الفصل 16 | من 27 فصل

رواية حرب سقطت راءها الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
22
كلمة
5,103
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

وصلت "ليان" أمام شركة الجوكر للحراسات الأمنية ونظرت إلى مبنى الشركة الزجاجي على شكل هرم الموجود في القرية الذكية. أمام المبنى ممر مياه يزيدها رقي وفخامة. أنبهرت من جمال المكان وأقتربت من المبنى فأوقفها الأمن يقول: -نعم، إنتِ رايحة فين يا بت؟ دهشت من طريقة الأمن في شركته وقالت بسخرية: -بت!! دكتورة ليان. قالها "كريم" من الخلف فأفسح رجل الأمن الطريق بسرعة بعد سماع صوت "كريم".

لتمر "ليان" بتهكم وعينيها ترمق الرجل بازدراء، لكنها عادت خطوتين تنظر إلى شارة اسمه وقالت بتهديد: -اسمك إيه؟ فزع الرجل من حفظها لاسمه وأدرك إنه وقع في مشكلة الآن، وخصوصًا أن "كريم" نائب المدير جاء ليستقبلها نفسه، وهذا يعني أنها شخصية مهمة لرئيسه. ذهبت مع "كريم" إلى الدرج حتى تصعد للطابق الثاني حيث مكتب "جلال". وعندما وصلت رأته يقف أمام الزجاج ينظر في الخارج على المارة وينفث دخان سيجارته. التفت إليها وهو يقول:

-متأخرتيش. لم تتمالك أعصابها وذهبت نحوه بخطوات سريعة جدًا ثم ركلت قدمه فجأة بقدمها غاضبة فأندهش من فعلها وقال: -إنتِ مجنونة؟ قتلته ليه؟ محدش يعملها غيرك. قالتها بانفعال وغضب يحتلها حتى أحرقت نيران غضبها صدرها وعقلها بالكامل. فهم ما تقصده ويبدو أن جثة "أيمن" ظهرت الآن ليقول بحدة متكبر: -عشان أذاكي. اتسعت عينيها على مصراعيها من جراءته وهو يعترف بفعله دون خوف ولم ينكر الأمر. رمقته بذهول تام وقالت بتلعثم:

-يعني قتلته فعلاً؟!! أقترب خطوة منها يتطلع بعينيها الخضراء الجميلة وعبوس وجهها الحاد ثم قال بجدية صارمة متحجر: -أه. أبتلعت لعابها بخوف من وقوفها أمام مجرم مثله يقتل ولا يبالي بشيء. قتل الروح عنده سهلًا كسهولة شرب كأس ماء. تلعثمت في الحديث هاتفة: -ليه؟ عملك إيه؟ كرر جملته التي يبدو من الصدمة لم تقع على أذنيها وعقلها قائلًا: -عشان أذاكي. ضربته في صدره بقوة تبعده عنها أكثر بانفعال وجن جنونها من هذا المختل الأحمق وقالت:

-إنت مختل، لا أنا متخرف ومين سمح لك تأذيه ولا تدخل في حياتي، مين اللي أداك المساحة دي في حياتي. مسك ذراعها بقوة من الغضب وعينيه يتطاير منها الشر ونار غضبه التي يكبحها بداخله من جراءتها الزائدة معه وقال بتهديد: -متطوليش لسانك أكتر من كده؟ أنا صابر عليكِ بهوايا مش ضعف ولا عجز مني وإنتِ شوفتي أنا أقدر أعمل إيه؟ لم تبالي بتهديده وحدقت بعينيه بتحدٍ وعناد أكثر ثم قالت بغضب سافر يلتهم ضلوعها قائلة:

-متهددنيش لأني مبخافش، أنا لو بخاف مش هتصل بيك ولا هجيلك لحد هنا بعد ما شوفتك بتقتل راجل... توقفت عن الحديث عندما شعرت بدوران في رأسها بسبب الانفعال وبدون وعي تشبثت بذراعيه بضعف وأغمضت عينيها. تشبث بها بإحكام وهو يعرف بمرضها، سألها بقلق: -إنتِ كويسة؟ أهتز جسدها الضعيف يجيب على سؤاله بخموله عوضًا عن لسانها السليط ليفزع عندما رأى الدماء تسيل من أنفها ليحملها على ذراعيه بسرعة البرق من الخوف.

فاتسعت عيني "ليان" بدهشة من فعله وكادت أن تصرخ به لكنه أنزلها بسرعة على الأريكة وسحب المناديل يضعها على أنفها بقلق. ظلت ترمقه في صمت مندهشة من لطفه وقلقه الواضح في ملامحه وعينيه عليها. تحدث "جلال" بنبرة هادئة على عكس المعتاد منه وقال: -أرفعي رأسك لفوق وأنا هطلب لكِ الدكتور، هجبلك أسطورة الدكاترة لحد عندك. مسكت "ليان" يده بإحكام تمنعه من الذهاب. نظر إلى يدها الصغيرة الناعمة وهي تعانق يده القوية الباردة

بإحكام وهمست له بهدوء: -مفيش داعي، شوية دوخة وهيروح. أخلعت حقيبتها الصغيرة الموجودة خلف ظهرها وأخرجت منها المسكن الذي أصبح يلازمها كالهواء فأحضر "جلال" كوب من الماء لأجلها لتأخذ علاجها. ظل جوارها يراقبها بهدوء وهي مسترخية منتظرة أن يسكن العلاج تعبها. تنهد بهدوء ونظر في هاتفه وكتب اسم مرضها في محرك البحث يبحث عن علاج لها.

هذه الفتاة الصغيرة التي اقتحمت حياته كحورية هبطت على أرضه في ليلة معتمة لتقلب حياته رأسًا على عقب. شعر بشيء خفيف يسقط على كتفه فحرك رأسه بخفة وكانت رأسها الصغيرة تستكين على كتفه وشعرها أخفى وجهها. رفع يده إلى وجهها يبعد خصلات شعرها عنه ليرى ملامحه، أخذ برطمان الحبوب من يدها وكتب اسمه على الهاتف ليعلم أنه يسبب النعاس فتنهد بأريحية وزحزح جسده للأسفل قليلًا حتى تستريح رأسها على كتفه بسبب طول قامته.

صعد "كريم" يتحدث في الهاتف قائلًا: -خمسة طيب وهوصل التليفون لجلال بيه... صُدم عندما وجد "جلال" رئيسه المتعجرف البارد جالسًا والصغيرة تنام على كتفه و"جلال" يشير به بحدة بأن يصمت ولا يسبب لها إزعاجًا ويقظتها. فتحدث بنبرة خافتة: -المعلم... قاطعه دون أن يسمع شيئًا عندما رفع يده في وجه "كريم" يحذره من لفظ كلمة واحدة أخرى فأبتلع "كريم" كلماته سريعًا بخوف من رئيسه والتفت ينزل الدرج كما صعد دون أن يتفوه بكلمة.

بحث "جلال" عن مرضها أكثر وكان العلاج المقترح هو زراعة النخاع فتنهد بهدوء ونظر إلى وجه "ليان" بإعجاب واضح في نظرته اللامعة وعينيه التي تتلألأ ببريق ناعم ودافئ. لا يدرك سبب تحمله لغلاظتها وجراءتها الوقحة معه لكنه شعر لأول مرة في حياته بالأمان في وجودها.

هذه الصغيرة حين تأملها في المرة الأولى وهي تنام بفراشه كانت كملاك صغير زين غرفته ومنزله في ليلتها ليعود بذاكرته لتلك الليلة التي أنقذها من "أيمن" وأخذها إلى قصره الصغير. كان يجلس على حافة الفراش ينظر إلى "ليان" وهي نائمة من تأثير المخدر وتتقلب في السرير بحركة مفرطة.

التفت ليجلس جوارها يتأمل ملامح وجهها عن قرب ليصدم عندما التفتت تجاهه ووضعت رأسها على قدمه ويديها تعانق خصره بدفء فتشنج جسده ببروده في محله وشعر بتجمده في أرضه من قربها هكذا. لأول مرة تهزه فتاة رغم كرهه الشديد للنساء وأشمئزازه من وجودهن بقربه. نظر عليه بتوتر ملحوظ وكانت تتعرق جدًا من كمية المخدرات التي تسير في عروقها لأول مرة فسحب منديلًا يجفف حبيبات العرق لتمسك يده وهي تهلوس بخمول: -بتعمل إيه؟

نظر إلى عينيها الخضراء التي تفتحها بصعوبة وجلست أمامه خاملة وتهتز بقوة ثم مسك وجنته بسعادة وبسمتها تنير وجهها ليبتلع لعابه بتوتر وقال: -إنتِ عارفة أنا مين؟ ضحكت بعفوية وهي تجلس على قدمه وتقترب منه أكثر وعينيها تفتحهم تارة وتغلقهم تارة وأنفاسها تعلو شيئًا فشيئًا. أنتفض جسده من القشعريرة حين جلست على قدميه وأصبحت بهذا القرب وأنفاسها تضرب وجهه فقال: -أنا شوفتك في فيلم قبل كده... تؤ تؤ في مصارعة... صح؟

خرجت منه ضحكة خافتة نادرًا ما تظهر على وجهه العبوسي وكادت الصغيرة أن تسقط من فوق قدمه على الأرض بسبب جلوسه على حافة الفراش ليتشبث بخصرها بلطف فوضعت رأسها على صدره ويديها تحيط خصره لتغوص في نوم عميق وقد هزمها المخدر نهائيًا. فظلت بحضنه بين ذراعيه لساعات طويلة نائمة بعد أن سرقت منه النوم وجعلت عقله متجمدًا لساعات طويلة بفضل قربها منه.

أشرقت الشمس وهي ما زالت تنام على صدره كطفلته الرضيعة فوقف من مكانه حاملًا إياها ثم وضعها بالفراش بلطف وتسلل خارج الغرفة بعد أن نجحت ولأول مرة يسرقه أحد النوم في حياته. عاد من ذكرياته لتلك الليلة التي نشبت بها شعور دافئ بداخله تجاهها، تلك الليلة التي هُزم فيها لأول مرة على يد صغيرة بحجم عقلة الأصبع.

ورجال العالم بأكلمه وكل المجرمين بعالمهم المميت والخطر الذي يحيط حياته يُهزم ويجتاحه هذه الإنكاسة التي ذاق شعورها على يد فتاة ناعمة. فاق من تلك الليلة على صوت هاتفها يدق لتفتح عينيها بتعب من صوت الهاتف ودهشت عندما وجدت نفسها نائمة بقربه فابتعدت بسرعة البرق وهي تفتح حقيبتها تخرج الهاتف وكان والدها يقول: -إنتِ فين يا ليان؟ وقفت من جواره بعيدًا ويدها تبعد المناديل عن أنفها، هاتفة بجدية: -جاية يا بابا؟

-طيب بسرعة عشان أختك هنا تعبانة في ناس طلعوا عليها وسقطوها. قالها بجدية لتدهش "ليان" مما تسمعه وتذكرت حديث "قدس" صباحًا وأنها اختارت اسمها لطفلتها فقالت بدهشة: -إنت بتقول إيه يا بابا؟ سقطوها إزاي؟ ... أقولك أنا جاية على طول. أغلقت الهاتف والتفتت لترى "جلال" يقف من مكانه ويخلع قميصه لتفزع من تصرفه وقالت: -إنت بتعمل إيه؟ تحدث بجدية ويده تفك الزر الأخير من القميص قائلًا:

-إنتِ مش قلتيلي بكلمة دكتورة، أنا عايز تغيريلي على الجرح. أخذت حقيبتها بلا مبالاة وقالت بحدة: -إنت راجل فاضي، أنا لازم أمشي عشان أختي في ناس طلعوا عليها وسقطوها. دهشت عندما أخذ سترته من فوق الأريكة وقال بجدية مصمم على رأيه: -يبقى تغيريلي على الجرح في الطريق. لم تصدق جنونه ونزلت الدرج هاربة منه لتصدم عندما وجدت سيارته تقف أمامها وبداخلها "كريم" فتأففت بضيق واستسلام لعناده وصعدت معه.

نزع قميصه في السيارة لتذهل من كم الندبات الموجودة في صدره وقالت بتلعثم: -إيه كل دا؟ -إنتِ فاكرة حياة المجرمين سهلة؟ قالها ببرود لترفع نظرها إلى وجهه وكانت ملامحه باردة كأنه اعتاد على هذه الجروح والحياة الخطرة فنظرت على الجرح وكان قد شفي تمامًا لتقول: -أنا الغبية اللي صدقت أن جرح بقاله 3 أسابيع وأكتر هيحتاج غيار وعلاج. نظر إلى وجهها بحزم وهي لا تفهم تصرفات هذا الرجل تجاهها، فقالت بمكر شديد: -إنت معجب بيا؟

رفع حاجبه بدهشة من سؤالها وقال بسخرية: -هااا والله مفاجأة، أنا هعجب بيكي إنتِ!! عجبت لك يا زمن، ليان إنت محدش يعجب بيكي بلسانك اللي عايز قصة ورجلك اللي بتضرب أكتر ما بتمشي. تنهدت بأريحية وعقدت ذراعيها أمام صدرها ثم قالت بغرور: -كويس طمنتني، نصيحة مني لك متعجبش بيا عشان قلبك تتوجع أنا واحدة مش باقيلي كثير يا حضرة.

شعر بغصة في قلبه من كلمتها الأخيرة ونظر من النافذة في صمت شديد سائد السيارة بينهم حتى أوصلها إلى منزل "أبو النور". فتحدث قبل ما أن تغادر السيارة بجدية: -تصدقي أنا اكتشفت حاجة مهم جدًا. أدار نظره إليها منتظر بقية الحديث دون أن يتفوه بكلمة واحدة فقالت: -أنت مناسب جدًا أطلع غضبي فيك، بعد كده لما أتصل بيك رد عليا عشان أجي أتخانق معاك وأخرج طاقتي السلبية فيك. -حاضر.

قالها بهدوء فدهش "كريم" من رده ونظر في مرآة السيارة على رئيسه الذي يوافق على حديثها دون جدال ولأول مرة أحد يأمر رئيسه ويستجيب بشيء غير قطع الرأس. تمتمت بعفوية: -بس متخليش بتوع الأمن بتوعك يقفوا قصادي تاني.. باي. ترجلت من السيارة فسأل بحدة مخيفة: -مين من الأمن اللي وقفها؟ تنحنح "كريم" بخوف ثم تحدث مدافعًا عن موظفهم: -مكنش يعرفها وأتبع الأمر اللي حضرتك حاططها. هز رأسه بنعم ونظر من النافذة بغرور ثم قال

بنبرة قوية ولهجة مخيفة: -أفصله من الشغل. لم يتسوعب "كريم" تصرف رئيسه لكنه لم يملك الجرأة الكافية للاعتراض وانطلق بالسيارة بعيدًا. كان "الجارحي" جالسًا بفراشه وصغيرته منهارة من البكاء وتدفن رأسها في صدره ولا تصدق أنها فقدت طفليها الصغار على سهو. عضلات بطنها تؤلمه بشدة من قوة الضرب وأحشائها تمزقها وجعًا من خسارة أطفالها فربت على كتفها بدفء وقال بحنان وعينيه تملك غضبًا بركانيًا:

-أهدئي يا قدس، ورحمة الغالي لأدفعهم تمن اللي عمله من دمهم. -أنا مأذتش حد يا جارحي عشان يأذوني ويأذوا ولادي كده. قالتها بانهيار وشهقاتها تملأ المكان، تنتفض بوجع وحسرة تمزقها من الداخل تفتك بها فظلم يضمها ويربت عليها حتى بدأ المهدئ مفعوله وغاصت في نومها. تركها في الفراش وغادر الشقة وكان "يزيد" يقف أمام الشقة حتى ظهر "الجارحي" وقال: -كلهم في شقة الحجة مديحة.

نزل للأسفل وكان الجميع جالسين في الصالون وقد جمع "يزيد" ورجاله العائلة بأكملها تحت تهديد السلاح بالقوة. دلف "الجارحي" لتتحدث "مديحة" بغضب سافر قائلة: -إيه اللي بتعمله دا يا جارحي إنت اتجننت. رفع مسدسه في وجوههم جميعًا مما جعل الجميع يصرخون بذعر فقال بتهديد: -مين اللي عملها؟ سألته "وصيفة" بقلق من غضبه وحالة الذعر التي وضعهم بها قائلة: -هي إيه؟ -مين اللي سقط قدس؟ مين اللي عقله جابوه يقتل عيال في بطن أمهم لسه؟

قالها بغضب سافر ورجاله يقفوا مع "يزيد" ويصبوا أسلحتهم على الجميع ليدب الرعب في قلوبهم جميعًا. سألت "مديحة" بدهشة أحتلتها من حديثه: -هى قُدس كانت حامل؟ -حامل؟ قالتها "آسيا" بذهول أصابها وجعل الدم يتجمد فى عروقها، ولم تصدق أن الصغيرة كانت تحمل فى أحشائها صغارًا. فضحك بسخرية منهم قائلًا: -والله، كلكم دلوقت أتفاجئتوا أنها حامل، يبقى أنا اللى بعت ناس يسقطوها؟ -مش يمكن قضاء وقدر؟

قالتها "خديجة" بذهول أصابها هى الأخرى، ليصرخ بهما بانفعال جنون جعلهم ينتفضوا من أماكنهم أكثر: -هو أنا بقولكم وقعت من على السلم يا أما؟ مراتى طلع عليها ناس وضربوها لحد ما سقطوها ودا فعل فاعل، وأنا بقى مش هخرجكم من هنا غير لما أجيب الفاعل وأقتله بأيدى وروح قصاد روح. تحدث "فؤاد" بهدوء شديد وقال: -وإحنا نعرف منين أن مراتك حامل عشان حد فينا يخطط وينفذ يسقطها؟

شوف مين اللى كان يعرف بحملها إذا كان أنا أبوك وأمك نفسنا منعرفش أنها حامل. نظر "الجارحي" تجاه "عماد" الذى يلعب فى هاتفه ولم يُدهش بما سماعه عن حمل "قُدس" أو إجهاضها. أقترب "الجارحي" من أخيه ليراه ينظر إلى حساب "ليان" على الأنستجرام وكأنه أصبح يملك فريسة جديدة، ووضع المسدس فى رأسه لتفزع "خديجة" من مكانها وهى تقول: -جارحي، أخوك معملش حاجة. وقف "عماد" بضيق من تصرف أخيه ثم نظر إلى والدته التى فزعت وقال:

-أنا وإنت يا جارحي عارفين أن معركتى معاك وقُدس برا دا، مفيش واحد بيأذى اللى بيحبها وأنا لو ناوى على ولادك مش هجازف بحياة حبيبتى وهستنى لما يخرجوا من بطنها. ضربه "الجارحي" بكعب مسدسه بقوة من حديثه عن "قُدس" وقال بضيق: -دى مراتى!! صرخت "خديجة" بذعر وذهبت إلى أولادها تقف بالمنتصف بينهم وقالت:

-ملعون قُدس اللى تخليكم تأكلوا فى بعض، أى هتموتوا بعض عشان حتة عيلة لا راحت ولا جت، أسمع يا جارحي أنا مقدرة أنك محروق على مراتك وولادك زى ما بتقول لكن إياك تفكر تقرب من ابنى طول ما إنت معندكش دليل أنه عملها، مش هسمح لك... نظر "الجارحي" إلى أمه بذهول ودافعها عن "عماد" ووضع مسدسه فى بنطلونه وقال بسخرية: -وأنا كمان كنت ابنك لما أضرب عليا نار ولما المحروس رفع ضرب عليا نار يوم صباحيتى قصاد عينيكم كلكم...

بس معلش بما أنه ابنك فمن النهار دا واللحظة دى أنسى أن ليكِ ابن أسمه الجارحي. نظر للجميع بغضب جنونى ثم قال: -أنا مش ظالم، عمرى ما ظلمت حد ولو على الورث على يدك يا عمى هادى إنت وأبويا أنا كنت هرجعلكم كل حاجة بس الغدر والمكر اللى عملتوا ورب الكعبة اللى حطيت أيدى عليها ما هطلبوا منى جنيه وحق مراتى وابنى أنا هأخده حتى لو كان من أبويا وأفتكروا أن روح قصاد روح.

غادر المكان غاضبًا بعد أن أمر رجاله بسحب كل البطاقات البنكية من الجميع ومفاتيح السيارات وأعلن حربه عليهم. خرج من الشقة ليرى "ليان" أمامه تأتى من الخارج فقالت بضيق: -صحيح اللى بابا قاله، فى حد طلع على مراتك وسقطها؟ لم يُجيب عليها فتنحنحت بضيق من غلاظته وضغطت على زر المصعد لتصعد إلى والدها، ورأت الجميع يخرجون من الشقة غاضبون من سيطرة "الجارحي" عليهم. نظر "عماد" لها بدهشة وهو يتذكر شجار الصباح ثم قال:

-أهلا يا دكتورة سم. قالتها بضيق ودلفت للمصعد فأقترب ليدخل فقالت بتهديد واضح: -لو ركبت هكسرلك رجلك. حدق بعينيها الخضراء التى يتطاير منها الشر والكره لتغلق باب المصعد وهو مذهولًا من تحديها له بكل جرأة. وصلت إلى الشقة لترى "ياسمين" تحمل صينية صغيرة عليها بعض الأطباق فسألت بدهشة: -أى دا؟ إنتِ رايحة فين بالأكل دا؟ قالتها وهى تتذوق بعض الطعام فتحدثت "ياسمين" بعبوس من شراهة ابنتها: -هطلع الأكل لأختك عشان تأكل وتأخد العلاج؟

رفعت "ليان" حاجبها بذهول ونظرت إلى أمها التى تراعى "قُدس" كأنها والدتها هى الأخرى رغم أن "ياسمين" لم ترى "قُدس" حتى الآن. فتحدث "فتحى" من الداخل قائلًا: -تعالى يا ياسمين. أعطت "ياسمين" الطعام إلى "ليان" بتعجل وقالت بعفوية: -خدى طلعى الأكل لأختك على ما أشوف أبوكِ. شعرت "ليان" بالضغط من والدتها عليها لتتقرب أكثر من أختها، وقد فهمت خطة والديها لتقريب "ليان" من عائلتها وخصيصًا أختها.

ركضت "ياسمين" للداخل تاركة "ليان" فى حيرتها فتأففت بضيق وصعدت للطابق الأخرى، وكان "يزيد" يقف أمام الباب وسمح لها بدخول الشقة. كانت "ليان" مبهورة بجمال الشقة ورقيها، بحثت عن أختها فى الغرف حتى رأتها نائمة فى فراش كبير وجميل جدًا يليق بعفويتها ونعومتها. رأت "قُدس" تحتضن وسادتها وهى تبكي فى صمت على خسارة أطفالها فقالت بحدة: -أنا جبتلك الأكل. -مش جعانة.

قالتها "قُدس" بنبرة خافتة وصوت مبحوح يكاد يخرج بصعوبة من حنجرتها، لتضع "ليان" الطعام على الطاولة وقالت ببرود شديد: -إنتِ حرة. التفتت لتغادر الغرفة لكن أوقفتها بكاء "قُدس" التى جهشت بحدة أكثر وألم يمزقها، فتأففت "ليان" بغلاظة وقالت متمتمة: -هم بيدبسونى. استدارت إلى أختها وأخذت الطعام إلى الفراش ثم قالت بهدوء تحاول التحكم فى برودها واستفزازها المعتاد: -قومى كُلى؟

لم تُجيب عليها "قُدس" وظلت تبكي لتسحبها "ليان" من ذراعها بقوة وتجعلها تجلس ثم قالت بحدة صارمة تحاول مساندة أختها قدر الإمكان دون أن تجرحها فى ندبتها: -كُلى عشان تقدرى تقفى على رجلك، العياط والصيام مش هيرجعوا اللى راح. جهشت "قُدس" فى البكاء بانهيار وفتحت قلبها إلى أختها لتطلق العنان لوجعها فى البوح والخروج إلى أختها: -اللى راح!!

إنتِ عارفة أنهم كانوا السبب اللى هفضل بيه مع الجارحى لحد ما يحبنى، طيب عارفة أن اللى عمل فىّ كدة حد من أهلى؟ الحقائق والواقع كله بيوجع، أنا أهلى قتلوا ولادى قبل ما يخرجوا للنور وجوزى اللى بحبه ممكن يسيبنى فى أى لحظة لأن خلاص مبقاش فى حاجة تربطنا بعض، أنا حياتى دائمًا مدمرة وأنا دائمًا راضية وبقول الحمد لله وبرضى بقضاء ربنا، بس أنا تعبت من الوجع وقسوة الحياة معايا.

صمتت "ليان" وهى لا تعرف كيف تتحدث مع أختها، حقيقة أن أقرب الناس لها هم من قتلوا أولادها مرعبة، ورغم ذلك صمت "ليان" وعدم فهمهم للكثير من حديث "قُدس" كان السبب فى أن تبوح "قُدس" أكثر لأختها عما يؤلمها. بدأت تحكى لها عن حُبها الشديد لـ"الجارحى" وكيف تزوجت به بالإكراه و"ليل" صديقتها الوحيدة التى اتهمتها بالسوء بفضل خطيبها، وهنا فهمت "ليان" سبب سؤال "الجارحى" عن وجودها فى المهندسين لتقول بدهشة:

-يعنى هم شافونى وفكروا أن أنا إنتِ وأتاذيتى؟ -بابا قتلنى من الضرب وخاصمنى لحد ما إنتِ ظهرتى وأتأكد أن فى حد شبهى ومش أنا اللى كنت هناك. قالتها بحزن يملأ عينيها ودموعها لم تجف من الوجع. تنهدت "ليان" بإشفاق على حال أختها وبدأت "قُدس" تحكى لها عن "عماد" وحُبه المريض بها ومحاولاته الكثيرة فى التخلص من "الجارحى" لتزوجها بعد موت أخيه. هزت "ليان" رأسها باستماع واستغلت فرصة البوح من أختها ومدت يدها إلى الطعام

تتناول منه القليل وقالت: -كُلى معايا أهو يبقى عيش وملح بين الأخوات. بدأت "قُدس" تتناول القليل بصعوبة لكنها فرحت بقبول أختها لها وكأن القدر يربت على روحها المجروحة بظهور "ليان" معها. تحدث "ليان" أثناء الطعام متعمدة لتجعل أختها تأكل أكثر دون وعى:

-بس من اللى شوفته تحت أمبارح لما جوزك رفض من غير تفكير التبرع ودلوقت وهو بيهددهم بالسلاح أن فعلا جارحى بيحبك، دا تصرفات واحد بيحب ولو مطلعش بيحبك يبقى بحق ومن كلام فعلا يمكن الحمل كان سبب فى أنه يفضل معاكِ بس سبب له يعلق عليه رغبته بوجودك لأنه متكبر ورافض يعترف بالحب دا ويمكن اللى حصل دا سبب يخليه يتمسك بيكِ أكثر ويعترف بحبه. وقفت اللقمة فى حلق "قُدس" بدهشة وتوقفت دموعها الحارة فى جفنيها لتتلعثم فى الحديث قائلة:

-تفتكرى بيحبنى بجد؟ هزت "ليان" رأسها بنعم وقالت: -أصلكم عايشين فى بيت واحد هتفرق معاه يطلقك دلوقت ولا بعد ما تولدى فأى ما هو كدة معاه فى عمارة واحدة، هو بيتلكك عشان تفضلى على ذمته. تبسمت "قُدس" بلطف من حديثها وشعرت أن الأمل دب فى قلبها من البقاء معه، لطالما كان "الجارحى" حلمها الوحيد مُنذ نعومة أظافرها وعشقه يحتلها بحنان. دُهشت "ليان" من بسمة أختها وقالت بجدية:

-عجبت لك يا زمن، أى البسمة اللى من الودن للودن دى، إنتِ بتحبيه أوى كدة؟ -دا أنا يجرالى حاجة لو بعد عنى. قالتها بعفوية كالبلهاء فضحكت "ليان" بسخرية على أختها وما زالت لا تُصدق أن بلهاء مثلها هى توأمها وشخصيتهما لا تتقارب بـ1% حتى، لا تُصدق الاختلاف بينهما ورغم أن الشبه بينهما لا يمكن لأحد التفرق بينه. وقفت "ليان" تبعد الطعام عن السرير وقالت: -أنا هعمل حاجة أشربها أعملك؟ -عصير برتقال. قالتها "قُدس" فدلفت "ليان" للمطبخ.

أتكأت "قُدس" على الحائط وخرجت للبهو بصعوبة فى خطواتها وجلست على الأريكة ليُفتح باب الشقة ويدلف "الجارحى" فدُهش من حركة زوجته وقال: -أى اللى قومك من السرير؟ تطلعت "قُدس" فى عينيه بحُب وهى تتذكر حديث أختها فتعجب من نظراتها وقال بقلق: -ما لك؟ -أنا بحبك يا جارحى. قالتها بعفوية لتخرج منه ضحكة خافتة على كلمتها وهى دائمًا تلفظ بتلك الكلمة فى الحالات الحرجة والمواقف المتوترة. مسح على رأسها بحنان وقال:

-أنا هقوم أجبلك حاجة تأكليه. تبسمت بلطف وقالت ببراءة: -أكلت مع ليان، مش هتصدق أنها طيبة خالص وقعدت تكلم معايا كتير وكمان جبلتى الأكل من تحت و... قاطعها بأندهاش يحتله من قُرب أختها منها بهذه الطريق ليفهم أنها تفعل ذلك من أجل التبرع وقال: -كل دا عشان تتبرعى، قُدس متبقيش غبية. عقدت حاجبيها بغضب من اتهام زوجها السيء لأختها وحديثه الذى مزق فرحتها بقرب أختها منها وقالت بحدة:

-جارحى متتكلمش عنها كدة، المفروض تشكرها أنها وقفت جنبى فى اليوم الصعب دا، ولا دا ميفرقش معاك وطبعًا كل اللى فارق معاك هو ولادك وأنا ولا ليا أى لازم فى حياتى ولا يفرق معاك أنا حاسة بأيه ولا وجعى عامل أزاى؟ اتسعت عينيه على مصراعيهما بصدمة أحتلته من صرامة "قُدس" معه وقال بدهشة: -إنتِ بتقولى أى؟ -بقول الحقيقة أنا كلى على بعضى مفرقش معاك، أنتِ طول الوقت تقولى هطلقك لما تولدى ودلوقت خلاص مبقاش فيه ولاد.

قالتها بغضب سافر فتنهد بهدوء ومسك يدها بحب وأبتلع لعابه بتوتر ثم قال: -قُدس ممكن نأجل الكلام دا دلوقت، أنا مقدر حالتكِ وزعلكِ بس بعد أذنك ممكن نأجل أى كلام دلوقت. صمتت ولم تعقب على كلماته حتى سمع الإثنان صوت ارتطام شىء بالداخل ففزع "الجارحى" من الصوت وصرخت "قُدس" بقلق قائلة: -ليـــــــــــــــــــــــان!! ركض للداخل وهكذا "قُدس" رغم تعبها الجسدى وصُدموا عندما وجدا "ليان" على الأرض فاقدة للوعى ودماء تسيل من أنفها.

_فى زاوية داخل زقاق كان "عمران" يقف مع السيدتين وقدم لهم ظرف من المال وهو يقول: -تسلم أيدكم. تحدثت واحدة منهم بحماس بعد أن رأت المال: -إحنا تحت أمرك يا باشمهندس، سقوط وخطف تشويه أى حاجة. رأسه بنعم ثم قال بتعجرف: -لا كفاية علينا سقوط قُدس، حركة معلمة بجد عجبتنى. ضحكت الأخرى وهى تقول بحماس: -لولا أنى كنت أعرف واحدة حامل عشان ترمى الطعم وتسحب الدكتورة والممرضة مكنتش هتطلع بالمعلمة دى، بس نقول أى القدر رتبهالنا.

تحدث "عمران" بكبرياء قائلًا: -تسلم الأيادى والله، تأخدوا الفلوس دى وترجعوا على الصعيد عشان جارحى مش هيرتاح غير لما يجيبكم، هو بس هيأخد شوية وقت على ما يدور وراء أهله لأنهم أول فريسة هيدور وراءهم. هزت النساء رأسهم بنعم وغادروا ليخرج "عمران" من الزقاق وركب سيارته يغادر كأنه لم يفعل شىء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...