فحصها الطبيب ووصف لها بعض الأدوية والفيتامينات لجسدها الضعيف. خرج الجميع معه وظلت هدير معها في الغرفة، وقدس مختبئة في فراشها ومنكمشة في ذاتها تبكي في صمت. تحدثت هدير بهدوء: "الجارحي عارف حاجة عن الكلام ده؟ "لا"، قالتها بصوت خافت خائفة. سألت هدير من جديد قائلة: "حد يعرف عن الموضوع غيري؟ أنكرت أن ليل تعرف شيئًا بخوف من عمتها. خرجت هدير من الغرفة تاركة الصغيرة وحدها. دلف الجارحي للشقة وهو يقول بجدية:
"أنا بعت رجب يجيب لها الدواء من الصيدلية." تحدث حمدي بهدوء قائلاً: "ماشي يا ابني، روح أنت للمحلات شوف شغلك." أومأ إليه بنعم وغادر. نظر حمدي إلى ابنته وقال بحدة: "تعالي يا هدير." جلست ابنته جواره بقلق من والدها، وهو يميز قدس عن الجميع. سألها بهدوء يكبح غضبه: "أمك قالتلي أنكِ كنتِ عندها وخرجت قدس منهارة وبتعيط ووقعت من طولها وصوابعك معلمة على وشها، مين سمح لك تمدي إيدك عليها؟ ميهمنيش هي عملت إيه؟
قد ما يهمني مين اللي سمح لكِ تلمسيها؟ "بابا أنا عايزة أنقل وصيتك لقُدس في المدرسة من جارحي ليا." قالتها بجدية. حدق الرجل العجوز بوجه ابنته وقال وقد فهم أن ما حدث شيء له علاقة بالجارحي. فسأل بحيرة: "الجارحي عمل حاجة؟ زعلها أو تجاوز حدوده معها." "لا معتقدش الجارحي تربيتي وأبوه أمام جامع وهو خريج أزهر وحافظ لكتاب الله، ميعملش حاجة غلط." تنهدت بهدوء وقالت:
"شهادة لله معملش، لكن قدس مراهقة وفي سن خطر والخناقة اللي حصلت بينا عشان بتقول أنها بتحبه." اتسعت عينا حمدي على مصراعيها من هول الصدمة وكيف لصغيرته أن تتعلق بحفيده الكبير. ضرب عكازه في الأرض بخفة وقال بحدة صارمة: "ولو ما يديكيش الحق أبدًا أنك تمدي إيدك عليها، لو اتكررت تاني اللي ينوله عماد تنوليه يا هدير، واللي تحصده أختك أسيا تحصديه. إياكِ تمدي إيدك على قدس مرة تانية. فاهمة." أومأت إليه بنعم.
فوقف لكي يغادر المكان غاضبًا. أخذ سيارته وذهب إلى أحد محلاته. تأففت مديحة بضيق شديد وقالت: "أنت غبي، مين قالك تروح تقول لأمك أنك هتتجوز قدس." "أمال هتجوز من وراهم." قالها عماد بضيق شديد. لتسخر منه مديحة وقالت:
"يا أغبي خلق الله، وأنت فاكر أنهم هيجوزوك قدس لو جبت ثقلها ذهب، دا قد عيالك، أتوكس. لا الموضوع مينفعش يستني، أمك راغية وهتنقل الخبر لأبوك بسرعة زي نشرة الأخبار والجارحي هيحطك في دماغه. لازم نخلص من الموضوع ده بسرعة." "أيوه إزاي بقي، أخطفها وأكتب عليها." قالها بعجز وعدم فهم. لتصرخ جدته من غبائه وقالت:
"ومين الحمار اللي هيكتب لك عليها، دي قاصر يا نن عين ديحة. مش بقولك غبي. اسمع اللي أقولك عليه تعمله بالحرف الواحد الليلة، فاهم. تعال." كان الجارحي جالسًا على مكتبه في أحد المحلات ويفكر في هذه الصغيرة التي سقطت فاقدة للوعي أمامه. أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة: "عاملة إيه دلوقتي؟ كانت قدس نائمة على الفراش وبجوارها ليل التي سمعت بما حدث. سمعت صوت الهاتف لتلتقطه ونظرت به ووجدت رسالة واتس منه. لتجيب على رسالته وقالت: "أحسن."
تحدثت ليل بتعب من عناد هذه الطفلة وقالت: "بالله عليكِ تأكلي يا قدس، من الصبح وإنتِ على لحم بطنك." جاءتها رسالة أخرى منه يقول: "أكلم المدرسة آخد لك إجازة أسبوع ترتاحي." "لا، شكرًا." قالتها بهدوء. بينما ليل اقتربت لتجلس جوارها ورأت الرسائل فتبسمت بهدوء وقالت: "عارفة يا بت يا قدس أنا لو مكانك، ما دام انضربت كده وبسببه والموضوع اتعرف هروح أقوله أني بحبه." نظرت قدس لها بدهشة وقالت بخوف: "إنتِ اتجننتِ." استرخت
ليل بجوارها وقالت بحماس: "ما هي حلاوة الحب الجنان، احسبيها كده معايا خالتي هدير أكيد قالت لجدي وجدي هيقول لصفصف يعني الكل عرف ما عدا صاحب الشأن جارحي، طب خلاص فضيحة بفضيحة أقوله، على الأقل أخليه يبطل يشوفني عيلة وطفلة بيجيب لها الحاجة الحلوة." نظرت قدس لها بقلق مما تقوله، في حين أن عقلها بدأ يوزن هذا الحديث بداخله. جاءت رسالة أخرى من الجارحي وقال:
"أنا بعت للمدرسة أن بنتي تعبانة وهتاخد إجازة أسبوع عشان ترتاحي زي ما الدكتور قال." نظرت للرسالة بغضب شديد، بينما ليل بجانبها تضحك بقوة وهي تقول: "بنتي!! شوفتي هو شايفكِ في مقام بنته وإنتِ هنا يا حرام قاعدة شايفاه حبيب وهايمة في الحب من طرف واحد." كزت قدس على أسنانها بضيق شديد وأرسلت له بغضب وصورة لإيموشن الغضب: "بس أنا مش بنتك!! اتسعت عينا الجارحي على مصراعيها من هول الصدمة ورسالتها الغاضبة وهو لا يفهم سبب هذا الغضب.
وتذكر حديث عماد أخاه الذي يكبره ويتحدث عن زواجه بها وضحك بسخرية قائلاً: "قال يتجوزها قال." جاء أحد العمال إليه وقال: "الحاجة اللي حضرتك طلبتها في العربية." أومأ الجارحي بنعم ووقف من مكتبه ليغادر. خرج من المحل إلى سيارته وأنطلق إلى المنزل. وعندما وصل رأى عمته أسيا تجلس على الدرج الرخامي وتلعب في هاتفها فقال: "عامل إيه يا عمتي؟
"بخير يا ابن أخويا، والله بشوفك يا جارحي معرفش إزاي أنت تبقى أخوه الشيطان اللي جوا عماد ابن أخويا ده." قالتها بسخرية من حالهم. فتبسم بخفة وقال: "البطن قلابة يا عمتي." دلف إلى شقة وصيفة وكان جده شاردًا بـ قدس. وفور رؤيته ظل يرمق به بحيرة وكيف اختارت الطفلة الصغيرة هذا الرجل لتحبه. "السلام عليكم يا حج." "وعليكم السلام يا جارحي، عامل إيه؟ " قالها بهدوء. فأجاب الجارحي بجدية:
"الحمد لله، اليوم النهار ده كان هادي في الشغل شوية بس الحمد لله، قدس عاملة إيه دلوقتي؟ نظر حمدي لحفيده بتوتر وقال: "كويسة، طلعت فوق مع ليل قاعدين عند أمك خديجة." "طيب أنا جبت لها الشيكولاتات والحاجة اللي بتحبها." قالها بعفوية ووضع الحقيبة جانبًا. ليُصدم من رد فعل جده لأول مرة يقول: "متتبقاش تجبلها حاجة تاني." نظر الجارحي له بدهشة وقال: "إيه."
"قدس كبرت يا جارحي ولو عاوزت أي حاجة هتعرف تشتريها، متتعبش نفسك." قالها حمدي بهدوء. على عكس الجارحي الذي صدم من رفض جده المفاجئ له وهو من أوصاه عليها بعد سجن والدها. أومأ إليه بنعم دون حديث ثم وقف من مكانه ليصعد إلى شقته. فسمع صوت ضحكاتها حين وصل للطابق الثاني أمام شقة والده فؤاد. فأكمل طريقه إلى الطابق الرابع حيث شقته ورن هاتفه برقم صديقه ياسر. فأجاب عليه بلا مبالاة وهو يبدل قميصه: "عامل إيه؟
أخبار الوظيفة الجديدة إيه؟ "عشرة على عشرة تسلم يا صاحبي." قالها ياسر بحماس. فأجاب عليه الجارحي وهو يلقي بجسده على الأريكة الموجودة في الصالة قائلاً: "على إيه يا بني، أنت اشتغلت بمجهودك وشطارتك أنا بس رشحتك." أومأ إليه بنعم ثم قال بجدية: "عملت إيه؟ هتيجي تشوف العروسة اللي قلت لك عليها؟ تنهد الجارحي بهدوء بخنق. فكلما رأته أمه، طلبت زواجه وأحضرت له بنات الحي بأكمله. فقال بهدوء: "آه أهي جواز والسلام."
"يا بني الناس ما أنت اللي عندك الحب حرام والعلاقات حرام، الزمن ده محدش بيتجوز صالونات كده بس هي تنشيف الدماغ." أجابه الجارحي بضيق من حديث صديقه هاتفًا: "الحرام والشرع مفهوش الزمن ده والزمن اللي فات، الحرام حرام لحد يوم القيامة مبيتغيرش تحت مسمى الزمن ولا الجيل ده. سلام يا ياسر." أنهى حديثه وأخذ حمام دافئ ثم ارتدى بنطلون أسود قطني وتي شيرت سماوي.
ثم نزل إلى شقة والده وحين فتح الباب رآها تجلس مع ليل وأمه خديجة تضمها بين ذراعيها ويشاهدون مسلسل الضوء الشارد. تنحنح بلطف وقال: "أحم. السلام عليكم." "وعليكم السلام يا حبيبي." قالتها خديجة. بينما اعتدلت قدس بحرج في جلستها وتذكرت حديثه عنها في المدرسة وأنها ابنه له. فاستشاطت غيظًا. تحدث بهدوء: "بابا جوا." أومأت خديجة له بنعم. فاستدار لكي يدخل الغرفة لوالده وهو يقول:
"صحيح الحاجات اللي طلبتيها يا ليل إنتِ وقدس عند صفصف." "تسلم يا جارحي." قالتها ليل بلطف. بينما الأخرى كانت غاضبة. دلف إلى غرفة والده ورآه جالسًا على الأريكة ويقرأ في المصحف. وفور دخوله أغلق فؤاد المصحف بعد جلوس ابنه وقال: "شكلك عايز تقول حاجة؟ "آه الموضوع اللي كلمت ياسر عليه، إن شاء الله هنروح الخميس." قالها بهدوء. فتبسم فؤاد بسعادة وقال: "المهم البنت محترمة وبنت ناس كده وكويسة."
"آه متقلقش وبرضو لما نروح هتشوف دي تعارف وقبول." قالها الجارحي بحدة. ليبتسم فؤاد وهو يربت على كتف أبنه وخرج من الغرفة بسرعة من الفرحة التي تغمره ينادي على زوجته: "يا أم عماد يا أم عماد." تحدثت خديجة بنبرة هادئة متعجبة فرحة زوجها ولهفته: "أنا هنا يا فؤاد." وضع يده حول عنق الجارحي وقال بحماس: "يوم الخميس الجاي هنروح نخطب للجارحي." تبسمت بحماس يغمرها ووقفت من مكانها. لكن قاطع فرحتهما سقوط صينية على الأرض.
فاستدار الجميع وكانت صينية العصير من يد قدس. التي وقع الخبر على أذنها كالصاعقة الكهربائية. ونظرت ليل بصدمة ألجمتها لهما وهي تضع يدها على فمها من هول الفزع الذي أصابها. تحدث فؤاد بلطف: "ولا يهمك يا قدس و." لم يكمل كلمته فبتر الحديث من الجميع سقوط قدس فاقدة للوعي من هول الصدمة. وقلبها الصغير لم يتحمل هذا الخبر الذي قضى على حبها ومشاعرها الجميلة الكامنة بداخلها لأجله.
حملها فؤاد على ذراعيه ووضعها على الأريكة تحت أنظار الجميع. نظر الجارحي إليها بقلق ووالدته تحاول إفاقتها مع قلق ليل وعمها فؤاد فقال بخوف: "أطلب لها دكتور أو نأخدها على المستشفى." "لا، مفيش داعي هي بس تعبانة من امبارح وإحنا عارفين." قالتها ليل بقلق. وهي الوحيدة التي تعرف ما أصاب الصغيرة. استعادت وعيها بعد محاولة خديحة وعينيها تتلألأ بها الدموع. فاعدلت رغم ضعف جسدها وقالت: "أنا هنزل بيتي." ترجلت وهي تسند على ليل.
وفور خروجهن من الشقة انفجرت باكية بأقصى درجات الوجع وجلست على الدرج بحزن شديد لتقول: "هي هتتجوز يا ليل، أصلًا هدير كان عندها حقها هو شايفني عيلة قصاده وكمان ممكن يكون مش شايفني أصلًا، هو أنا وحشة." "إنتِ صغيرة." قالتها ليل بجدية وحكمة. فـ نظرت قدس لها بحزن شديد. لتتابع ليل الحديث بلطف قائلة:
"مش قصدي أزعلك بس إنتِ صغيرة قوي يا قدس عليه، وعشان كده هدير مستوعبتش الصدمة وضربتك ومحدش هيستوعب اللي إنتِ بتقوليه حتى الجارحي نفسه مستحيل يستوعبك، اللي إنتِ بتقوليه ده شيء غير مباح، أنا آه بحب ومن وراهم لكن بحب حد من سني، حد لو جه يتقدم هيتقبل عادي لكن إنتِ مستحيل." ظلت تبكي بانهيار شديد وهي تضع يديها على وجهها الصغيرة بحرقة ووجع يعتصر قلبها الضعيف من مشاعر حبها.
في الجامعة الأمريكية كانت تجلس ليل في الكافتيريا مع عمران وتنظر في هاتفها باهتمام لتقول: "أعمل إيه طيب؟ ما هي منشفة دماغه." تحدث عمران بجدية وعينيه ترمق فتاته الجميلة قائلاً: "أيوه بس في حاجات مينفعش فيها تنشيف الدماغ ومن كلامك على الجارحي فهمت أنه مش بس كبير في السن عنها لا دا كمان شخصية ووقار وهيبة يعني مستحيل يبص لعيلة." رفعت ليل نظرها عن الهاتف إليه وقالت بحزم: "قصدك إيه؟
ارتشف القليل من كوب الشاي الخاص به ثم قال مجيبًا عنها: "قصدي لو كان فلاتي زي أخوه عماد وبتاع بنات، أتحداكِ أنه كان هيوافق عليها لأن لما شوفت قدس هي عندها جمال يجذب أي راجل ومش هيهتم بسنها لكن اللي زي الجارحي ده هيحسبها بالمنطق والعقل ومش هيبص لجسمها ولا جمالها عشان متدين شوية وحرام وهيغض البصر والمجتمع هيقول أنه هيتجوز بنت قد عياله فـ هتبقي مستحيلة، لكن لو كان عماد والله ما هيهتم بأي حاجة لو عجبته."
وضعت ليل يدها على وجنتها بحيرة من أمرها وقالت: "والله البنت صعبانة عليا قوي، معرفش ليه ولا إيه الحكمة إن ربنا يبتليها بحب من طرف واحد مع الجارحي؟ محدش بيعرف الغيب، لكن فعلاً يا عمران صعبانة عليا قوي ومش عارفة أعملها حاجة وصحتها من ساعة ما عرفت أنه هيخطب في النازل وقاطع الأكل، خايفة يجرالها حاجة وهي ولا أم ولا أب ولا أخوات حتى وعمتي هدير شديدة قوي عليها."
"هتتحل يا حبيبتي متقلقيش، ربك هيحلها من عنده." قالها عمران وهو يأخذ يدها في يده يطمئنها ويربت عليها بحنان. فوقفت بتعجل وهي تقول: "أنا لازم أمشي عشان ألحق أجهز ومتأخرش عليهم، بليل لما نرجع من عند العروسة هكلمكم ويارب ما تعجب الجارحي ولا ديحة، أنا حاطة أملي كله في ديحة، لو معجبتهاش مش هتوافق على الجوازة. سلام يا حب." غادرت متعجلة لتصعد بسيارتها مع السائق الذي عاد بها مسرعًا إلى العمارة.
فوجدت رجل من عمال جدها يجلب الهدايا من السيارة فقالت بتمتمة: "كل دي هدايا للمحروسة، يارب الجوازة دي ما تمد." لـتتجه إلى شقة مديحة وقالت: "صباح الخير. عاملة إيه يا ديحة؟ "بخير يا نن عين ديحة، أخبارك إنتِ إيه يا ليل؟ " قالتها مديحة بحنان. لتجلس ليل جوارها وتحدثت بمكر: "بقولك إيه يا ديحة، إنتِ شوفتي العروسة؟ حلوة يعني؟ أجابتها مديحة بجدية: "مشوفتش يا أختي، بس والله لو طلعت قفلة زي الواد جارحي ده ما هجوزهاله."
تحمست ليل وهي تلقي بكتبها على الأريكة وقالت بسعادة: "أحبك يا ديحة وإنتِ مسيطرة، بس دي اختيار جارحي مش هتبقى حاجة غير قفلة زيه وبعدين لما كنت عندهم كان عمي فؤاد ومراته فرحانين جدًا وشكلهم وافقوا خلاص." ضحكت مديحة بسخرية وهي ترتشف القليل من كوب الشاي بالنعناع وقالت:
"مفيش حد بيدخل البيت ده غير بأمري، أنا هنا ست البيت، جدك حمدي لما جه يتجوز العقرب المصدية اللي اسمه وصيفة مقدرش يعملها غير بموافقتي، تقوليلى عمك فؤاد موافق. لا هو له لازمة ولا مراته ليها لازمة، هنا أنا وبس اللي بقرار، يلا قومي من وشي عكرتي دمي." ضحكت ليل بعفوية ووقفت من مكانها وهى تقول: "أنا داخلة أصحّي أمي تشوف لي حل معاكِ أنا تعبت منك يا ديحة." ضحكت مديحة على حفيدتها. أخرجت هاتفها وأتصلت بـ عماد وقالت:
"ها عملت إيه يا واد، أخوك جارحي هيخطب وأنت قاعد." "هعمل اللي اتفقنا عليه النهاردة وتبقي الفرحة فرحتين، أهو أبوه وأمي يفرحوا لعيالهم سوا." قالها عماد بصوت شبه نائم بسبب سهره طول الليل في الملاهي الليلي. أغلق معها الهاتف وأكمل نومه. دلفت هدير إلى غرفة قدس مرتدية بدلة نسائية زرقاء ومستعدة للذهاب إلى العروس معهم. كانت تعلم أن فتاتها الصغيرة مريضة وحزينة وموجوعة بهذه الليلة.
رأتها ترتدي فستان أزرق اللون يظهر مفاتن جسدها وقصير جدًا وحذاءها ذو الكعب العالي. شعرها الأسود الناعم مسدول على ظهرها وأكتافها وترتدي حول عنقها قلادة من الذهب تحمل اسمها "قدس" وتضع أحمر الشفايف، لكن وجهها حزين جدًا. اقتربت هدير منها وقالت: "قدس لو تعبانة ممكن تقعدي هنا مع عمتك أسيا هى مش هتيجي معانا وكمان ليل." هزت رأسها بلا وهى فضولية جدًا لمعرفة هيئة الفتاة التي جذبته وفضلها. رغم وجع قلبها الصغير لكن الفضول يقتلها.
تبسمت هدير وهي تلتقط منديل من فوق التسريحة ومسحت عنها أحمر الشفايف وقالت: "ماشي بس متحطيش مكياج إنتِ لسه صغيرة." دفعته قدس بغضب سافر وقالت: "أنا مش صغيرة." ذهبت من أمامها وهدير مندهشة تمامًا من تصرفات قدس مؤخرًا. وهي تتمرد عليها كلما قالت أنها صغيرة، وكأن الفتاة تصبو نحو الكبر بسرعة جنونية وتسابق الزمن رغمًا عن القدر. خرجت قدس من الشقة لترى عماد ينزل من الأعلى. وعندما رآها اتسعت عينه بأنبهار من جمالها البرئ ونعومتها.
تسارعت نبضات قلبه لأجل الصغيرة وفستانها الجاذب يصل لركبتها ويظهر نحافة قدميها الناعم. رفعت يدها تضع خصلات شعرها خلف أذنها مع نزول الجارحي ليرى أخاه يقف يحملق بها بإعجاب. فاحتدت عينيه وقال: "يلا يا عماد." "مالكش دعوة بيا." قالها عماد بحدة. رفعت قدس عينيها إلى الدرج من صوتهما لتراه وهو يقف مرتدي بدلة رمادية وقميص أسود وبكامل أناقته ووسامته. تسارعت دقات قلبها بحزن وهي تراه بكامل أناقته لأجل عروسته.
لكنها كبحت حزنها وتبسمت. فقال بهدوء: "تعالي يا قدس أركبي في عربيتي." أجابته بتمرد شديد وغاضبة جدًا منه قائلة: "لا، أنا هركب مع ابيه عماد." تبسم عماد بمكر إلى أخاه ومد يده إلى قدس التي مسكت يده ببرود وأخذها للخارج. وكانت سيارة حمدي تقف أمام العمارة وتجلس بداخلها زوجاته مديحة ووصيفة. وخلفها سيارة الجارحي يجلس بها والده فؤاد وزوجته خديجة. وبالخلف سيارة عماد فصعدت بها قدس.
ثم جاءت هدير وركبت معهم مما أزعج عماد جدًا لكنه التزم الصمت. انطلقوا جميعًا إلى منزل العروسة. ورحب الجميع لكن قاطعهم سؤال والدة العروسة التي قالت: "والجميلة الصغيرة دي أختك يا جارحي." تحدثت مديحة بنبرة حادة صارمة: "لا، بنت عمه هادي، بس مجاش معانا أصله مسجون بعد عنك، ادعيله ربنا يفك كربه قريب." نظر الجميع إليها وكأنها تقدم سبب للطرف الآخر بالرفض. وهي في الواقع أرادت إذلال وصيفة وهي تتحدث عن ابنها.
فتنحنح والد الفتاة بلطف وصمت الجميع. حتى خرجت العروس فتاة جميلة في كامل أناقتها وتضع القليل من مساحيق التجميل كأي عروس. ترتدي فستان أزرق اللون وتلف حجابها الأبيض الذي يظهر القليل من غرتها البنية التي أظهرت للجميع لون شعرها البنية. انزعج الجارحي من طريقة لبسها للحجاب بالأسم فقط وعنقها يظهر منه القليل وشعرها. لكنه كبح غضبه وغض البصر عنها. جلست ومعها أخاها الأصغر الذي رمق قدس بإعجاب وقال: "إنتِ أخته."
قاطعه عماد بحدة صارمة وهذا الفتى الصغير يغازل حبيبته الصغيرة: "لا، ومتصبلهاش عشان بتتكسف." كانت قدس تجلس بجوار عماد ووصيفة وتنظر فقط إلى العروس. وعقلها يبكي. فماذا بها أفضل منها ليفضلها عليها. أم أنه لم يفضلها من الأساس وهو لا يعلم أن هناك صغيرة تحترق بنار عشقه في الداخل. وقف حمدي ينهي اللقاء وقال: "إن شاء الله هنستني ردكم وشرف ليا معرفتكم." رحب الجميع بهم وغادروا. نزلا الدرج قليل فهمست مديحة إلى
عماد في أذنه بمكر شيطاني: "الليلة يا عماد فاهم." أومأ إليها بنعم وعينيه على قدس التي تنزل في يد جدها حمدي. ثم تابعت بحدة: "إياك تغلط، جدك لو حس بمكر هيطير رقبتنا كلنا، أنت عارف غلاوة قدس ومكانتها عنده." أومأ إليها بنعم. عادوا للمنزل جميعًا وذهب كلنا منهم إلى شقته. بينما صعدت قدس إلى مكانها المفضل في الوحدة. فوق السطح جلست على الأريكة حزينة ونظرت للسماء. فشعرت بالقليل من البرد بسبب فستانها ونسمات الهواء الباردة.
جاءها عماد يحمل في يده كوب عصير الفراولة لها وقال: "الجميل قاعد لوحده له." اعتدلت في جلستها بأحراج شديد يتملكها منه وقالت: "مش جايلي نوم." قدم لها العصير فوضعته على الطاولة ليبتسم بلطف وجلس جوارها. وضعت يديها على ذراعيها من البرد لينتبه أنها باردة. تحدث بنبرة دافئة: "سقعانة؟! أومأت إليه بنعم وقالت بخفوت: "شوية." "طب اشربي العصير وأنا هنزل أجيب لك بطانية أو شال من تحت." أومأت إليه بنعم ليغادر السطح.
رآه الجارحي وهو ينزل الدرج مما زاد غضبه. والجميع يعلم أن منطقة السطح خصصها حمدي لحفيدته الجميلة. صعد للأعلى ليتأكد أن الصغيرة بالأعلى ورآها تجلس على الأريكة. تحدث بنبرة خشنة وقوية أرعبتها: "عماد كان هنا ليه؟ وقفت من مكانها بدهشة من قدومه لهنا لأول مرة. رمقته بحزن وقلبها كالبركان المُلتهب الذي انفجر للتو بقدومه يحرقها بناره ولهيبه. أقترب منها أكثر وهو يكرر حديثه بحدة أكثر: "عماد كان هنا ليه؟
ابتلعت لعابها بخوف من نبرته وتوترة جدًا حتى ظهر توترها في تلعثمها في الجواب حين قالت: "أنا.. هو طلع. كان بيجبلي عصير." نظر إلى كوب العصير وكان فراولة. فتنهد الجارحي بضيق شديد وأخذ الكوب وهو يقول: "مقولتلهوش ليه أن عندك حساسية من الفراولة وممكن حبة واحدة تقتلك هاااا." صرخ بها بخوف وهو يدرك مرضها وحساسيتها الشديدة من الفراولة. فـ انتفضت بفزع من صراخه وقالت بعناد شديد: "إنت مالك، أنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه كويس؟
كز على أسنانه بغضب وصوت صرير أسنانه أرعبها وجعلها ترجع خطوة للخلف من الخوف منه. بينما قال بحدة صارمة: "لا، صغيرة وعيلة متعرفش حاجة عن اللي حواليها. أبعدي عن طريق عماد أحسن لك يا قدس." ارتشف كوب العصير أمامها حتى يتأكد بأنها لن تشربه بعنادها وتؤذي نفسها. ثم نزل إلى شقته. رن هاتفها كثيرًا برقم ياسر. فـ زاد غضبه وهو يتذكر الفتاة العروسة وطريقة لبسها وحجابها وصديقه وضع في موقف محرج أمام الجميع.
فلم يجيب ونفث غضبه بكوب من عصير البرتقال في ثلاجته وجلس على الأريكة ينزع رابطة عنقه بخنق. بالأعلى كانت تحترق من الغضب ورأت عماد يأتي وفى يده عباءة مفتوح ليقول: "ليل أدتني دي." ارتدتها بضيق. بينما نظر عماد إلى كوب العصير وفرح جدًا أنها شربته. ثم أقترب خطوة منها وقال: "قدس أنا." قاطعه صوت جده حمدي الذي جاء ليطمئن على الصغيرة وهو يعرف أنها حزينة وموجوعة الآن بسبب حبها إلى الجارحي. يقول: "بتعمل إيه هنا؟ التف
عماد بفزع من صوت جده وقال: "أنا." "أمشي غور على تحت وإياك رجلك تخطي هنا تاني، هقطعهالك فاهم." قالها حمدي بحدة وتهديد. ليؤمأ إليه عماد بنعم ثم ترجل للأسفل. أقترب حمدي من صغيرته الجميلة وقال: "مالك يا حبيبتي؟ "كويسة يا جدي مفيش حاجة." قالتها بلطف وبسمة مزيفة تنير وجهها الجميلة. فضمها إليه وقال: "أنا جنبك يا قدس، جنبك ومش هسيبك أبدًا." دمعت عينيها بحزن شديد وطوقت جدها بضعف تخفي جسدها الضئيل في صدره. ثم قالت بلطف:
"قلبي حزين يا جدو." تبسم بلطف وأخذها إلى الأريكة وجلس جوارها ثم قال:
"أحكيلك حكاية. زمان لما حبيت صفصف جت قولت لأبويا أنا عايز أتجوزها وبحبها، ضربني كف عمري ما هنساه وقالي بتحب عيلة من دور عيالك، وجوزني ستك ديحة بنت أخوه بالعافية وعشت معها وخلفت عملك فؤاد ومقدرش أخلف منها تاني لأن برضو حب صفصف كان بيزيد جوايا وساعتها بس قررت أتجوزها وأحرب عشان البنت اللي بحبها وأتجوزتها غصب عن عين أبويا وخلفت منها أبوكِ هادي وبعدها خلفت أسيا من مديحة ما خلاص حب عمري بقي معايا وخلفت بعدها هدير، الحب ملهوش سلطان لكن لكل حاجة وقتها. آه في الأول مكنش ينفع أتجوز صفصف عشان لسه عيلة لكن أول ما كبرت وبدأ يجيلها عرسان أتجوزتها لأن حجتهم فأنها صغيرة خلاص. كل حاجة بوقتها يا قدس بتختلف كتير."
كانت تستمع لحديثه باهتمام. وبعد أن أنهى الحديث قالت: "حضرتك بتقولي كده ليه؟ "عشان هدير حكت لي، مبلومكيش أنكِ حبتيه لكن حقيقة أنكِ لسه صغيرة مش هتتغير. ركزي في مذاكرتك ومستقبلك وبعدها يحلها حلل، أوعدك لو خلصتي جامعتك وجارحي متجوزش هجوزهولك غصب عن عينه وعين أي حد. لكن دلوقتي نركز في مذاكرتنا، اتفقنا." أومأت إليه بنعم ليغادر السطح تاركها خلفه.
وهي تفكر في حديثه وتذكرت حديث ليل حين أخبرته أن تعترف بحبها وتترك العواقب للقدر. تبسمت بشجاعة وقالت: "أنا هقوله وهطلب منه يستناني لحد ما أخلص جامعة ومش هبقي صغيرة." ترجلت إلى شقته بتوتر ويديها ترتجف رغم قلبها الذي يتراقص على أوتار ضلوعها. وجاءت اللحظة التي انتظرتها منذ أن تسلل حبه إلى قلبها الصغير. دقت الباب بخفوت وتوتر شديد جعل وجنتيها تتورد خجلًا. "أعمل إيه يا ديحة، جدي طب عليا؟ " قالها عماد بضيق شديد وتوتر. فضربته
مديحة بخوف على كتفه وقالت: "أنت عارف لو المنشط مفعول ظهر وجدك معاها هيعمل فينا إيه وخصوصًا أنها هتقوله أنك جبتلها عصير." "دا اللي راعبني، المنشط قوي جدًا ومخدر."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!