الفصل 13 | من 27 فصل

رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
27
كلمة
4,857
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

عبر "فتحي" بوابة القاهرة بسيارته وفي يده الهاتف يحاول الاتصال بابنته لكن لا جدوى من المحاولة وهي لا تستجيب للرد. تأفف بضيق، جاهلًا عن مكان ابنته وإلى أين يجب أن يذهب. حتى قاطعه رنين الهاتف من رقم مجهول، فأجاب على الهاتف بنبرة باردة ضائقة. "السلام عليكم." أتاه صوت فتاة هادئة ونبرتها ثابتة وواثقة تقول بلطف: "حضرتك أستاذ فتحي محفوظ والد الآنسة ليان؟ شعر بالتوتر بعد ذكر اسم ابنته ليُجيب بخفة: "أيوه أنا، مين حضرتك؟

"مع حضرتك مستشفى الصفوة الخاصة، بنت حضرتك تعبت شوية ونقلوها على المستشفى، يا ريت لو حضرتك تشرفنا." انقبض قلبه ذعرًا على حال صغيرته وأخذ العنوان بالكامل من الممرضة، وانطلق في ضواحي القاهرة يشق طريقه إلى المستشفى من الخوف.

ذهب "كريم" إلى الحسابات ليدفع جزءًا من المبلغ بعد رفض المستشفى لاستلام "ليان" قبل الدفع. وقف "جلال" أمام فراشها ينظر إلى وجهها الملائكي كأنه يحفظ ملامحها جيدًا. تنحنح بحرج من طريقة التأمل الذي يحلق بها هكذا، ثم التف لكي يغادر. لكن استوقفه يدها الصغيرة التي تشبثت بيده بضعف، فالتف لينظر إليها ورآها تفتح عينيها بتعب، ثم قالت: "ماتممشيش." رفع حاجبه الأيسر بدهشة من طلبها،

ثم قال بحدة: "غريبة، واحدة زيك بعد اللي شافته مني ما هتصدق إني أمشي وأسيبها في حالي." جلست في الفراش ويدها ما زالت تمسكه بإحكام حتى لا يهرب منها، وتحدثت ببرود ونبرة قوية: "عشان قاتل ومجرم." نفض يده من قبضتها بقوة، وكأنه يخبرها أنها لن تستطيع السيطرة عليه وأن يدها الصغيرة لن تقيده سوى برغبته. تحدثت بنبرة جادة: "شكلك عايز لسانك يتقص." تنهدت بهدوء ثم وقفت بضعف أمامه، ثم أخرجت لسانها بتحدٍ وقالت: "لو تعرف تقصه، اتفضل."

تنحنح بحرج من قُربها الشديد منه وعنادها المستمر، ليقول بارتباك: "عايزة إيه؟ "خرجني من هنا زي ما دخلتني، وبعدين أنا دكتورة مش أول ما أدّوخ شوية توديني المستشفى، فين بريستيجي ومكانتي؟ " قالتها بتذمر. ليقول بحدة ولا يبالي بأثر كلماته: "بريستيجك إيه ودكتورة إيه، إنتِ أولى طب يا حضرة، يعني متعرفيش تعالجي شوية برد؟ وبعدين دول مش شوية دوخة، الدكاترة بيقولوا إن عندك لوكيميا."

اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وكيف يخبرها بمرض كهذا بهذا البرود. سقطت على الفراش من هول الصدمة، ليرمقها "جلال" بهدوء، ثم قال: "إنتِ كويسة؟ "إنت جلف أوي." قالتها بضيق من تحجره. ليهش من سبها له، وكز على أسنانه بغيظ من جراءتها معه، ليقول بغيظ: "احترمي نفسك." ضربته بقوة في خصره، وتحديدًا مكان الطعنة التي تلقاها سابقًا، تعاقبه على بروده معه. فمسك

يدها بإحكام وقال بعناد: "أنا صابر عليكِ عشان مقدر حالتك دي، وإنه مش مرض سهل، لكن لصبري حدود." ألقى ببطاقة عمله على الفراش بجوارها وقال بحدة: "دا رقمي لو احتجتي حاجة ابقي كلمني، وأتمنى متحتاجيش." غادر الغرفة تاركًا إياها خلفه بحزنها وغضبها. *** وصل "الجارحي" على المستشفى بعد أن تلقى خبر مرض جده، وكان الجميع في الاستراحة ينتظرون الأطباء. سأل بقلق: "حصل إيه؟

لم يجبه أحد، والجميع التزم الصمت. في حين أن "وصيفة" تبكي بانهيار من الخوف، و"قُدس" تجلس جوارها ماسكة بيدها. أما "مديحة" فجالسة بهدوء تنتظر خروج الأطباء، ولا تهتم بكونها سبب مرضه. خرج الطبيب، فأسرع له الجميع ليسأل "هادي" بقلق واضح: "خير يا دكتور، طمني أبويا عامل إيه دلوقتي؟ تحدث رئيس الأطباء بلهجة هاديدة: "للأسف يا هادي بيه، الحاج عنده أزمة قلبية وهيفضل في العناية المركزة لحد ما يفوق من الغيبوبة." سألت "وصيفة"

بنبرة مبحوحة من البكاء: "هيفوق إمتى؟ تحدث الطبيب بحزن وأسف: "للأسف دي حاجة بعلم الله، إحنا هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا، تقدروا تروحوا دلوقتي وأدعوله." تحدثت "وصيفة" بحزن شديد وقالت: "لا، أنا مش هروح ولا همشي من هنا غير وهو معايا." أجابها الطبيب بهدوء مراعيًا

حالتها: "مفيش داعي لكل ده يا حجة، كده كده ممنوع الزيارة ومحدش هيدخله، انتوا ممكن تمشوا وتيجوا في مواعيد الزيارة الرسمية تبصوا عليه، لكن وجودكم هنا زي عدمه." أومأ "فؤاد" بنعم وأخذ "وصيفة" معه برفق يقول: "تعالى يا صفصف وأدعيله يقوم بالسلامة."

غادر الجميع بحزن خيم على قلوبهم. أخذ "الجارحي" زوجته في يده إلى سيارته لتحكي له في الطريق ما حدث عندما عادت للمنزل وشجارها مع "مديحة" عن الفلوس و"عماد". شعر "الجارحي" بغضب شديد من حديثها، وقد تمادى "عماد" في أفعاله ووجب الآن أن ينال جزءًا من أعماله. فنظر في المرآة الأمامية إلى "يزيد" الذي يقود السيارة بهم وأشار بنعم ليفهم "يزيد" ما يريده وهز رأسه أيضًا بالموافقة.

عادوا للمنزل والكل ذهب إلى شقته بداخلهم جزء من الحزن والقلق على كبيرهم. دلف "الجارحي" إلى الغرفة بعد أن طرق الباب ورأى "قُدس" جالسة أمام المرآة تضع الكريم الموضعي على كدماتها. ليقترب منها ثم وضع ملفًا أزرق أمامها وقال: "من النهار ده إنتِ طالبة في الجامعة البريطانية، ودا كارنيه الدخول بتاعك، وكمان دفعت لك اشتراك في المكتبة هناك عشان لو حبيتي تدخليها." نظرت إلى الأوراق بدهشة من سلطة زوجها، وقال بأندهاش وإعجاب

واضح في ملامحها بقوته: "بجد؟ يعني قبلوني؟ "أكيد." قالها بحدة، ثم التف ليغادر الغرفة. لكن تجمدت قدمه في محلها حين شعر بأناملها الصغيرة تلمس يده، والتف ينظر إليها، فقالت بهدوء: "أنا آسفة." رفع حاجبه ببرود شديد، ثم قال: "على إيه؟ تنحنحت بحرج وارتباك، ثم قالت بهدوء: "على أي حاجة عملتها ضايقت أو زعلتك مني." تنهد بهدوء وعينيه تتفحص صغيرته الحزينة وتوترها واضح حتى في لمسة يدها المرتعشة في يده.

فقال بحدة: "متشغليش بالك، أنا عند وعدي ليكي، أول ما تولدي هطلقك، ولحد اليوم ده إنتِ مراتي وأنا هعاملك بما يرضي الله." تركت يده بحزن من حدته معه، ثم قالت بجدية غاضبة من طريقته: "أنا عارفة إنك بتحبنيش ولا عمرك حبتني للحظة، بس على الأقل متحسسنيش إني ماليش لازمة ومجرد أرنبة هتولد لحضرتك ابنك وترميها، أنا مش وحشة أوي كده يا جارحي."

صمتت للحظة عاجزًا عن الرد أمامها، بأي حق تتحدث عنه هكذا. ربما لم يحبها كما تريد، لكنه لم يراها للحظة أنها مجرد رحم سيلد له الطفل. هذه الصغيرة ستقتله يومًا بغموضها. ليقاطع شروده قبلة رقيقة منها وضعتها على وجنته التي سقطت عليه كدلو من الثلج يقشعر بدنه. حدق بها بصدمة متجمدًا كالصنم أمامها من فعلها، لتقول بهدوء: "شكرًا على تقديم ورقي للجامعة."

مرت من أمامه تسير نحو الفراش، ليفوق من صدمته الجميلة حين مسك ذراعها يمنعها من الرحيل وجذبها إليه، فأرتطمت بصدره من قوته، وقالت: "جارحي." طوقها بذراعيه يحاصرها في صدره، ثم سأل بجدية وعينيه تنظر بعينيها هائمًا: "إنتِ من إمتى بطلتي تقولي له يا أبيه؟ حاولت الفرار من قبضته وهي تقول بتذمر: "مالكش دعوة، ابعد عني يا جارحي."

غضب من ردها الحاد وتذمر، فترك أسرها لتبتعد بسرعة عنه، ونظر الاثنان إلى بعضهما، ليقاطع نظرتهم صوت طرق الباب، فغادر "الجارحي" ليفتح الباب، وكان "يزيد". أخذه ودخله إلى غرفة المكتب، ليفتح "يزيد" اللابتوب على تسجيلات الكاميرا، وصُدم "الجارحي" عندما رأى وجه "ليان" في الكاميرا، ليتحدث "يزيد" بجدية: "الصور حقيقية ومش مزورة." "يعني قُدس عملت كده فعلًا؟

لا مستحيل، أنا مصدقش ده حتى لو شايفه بعيني." قالها بصدمة ألجمته ولا يستوعب ما يراه الآن. فمد "يزيد" يده وفتح فيديو آخر على كاميرات الجامعة بنفس التاريخ والتوقيت وقال: "وفي نفس الوقت كاميرات الجامعة كان فيها أنا ومدام قُدس... لو حضرتك بصيت على التوقيت هتلاقيه هو هو في الكاميرتين." عاد "الجارحي" بظهره للخلف بحيرة وعجز عن فهم ما يدور، ثم قال بتمتمة حائر: "إزاي؟ لو حد شبهها هو في حد يكون بالشبه بالدرجة دي كأنهم واحد."

التف "يزيد" يجلس على المقعد أمام المكتب بحيرة أصابته هو الآخر وقال بعجز: "معرفش، أنا كمان مكنتش مصدق ولحد دلوقتي مش مستوعب." هز "الجارحي" رأسه بهدوء وقال بينما يحك لحيته بيده من العجز: "حاجة ميصدقهاش عقل." *** وقع خبر مرض "ليان" على "فتحي" بصدمة قاتلة، ليسقط على المقعد أمام مكتب الطبيب وقلبه على وشك التوقف، ليقول: "لوكيميا." "المشكلة إنها في مرحلة متأخرة، يعني لازم تبدأ علاج فورًا." قالها الطبيب بهدوء شديد.

فرفع "فتحي" نظره إلى الطبيب بحزن وخيم، وشعر أن مرض ابنته الوحيدة كسر عظامه وظهره حتى شاخ. تحدث بلهفة خائفًا على ابنته: "نبدأ يا دكتور، شوف المطلوب إيه وميهمكش الفلوس من جنيه لمليون فداها." تحدث الطبيب ويده تدون الكثير في الورق ثم قال: "مش مهم الفلوس، إحنا هنبدأ بالعلاج الكيميائي ولو مستجابش هنضطر نلجأ لزراعة النخاع." اتسعت أعين "فتحي" على مصراعيها بصدمة قاتلة ألجمته وشل لسانه في فمه. قدم الطبيب الورقة إلى "فتحي"

وقال: "دي بعض التحاليل والأشعة، يا ترى أختها أو أخوها يعملوها لأن بنسبة 80% هنلجأ لزراعة النخاع." تمتم "فتحي" بصوت مبحوح قائلًا: "هي معندهاش أخوات." "في الحالة دي هناخذ النخاع من حضرتك أو الأم، لأن هيكون التطابق اللي موجود 50%، عشان كده أنا قلت الإخوة لأن نسبة التطابق بينهم بتكون 100%، بس مش مشكلة." قالها الطبيب بهدوء على عكس "فتحي" الذي وقع الحديث على قلبه بصدمة قاتلة وابنته الآن تصارع الموت.

ابتلع لعابه بتوتر شديد وعينيه ترمق الطبيب في حيرة من أمره، ثم هتف بصوت خافت: "طب لو ليان بنتي يتيمة وأنا متبنيها، في الحالة دي إيه الإجراءات اللي لازم آخدها؟ "للأسف إحنا أملنا كله في الحالة المتأخرة دي هي زراعة النخاع." هَمهم "فتحي" بصعوبة ثم وقف من مكانه ليغادر المكتب، ووصل إلى غرفة صغيرته التي كانت منهارة من البكاء بسبب خبر مرضها. اقترب منها لترى وجهه، وأول رد فعل صدر منها عناقها لوالدها بحزن ويأس.

تشبثت به بضعف وهي تقول: "بابا." ربت على ظهرها بلطف منه وبداخله بركان ناري يقاتله من الماضي الذي فتح أبوابه بمرض ابنته. *** استيقظ "عماد" على صوت هاتفه، وكان "عادل" يتصل به مرارًا وتكرارًا بسبب. فأجاب بتذمر ونبرة خشنة: "نعم يا سي زفت." أتاه صوت "عادل" يقول بفزع: "الحق يا عماد، النايت اللي اشتريت الشهر اللي فات بيولع." اتسعت عينا "عماد" على مصراعيها وقفز من فراشه بصدمة ألجمته، صارخًا

بصديقه: "الله يخرب بيتك يا شيخ، ومتصل بيا بدل ما تتصل بالمطافي، غور اتصل بالمطافي لحد ما أجيلك." أغلق الخط معه وارتدى ملابسه بسرعة البرق دون استحمام، ثم خرج من الغرفة، وكانت "مديحة" جالسة مهمومة وهو لا يبالي، ليغادر مسرعًا. حتى وصل إلى مكان الملهى الليلي، وكان قد تفحم نهائيًا وأصبح رمادًا، ليُصدم مما حدث ووقف أمامه مصدومًا، ليقول "عادل": "والله حاولت أعمل اللي أقدر عليه."

مسكه "عماد" من لياقته بقوة غاضبًا، ثم قال بضيق من هول الكارثة التي حلت به: "انت عارف أنا دافع فيه كام؟ 10 مليون جنيه، كله اللي حيلتي، هعمل إيه دلوقتي وهجيب فلوس منين؟ دفعه بقوة بعيدًا ليقول "عادل" بتمتمة: "أيوه بس ده حريق بفعل فاعل يا عماد." ركله "عماد" في قدمه بقوة حتى سقط "عادل" على الأرض وفقد توازنه. تحدث بخنق: "محدش يعرف إن المكان ده بتاعي أصلًا، فلو بفعل فاعل بجد يبقى إنت، لأن محدش غيرك يعرف إنه بتاعي."

التف لكي يصعد بسيارته يغادر المكان، فوقعت عيناه على سيارة "يزيد" الذي انطلق مبتسمًا من الطريق بعد أن رأى الحريق التهم كل شيء، فأدرك أن الفاعل هو أخاه الذي بدأ انتقامه. *** (في الإسكندرية) دلفت "ليان" إلى غرفتها حزينة وهادئة، فسألت "ياسمين" بقلق: "هو في إيه؟ تنهد "فتحي" بحزن شديد، ثم قال بنبرة واهنة: "تعالي نتكلم جوه عشان ليان متسمعش." دلف إلى غرفته وخلفه زوجته التي ضرب القلق صدرها بقوة، وقص لها "فتحي" ما حدث، لتفزع

والدموع في عينيها قائلة: "يعني إيه؟ تنهد بحزن أكبر، تنهيدة مُعبأة بالكثير من الخذلان والضعف، ثم قال بتهكم: "يعني بنتك بتموت من السرطان وعلاجها الوحيد في النخاع من أهلها الحقيقيين." مسحت وجهها بضعف وعجز، ثم قالت بنبرة خافتة: "بس الممرضة اللي جابت لينا ليان قالت إنها يتيمة وأهلها ماتوا في حادثة." تأفف بضيق أكبر، ثم وقف من مكانه يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا ليقول: "مش يمكن عندها أخوات حقيقيين من أهلها اللي ماتوا."

رفعت رأسها له بحزن، ثم قالت: "قصدك إيه؟ لم يجيب عليها، وفتح باب الدولاب، ثم الدرج الموجود بداخله كالخزينة السرية. فتحه بالمفتاح المعلق في رقبته وأخرجه ليبحث في الأوراق، لتسأله "ياسمين" بحيرة: "بتعمل إيه؟ "هكون بعمل إيه، أنا كنت شايل اسم الممرضة هنا، هروح أدور عليها وأسألها يمكن تعرف طريق لأهلها." قالها بجدية، لتفزع "ياسمين" وتجلس أمامه وقالت بخوف شديد: "إزاي؟ وهتقول لليان إيه؟ إننا مش أهلها وخطفناها من عائلتها؟

وحتى لو قولنالها إن أمها وأبوها ماتوا في حادثة، أكيد عندها أعمام وعمات وخالات وعائلة كاملة. ولو طلع عندها أخوات فعلًا هنقولها إيه إننا حرمناها من أخواتها؟ رفع رأسه إلى زوجته بدهشة قاتلة، ثم قال بإعجاب مذهولًا من تفكيرها: "يعني أسيبها تموت عشان خايف تعرف الحقيقة؟ أنا مقدرش أشوف بنتي بتموت." فركت "ياسمين" يديها بضعف وتساقطت دموعها بقهرة وحسرة،

ثم قالت: "ولا أنا أقدر أشوف بنتي بتموت، دور عليهم يا فتحي، دور عليهم واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، الحمد لله على كل حال." خرجت من الغرفة باكية بحسرة تعتصر قلبها وهي على وشك خسارة ابنتها ومرضها. الصدمات المتتالية تتساقط عليها، والآن عليها بخوض الحرب ومقاومة القدر. *** (في المستشفى) كان "قُدس" جالسة على المقعد بجوار "حمدي" تمسك يده بين راحتي يديها،

ثم قالت بلطف: "جدو مش هتقوم بقى، أنا اتفقت مع جارحي إننا هنفضل مع بعض لحد ما أولد بس، أوعدك إن لحد ما يجي اليوم هخلي الجارحي يحبني بجد ويعرف قيمة وجودي معايا." مسحت يده بالمنشفة المبللة، ثم قالت: "بصراحة مش فاهمة إنت إزاي بتتعامل معاه بدماغه الناشفة دي، بس منكرش إنه كاريزما وجذاب، حفيدك مطلع عيني معاه يا حمدي، يلا فوق بقى عشان بطني هتبدأ تبان وخايفة أقولهم عشان إنت قلت مقولش لحد...

أقولك أنا قررت لو كان ولد هسميه حمدي بس إنت تفوق." قبلت جبينه بلطف بعد أن أخبرته بفضفضة اليوم، ثم غادرت الغرفة، وكان "يزيد" ينتظرها بالخارج و"آسيا" و"مديحة" و"وصيفة". فقالت "قُدس" بنبرة خافتة: "أنا هسبقك يا صفصف على البيت عشان متأخرش." أومأت إليها بنعم، فذهبت مع "يزيد" إلى الرواق مغادرة، لتقول بهمس: "خلينا نروح للدكتورة قبل ما نروح يا يزيد."

أومأ إليها بنعم، وكان يسير خلفها بخطوة. وقفت أمام المصعد تنتظره، وعينيها تنظر في الهاتف، حتى فتح المصعد وخرجت "ليل" مع "عمران". فرمقتهما "قُدس" بضيق واشمئزاز، وقبل أن تدخل، مسكت "ليل" يدها بلطف وقالت بحرج: "قُدس." نفضت "قُدس" يدها من يد "ليل" بضيق وتأفف بغضب، ثم قالت: "عايزة مني إيه؟ مش كفاية لحد اللي عملتيه فيا لحد كده، ولا لسه في تهمة تانية عايزة ترميني بها؟

تحدث "عمران" بلطف ونبرة خافتة قائلًا: "يا قُدس أنا اللي شوفتك وواثق إني شوفتك ومش تخيل." رفعت نظرها به باشمئزاز وقالت بغيظ شديد: "أنا كلامي مش معاك، لأن واحد واطي زيك ومقضيها مش هيمشي كلامه عليا." "مقضيها!! قصدك إيه؟ " قالتها "ليل" بتساؤل وفضول. فرمقتها "قُدس" بسخرية،

ثم قالت بمكر: "مفيش، بكرة الزمن يثبت لك مين هو النجس فينا، واللي حصل كسر كتير بينا يا ليل، وما دام اخترتي تصدقي الواطي اللي واقف جنبك اللي عرفتيه من يومين على إنك تصدقني أنا صاحبة عمرك وأختك، يبقى أشبعي بيه." غادرت غاضبة لتقف في المصعد غاضبة وتشتعل من الكره والحقد بعد ما تعرضت له على يدي هذا الثنائي، فتمتمت بضيق: "أنا لو طلبت منك طلب ينفع يكون سر بينا ولا هتنقله لجارحي زي ما بتنقل كل أخباري وتحركاتي؟

أجابها "يزيد" وهو يقف أمامها يعطيها ظهره بنبرة جادة: "كوني واثقة يا مدام قُدس إن أنا هنا لحمايتك وسرك أكيد في بير ما دام ميخصش حمايتك، لأن دي أمر من المعلم الجارحي، لكن في أمر تاني من المعلم الجارحي وهو تنفذ أي أمر منكِ مهما كانت صعوبته. أمورك تتنفذ بالحرف ومن غير جدال." تنهد بضيق، ثم قالت بخباثة ونار

الانتقام تشتعل بداخلها: "أنا عايزة أعرف قذارة عمران وبالدليل، عايزة دليل ملموس أوريه لخطيبته لأن وش البراءة اللي لابسه مش جاي على هوايا." "أمرك يا مدام قُدس." قالها بجدية، ثم خرجوا من المصعد في الطابق الأول. ذهبوا إلى عيادة طبيبة النسا والتوليد لفحصها الشهري. ***

وصل "عماد" إلى محل القماش، ومع دخوله أخذ المقعد الخشبي من الطريق حتى وصل إلى مكتب "الجارحي" وضرب الزجاج بالكرسي بقوة ليتناثر الزجاج أرضًا. حدق "الجارحي" بالمكتب بضيق ووقف من مقعده. أقترب بعض العمال لمنعه، فأشار "الجارحي" لهم بالذهاب وظل مكانه، ثم جلس من جديد على المقعد ببرود ولم يرتجف له جفن مما فعله أخيه.

أقترب "عماد" بغضب بركاني من برود "الجارحي" الذي أثر غضبه أكثر، ودلف للمكتب وهو يدهس الزجاج بقدمه، ومسك "الجارحي" من قميصه بقوة وأوقفه من مكانه وهو يقول: "إنت قد اللي عملته؟ حدق "الجارحي" به باشمئزاز، ثم قال: "لا، إنت اللي قد اللي عملته، وهريحك ما دام عملت كده يبقى قده وإلا ما كنتش هقدر أعمله." رفع يده ليلكم وجه "الجارحي"، فأوقفه "الجارحي" حين مسك يده وقال بغضب

وعينيه تتطاير منها الشر: "لا، أنا تاخدني على خونة وغدر أه، لكن في وشي متقدرش." دفعه بقوة ليترطم أخاه بالحائط، فتابع "الجارحي" الحديث بنبرة قوية وازدراء قائلًا: "إيه فاكر إنك هترفع سلاحك عليا؟ مرة واتنين عادي كده وهعديهالك، ده ليه إن شاء الله ركبي بتخبط في بعض لما بشوفك، فوق كده يا عم الشمام أنت واقف قصاد الجارحي أبو النور، لا أنت ولا ألف من أمثالك يجرأ إنه يتنفس في وجودي." أقترب "عماد"

من أخاه ثم قال بضيق: "معاك أسبوع يا جارحي يا تجيبلي 10 مليون جنيه تمن اللي حرقته، يا متلومنيش على اللي جاي، وافتكر يا ابن أبويا إنك إنت اللي قلت إنك لما تعمل لازم تكون قد العمل ده." ربت على كتفه بسخرية وغادر المكان بضيق، فتبسم "الجارحي" وجلس مكانه على المقعد يقول: "عبد العظيم... هات حد يلم الإزاز ده من هنا." *** (عمارة أبو النور) كانت "مديحة" جالسة في الصالون مع المحامي وقالت: "يعني إيه بقى إن شاء الله؟

"يعني حضرتك من ثلاثين سنة كتبتي المصنع والمحل باسم الحاج حمدي، ولحد ما هو اللي يقرر يرجعهم باسمك تاني مقدرش أعمل حاجة." قالها المحامي بجدية. فأففت بضيق شديد وقالت: "يعني دلوقتي حمدي في غيبوبة ويا عالم هيقوم منها ولا لأ، كده بقى فلوسي ومالي هتتوزع مع التركة على الكل؟

تحدث المحامي بهدوء قائلًا: "بالظبط يا أم هو يفوق ويرجع يكتبهم باسم حضرتك، يا أما هيفضلوا من الأصول باسمه. وأحب أوضح لحضرتك إن الورثة الشرعيين للحج هم إنتِ والست وصيفة وأولادكم، لا الجارحي ولا عماد ولا ليل ولا قُدس يخصهم شيء في الملك كله، إلا لو هو اللي كتب شيء باسم أي حد فيهم مسبقًا." رمقت المحامي بخباثة، ثم قالت بمكر: "يعني عايز تفهمني إنك متعرفش هو كاتب لهم حاجة ولا لأ؟ وقف المحامي من مكانه بهدوء وأغلق زر سترته،

ثم قال بمكر: "آسف يا حجة، دي أسرار شغل، عن إذنك." غادر من الشقة ليتركها تشتعل من الغضب والخوف تملكه من مرض "حمدي" وهي على وشك خسارة أملاكها. *** وصل "فتحي" إلى منزل قديم وصعد إلى شقة الطابق الآخر ودق الباب. فتحت له فتاة بعمر ابنته وقالت: "نعم." تحدث بهدوء وعينيه تحدق بالفتاة: "الست ملكة موجودة؟

أومأت إليه بنعم، مندهشة ولأول مرة من سنين طويلة يأتي أحد يسأل عن والدتها. أشارت له بالدخول، ودلفت للداخل تحضر والدتها، وخرجت وهي تدفع مقعدًا متحركًا وعليه سيدة في منتصف السن والمرض التهم جسدها. رأته السيدة لتُصدم قائلة: "فتحي بيه." دهش "فتحي" من ذاكرتها وهكذا حالتها المرضية. تركتهم الفتاة ودلفت تحضر المشروب، فسألها "فتحي" بقلق: "فاكراني؟ تبسمت "ملكة"

بعفوية وقالت بضعف: "طبعًا، إزاي أنساك وأنت اللي سترتني أنا وعيالي، إزاي أنساك وبسببك عرفت أجيب الشقة دي تلمني أنا وبناتي." تبسم "فتحي" بعفوية، ثم قال بلطف: "كلنا أسباب في حياة بعض، أنا كنت سبب في الشقة دي وإنتِ كنتِ السبب في إني أكون أب وأسمع كلمة بابا." تبسمت السيدة بضعف وبدأت تسعل جدًا بتعب. سألها "فتحي"

بخفوت: "أنا مستعد أديكي اللي تعوزيه من تاني وأمن مستقبل بناتك زي ما تحبي وبالطريقة اللي تعجبك، بس تدليني على أهل البنت اللي جبتهالي من 19 سنة." دُهشت "ملكة" من سؤاله وقالت بحزم: "إيه؟ ما أنا قلتلك إن ملهاش أهل." أقترب "فتحي" من مقعدها وقال بتوتر

والخوف يتملكه لأجل طفلته: "لازم يكون لها أهل، بنتي عندها سرطان في الدم وعلاجها الوحيد في النخاع، أنا لازم أوصل لأهلها، عرفيني أي طرف خيط وأنا همشي وراءه. أنا عارف إن ملهاش أب وأم، بس ممكن يكون عندها أخوات أكبر منها ويكونوا سبيل نجاتها من الموت." تنحنحت "ملكة" بتوتر شديد وقالت: "نخاع، هي عندها أخت توأم." اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته، وقال بغضب: "هي كانت توأم؟ طب ليه مقلتليش؟

كنت خدتهم الاتنين بدل ما تفرقي بينهم وهم من غير أهل." فركت "ملكة" يدها ببعضها بحزن شديد مما فعلته وقالت: "بصراحة لا، هي أبوها عايش وأنا سرقتها من الحضانة وقلتلهم إنها ماتت عشان كنت محتاجة فلوسك أوي." وقف من مكانه مصدومًا من هذا الخبر ولم يصدق أنها سرقت طفلة من أهلها، وهو طلب أن تجد له طفلة يتيمة. فقال بصراخ: "يعني إيه؟

أنا قلتلك تشوفي طفل في ملجأ رضيع أربيه، ولما جبتيها من المستشفى قلت معلش ما هي يتيمة وهتروح لملجأ... لكن مقلتلكيش تحرمي أب من بنته وتشيلني ذنبها عمري." صمتت "ملكة" بحزن شديد، فتأفف بضيق غاضبًا من هذا الموقف وابنته لن تصدق حقيقة الأمر. تحدث بضيق صارخًا بها: "وأبوها دا فين؟ ولا اسمه إيه؟

"صدقني معرفش، لكن أنا أعرف واحد شغال في أرشيف المستشفى ممكن يجبلك بيانات الست اللي دخلت المستشفى يومها وولدت، هي الوحيدة اللي ولدت من الحادثة اللي جت." أخرجت هاتفها لتعطيه رقم الرجل، فنقله وغادر غاضبًا من تصرفها. ***

في الساعة الخامسة مساءً، انطلق الجميع إلى غرفة العناية المركزة بعد أن أطلقت الأجهزة صافرتها. دلف الأطباء وكان قلب "حمدي" توقف تمامًا عن النبض، وبعد محاولات كثيرة من الإنعاش، تحدث الطبيب بهدوء قائلًا: "اتصلوا بأهل المريض وبلغوهم بالوفاة." بنفس اللحظة التي كان "فتحي" واقفًا أمام موظف الأرشيف الرجل العجوز ويضع نظارة نظر ضخمة على عينيه ويقرأ له اسم الزوج من سجل دخول المستشفى قائلًا: "اسم الزوج: هادي حمدي أبو النور."

وللحكاية بقية. يُتبع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...