صوت الموسيقى الهادئة وأغنية وردة تملأ المطعم. وكل طاولة تحمل الكثير من الحكايات والأسرار بين أشخاصها المؤقتين الذين يتغيرون بين ساعة وأخرى. كانت "هدير" جالسة على طاولة فى زاوية المكان بجوار الحائط الزجاجي وتنظر لمياه النيل بجانبها صامتة بضيق واضح فى ملامحها العابسة. فتنهد "مصطفى" الجالس مقابلها وأخذ رشفته من القهوة ثم وضع الفنجان الأبيض أمامه فى صمت وعينيه تراقبها. ثم هندم نظارة نظره المستطيلة وقال بنبرة أكثر هدوءٍ:
"أنا مُقدر جدًا فترة تعب والدكِ يا هدير، لكن أنا إجازتي بتخلص ودى مش بأيدي. الأول مينفعش دلوقت عشان خطوبة ليل وبعدها مشاكل قُدس وقرار طلاقها ومن ثم محاولة قتل الجارحي. أنا قدرت وأستنيت كثير لو مش واخدة بالكِ" أدرت رأسها إليه تحملق به ثم تحدثت بنبرة قوية غليظة: "أعمل أي أتخطب وأبويا فى المستشفى، يعنى خلاص هموت على الجواز لدرجة انى مهتمش بمرض أبويا. كل اللى فات كوم ومرض أبويا كوم يا مصطفى"
تنهد بهدوء شديد وهو يريدها بحق ومُقيدٍ بفترة وجوده داخل مصر ثم قال بعجز:
"طيب أى الحل اللى عندك ليا. أنا لازم أرجع أنجلترا أخر الشهر. أنا كل اللى أقدر عليه أستنى وأنا بتمني أن والدك يفوق ويسترد صحته خلال الثلاث أسابيع الباقين وأنا راضي وموافق يا ست البنات أخطبك وأنا حتى فى المطار وأروح أظبط أموري هناك وأستنى إجازة قريبة وأحاول أقنع المستشفى والمركز اللى انا متعاقد معه وأنزل أتجوزك لما يسمحولى. أنا راضي بأبسط الأمور لأنك أغلى من أى تفاصيل وطقوس للخطوبة. لكن هل إنتِ مستعدة بقى لو بعد الشر باباكِ مفاقش خلال الثلاثة شهور دول أخطبك وأنا حتى فى المطار ولا هيكون نفس موقفك دا أن مش هتعملى حاجة ولا هتأخدي خطوة غير لما تطمني عليه"
صمتت بعجز عن الرد لينزع نظارته عن عينيه بحزن من استسلامها ثم قال بجدية: "فكري فى اللى ناوية عليه وأنا معاكِ وشارياكِ يا هدير لأخر لحظة. أنا كل اللى فارق معايا ومهتم به أنى أرجع أنجلترا فى بينا حاجة رسمي عشان قلبى يطمن إنكِ له" "بس أنا مش هتجوز من غير أبويا يا مصطفى وسميها أنانية، سميها أنى بايعة زى ما تحب، انا أبويا أولًا" قالتها بضيق شديد ليهز رأسه بنعم وقد وصله الجواب.
فأخرج محفظته ووضع النقود على الطاولة ثم غادر أولًا. نظرت عليه وهو يسير بعيدًا بحزن شديد. ثم رن هاتفها وكانت "قُدس" تبكي بذعر وأنهيار تنقل لها خبر وفاة "حمدي" فسقط الكأس من يدها أرضًا من هول الصدمة وأستدار الجميع من بينهم "مصطفى" على صوت الزجاج فذعر عليها وذهب نحوها بخوف. *** (فى الإسكندرية) كان "فتحى" جالسًا مهمومًا بعد ما علمه من "ملكة". فجاءت إليه "ياسمين" وقدمت له كوب الشاي الساخن ثم قالت بحزن: "يعنى أهلها عايشين؟
"وعندها أخت توأم، يعنى علاجها موجود 100 %" قالها "فتحى" بيأس سيطر على نبرته كملامحه وقد أدرك أن علاج ابنته سيكون ثمنه الحقيقي خسارته لها. تنهدت "ياسمين" بضعف وقالت بنبرة واهنة: "يعنى ليان كدة خلاص، هتسبني" نظر إلى زوجته بحزن وأخذ يدها بين راحتي يديه يربت عليها بحنان ثم قال:
"نصيب يا ياسمين، نصيبنا لازم نقول الحمد لله. متبقيش ضعيفة كدة على الأقل لحد ما نعرف هنوصلها الخبر أزاي وهنوصل لأهلها أزاي وبعد كدة ربنا يرحمنا ويصبرنا" دمعت عيني زوجته بقهرة وقالت بعبوس:
"بس أنا ربتها زى بنتي كأنها قطعة من روحي. أه أنا مولدتهاش بس دى جيتلي طفلة يوم واحد يعني ربيتها من ساعة ما شرفت الدنيا. أتقيت ربنا فيها وعاملتها أحسن من أي أم. ليه أتحرم منها يا فتحي. ليان بنتي أنا وأهلها اللى بتكلم عنهم دول ميعرفوش عنها حاجة وجاي دلوقت تقول أنك هتأخدها ليهم" كاد أن يتحدث لكن قاطعه صوت "ليان" التى سمعت الحديث تقول بصدمة: "أى"
ألتف الأثنين نحو الصوت وكانت "ليان" تقف محلها مصدومة وكأنها تقف على حافة الهاوية. وقفت "ياسمين" بحزن مصدومة مما حدث وقالت بضعف: "ليان" دفعتها "ليان" بقوة بعيدًا عنها وقالت بصراخ تحاول أستيعاب ما سمعت: "يعني أي مولدتنيش، ولا إنتِ تعرفي ليان تانية، يعني أي؟ صرخت بقوة وعينيها تتساقط منها الدموع. فأقترب "فتحى" منها بهدوء وقال بنبرة لطيفة محاولاً إخماد نيرانها: "أهدئي يا ليان وأنا هشرحلك"
ألتفت إليه بانفعال شديد وقالت بصوت قوي هز جدران المكان كاملًا: "تشرحلي أي؟ تشرحلي أنكم خدعتوني 19 سنة وحرمتوني من أهلي 19 سنة، تشرحلي أني عشت عمري كله مخدوعة ومصدقة شوية كدابين" مسكتها امها من ذراعها بغضب وجعلتها تنظر لها بأنفعال ثم قالت بحدة صارمة:
"أخرسي، إنتِ بنتي أنا، أنا اللي ربيت وتعبت وشيلت وغيرت وكبرت. أنا اللي سهرت ليالي في المستشفيات بيكي وجريت على المدارس وأترجيت وأعتذرت. أنا وبس محدش تاني. أنا أمك مهما تعملي ومهما تقولي" ضحكت "ليان" بسخرية وصوت عالى ثم قالت بتهكم: "بأمارة أي؟ بأمارة إنكِ سرقاني من أهلي" جذبتها "ياسمين" بحنان ومسحت دموعها بلطف ثم قالت بحسرة وحزن:
"والله أبدًا، ربنا شاهد عليا وعلى أبوكِ. إحنا أتقلنا أن أهلك ماتوا في حادثة. أنا ربيتك وصونتك لأن أتقللي أنك هتترمي في ملجأ. قُلت يمكن ربنا حرمني من الخلفة عشان يبعتك ليا وأرضي بيكي. أنا مسرقتكيش، والله يا ليان" أنهارت "ليان" من البكاء بقوة لتضمها "ياسمين" إليها. فتشبثت الطفلة بها وهى تصرخ وتجهش بكل طاقتها من الأنهيار. ليقترب "فتحى" منهما ويضمهما بحنان ثم قبل جبين ابنته وقال:
"سامحيني يا بنتي، بس أنا هعوضك وهقلب الدنيا على أهلك وأرجعك ليهم" "وهتسبني" قالتها بضعف وهى بين ذراعيهما ومازالت هذه الصغيرة تعتبرهما أهلها الحقيقيين. كل ذرة حب زرعوها بداخلها ما زالت تنبت بدفئهم ولطفهم. مسح على رأسها بحنان ثم قال ببسمة خافتة: "وقتها القرار يبقى ليكي، بس لازم تعرفي أننا حبناكِ بعمرنا كله ولسه بنحبك"
لتنهمر الدموع من عينيه هو الآخر وبدأ الليل المظلم بجراحه على الأسرة الصغيرة يتوارى على قلوبهم وينهش في عقولهم. *** صوت القرآن يعم المكان وشقة "وصيفة" و"مديحة" تحولت لأستقبال النساء في عزاء "حمدي" واللون الأسود عم المكان وملأ قلوبهم الحزن ووجع الفراق. الدموع لم تجف من عيون الجميع وخبر وفاة الجد "حمدي" نزل على الجميع كالصاعقة. جميع الأقارب والأغراب والمعارف في حالة من الحزن الشديد بسبب سيرته الطيبة.
رحل الجميع وأقتربت "هدير" من والدتها بحزن تربت على يدها وقالت: "قومي يا ماما ارتاحي وأدعيله" أجابتها بكلمات متقطعة وسط بكاءها الشديد وحسرة قلبها: "ربنا يصبر قلوبنا يا بنتي، فراقه صعب أوي" جهشت "هدير" في البكاء من جديد بقهرة. لتقترب "آسيا" منها وكانت أكثر تماسكًا وصلابة وربتت على كتف أختها بحنان ثم قالت: "وحدي الله يا هدير، بابا في مكان أحسن دلوقتي، أدعيله واقرأله قرآن يا حبيبتي" "لا إله إلا الله"
قالتها بحزن وهي تمسح أنفها بالمنديل. ثم نظرت حولها وقد تذكرت الصغيرة المنسية وسألت بقلق: "فين قُدس؟ تذكر الجميع أنها مُختفية وبدأوا يبحثوا عن الصغيرة. وخرجت "أسيا" مع "هدير" للخارج لترى "هادي" و"الجارحي" يقفوا أمام باب العمارة مع "مصطفى" و"فؤاد". لسألت بفزع: "هادي مشوفتش قُدس؟ نظر الجميع على سؤالها فتحدثت "أسيا" بقلق: "أنا دورت عليها في كل مكان ومش جوا، مخرجتش قصادكم"
فزع الجميع على أختفاء الفتاة وخصيصاً زوجها الذي أقترب بذعر قائلاً: "يعني إيه فين قُدس، هي مش معاكم جوا" هزوا رأسهم بلا. ركض للداخل بخوف على زوجته وبدأ الجميع البحث عنها. صعد إلى شقته ربما صعدت هناك وحدها وبحث في كل مكان عنها ثم خرج من الغرفة وهو يقول: "من هنا؟ صرخت "هدير" بقلق: "يعني إيه مش هنا؟ ركضت للأسفل مع "هادي" الذي شعر بالخوف على ابنته رغم الخصام القائم بينهما. وبدأ كل شخص يبحث في مكان.
رن "الجارحي" على هاتفها وهو ينزل الدرج لكنه سمع صوت ضعيف يأتي من الأعلى. أستدار وهو يتبع الصوت حتى وصل إلى السطح. توقفت قدمه بخوف ودائماً ما يمنعهم "حمدي" من تخطي الدرجة الأخيرة للسطح وهكذا المكان لحفيدته المدللة وحدها. تجرأ في التخطي وولج للسطح ليراها جالسة على الأريكة منكمشة في ذاتها وتضم قدميها إلى صدرها وتبكي بانهيار دون صوت مرتدية فستانها الأسود الطويل بأكمام وشعرها منسدل على الجانبين يخفي دموعها عن الأنظار.
أقترب بحزن حتى وصل أمامها وجلس بجانبها في صمت. وهي تتبع البكاء وشهقاتها تمزق صدره حتى شعر بغصة في قلبه لأجلها. فرفع ذراعه ووضعه خلفها جاذبًا إياها إلى صدره لتتشبث بسترته بأناملها الصغيرة وتجهش أكثر في البكاء. وبدأت تتمتم بضعف وصوت مبحوح: "سبني لوحدي ومشي... هو وعدني أنه هيكون معايا وهيشيل ابني، بس هو سبني ومشي" رفع ذراعه الأخرى وربت على ظهرها بلطف ثم قال بصوت دافئ:
"ادعيله يا قُدس، ادعيله وإحنا هنا معاكِ وأنا معاكِ أهو" ظلت تبكي بانهيار في صمت والتعب ظهر عليها. ليخرج هاتفه وأرسل إلى "هادي" رسالة قصيرة يخبره بأنها وجودها ثم ترك الهاتف. مسح على رأسها بحنان وقال: "كفاياكي بكاء يا قُدس" أومأت إليه بنعم ثم وقف وهو يمد يده إليها لتنظر مطولاً إلى يده ثم إليه. فهز رأسه بنعم. وضعت يدها في يده ليساعدها في الوقوف وسارت معه خطوات بطيئة وضعيفة ويده الأخرى خلف ظهرها.
شهقت بضعف وهي تقاوم الحزن الذي أفقدها وعيها. وقبل أن تسقط تشبث بها بأحكام. ظل ينظر إلى وجهها وهي بين ذراعيه فاقدة للوعي ورأسها مائلة للخلف. ورغم الحزن الذي يجتاحه من فراق جده إلا أنه شعر بغصة مميتة مؤلمة في قلبه لأجلها. فأنحني قليلاً يحملها على ذراعيه ونزل بها إلى شقته. وضعها بالفراش برفق شديد ثم وقف أمامها ووضع يديه في جيوبه بهدوء يتأملها. ثم همهم بكلمات واهنة: "عملتي في قلبي أي يا قُدس؟
أنا مش حمل وجع القلب يا بنت عمي" غادر الغرفة حزينًا والحزن يكاد يقتله من فراق جده وقلقه على صغيرته. أخذ حمام دافئ وخرج من المرحاض يجفف شعره المبلل بالمنشفة. ليفزع عندما دلف إلى غرفته ورأى "قُدس" جالسة في فراشه. فتنحنح بحرج وقال: "إنتِ بتعملي إيه هنا؟ تحدثت بنبرة خافتة وعيونها تملأها الدموع قائلة: "ممكن أنام هنا النهار ده" أبتلع لعابه بتوتر وترك المنشفة على المقعد المجاور بينما يقول بحرج:
"ما تنامي في سريرك حتى هو أكبر من ده وهتنامي براحتك" "ارجوكي مش عايزة أنام لوحدي النهار ده" قالتها بحزن ليؤمأ إليها بنعم. ثم أقترب من الجهة الأخرى من السرير وصعد به مُحرجاً جداً من سريره الصغير. أعطاها ظهره بهدوء وألتزم بحافة السرير تاركاً لها المساحة الباقية للنوم بأريحية. لكنه تجمد محله وتشنجت أطرافه عندما لفت ذراعيها حول خصره ووضعت رأسها على ظهره تحتضنه من الخلف.
وعادت للبكاء الصامت وأنينها يصل لأذانه ودموعها الحارة بللت تي شيرته من الخلف. فأستدار إليها ورأى وجهها الحزين تدفنه للأسفل ليطوقها بحنان ويعز عليه أن يراها منكسرة هكذا. ربت على ظهرها بلطف حتى استسلمت للنوم وسط بكاءها. فجففت دموعها بأبهامه ووضع قبلة على جبينها. ثم وضع ذقنه فوق رأسها وغاص في نومه هو الأخرى لتكن ليلتهما الحزينة هي الأكثر قرباً بينهما. *** جلست "مديحة" في غرفتها حزينة والدموع تنهمر على وجنتها من الفراق.
فتحت "آسيا" باب الغرفة وهي تقول: "تعالي يا ماما أنا عملت فطار خفيفة عشان نقدر نقف على رجلينا اليوم ده كمان" لم تُجيب والدتها ورفعت يدها تجفف دموعها. أقتربت "آسيا" بدهشة ثم جلست بجوار والدتها وقالت: "إنتِ بتعيطي يا ماما؟ "أمال يا بنتي، ده عشرة عمري كله وراح" قالتها بحزن ونبرة واهنة مُنكسرة. ربتت "آسيا" على ظهرها بلطف وقالت: "ربنا يصبركِ ويصبرنا، قومي كُلي لقمة عشان تقدري تقعدي مع الناس اللي جاية"
خرجت مع ابنتها بحزن تتكأ بيدها على ابنتها لتجد "هدير" و"وصيفة" على السفرة في شقتها. وهكذا "ليل" و"خديجة". جلست معهم في صمت. جلست "آسيا" تضع الطعام أمام ابنتها والجميع صامتون لتقول: "كُلي يا ليل يا حبيبتي... كُلوا يا جماعة، الصوم ده مش هيرجع اللي راح وأنتم ناس مؤمنة وكلنا رايحين" تساقطت الدموع من عيون الجميع. فهتفت "آسيا" بلطف:
"كُلي يا خديجة ده إنتِ جواز أمام جامعة وابنك أزهري ومؤمنة. متصعبيهاش علينا، مدوا أيدكم بسندوتش واحد حتى، يلا يا ليل يا حبيبتي وحدي الله وكلي سندوتش واحد مش هغصب عليكي بأكتر، متتعبيش قلبي معاكي كفاية اللي أنا فيه" بدأ الجميع في تناول الطعام بصعوبة والحلق يرفض بلع اللقمة من الحزن والجوف يخاصم اللذة من غصة الفراق. وبدأ يومهما الثلاث في العزاء وبدأت السيدات يحضرن والرجال وصوت القرآن يعلو ويملأ الشارع بأكمله.
جلس "عماد" على مقعده في صمت بعد أن ظهر في اليوم الثلاث وبعد أن أنتهي العزاء ورحل الجميع. تحدث "عماد" بنبرة قوية يقول: "بقولك إيه يا حج؟ نظر "فؤاد" إلى ابنه بضيق. وكانت "هدير" و"آسيا" يجهزون العشاء مع "سنية" و"وصيفة" منكمشة في مكانها بحزن ودموعها لم تتوقف. وتجلس "قُدس" بجوارها حزينة وشاحبة. تحدث "عماد" بعد أن نظر "فؤاد" له ولم يُجيب قائلاً: "بما أن الثلاث خلص والحياة خلاص هترجع لأصولها وهننزل أشغالنا والمحلات هتتفتح"
رفع "فؤاد" نظره إلى ابنته وتوقفت "آسيا" عن ترتيب السفرة ووقفت تستمع باهتمام. وهكذا "هادي" الذي ترك كوب الشاي من يده وانتبه. تحدث "عماد" بجدية قائلاً: "عايزين نكلم المحامي ونعمل إعلان وراثة وكل واحد ياخد حقه" دهش الجميع من حديثه وانتبه البقية إلى الكلام الحادة التي ألقاها هذا الحفيد. فتحدث "هادي" بنبرة غليظة يقول: "كل واحد ياخد حقه، إيه الثقة اللي بتكلم فيها دي. ليكن لك حق ولا حاجة يا شمام"
أبتلع "عماد" لعابه بضيق ثم قال بنبرة حادة وتحدٍ: "لا بس أبويا له وإنت عارف أبويا مالهوش في التجارة. لإانا هشيل أبويا" "أخرس يا زبالة يا شمام، دلوقتي بقيت أبوك وعايز تورثني" قالها "فؤاد" بحدة ثم تابع بغيظ شديد: "ما تروح تدفني مع أبويا كمان يا واطي يا قليل الأصل" تحدثت "آسيا" بغضب سافر من تفكير "عماد" قائلة: "قاعد كدة وبتتشرط وبتقول إيه اللي هيتعمل وهتاخد إيه وأنت مالكش جنيه فيها. ما تظبط نفسك كدة يا حيلة أمك"
كز على أسنانه وبدأ يحك لحيته بهدوء غاضبة من رفض الجميع والإهانة التي يتعرض لها على يديهما. ثم قال: "أنا بدور على مصلحتكم، بكرة المحلات هتتفتح والشغل هيرجع. مسألتوش نفسكم يا عمتي مين اللي هيدير وهيأمر وينهي في كل حاجة. أجاوبك من غير ما تسألي الجارحي. يا ترى بقى الجارحي من الورثة الشرعيين ولا له جنيه؟ صمت الجميع بعد كلماته الأخيرة. فتبسم بخباثة على إسكات الجميع حتى أتاه صوت "الجارحي" من الخلف يقول بحدة صارمة: "أه"
ألتف إلى الجميع ليقترب بخطوات ثابتة منهم حتى وقف أمام "عماد" مباشرة وقال: "أه هيدير وهأمر وهنهي.. مالي وأنا حر فيه. ليك شوق فحاجة؟ تنحنحت "آسيا" بضيق ثم قالت بعدم فهم: "مالك اللي هو إزاي؟ المال ده مالي أنا وأخواتي يا جارحي" نظر إليها بحدة وكبرياء ثم تحدث بنبرة غليظة قوية أرعبت الجميع: "لا يا عمتي، كان مالكم قبل ما جدي الله يرحمه يكتبلي كل حاجة بيع وشراء"
أنتفض الجميع من هول الصدمة ووقف "هادي" من مكانه مصدوماً و"مديحة" توقفت عن البكاء. ونظر إلى "الجارحي" فتحدث "عماد" بنبرة خافتة مُتلعثمة: "إنت كذاب" ضحك "الجارحي" بسخرية ثم قال بغرور استِفزازي: "ده اللي بتتمنيه يا ابن أبويا، المحامي عندكم هيبلغكم بالوصية" تحدثت "مديحة" بنبرة غليظة صارخة به: "والوصية دي أنت عرفتها إزاي؟
"أمال هوثق عقود البيع والشراء إزاي يا ديحة مش لازم أمضي، كل حاجة ملكي حتى حتة الجبنة اللي على السفرة دي ملكي وأنتوا هنا قاعدين في ملكي وبتاكلوا من مالي فأهدي على نفسك" قالها بحدة صارمة ثم تابع الحديث: "لحد ما تقعدوا مع المحامي بقي كل الأمور هتمشي زي ما هي واللى قاعد في شقة هيفضل فيها واللى له شهرية هتوصله وقبل ميعادها" صمت الجميع ليحدق "الجارحي" بوجه أخيه. وأقترب منه يهمس في أذنه:
"ده ضريبة العشرة مليون اللي طلبتهم مني. أديك مش هتطلع بعشرة جنيه" نظر الجميع لبعضهم في صمت. ليقاطع صمتهم وصدمتهم الكارثة الأخرى حين سمعوا صوت رجل من الخلف يقول: "السلام عليكم" ألتف "الجارحي" والجميع وكان "فتحى" يقف أمام باب الشقة. فسأل "الجارحي" بهدوء: "وعليكم السلام، مين حضرتك؟ "مش ده بيت الأستاذ هادي حمدي أبو النور" قالها بهدوء لينظر "هادي" إلى الرجل بدهشة وهو لا يعرفه.
بينما وقع نظر "فتحى" على "قُدس" التي وقفت من مكانها وأقتربت من زوجها تهمس في أذنه بلطف: "جارحي أنا تعبانة خلينا نطلع" أومأ إليها بنعم وقبل أن يتحدث رأى "فتحى" يقترب من "قُدس" ووضع يده على وجنتها قائلاً: "سبحان الخالق" مسك "الجارحي" يده بقوة غاضبٍ بسرعة البرق يمنعه من لمس زوجته وهو يقول بحدة: "يا عم الحج أنت مجنون" تنحنح "فتحى" بأحراج مما فعله وقال بأسف: "أنا آسف يا ابني بس مصدقتش نفسي"
قاطعه "هادي" بحدة صارمة يكفي الكارثة التي حلت عليهم يقول: "أنت مين وعايز إيه؟ أنا هادي" تنهد "فتحى" بلطف وقال برجاء ونبرة رسمية مرتبة: "أنا اسمي فتحى محفوظ صاحب شركة أدوات منزلية وجايلك فطلب وفى نفس الوقت عندي ليك أمانة ولازم أرد حافظت عليها 19 سنة" لم يفهم أحد شيء. فجلس "فتحى" ولم يهتم "الجارحي" بهذا الرجل وأخذ يد "قُدس" ليغادر. فأستوقفه "فتحى" بلطف يقول: "يا أستاذ ممكن لحظة وتحتضرنا أنت والأنسة" "مدام"
قالها "الجارحي" بحدة وجلس هو الأخرى وبجواره "قُدس". فبدأ "فتحى" الحديث قائلاً: "أنا زي ما قلت لحضرتك أسمي فتحى محفوظ صاحب شركة أدوات منزلية. عندي اتجوزت وأنا عندي 19 سنة وربنا مقسمليش الخلفة ورضيت بقسمة ربنا 20 سنة لحد ما ربنا بعتلي هدية من عنده طفلة زي القمر وربيت بالحُب والخير وبما يرضي الله. لكن بعد 19 سنة أراد ربنا يختبرني وابتلاها بمرض مالهوش علاج" قاطعه "هادي" بحدة وهو الآن به ما يكفي من القصص قائلاً:
"أنا دخلي إيه؟ "إنتِ اسمك يا ست البنات" قالها وعينيه تحدق بـ "قُدس" بإعجاب. فتنحنحت بحرج وتشبثت بذراع زوجها. ليقول "الجارحي" بحدة صارمة: "ما تخليك في حالك يا حج، أنا صبري له حدود" "يا ابني أنا مش بعاكسها، أنا عندي زيها" قالها بلطف ثم رفع نبرته أكثر وهو يقول: "ليـــــــان" نظر الجميع نحو الباب ليروا فتاة تدخل من باب الشقة نسخة طبق الأصل من "قُدس". وكان ظهورها أمام الجميع كافي لتتجمد ألسنتهم وعقولهم.
حدق الجميع بها وكانت فتاة بنفس حجم الصغيرة، ضئيلة ونحيفة وتحمل عينيها الخضراء وبشرتها البيضاء مرتدية بنطلون جينز وتي شيرت أبيض بحذاء رياضي أبيض اللون. وقف "هادي" مذهولاً من مكانه. بينما "قُدس" حدقت بها بفزع وأقتربت منها بخطوات هادئة وتشعر بانها تقف أمام المرآة. لتضع يدها على وجنتها بخوف لتصرخ بفزع وهي تقول: "اااااه دي حقيقية" سخرت "ليان" وعينيها تحدق بـ "قُدس" قائلة: "أمال عروسة بلاستيك" "تعالي يا ليان"
قالها "فتحى" لتقترب الفتاة منه وتجلس جواره بهدوء والجميع يحدقون بها. فقالت بتذمر من عيونهما: "براحة عينيكم هتخرم" تنحنح "فتحى" بهدوء ثم نظر إلى "هادي" وقال:
"أنا من 20 سنة طلبت من دور الأيتام أني اتبنى طفل أربي أنا ومراتي بما أن ربنا مقسملناش الخلفة والكلام اتنقل من مكان لمكان وفضلت سنة مستني لحد ما في يوم مراتي اتحجزت في المستشفى ودردشت مع ممرضة هناك وساعتها الممرضة عرضت أنها تجبلها طفلة من المستشفى من اللي بتيجي في الحوادث وأنا رفضت لحد ما في يوم الممرضة قالت أن في طفلة اتولدت وامها وابوها ماتوا في حادثة اتوبيس وأنا خدت الطفلة"
كان "هادي" يستمع للحديث وعينيه تنظر على "ليان". بينما فهم "الجارحي" ما حدث جيداً وخصيصاً أن الجميع كان يعرف بأن زوجة "هادي" كانت حامل بتوأم. فتحدث بنبرة جادة: "الخلاصة أن الممرضة دي سرقت التوأم من الولادة وجابتهالك وحضرتك جاي النهار ده ترجعها" تنحنح "فتحى" بحزن وشعر بإذلال وإهانة من حديث "الجارحي". لتُجيبه "ليان" بنبرة قوية مُشمئزة من حديثه: "عشان أفهم بس أنت مين في القعدة الحلوة دي" رمقها "الجارحي"
بهدوء ثم قال بجدية: "إنتِ كنتِ هنا في المهندسين من ثلاثة أسابيع" "وإنت مالك" قالتها ببرود وكأنها الآن مع ظهور النسخة الأخرى فهم سبب وجود "قُدس" في مكانين في نفس اللحظة. أدركت "قُدس" سبب حقيقة الصور وأتهام الجميع لها فقط لأن هناك من تشبهها بهذا القدر. تحدث "فؤاد" بهدوء قائلاً: "أنا فهمت إزاي بنت أختي وصلت لك، لكن مفهمتش سبب رجوعك تقول أنها بنتنا، يعني ليه قررت تضحي وتتنزل عن بنتك اللي ربيتها" دمعت عيني "فتحى" بحزن.
لتتحدث "ليان" بجراءة وأشمئزاز: "عشان عندي لوكيميا وفي مرحلة أخيرة وعلاجي الوحيد نخاع من دي" قالتها ببرود شديد وهي تشير بيدها على "قُدس" توأم الوحيد والذي تحمل النخاع المتطابق بنسبة 100 %. مما أصدم الجميع ووقف "الجارحي" غاضباً من مكانه وهي تتحدث عن حياة زوجته. وقال بعناد صارخ: "نجوم السماء أقربلك.. قوم يا قُدس" وقفت "قُدس" من مكانها وعينيها تحدق بوجه أختها وشعرت بحنان وشيء يجذبها إلى أختها. لتقول "ليان" ببرود:
"قوم يا بابا خلينا نمشي من هنا، أنت فاكر كل الناس بطيبة قلبك" وقفت من مكانها وغادرت أولى. لتضرب "الجارحي" في كتفه أثناء مرورها. لكن لسوء حظها الذي لم يحالفها أمامهم فقدت وعيها بسرعة البرق أمام باب الشقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!