."
حرك رأسه بفهم، فقد علم أن [ياسر] حينما حاول إقامة علاقة معها حينما كانت عذراء، تسبب بنزيفها فور أخذ عذريتها، ولم يُقم بأي علاقة زوجية معها حتى الآن. ووسط ترتيبه للأمور شعر بيدها الناعمة تتسلق منحنيات عضلاته أسفل التيشرت، فزادت من اشتعال جسده، ونظر لها معارضاً بهدوء: "نامي دلوقتي، أنا تعبان من الشغل."
لوت فمها باستياء: "بس إنتَ قولتلي إنك..."
[جواد] بجدية: "اسمعي الكلام، بلاش مناهدة."
نهض من جوارها بعدما أعطاها أمراً، وتركها لتغفو. أما هو فاتجه للتراث يستنشق بعض الهواء ليهدء من سخونة جوفه، ثم قال لذاته: "لسه في حاجة غلط في الموضوع. [ياسر] مقربلهاش غير يوم ما أخد عذريتها، ومكملش حتى العلاقة معاها بسبب النزيف، وكده تبقى مش محتاجة محلل لإن أصلاً جوازهم مجرد جواز على ورق، ومدام متمتش علاقة جماع بينهم، فيقدر يكتب عليها من غير وجود محلل أصلاً، وأكيد هو عارف كده. وبما إنه متعلق بيها زي ما واضح من كلامه، فكان يقدر يتجوزها من غير ما يدخلها في لعبته معايا. الموضوع فيه حلقة مفقودة، وشكل الحلقة دي عند شخصيتها التانية العاقلة، ولازم أعرفها."
ظل يفكر بأمرها الغامض محاولاً الوصول لحل لتلك الحلقة المفقودة.