وقف "الجارحي" مع "هادي" في رواق المستشفى. نظر إلى "ياسمين" جالسة على الأرض تبكي بحسرة وألم على مرض ابنتها، ولا تملك شيئًا تفعله لإنقاذ حياتها. خرج الطبيب، ليسرع "فتحي" نحوه مع "هادي" ليقولا الاثنان معًا: خير يا دكتور؟ للأسف الحالة بتسوق أكثر، والعلاج اللي ماشية عليه ما هو إلا مسكنات. قالها الطبيب في صمت، لتجهش "ياسمين" في البكاء بحزن شديد. فتحدث "هادي" بنبرة خافتة والقلق دب في قلبه على صغيرته:
ينفع أنا أتبرع لها، أنا أبوها لو ينفع، أنا مستعد نعمل العملية وقتي. نظر الجميع إليه، فتحدث الطبيب بهدوء شديد هاتفًا: نعمل التحاليل وهي اللي تقول ينفع ولا لأ. ربت "هادي" على كتف "فتحي" بلطف، يطمئنه أنه سينقذ ابنتهما مهما كلفه الأمر. *** في عمارة أبو النور.
كانت "ليل" تجلس مع "عمران" في الحديقة، مرتدية فستانًا أسود بسيط وتلف حجابها الأسود. أمامهما كأسين من العصير وطبق الفاكهة، ويتحدثان بعفوية. ليسأل "عمران" بجدية مصدومًا مما سمعه وأن خطيبته ووالدتها لم يعد لديهما شيء: يعني جدك كتب كل حاجة للجارحي؟ أومأت إليه بنعم، يائسة من تصرف جدها الذي جعل العائلة في حالة حرب والنار تلتهم الجميع. رأت الكره والغل ينشب بين قلوبهم لأجل المال، وكانت البداية تعرض "قدس" للهجوم وقتل أطفالها.
قالت بتهكّم متعبة من التوتر القائم في المنزل هذه الفترة: من بعد موت جدي والبيت بقى صعب أوي يا عمران، وكله ضغوطات وتوتر والمصايب نازلة على دماغنا. ترك كوب العصير على الطاولة، وعيناه تحملق بفتاته يحاول أن يعلم ما حدث بخبث. فقال بدهشة فضولي لمعرفة ما يجهله: ليه حصل حاجة تانية أكتر من إن جارحي كلكم؟ هزت رأسها بنعم، ويدها تهندم حاجبها بتعب وتحملق بوجه خطيبها بعبوس، ثم قالت بذهول:
تخيل إن البنت اللي شوفتها في المهندسين واتخانقنا عشان بتقول إنها قدس، طلعت مش قدس فعلًا، وطلع إن فيه بنت شبهها توأم قدس واتخطفت من المستشفى يوم الولادة. بصق ما في فمه من عصير من هول الصدمة، فأخذ منديلًا سريعًا يمسح فمه ويجيب بذهول: إنتِ بتقولي إيه؟ دا غير إن فيه ناس طلعوا على قدس امبارح وسقطوها. قالتها بحزن شديد يحتلها لأجل "قدس" وخسارة أطفالها. فسأل "عمران" بدهشة مصطنعة المفاجأة: سقطوها، هي أصلًا كانت حامل؟
هزت رأسها بنعم، فتنحنح بتوتر وقال: وعلى كده الجارحي عرف مين اللي عملها؟ أجابته "ليل" بينما تقطع الفاكهة بعفوية: لأ خالص، انشغل في مرض ليان توأم قدس من امبارح، وهم في المستشفى بيها ولسه مرجعوش. أي كل الحوارات الكثيرة اللي حصلت دي؟
قالها بعبوس ومسك هاتفه يلهو به ببسمة خبيثة، وخطيبته البلهاء هي من تنقل الأخبار كاملة له، ربما لأنها وثقت بقلبها البريء. خرج "عمران" من العمارة بعد أن رن هاتفه، ووقفت "ليل" من مكانها تأخذ الأطباق في يدها والتفت لتصعد الدرج، فأرتطمت بـ "يزيد" الذي كان يخرج من المبنى بتعجل، فوقعت الأطباق من يدها وأنكسرت لأشلاء. مسك "يزيد" معصمها من فوق كم فستانها قبل أن تسقط وتفقد توازنها كاملًا، وقال بتعجل: متأسف. على إيه؟
أنا اللي لازم أبص قدام. قالتها بعفوية، فساندها بحذر حتى صعدت على درجة السلم بعيدًا عن الزجاج المنثور، وأنحني ليجمع البقايا الحادة. أخذ هاتفها من فوق الأرض ومد يده إليها بها، ثم قال: اتفضلي إنتِ وأنا هخلي سنية تلم الإزاز دا. أومأت إليه بنعم وصعدت إلى شقتها. خرج من العمارة بتعجل وبحث عن "عمران"، لكنه كان قد اختفى تمامًا، مما أزعج "يزيد" أكثر.
أما في الطابق الرابع، كانت "قدس" تقف أمام السفرة بتعب، وأخذت العلاج الذي وصفته الطبيبة لها بعد الإجهاض، ثم وضعت كأس الماء جانبًا. كانت قلقة جدًا على أختها، ومن الأمس لم يعودوا من المستشفى. واتصلت كثيرًا على "الجارحي"، لكنه لم يجب عليها. تأففت بضيق وجلست على الأريكة بعد أن أحضرت أدوات الرسم والورق، وبدأت ترسم حتى يمر الوقت. انتهى قلمها الرصاص، فوقفت بتعب خافت ودلفت إلى مغرفة "الجارحي"، وهي تتذكر أنها رأت أقلام رسم على
مكتبه سابقًا. أخذت القلم والتفت لتغادر، لكن وقع نظرها على شيء أعادها للمكتب. ورفعت الملف الموجود على المكتب، لتُدهش عندما رأت صورته التي رسمتها في الماضي، وكانت سبب ضرب "هدير" لها لأول مرة. تسارعت نبضات قلبها بعفوية وهو يحتفظ بالرسمة طوال هذه المدة. وتذكرت حديث "ليان" عنه، وأنه حتمًا يحبها، وتصرفاته تعني الحب فقط. سمعت صوت باب الشقة، لتضع كل شيء مكانه وخرجت بسرعة، فرأت "الجارحي" يقف أمامها.
لتسأل بقلق واضح: اتصلت بيك كتير، عملتوا إيه؟ وليان عاملة إيه؟ محجوزة في المستشفى، وباباكي قرر يتبرع وعملنا التحاليل، بس نتيجتها هتظهر بعد يومين. قالها بهدوء وعيناه تتفحصها بعد أن رآها تخرج من غرفته. تنهدت بقلق شديد، ثم قالت بعبوس: اتحجزت؟ يعني أكيد حالتها صعبة. نظر إليها بهدوء ودلف إلى غرفته متمتمًا بضيق: أختها عندها سرطان يا قدس، مش شوية برد. أكيد حالتها صعبة وتعبانة، بس اللي بتفكري فيه مش هيحصل.
دمعت عينيها بحزن شديد من عناده، واستدارت له غاضبة، ثم قالت بضيق أكبر: إنت ليه مصمم توجعني وخلاص؟ أنا فيا اللي مكفيني، مش يمكن اللي حصل دا يكون سبب عشان أعالج أختي؟ اتسعت عيناه بصدمة ألجمته، وانقبض قلبه وجعًا بسبب زوجته وهي تستغل ما حدث لها وقتل أطفالهما لصالح أختها، وكأنها لا تهتم لما حدث. ألتف إلى "قدس" بذهول وقال بدهشة: دا بس اللي فارق معاكِ، إن دا حصل عشان يكون سبب تنقذي أختك؟
وولادنا اللي ماتوا وحياتك اللي كانت هتروح فيها مفرقوش معاكِ؟ وصرخ في وجهها بغضب سافر. فتنهدت بهدوء رغم صراخه الذي أفزعها، وقالت بنبرة جادة صارمة: أنا أكتر واحدة اتوجعت في اللي حصل، أنا وبس اللي كنت بين الحياة والموت بين أيدهم. ومع ذلك بصبر نفسي على وجعي وبقول ظهور ليان في الوقت ده عشان يصبرني على اللي حصل. لكن لو هنفكر فيها بطريقتك يبقى لازم تسأل نفسك عن السبب؟
عقد حاجبيه بخنق ويرمقه بعيني ثاقبة يتطاير منها الوجع والحسرة، ولسانه يسألها ببرود مما فهمه وترمي له زوجته: قصدك إيه يا قدس؟ قصدي لازم تسأل نفسك مين السبب في خسارة ولادي. لازم تسأل نفسك أنا ليه حصل فيا اللي حصل، وهتعرف إن لو في سبب لكل الوجع اللي أنا عايشاه، هيكون هو انتقامها.
بغضب وعينيها تذرف منها الدموع الحارة تعبر عن وجعها الذي تكبحه بداخلها ولم تبوح به، والصمود الذي تحلت به سقط الآن بعد أن ضرب "الجارحي" بحديثه قلبها الصغير في الحائط ولا يبالي. تابعت الحديث بحسرة أكبر صارخة: إنت السبب. حتى لو كانوا أهلي وحد من البيت ده هو اللي عملها، فهو عملها بسببك لأنك قبلت مالهم. لو في حد اتأذى بجد فهو أنا، لأن أنا دفعت ثمن خطاياه أنا مرتكبتهاش.
صمت "الجارحي" تمامًا مذهولًا من حديث محبوبته الصغيرة. أقترب بخطواته البطيئة والدهشة تحتل عينيه العسليتين، لا يستوعب حدثها وهي تضع بكلماتها الحادة قتل أطفاله على كاهله وكونه السبب في خسارة حياة أبنائها. مسك ذراعها بحدة وجذبها بقوة نحوه، ثم قال بدهشة وعينيه تلتهمها بنار الغضب: إنتِ بتتهمني بإيه؟ بوصية ميت؟ دي وصية جدك وأنا روحت أديهم حقهم، بس هم شياطين. بتشيلني إيه دلوقتي؟
لم تعقب على حديثه، وانتفض جسدها ذعرًا من قبضته وعينيه التي يتطاير منها الشر. دفعها للخلف بضيق، تاركًا ذراعيها. فدمعت عينيها بوجعها وتطلعت به بقهرة. لم تكن تعلم أن الزواج من حبيبها سيكون شاقًا هكذا. اعتقدت أنها بلطفها وبراءتها ستجعله يحبها كما تحبه، ولو قليل. لكن منذ أن تزوجته والحياة عسيرة جدًا بينهم، ولم تنعم بليلة واحدة في هدوء وحب. تأفف "الجارحي" بغيظ مما يشعر به بداخله، وغصات قوية تمزق صدره. والفراق احتل كيانه بألمه، بدءًا من سرقته لحياة جده والآن أطفاله.
مسكها من معصمها بعنف وسحبها إلى صدره، يطوقها بحنان رغم المناوشات القائمة بينهما. لكن بداخله شيء قوي يجذبه إليها، يجعله يرفض أن يتركها بحزنها وحيدة. تشبثت به بضعف وجاءت في البكاء. فرغم كل ما تمر به، لكنها لا تملك سوى حبه بداخلها. هذا الحب هو الشيء الوحيد الذي يجعلها تتنفس بارتياح وتسعدها في حياتها التعيسة. سمعت أنينه لتفزع من هول الصدمة وهي تحرك رأسها على صدره وتنظر للأعلى، فرأت الدموع تسيل من عينيه. زوجها القوي الذي يقف أمام الجميع، وهكذا الموت والمخاطر بدون رجفة جفن، الآن يبكي مع صغيرته. رفعت يدها إلى وجهه بحزن تجفف دموعه بلطف وحنية تغمر الصغيرة.
رمقها بألم وقال: بالله عليكِ يا قدس متصعبيش الحياة عليا أكتر. أنا حربي مع أهلي ومع أخويا وخسرت ولادي وجدي. ذرفت الدموع من عينيها بحزن أكبر عليه، ويديها تمسح لحيته الكثيفة التي بللتها الدموع، ثم قالت بصوت دافئ: أنا هنا ومش هسيبك يا جارحي. مش هسيبك إلا لو قلت لي أمشي. إنت عارف إني بحبك.
صمت لسانه، تاركًا لعينيه هذه اللحظة ليتطلع بـ "قدس" فتاة صغيرة ستكمل التاسعة عشر من عمرها بعد أيام، ورغم ذلك تحمل له الكثير من الحب ودائمًا تفضله على حالها. يبدو أن كل شيء صالح فعله في حياته، كأن هديته هذا الحب الكامن بقلب هذه الفتاة. ضمته إليها رغم قصرها الشديد أمامه، ليبكي في صمت بين ذراعيها دون أن يخجل من وجودها. الوجع يحتل قلوبهما ويمزق أحشاءهما، لكن كلاهما لا يملكان شيئًا يربت على بعضهما. انتهت نوبة البكاء بينهم
حين أخذها إلى المرحاض وتوضأ أمامها، ووقف يراقبها هي تفعل المثل. ثم خرجوا ليفتح دولابه الصغير وأخرج منه صندوق هدايا أزرق اللون وأعطاه لها. ففتحت الصندوق، وكان بداخله إسدال صلاة باللون الأزرق الداكن، ومصحف ملون قطيفة من الخارج باللون الأزرق، ومعهم سبحة للتسبيح مصنوعة من الكريستال اللامعة باللون الأزرق المفضل لها. نظرت
إليه ليقول بنبرة خافتة: أنا جبتهالك هدية جواز، بس مجتش فرصة أن أديهالك. أومأت إليه بنعم، ورُسمت بسمة على شفتيها من الفرحة، وارتدت الإسدال فوق بيجامتها بسعادة تغمرها، ويكفي أن حبيبها جلب لها هدية لأول مرة. تبسمت بعفوية بسمة مشرقة وقالت: شكله حلو! أقترب خطوة منها بسعادة ولف لها حجاب الإسدال بلطف، وتتطلع بوجهه بذهول من جمالها في الحجاب، واللون الأزرق جعل بشرتها البيضاء تتلألأ أكثر وينيرها. فقال بهمس معجب بجمال زوجته:
سبحان الخالق، وكأن الجمال كله اتخلق فيكِ يا قدس. نظرت في المرآة على شكلها وضحكت بلطف، ولأول مرة منذ أن ولدت ترى نفسها في الحجاب، فتمتمت بحب: شكلي حلو.
أومأ إليها بسعادة، ثم أخذها من يدها وخرجوا إلى غرفة مجاورة لغرفة مكتبه، وبابها يطل على صالة الشقة خارج الرواق الضيق. فتحها بمفتاح يحمله في جيبه ودلف يفتح الضوء، لتُدهش من جمال الغرفة. وكانت الغرفة مقسمة إلى نصفين بحاجز خشبي جميل. الأول مرسم صغير لمحبوبته التي تعشق الرسم، وهناك مكتب أعلاه مكتبة مليئة بالكتب، والمكتب سطحه ملأ بالألوان، جميع الألوان والخامات والأنواع الموجودة في العالم. أما النصف الأخرى من الغرفة، فكان عبارة عن ركن للصلاة، وبالأرض سجادتين للصلاة، واحدة سوداء تخصه، وبعدها بخطوتين الأخرى باللون الأزرق لأجل محبوبته، محفور عليها اسم "قدس" بخيوط من الذهب. فنظرت إلى "الجارحي" بذهول مما تراه، ومتى جهز كل شيء يحمل اسمها؟
إذا كان مرغمًا على الزواج بها، متى نقش اسم "قدس" على كل شيء؟ سألته بتلعثم من هول الدهشة التي أصابتها: كل ده عشاني؟ بس إزاي وإمتى؟ وليه؟ أنا جوايا ألف سؤال وحيرة كبيرة حطتتني فيها. تبسم بلطف إلى صغيرته وقال:
لما سافرتي يا قدس، جمعولي عرايس كتير، بس بعد اللي حصل أنا كنت حاسم أمري إني مش هتجوز حد غيرك. ثلاث سنين بصبر نفسي بقول أكيد هترجع، مش هتفضل هربانة العمر كله. جهزت أوضتك وكل ركن في الشقة عشانك، وحاولت أعمل أي حاجة أعرفها أو تيجي في بالي تسعدك. بحثت على النت إزاي تجهز شقتك للجواز وأي الحاجات اللي أي بنت تحبها تكون في بيتها. حاولت أفهم دماغ البنات شوية عشان أرضيكي، عشان كنت عارف إنك مش هتكوني سعيدة في جوازة بالإجبار، فحاولت أعمل أي حاجة تسعدك لما تيجي بيتي.
تنهدت بحرج من حديثه، وخصوصًا أنه يعرف الآن أنها خدعته في الزواج، ولم يؤذها بالقدر الكافي لتجبره على الزواج بها. فتمتمت بضيق: الشعور بالذنب صعب أوي كده؟ هز رأسه بنعم، ثم رفع يده يمسك وجهها بين راحتي يده، وعيناه تغرق في عينيها الخضراء الساحرة بجمالها، وقال: أنا كنت فاكر إنه شعور بالذنب وتأنيب ضمير، لكن اكتشفت إنه....
تلجم لسانه، ووقفت الكلمات في حلقه بصعوبة، ولم يقوى على لفظ شيء أكثر من ذلك. فسألت "قدس" بعفوية منتظرة بقية الحديث، وأنه يكن لها المشاعر مثلها تمامًا: لكن إيه؟ مفيش. قالها بخفوت، ومرة أخرى منعه كبرياؤه العنيد من الاعتراف بدوامة المشاعر التي يعيش بها. فهزت "قدس" رأسها بلطف رغم حزنها من مقاطعة حديثه، وقالت ببراءة:
ماشي، عمومًا شكرًا على الحاجات الجميلة دي كلها. أنا عمري ما تخيلت حتى إنك تجيب لي هدية، وإنت النهارده جبت كتير أوي. شكرًا يا جارحي.
تبسم بحرج، وعبوس يتحل ملامحه من تجمد لسانه بعد أن رتب كثيرًا لهذا الاعتراف، خائفًا أن تتركه بعد فقد أطفالها كما خططت من البداية، لكنه فشل بسبب كبريائه اللعين. وقف أمامها وبدأ قيلم الصلاة معها، وهي خلفه بخطوتين، لتكن أمنيته الأولى في الزواج أن يصلي بزوجته قد تحققت مع هذه الصغيرة. أنهى الصلاة وجلس يقرأ القرآن بصوته العذب، ووضعت "قدس" رأسها على قدميه مستمعة للقرآن بصوت زوجها الجميلة. ووضع يده على رأسها أثناء قراءته، حتى شعر بثقل رأسها حين غاصت في نومها. فتوقف عن قراءة القرآن وتطلع بها. كانت جميلة جدًا، فرفع يده
الثانية للأعلى وقال برجاء: يارب أصلحني ليها وأصلحها ليا. اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جلبتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جلبتها عليه. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. يارب لا تفرق بيني وبينها، فأنت من وضعت حبها في قلبي وتعلم إن سعادتي لا تكتمل إلا بقربها، فاللهم احفظها لي ولا تكتب عليها حزنٍ ولا مرضٍ. كان لأول مرة يعترف بحبها الذي زرع في قلبه في دعائه لها. ذرفت من عينيه دمعة أثناء الدعاء، فمسحها سريعًا
بخجل بعد أن سمعها تقول: اللهم آمين. نظر نحوها ليراها تجيب على دعائه وهي مغمضة العينين، وقد سمعت كل كلمة تفوه بها، وخصوصًا اعترافه بحبها. ظل يحلق بها، بينما هي لم تفتح عينيها لتحرجه أكثر أمامها. *** ( فيلا مدينتي )
سار "كريم" في البهو متجهًا إلى غرفة زجاجية تعلو الأرضية بأربعة درجات. صعد الأربعة درجات الرخامية وفتح الباب الزجاجي وولج. كان "جلال" منغمسًا في شروده بهذه الفتاة التي ظهرت في أرضه فجأة، مغمض العينين داخل حمام السباحة، ومتكئًا بظهره وذراعيه على الحافة الرخامية، وبين شفتيه سيجارة ينفث دخانها ببرود. تنحنح "كريم" بهدوء، ليفتح "جلال" عينيه ورفع سيجارته عن فمه ويقول: قول اللي عندك. اللي عندي بخصوص الدكتورة.
وضع "جلال" السيجارة بعيدًا وخرج من حمام السباحة، يقول بجدية: هات اللي عندك يا كريم كاش، مش هتقسط الكلام بالتنقيط. تنحنح "كريم" بقلق وعيناه تراقب "جلال" عن كثب وهو يجفف صدره وشعره بالمشفة، ثم جمع شجاعته في الحديث وهتف قائلًا: دخلت المستشفى من يومين واتحجزت هناك لأن حالتها في خطرة. اتسعت عينا "جلال" على مصراعيها وانقبض قلبه بصدمة ألجمته، وخصوصًا من الكلمة الأخيرة ومرضها الخطير. تحدث بانفعال شديد وقدميه تطوي الأرض طيًا:
جهز العربية. اندهش "كريم" من طلب رئيسه وتمتم بتلعثم من هول الصدمة التي سقطت على عقله الآن: حضرتك هتروح لها؟ مسكه من قميصه بغضبه وعيناه يتطاير منها الشر ويكاد يلتهم أي شخص الآن، وقال بتهديد: نفذ اللي بقولك عليه يا كريم من غير سؤال. من امتى وأنا بتسأل رايح فين وجاي مين؟ ولا يكش هاخد الإذن منك؟
دفعه في الحائط وخرج من غرفة حمام السباحة وصعد إلى غرفته يرتدي ملابسه حتى يذهب إليها، ولم يبالي بالتوقيت. وصل إلى المستشفى وكانت الساعة الرابعة فجرًا، فمنع الأمن من الدخول وقال: ممنوع يا فندم، في ميعاد للزيارة ممكن تيجي فيه؟
سحبه "جلال" من ملابسه بقوة غاضبًا، وكيف تجرأ أحد على منعه، ليدفعه إلى "كريم" الذي أخرج مسدسه، وهكذا رجاله الذين خرجوا من سيارتهم وأخرجوا أسلحتهم ليدخل المستشفى بالقوة تحت تهديد السلاح. وصعد إلى غرفتها، بينما "كريم" وقف مع مدير المستشفى يمنعه من تقديم بلاغ للشرطة ودفع مبلغ مليون جنيه كتبرع للمستشفى. فتح باب الغرفة ودلف ليرى "الأضواء خافتة و"ليان" نائمة في فراشها. فأقترب بهدوء حتى لا يوقظها ووقف يتطلع بوجهها الشاحب، وظهر عليها أعراض المرض وذبلت صغيرته المتمردة. أنحنى وهو لا يصدق أن الحياة أعطته فتاة كفرصة تبدل حياته الباهتة وسرقتها في نفس اللحظة. مسح على رأسها بحنان، ففتحت "ليان" عينيها ورأته يقف أمامها، فدهشت وهي تبعد يده بعيدًا
عنها قائلة: إنت إيه اللي جابلك؟ اعتدلت في الجلوس ليجلس أمامها وقال بجدية: متصلتيش بيا ليه؟ مش حذرتني مردش على اتصالك، متصلتيش ليه؟ نظرت تجاه النافذة وقالت بجدية: واتصل ليه؟ إنت فاكر نفسك إيه؟ تأفف بضيق من تصرفها البارد، وكز على أسنانه من الغيظ. لا يصدق أنه جاء إليها في هذا التوقيت وهجم على المستشفى حتى يدخل لها، وهي تعامله بهذا البرود. وقف بكبرياء جُرح على يد الصغيرة والتف لكي يغادر، لكن استوقفته "ليان" تقول: اقعد.
نظر إليها بدهشة، فقالت بغيظ من حياتها المؤقتة: اقعد، أحيانًا بيكون الناس العابرة في حياتنا ليهم فايدة، على الأقل تقدر تسمعني لأني مش لاقية حد يسمعني. جلس من جديد وعينيه ترمقها بغيظ من جلفها في الحديث وقال: بعض النظر عن لسانك ودبشك، بس هسمعك. نظرت له بفضول وقالت بدهشة: صحيح، إنت دخلت إزاي؟ أنا مفيش مكان معرفش أدخله، دخلت بالسلاح. قالها بغرور، فرئيس عصابة مثله ومجرم، مما سيخف. سألته بعفوية معجبة بجراءته:
بجد، طب تعرف تخرجني من هنا أشم هواء وأرجع؟ هز رأسه بنعم بغرور وفخر من سلطته وقوته. أخذها معه وهي تتكأ بذراعه وتمسك الحامل المعدني الخاص بالمحلول وتدفعه معها. نزلوا للأسفل، وبدأت تخبره عن خيباتها وحياتها التي قلبت رأسًا على عقب. فتحدث بدهشة: يعني أهلك طلعوا مش أهلك!! أومأت إليه بنعم وتابعت ببرود قائلة: آه، ميزة وعيب؟
نزع سترته الجلدية ووضعها على أكتاف الفتاة يحميها من البرد، خائفًا أن تمرض أكثر من هواء الفجر. وسألها بدهشة من حديثها قائلًا: إزاي؟ تنهدت بحيرة تغمرها وعينيها تحملق بوجه "جلال" بيأس: عيب، لأن لما أموت هيتعذب العائلتين على موت بنتهم. كان كفاية أوي عليا هم أمي وأبوبا عشان يظهر عائلة كاملة أب وأخت وعم وعمة ونيلة خالص. ضحك بخفة على حديثها، لتتابع الحديث وهي تضع ذراعها في ذراعه بعفوية تتكأ عليه، بينما حركتها جعلت
القشعريرة تسير في جسده: وميزة، لأن الدكاترة بيقولوا إن كده في نسبة كبيرة إني أخف بعد ظهور أخت توأم ليا وهي المتبرع الأساسي ليا. فزع من كلمتها بسعادة ووقف أمامها ليسقط ذراعها جانبًا. نظرت على لهفته وحدقت به، بينما يقول "جلال" بحماس: طب ده خبر كويس، حددتوا ميعاد العملية؟ سحبته من ذراعه من جديد، وتباطأت ذراعه بيأس، وقالت بجدية:
مش بالسهولة دي. أختي حالتها صعبة وجوزها رافض تمامًا العملية، لأنها كانت حامل ودلوقتي طلع عليها ناس من أسبوع وسقطوها وجسمها ضعيف. جوزها!! قالها بغضب شديد احتل ملامحه، وكز على أسنانه بنار اشتعلت بداخله، ثم سألها بحدة عازمًا أمره على أن ينقذ حياتها مهما كلفه الأمر، حتى لو أجبر أختها على دخول غرفة العمليات تحت تهديد السلاح: مين جوزها؟ رفعت "ليان" حجابها بضيق، وقد فهمت ما يفكر به، لتقول بتهديد وهي ترفع سبابتها في وجهه:
إياك تفكر في حاجة تأذيهم. أخلصي، مين جوزها؟ أنا هتصرف، مالكيش دعوة. قالها بحدة، فرفضت أن تحدثه عن هوية عائلتها خائفة عليهم منه. فمسك "جلال" يدها بقوة يمنعها من الحركة من أمامه، وقال بضيق: مش هاذيهم، بس على الأقل هوصل لحل وسط معاه. مش قولتي إجهاضت، يعني مفيش أذية ليها. هتكلم معاه. صمتت للحظة ولم تجب عليه، وقالت متجاهلة الحديث: أنا تعبت، رجعني أوضتي.
تأفف بضيق شديد من عنادها، فأنحني قليلًا وحملها على ذراعيه وسار في الحديقة حتى وصل إلى باب المستشفى ودلف بها في صمت. وضعت رأسها بتعب على كتفه، ليشعر بحرارة أنفاسها الدافئة تضرب عنقه، فقشعر جسده بعفوية، وهذه الفتاة ستجعله يهدم العالم لأجلها. وصل إلى غرفتها ووضعها على الفراش، فتمتمت بتعب وصوت خافت: إياك يا جلال تأذيهم.
أومأ إليها بنعم، وانحنى ليضع قبلة على جبينها بدفء، مما جعلها مصدومة، واتسعت عينيها على مصراعيها بذهول من تصرفه. أبتعد عنها ونظر بعينيها يقول: مش هتأخر عليكي، هرجعلك تاني. خرج من الغرفة، وكانت الساعة السادسة صباحًا. نزل إلى الأسفل، وكان "كريم" ينتظر مع رجاله، فقال بحزم شديد: اعرفيلي مين أهل ليان، وأختها التوأم هات لي كل المعلومات عنها هي وجوزها قبل الظهر. تمتم "كريم" بذهول يقول: أهل مين وتوأم إيه؟
أهلها الحقيقيين غير فتحي محفوظ. هات لي كل البيانات عنهم ضروري. قالها، ثم صعد إلى سيارته لينطلق إلى منزله، وبدأ "كريم" البحث عن أهل "ليان". *** كان "الجارحي" جالسًا في مكتبه داخل المصنع، فدلف السكرتير يقول بهدوء: في واحد برا عايز يقابلك. مين؟ قالها ببرود شديد، فأتاه صوت "جلال" يقول: جلال الصياد.
التف "الجارحي" وهكذا السكرتير تجاه الباب، فولج "جلال" بغرور، وعيني "الجارحي" تتفحصه، رجل يرتدي بدلة سوداء، فنفس عمره تقريبًا، وعيناه حازمة وباردة. أشار "الجارحي" له بأن يجلس، ثم قال: هات قهوة للأستاذ، لما نشوف مين البيه. سادة. قالها "جلال" بسخرية، وغادر السكرتير، ليعود "الجارحي" بظهره للخلف بغرور، ثم قال بحزم: أفندم.
أنا راجل دوغري وماليش في اللف والدوران. الأول أنا اسمي جلال الصياد، رئيس عصابة الصياد، كل أنواع الإجرام هتلاقي. قالها بفخر ودون أن يخشي شيئًا، فضحك "الجارحي" بسخرية من هذا الحديث، ومال برأسه قليلًا، ثم قال بجدية: المفروض بعد المقدمة دي أخف وأكش. أنا بقدم للعملاء بتوعي كل الخدمات اللي يحبوها: قتل، خطف، سرقة، بيع مخدرات، سلاح، آثار، انتقام. أنا كمان بقدم خدمة التنقيب عن شوية غجر سقطوا المدام.
قال جملته الأخيرة بنظرة ثاقبة لملامح "الجارحي" التي تبدلت مع عرضه الأخير، واعتدل في جلسته يقول بدهشة: نعم!! تبسم "جلال" بتكبر وقال بسخرية من دهشة "الجارحي": بس أكيد مش مجانًا. وقف "الجارحي" من مكانه وألتف حول المكتب بغضب يحتله، وقال: اطلع في النور وكلمني بصراحة، إنت عايز إيه؟ وضع "جلال" قدمه على الأخرى بغرور وهتف بصوت هادئ جدًا رغم حدته: النخاع.
جلس "الجارحي" على المقعد المقابل لـ "جلال"، وعلامات الدهشة ظهرت في ملامحه، وانقبض قلبه من هذه الكلمة، وقال بغضب يكبح قدر الإمكان قبل أن يضرب هذا الرجل: مش فاهم. أجبلك عرضي بصراحة، أنا هجبلك اللي سقطوا مراتك لحد عندك، ولو عايزين انتقم لك منهم بدل ما توسخ إيدك، ما عنديش مانع هعمل كدة فور فري لأجل عيون الغالية. وفي المقابل تديني نخاع قدس.
كان يتحدث بهدوء شديد ليرى الدهشة تزداد على وجه "الجارحي" الذي تشنج جسده وتجمد محله من هول الصدمة. وقف "جلال" من مكانه وأغلق زر سترته كي يغادر، ثم قال بجدية: خلي بالك يا جارحي بيه، عرضي مش ساري لمدة طويلة. وكمان متنساش إني قُلت لك من ضمن خدمتي خطف وقتل، يعني أعرف آخده بالقوة. وقف "الجارحي" من مكانه بغضب من تهديده له بحياة "قدس"، ولكمه بقوة في وجهه وعينيه يتطاير منها الشر والمكر، ثم قال بتهديد:
جرب تقرب من قدس، وأنا أوريك بقى الخدمات اللي أنا بقدمها. سقط "جلال" على المقعد من قوة لكمته، وانكسر الكوب على الأرض. مسك "جلال" ذقنه بغضب من فعل "الجارحي"، وكانت المواجهة بين أسدين، كلاهما قوة وشرس بطريقته. دلف "كريم" وهكذا "يزيد" من صوت تكسير الزجاج، وحين رآه الاثنان، أخرج كلا منهما مسدسه وصوبه على الطرف الآخر. فهتف "جلال" بهدوء:
خلاص يا كريم. بالمناسبة، عدوك مش من عيلتك. دي معلومة مجانية للإغراء. معاك لبكرة الساعة 12 الظهر، وبعدها متلومنيش. غادر "جلال" تاركًا "الجارحي" في صدمته، وسقط على المقعد مذهولًا من هذا الرجل الذي ظهر من العدم ويعرض له عدوه وقاتل أطفاله مقابل إجراء "قدس" للجراحة. معلومته الأخرى كانت مرعبة، فإن لم يكن العدو من داخل بيته، فمن يكن؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!