فتح باب الشقة ليرى "قُدس" تقف أمامه متوترة، وعيناها تتحاشي النظر إليه من الخجل ووجنتيها حمراء كالفراولة من حياءها. سألها بدهشة من قدومها إلى شقته لأول مرة: -في حاجة يا قُدس؟ -ممكن أتكلم معاك، أنا عندي مشكلة؟ قالتها بتلعثم شديد. نظر إلى أرتجافها وعلم أنها تخفي شيء كارثي، فقال بحدة: -طب أطلعي فوق وأنا هغير هدومي وأجيلك.
أستدار ودلف إلى الداخل رافضًا دخولها إلى شقته باتًا، ورأسه تشعر بدروان خفيف ورعشة في جسده، أعتبرها من الإرهاق. لكنه صُدم عندما سمع صوت غلق الباب وهى خلفه تتحدث قائلة: -أبيه. ألتف بدهشة من دخولها إلى شقته وهو يعيش وحده، وأقترب منها غاضبًا يقول: -أطلعي برا، وقولتلك هجيلك. وقفت خلف الباب بعنادٍ وتحدٍ، وهى تعلم أنه لن يلمسها أبدًا، وقالت بشجاعة تغمرها بقوة: -أبيه أنا بحبك.
فزع من كلمتها وأتسعت عينيه بصدمة ألجمته، ليعود خطوة للخلف وعيناه تحدق بعينيها الخضراء بصدمة، وكأن كل أطرافه شلت مكانها من كلمتها. كلماته رفضت الخروج من حلقه من شدة الصدمة، وكأن الشمس ظهرت من الغرب الآن. تحدثت بصدمة: -أي؟ تخلت عن الباب بظهرها وأقتربت نحوه بضعف، وقلبها يسيطر عليها الآن بخفقانه المجنون لأجله، وقالت بدفء ونبرة صادقة بريئة: -بحبك.
أتسعت عينيه على مصراعيها من هول الصدمة التى ألجمته وجمدت لسانه. أرتجف صدره بقشعريرة الأشمئزاز، وعينيه تحملق بها بقوة، ثم قال مُتلعثمًا من ربكته: -إنتِ واعية إنتِ بتقولي اى؟ هزت رأسها بنعم موافقة على هذا الحديث، واعية بعقلها بما يتفوه به لسانها. دقات قلبها تخفق بجنون بين ضلوعها الصغيرة. ثم وضعت يديها على صدره بدلال تقول: -واعية جدًا يا ابيه جارحي، أنا بحبك وكل دقة في قلبي مجنونة بيك وعقلي مبيفكرش غير فيك. ضحك ساخرًا
وهو يقول: -ولازمتها أى ابيه وسط القرف اللى بتقوليه دى يا قُدس هانم؟ -يا أبيه أنا... وضع سبابته في وجهها يمنعها من الحديث بتحذير، وعينيه يتطاير منها الشر نحو الفتاة الصغيرة، وقال مُقاطعًا إياها: -بلا ابيه بلا زفت، أنا لو سمعتك بتقولي الكلام دا تاني هقطم رقبتك، مبقاش ألا حتة عيلة مفعوسة زيك تتكلم عن الحُب والغرام.
نزعت سترتها عن جسدها الضئيل لتظهر فستانها الأزرق القصير الضيق على جسدها، يظهر مفاتن جسدها الطفولي، وهى فتاة لم تتجاوز السادسة عشر عامًا في عرين مراهقتها، وشعرها الأسود الحريري مُسدول على الجانبين يزيدها جمالًا. اتسعت عينيه على مصراعيها أكثر من تصرفها وهى تحاول إغراءه بجسدها، فأقترب نحوها بعد أن انحنى يجلب السترة ليُلبسها إياها من جديد. لكن من إنحناءه شعر بدوران في رأسه، ليمسك ذراعها من الصداع. فسألته بقلق:
-أبيه جارحي... أنت كويس؟ -قُدس!!! قالها بتلعثم وصوت مبحوح مع أنفاسه العالية التى تشق طريقها للخروج. فنظر إلى كأس العصير وتذكر عصير الفراولة الذي قدمه "عماد" لها وحديثه عن الزواج بها بالاكراه، وجسده الذي يحترق. ليترجم عقله أن "عماد" صنع الفخ للصغيرة وهو من وقع به. خدره بمنشط، فدفعها بقوة قبل أن يفقد سيطرته كاملًا: -أطلعي برا.
دمعت عينيها بخوف من القلق عليه، واقتربت أكثر وهى لا تفهم سبب هياج جسده، وهو يفك أزرار قميصه من نار جسده. وضعت يدها على كتفه بقلق وتناديه قائلة: -أبيه أنت كويس؟ أطلبلك الدكتور. صُدمت بفزع حين جذبها من ذراعها بقوة إلى احضانه بالقوة، وهى تصرخ بذعر وخوف وتقول: -أبيه... لا أنا قُدس.... أبيه أرجوك.... فتح عينيه بصعوبة من التعب ليُصدم عندما وجدها بجواره بفستانها الممزق وهو عاريًا، والفتاة غائبة عن الوعي. فتمتم بفزع:
-يا نهار أسود... قُدس.. قُدس. لم تُجيب عليه. ارتدى ملابسه سريعًا وحملها إلى المستشفى بخوف عليها، هذه الفتاة الصغيرة التى تركها جده أمانة لديه حتى يخرج والدها من السجن. فتاة لم تبلغ السادسة عشر، ذنبها الوحيد أنها وقعت فريسة في طريق الجارحي صاحب الثلاثون عامًا. خرج الطبيب صديقه من الغرفة وقال: -أنت اللي عملت فيها كدة؟ -هي حصلها اى؟ قالها "جارحي" بفزع ويديه ترتجف بقوة. ليُجيب صديقه قائلًا:
-دا اغتصــ ـاب يا جارحي ولقاصر... أنت اللي عملت كدة؟ أتسعت عينيه وهو لم يرتكب جريمة بهذه البشاعة من قبل. تلوثت طاهرته بسبب غدر أحدهم الذي وضع المخدر له. أحدهم سلب طاهرته وسرق عذرية فتاة بريئة بطريقة بشعة. فتمتم بغضب: -هم!! محدش غيرهم عملها عائلة أبو النور اللي عملوها ولازم يدفعوا الثمن. -أيوه بس في بنت جوا اتعرضت لهتــ ـك عرض، وأنا للأسف بلغت البوليس يا جارحي...
قالها صديقه وهو لا يقوى على خيانة القسم الذي اقسم به من أجل صديقه. لم ينهي جملته سوى ووصل ضابط الشرطة أمامه يتهمه بجريمة لم يكن يومًا يرتكبها، وهو ابن لإمام جامع وتخرج من جامعة الأزهر وحافظًا لكتاب الله، لكن غدر البشر أصابه بسهمٍ مسموم بالندالة والغدر والمكر. في الداخل كانت "قُدس" في حالة صدمة، وما حدث يتكرر أمامها بذعر. سحبها بقوة إلى أحضانه وأنهل عليها بقبلات القوة، وهى تترجاه أن يتوقف: -أرجوك... أبيه أنا قُدس.
لم تقوى على الصراخ بين يديه، ويديه تسلل إلى سحاب فستانها، لكنه كان يقاوم. فدفعها من جديد بعيدًا عنه وقال بصعوبة بعد أن سقطت على الأرض من الوجع وحرارة جسده: -أهربي مني يا قُدس. حاول الفرار منه بخوف يتملكها الآن، لكنه سحبها من جديد من قدميها وحملها رغمًا عنها، ليتذوق شفتيها الناعمة يمنعها من الصراخ أو الحديث، وقبضتيها الصغيرتين تضربه بقوة حتى أسقطتها على الفراش. وبدأ يقبل عنقها ويقول: -سامحيني... العصير السبب.
-أبيه أنا قُدس حرااام. قالتها بضعف ودموعها تنزل على وجنتيها بحرارة، وترتجف بقوة من قوته البدنية وجسدها الصغير ضعيفًا جدًا أمامها. صرخت بفزع حين مزق فستانها. بدأت تلهث بقوة حتى حقنتها الممرضة بالمهدأ. وفهمت خبث "عماد" مع ذكرياتها، وأنه من فعل هذه الكارثة وحتما وضع شيء في العصير بقذرته. لتجهش في البكاء بقوة. دخل عليها ضابط الشرطة وقال بهدوء: -عاملة أى دلوقت؟ لم تتحدث معه وأنكمشت في ذاتها. ليقول ببسمة خافتة:
-أنا هنا عشان أساعدك وأجبلك حقك من اللي أذاكِ. بدأت ترتجف بقوة، وهى لم تفهم قدر الأذى الذي لحق بها. ألتف الجميع على صوت ارتطم شيء قوي، وكان العسكري سقط على الأرض من ركلة "الجارحي". ووجهه يتطاير منه الشر والغضب. ألم يكفي ما حدث به وطاهرته الذي نجسها أخاه بقذرته، والآن الصغيرة؟ تحدث الضابط بغضب سافر: -أنت اتجننت؟ أنت هنا متهم؟ -أعلى ما في خيالك أركبه.
قالها بحدة صارمة. ثم أقترب منها، ولأول مرة يخالف مبادئه وطاهرته حين حملها على ذراعيه بملابس المستشفى. تشبثت بعنقه بضعف رغم خوفها. فوقف أمامه ضابط الشرطة يمنعه وقال: -أنا هنا عشان أقبض عليكِ. رفع "الجارحي" رأسه بغرور شديد وقال بحدة صارمة لا يهاب شيء: -أنا اسمي الجارحي أبو النور. انزل الأزهر أو الغورية وألف من يدلك عليا، لكن دلوقتي أنا لازم أرجع البيت ترتاح زي ما الدكتور أمر.... وهى أهم مليون مرة منك أو حتى مني.
أقترب ضابط الشرطة منه بعنادٍ وكطيف يسمح لمهتم بأن يأخذ المجني عليها أو يتطاول عليه بالحديث، فقال: -أنت مكانك السجن. نظرت إليه بفزع وكيف يعاقب على شيء من غدر البشر. من واجبه عليه المعاقبة هو "عماد الدين" الذي ألحق بهم هذا الفخ. فقالت بهمس وصوت مبحوح: -بس هو معملش حاجة. نظر الضابط لها بدهشة، وتنهد "الجارحي" بهدوء وعقله على وشك الانفجار من هذا الذنب الذي أرتكبه. ليسألها الضابط من جديد: -متأكدة أن مش هو اللي عمل كدة؟
طب مين؟ دفنت رأسها في عنقه بخوف من هذا الرجل الذي يتحدث عما حدث بلا مبالاة، وهو كارثة لحقت بها. أبعده "الجارحي" عن الطريق وقال: -عن إذنك يا حضرة الضابط. لم تكن تريده أن يذهب للسجن كوالدها ويتركها كما تركها والدها وحيدة. فلن يبقي لها أحد. عاد بها للمنزل، وكانت "هدير" استيقظت، وهكذا "وصيفة". ليخبرهم فأسرعوا لها. وقالت "هدير": -حصل أي؟ كانت خائفة جدًا مما حدث، وكيف تخبرهم بما حدث بها. فقالت:
-مفيش، أغمي عليا على السلم وأبيه وداني المستشفى. ضمتها "هدير" بلطف وأخذتها للداخل. سحبتها من بين ذراعيها، وهو يحدق بالصغيرة وما زال لا يصدق بأن هذا حدث، ولأول مرة تدخل بين أحضانه أو يلمس فتاة. صعد كالمجنون إلى شقة والده، وكان "عماد" يجلس على السفرة يتناول الإفطار. فأنقض عليه يلكمه بقوة حتى نزفت الدماء من وجه "عماد الدين" من قوة "الجارحي"، وضربته تحمل الوجع والأشمئزاز الذي بداخله.
خرجت "خديجة" و"فؤاد" على صوت الشجار وصراخ "عماد". وصعدت "مديحة" و "وصيفة" على الصوت. سحبه "فؤاد" بعيدًا عن أخاه وقال: -في أى أنت اتجننت يا جارحي؟ صراخ بالجميع وعقله لا يستوعب ما حدث: -أنا اللي اتجننت ولا ابنك النجس هو اللي اتجنن.... -حصل أي؟ قالتها "مديحة" بفضول وخوف. ليقول بعناد وهو يحدق بها: -إنتِ السبب، لكن لا، وعزة وجلالة الله ما هتجوزها يا عماد لو انطبقت السما على الأرض.
نظر الجميع بذهول، وعن من يتحدث. فتنحنح "عماد" بخوف بعد صعود "حمدي" ليقول: -أنت مالك يا جارحي؟ لكمه مرة أخرى وسط صراخ الجميع وقال: -قُدس لا، أنت فاهم لو حكم الأمر أني أقتلك هقتلك، لكن جواز من قُدس لا. أتسعت أعين الجميع وأولهم "حمدي" الذي صعق من الحديث، وكيف لرجل في منتصف الثلاثينات أن يرغب بزواج من طفلة في السادسة عشر. دمعت عيني "الجارحي" بضعف وخوف من الآخرة وقال بتهكم: -حرام عليكم...
نجاستوني بزبالتكم، وسختوني بذنب لو عيشت عمري كله أكفر عنه عمر ربنا ما هيسامحني يا شوية شياطين... لكن لا، وعزة وجلالة الله واللي خلقني وخلقكم لأدفعكم كلكم ثمن الذنب دا وما هيعز لا قريب ولا غالي لأني معزتش على حد. غادر المكان ولم يفهم أحد على ما يتحدث، وأي ذنب أرتكبه. لكن نظر الجميع إلى "حمدي" وهو يفكر في شيء واحد، زواج "عماد الدين" من "قُدس"، وكيف فكر بها هكذا. ***
كانت حزينة وباهتة مما حدث، لا تذهب لدروسها ولا مدرستها، منقطعة عن الطعام وسجينة غرفتها تدعي المرض. لا تعرف ماذا سيحل بها الآن. لا تتحدث مع أحد وتلاشت بسمتها العفوية وقتلت روحها البريئة.
حاولت "ليل" مرارًا أن تتحدث معها، لكنها رفضت وكبحت حزنها ووجعها بداخلها. أم "الجارحي" كان يسمع أخبارها من "ليل" و"حمدي" في الحديث دون أن يسأل حتى لا يلفت الأنظار له. يعلم أنها ضعيفة وحزينة ولم تتوقف عن البكاء، وباتت ذابلة. لكنه لم يجرأ على الحديث معها أو الاطمئنان. خرجت من غرفتها بعد أسبوعين من الحادثة لأول مرة، ولا تقوى قدماها على حملها لتقول: -عمتو. نظرت "هدير" لها بحماس وفرحة تغمرها، وأخيرا الصغيرة تحركت.
فقالت بلطف: -يا روح عمتو، تعالي يا قُدس. -أنا عايزة أروح أزور بابا. قالتها بضعف. ففهمت "هدير" أنها الآن لن تبوح لأحد سوى والدها، فأومأت إليها بنعم لتعود الصغيرة إلى غرفتها. *** كان "عماد" جالسًا في ملهي ليلي مع أصدقائه وحزين على فراقها، وهو لم يلمح طيفها منذ أسبوعين. وقال بوجع: -وحشاني يا عادل.
-يا عم كبر دماغك، العيلة كلها دلوقتي عرفت وجدك وأبوك مستحيل يجوزهولك، وبعدين ما حواليك البنات زي الرز ومن الجمال مفيش اتنين محبيكتش يعني فراشتك الصغيرة. ضربه "عماد" بضيق شديد وقال: -يا غبي، البنات اليومين دول كلهم خاينين ومفهوش واحدة متلمستش، لكن قُدس لسه بريئة متفهمش يعني إيه علاقة مع راجل، دي أنا هاخدها وأنا واثقة أنها متلمستش ولا عرفت غيري، هاخدها أربيها على إيدي. ضحك صديقه على تفكيره وقال: -شيطان يا عماد.
تبسم "عماد" بسمة حزينة وأكمل شربه من المنكر. *** في السجن كانت "قُدس" تجلس مقابل والدها، الذي وضع يديه على رأسه من الخيبة والصدمة التي لحقت به بعد أن أخبرته بما حدث. كانت تبكي بوجع وحزن طفولي. فقال: -إنتِ مش فاهمة حاجة يا قُدس، إنتِ في مصيبة، إنتِ هتفضحي يا بنتي. لم تتفوه بكلمة واحدة وأكتفت بالبكاء. فأشار إلى "هدير" بأن تقترب. فجاءت نحوه بفضول يقتلها، وماذا حكت "قُدس" لوالدها ليبكوا الاثنان معًا؟ فقالت بقلق: -مالكم؟
-كنتِ فين يا هدير؟ أمنتك عليها وسبتها معاكِ أمانة؟ كنتِ فين لما سرقوا شرف بنتي؟ قالها بحسرة تغمر قلبه، بينما لجمت "هدير" بصدمة قاتلة ونظرت إلى "قُدس" بصدمة قاتلة وقالت: -أنت بتقول أى؟ أخبرها بما حدث لتفرغ "هدير" وأنتفضت ذعر من قذارة ما حدث، وكيف للـ "الجارحي" أن يفعل هذا. لتقول: -الجارحي!!! لا مستحيل ميعملهاش وأنت عارفه كويس. ضرب يديه ببعضهم وقال: -أهو عملها... عملها يا بنت أبويا وضيعتوا شرف بنتي.
صُدمت "هدير" مما حدث، ولا تعرف ماذا تفعل الآن وكيف تعيد ما سُلب؟ عادت للمنزل مع الصغيرة بحزن يغمرها وتشفق عليها، عاجزة عن فعل أي شيء. فأقتربت من والدها "حمدى" وجلست مقابله تقول له: -بابا كنت عايزك في موضوع. أجابها بهدوء والفضول يغمره: -قولي. -أنا كنت عايزة آخد قُدس ونسافر أي بلد تكمل تعليمها برا. قالتها بهدوء شديد، ليُصدم والدها من الخبر. فتابعت "هدير" بجدية:
-بصراحة البنت تعبانة جدًا ومش قادرة تعيش هنا. حكاية حبها للجارحي وعماد اللي عايز يتجوزها، هي عايشة هنا في ضغط كبير ومش قادرة تكمل. ودا اللي خلاها تطلب تزور باباها. وهادي طلب مني أعملها اللي هي عايزاه وأسافر معاها. صمت الجد بعجز شديد، ولا يصدق أن حفيدته الآن لم تعد بالعيش هنا معهم. *** وقف "الجارحي" في المحل وسمع شجار بين زبون والعامل. فقال بحدة: -إيه دا بتزعق ليه؟ -عشان بتشغل عندكم بهايم.
قالها الزبون بحدة. وأنفعال ليصرخ "الجارحي" الذي أصبح أكثر حدة بعد ما حدث وقسوته التي باتت السكين تجرح كل ما يلتقي به: -أنت راجل مهزق وأمشي بقي، إحنا معندناش قماش ليك، هو أي الرزق واقف عليك يعني، غور يا عم من هنا كتك القرف. عاد إلى مكتبه مُنفعلًا ليجد جده شاردًا. فقال بضيق: -مالك يا حج؟ تنهد "حمدي" بحزن يغمره وقال بخفوت: -عايزك تشتري شقة أو بيت في إنجلترا. اندهش "الجارحي" من حديثه وقال بفضول: -دا أشمعنا؟
-عمتك هدير هتسافر هي و قُدس عشان تكمل تعليمها برا. قالها بحزن يمزقه من فراق صغيرته. ليُصدم "الجارحي" من قرار هروبها، واعتدل في جلسته يحدق بجدته ولم يسأل عن السبب، بل يعرفه جيدًا أن الجريمة التي أرتكبها بحقها هذا عقابها أن تغادر عالمه كاملًا. تلك الصغيرة التي اعترفت بحبها له ليلتها الآن تفارقه نهائيًا. تحدث بتلعثم شديد قائلًا: -هتسافر؟ رفع "حمدي" رأسه بانتباه إلى "الجارحي" وقال بهدوء مُتسائلًا: -هي مين فيهم؟
سؤالك عن عمتك هدير ولا قُدس. انتبه "الجارحي" لطريقة سؤاله، فهو لم يهتم سوى بالصغيرة وفضح أمره هذا السؤال. ليقول بتلعثم: -حضرتك وافقت على سفرهم وعمي هادي عنده علم؟ -هي راحت له وقالتله أنها مش مرتاحة في بيتنا وطلب أنها تسافر. قالها بحزم شديد، وتمني لو يخبره أن الصغيرة تهرب بسبب حبه القائم بداخلها، أو هذا ما يعرفه الجد.
غادر "الجارحي" المكتب بحزن شديد وصعد إلى سيارته حزينًا وهو يعرف السبب الحقيقي لهروبها. لقد سلبها عذريتها وسرق شرفها. هذه الصغيرة تهرب منه هو، لكن هي ستهرب وتعيش حياتها وتكمل تعليمها. لكن ماذا عنه؟ كيف سيعيش بذنبها ويكفر عما فعله بها؟ *** صُدم "عماد" بخبر سفرها وأن كل شيء تم بدون أن يعرف أحد. فقال بصدمة: -هتسافر؟ تحدثت "أسيا" بحدة صارمة قائلة:
-بسببك يا خلفة تعر، رايح تبص لعيلة من دور عيالك، دا على كده بقى أنا لازم أسفر بنتي كمان وأخاف عليها من نجاستك. لم يهتم لتوبيخها له، وكل ما يشغل تفكيره هو صغيرته التي ستسافر غدًا، ولم يخبره أحد بأي دولة ستذهب. خرج من الشقة مُنفعلًا ليقابل "الجارحي" على الدرج. فقال بضيق شديد وصوت مُرتفع: -عمل اللي في دماغك صح، هربتها مني مش كدة. ألتف "الجارحي" له وهو يحمل بداخله بركان من الكره والحقد بسببه. وقال بهدوء:
-أنا ماسك نفسي عنك بالعافية، وعزة وجلالة الله يا عماد لو جبت سيرتها مرة تاني قصادي لأقتلك. صعد من أمامه قبل أن يقتله حقًا لأجلها، ودلف إلى شقته بحزن. جلس على الأريكة ومدد جسده بعد أن اعتزل غرفته نهائيًا من يومها، ولا يصدق أن فراشه كان أرض المعركة التي هُزم عليها. فتح هاتفه على محادثتهما ويحاول أن يرسل لها، لكنه تراجع وترك الهاتف بضعف. تمنى لو يمكن الاعتذار أمامه. لكن هل سيفيد الاعتذار بشيء.
جمعت "قُدس" كل أغراضها في الحقيبة، و"ليل" تجلس على الفراش تبكي لفراق صديقتها الوحيدة. وقالت: -دا قرارك النهائي يعني. -متقلقيش يا ليل أنا هكلمك على طول، أنا ماليش حد غيرك، بس كدة أحسن. تحدثت "ليل" بحزن شديد وقالت: -مكنش حب من طرف واحد اللي هربك كدة يا قُدس. دمعت عيني "قُدس" وجسدها ما زال يتذكر لمساته وقوته والكدمات التي لحقت بها في ليلتها. ذهبت لتعترف بالحب وعادت مكسورة وروحها مسلوبة منها. تحدثت بلطف تخفي دموعها:
-معلش بقى ابتلاء من ربنا. خرجت من الغرفة لترى "هدير" في انتظارها، ليودعها "وصيفة" وحمدي" والأثنين يبكوا بحزن لفراق الصغيرة ولحظات الوداع دائمًا تملأها الدموع والوجع. غادرت في السيارة مع السائق إلى المطار. *** كان في المحل يحبس نفسه في المكتب بلا عمل، وهو يعلم أن الآن وصلت إلى المطار. غادرت دون أن يودعها، وهو ما زال يخفي من لقائها أو مقابلتها. ظل في المحل حتى حل الليل وبدأ العمال في الإغلاق ليغادر معهم.
عاد إلى المنزل فوجد "ليل" تنتظره على الدرج لتقول: -أخيرًا رجعت. نظر إليها بهدوء وبرود شديد قائلًا: -في حاجة يا ليل؟ -قُدس سافرت. قالتها بهدوء. ليُجيب عليها ببرود أكثر وغرور قائلًا: -عارف. -أنا بكرهك يا جارحي، بكرهك لأنك السبب وبسببك أنا اتحرمت من صاحبتي الوحيدة. قالتها بحزن شديد. فنظر إليها وقال بتلعثم، خائفًا أن تكون "قُدس" أخبرتها بما حدث: -بسببي!!
أعطته الرسمة التي رسمتها "قُدس" له، وكتبت عليها "Love" وغادرت من أمامه. ليحدق بالرسمة وهذه الكلمة الصغيرة، ليدرك أن الجميع كان يعرف أنها تحبه، وهو الجاهل الوحيد هنا. لم تخطأ عندما اعترفت بحبها له ليلتها، فكانت صادقة جدًا بهذا الاعتراف. وتذكر إغماءها وكيف فقدت وعيها عندما سمعت خبر خطبته، وبدأ عقله يربط الأحداث ببعضها. هذه الصغيرة أحبته بقلبها النقي، لكن صُدمت الحقيقة، كيف أحبت رجل يكبرها بضعف عمرها؟ ***
خرج "هادي" من السجن مرتدي قميص أزرق وبنطلون جينز، وشعره الأبيض وعيونه الخضراء التي ورثتها ابنته منه. فوجد "وصيفة" في انتظاره، ومعها "حمدي" و"الجارحي". وفور رؤيته له اشتعل بداخله نار الغضب مما فعله بابنته، لكنه كبح هذا الغضب حتى لا يفضح أمر صغيرته. عانقته "وصيفة" بقوة وسعادة تغمر قلبها لخروج ابنها. انحنى ليقبل يد أمه وأبيه، وتجاهل "الجارحي" نهائيًا.
عادوا معًا إلى العمارة، وكانت "مديحة" تقف مع "أسيا" و"خديجة" وأخيه "فؤاد". رحب الجميع به. فقالت "مديحة" بضيق: -حمدالله على السلامة يا ابن جوزي. -أهلاً يا مرات أبوه. قالها ببرود شديد، ثم قال بهدوء: -أنا طالع بيتي أرتاح شوية. صعد إلى شقته بالطابق الثالث ودلف إليها. وأول شيء فعله اتصل بصغيرته يطمئن على حالها. فأجابته "هدير" بنبرة دافئة: -حمد الله على سلامتك يا حبيبي. -الله يسلمك يا هدير، فين قُدس؟ قالها بقلق على صغيرته.
فقالت: -في جلستها جوا مع الدكتور، من يومها وهي بتعاني من كوابيس بالليل وقررنا نعالج الصدمة دي بالعلاج النفسي، نص ساعة وتخلص. شعر بالقلق على طفلته وقال: -أنا ليا حساب معاه وحق بنتي أنا مش هسيبه. وضعت "هدير" قدم على الأخرى وهي في الاستراحة الخارجية للعيادة، وقالت:
-هي اتكلمت مع الدكتور وفعلا اتضح من كلامها عن تصرفات جارحي أنه مكنش في وعيه، وفعلا زي ما قالتلك عماد اللي عملها الفخ وخطط أنها تكون معاه ليلتها. وأتاكدنا من دا لما عرفنا أنه عايز يتجوزها وشكله كان ناوي يتجوزها بالطريقة دي، طريقة أنه هيستر عليها ويصلح غلطته، لكن القدر نجدها منه. -اه نجدها منه عشان تبقي في حضنه أخوه الجارحي. قالها بأنفعال شديد، وفي الحالتين ابنته تأذت من الأخين. لتقول "هدير" بهدوء:
-هادي أنت أخويا، وقدس بنتي اللي أنا مخلفتهالوش وربيتها وهي حتة لحمة حمرا لما رجعتلي بيها من المستشفى مولدة وروحت دفنت أمها، يعني بخاف عليها وعايزة حقها أكتر منك، لكن جارحي كان ضحية زي قُدس ولو في حد لازم يدفع تمن الخسة والندالة فهو عماد وبس، كلنا عارفين مين الجارحي وأنه مكنش في وعي متخدر يعني ضحية هو كمان له حق. خرجت "قُدس" من الغرفة فتبسمت "هدير" وهي تقول: -أهي قُدس خرجت.
تركضت "قُدس" بسعادة فور سماعها لاسم والدها، لتتحدث معه بفرحة تغمرها وقالت: -بابا، حمدالله على سلامتك. -الله يسلمك يا نن عيني، وحشتيني يا بنت اله. قالها بدلال وبسمة تغمره من سماع صوتها. فتبسمت أكثر بحماس وقالت: -وأنت كمان يا حبيبي وحشتيني، البلد هنا جميلة جدًا والمدرسة اللي عمتو هدير قدمتلي فيها حلوة قوي. تبسم بأريحية على سعادة ابنته وقال: -تعيشي وتتبسطي يا حبيبتي، ركزي بس في مذاكرتك ودروسك.
أومأت إليه بنعم وظلت تتحدث معه كثيرًا. *** كانت "مديحة" جالسة في الصالة تستشيط غضباً مما يحدث. وقالت: -طبعًا أخوك اللي على الحجر طلع وهيستولي على كل حاجة من تاني. -جرا إيه يا أمي، إنتِ مش لاقية حاجة تنكشي فيها ولا إيه؟ قالتها "أسيا" بضيق من تفكير أمها. لتنظر "مديحة" لها بغضب وقالت: -أنا... أبتسمت "أسيا" بجدية وقالت بمكر: -أه، أي مش إنتِ برضو اللي اقترحتِ على عماد تجوزيه قُدس، وتعمله اللي عملته.
أتسعت عيني "مديحة" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وكيف لابنتها أن تعرف. فقالت بتلعثم: -إنتِ؟ -أنا سمعتكم، ويا خوفي ليكون كره الجارحي دا والذنب اللي اتكلم عنه وسفر قُدس يبقى وراه مصيبة حصلت من الفخ اللي وقعته البت فيه، ما هو الجارحي مش هيتغير 180 درجة كدة ويكره عماد أكتر ويضربه الضرب دا كله ويحلف ليقتله عشان عماد عايز يتجوز قُدس.
قالتها بضيق شديد وعقلها يحاول أن يفهم ويترجم ما حدث. فأبتلعت "مديحة" لعابها بصدمة وخوف شديد يتملكها. *** كان المحامي يجلس في المكتب داخل المحل مع "هادي" و"حمدي" ويسجل بعض الأوراق. فوضع الساعي القهوة وخرج. ثم تسلل خارج المحل وأتصل على "مديحة" لتُجيب عليه بضيق: -نعم. -الحج جاب المحامي وقاعدين وجواه بقالهم أكتر من ساعة وجاب أوراق الأملاك كلها. قالها الساعي بصوت خافت خوفًا من أن يسمعه أحد. لتُصدم "مديحة" بفزع وهي تُتمتم
بخوف: -يبقى اللي خايفة منه حصل، حمدي هيدي كل حاجة لوصيفة وابنها، لا أنا مش هسكت على حقي. أغلقت الهاتف مع الساعي وهي تقول: -لا يا حمدي، كله إلا دا، وصيفة سرقتك مني زمان ودلوقت هتسرق مني فلوسك ومالك وأطلع أنا بقي من كل دا، لا. وللحكـــــــــــــــــــــايـــة بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!