تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الأول 1 - بقلم نورا عبد العزيز
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح.
زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء.
تحدثت العاملة بضيق:
_ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة.
تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة:
_ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما المعلم حمدي يجي من صلاة الجمعة.
_ يووو هو اللي يقول الحق في البيت دا يبقى أجرم.
قالتها "أم السعد" بتذمر وهي تكمل ما تفعله.
فتحدثت "سنية" بتذمر من ثرثرة هذه العاملة:
_ آه يبقى أجرم، في بيت أبو النور يبقى أجرم، وأحمدي ربنا إن الست مديحة مسمعتكيش وإلا كان زمانها شبتت في رقبتكِ إنتِ. وأنجزي بقى قبل الصلاة خلينا نروح نصلي إحنا كمان.
كان كل طابق مكوناً من شقتين متقابلتين. في الشقة الأولى التي تخص "مديحة"، امرأة تملك من العمر 73 عاماً، الزوجة الأولى للجد "حمدي أبو النور"، أكبر تاجر قماش في الأزهر والغورية وصاحب أكبر مصنع قماش. والشقة المقابلة لزوجته الثانية "وصيفة" التي تملك من العمر 61 عاماً.
كان الشجار يحتد أكثر بين الزوجتين، فتحدثت "مديحة" بغضب سافر قائلة:
_ بقولك أى يا ست إنت، هي كلمة واحدة الفطار النهاردة هيكون عندي في شقتي وإلا وعزة وجلال الله لأخلي يومك منيلة مطلعة شمس.
خرجت "هدير" الابنة الصغرى لـ "وصيفة"، صاحبة الـ 34 عاماً، من غرفتها. كانت فتاة جميلة تملك عيوناً بنية واسعة وبشرة بيضاء مع وجنتين ممتلئتين ووجه دائري وشعرها الأسود الذي يصل لمنتصف ظهرها مسدولاً على ظهرها.
تحدثت بهدوء قائلة:
_ صباح الخير يا ماما.
لم يُجب عليها أحد بسبب الشجار. وكانت "أسيا" ابنة "مديحة" تشاهد الشجار من البداية، ومعها "خديجة" زوجة "فؤاد" الابن الأكبر لـ "مديحة".
جلست "هدير" على الأريكة تشاهد المعركة القائمة مع السيدات وقالت بهمس:
_ مش معقول خناقة كل جمعة دي، هنتجمع عند مين فيهم؟ على فكرة عيب عليكم دا إنتوا أجداد... صحيح فين أحفادكم؟
تحدثت "مديحة" بزمجرة شديدة قائلة:
_ ليل راحت تجيب حاجة من السوبر ماركت.
بنفس اللحظة التي تحدثت فيها "وصيفة" قائلة:
_ قُدس فوق السطح بتذاكر.
نظرتا الاثنتين إلى بعضهما وصرختا معاً بنفس الجملة:
_ بتسألني أنا!!
تبسمت "هدير" عليهن ووقفت من مكانها وقالت:
_ خلاص بقى الرجالة هتيجي من الصلاة وإنتوا لسه بتتخانقوا، خلاص خلي الفطار عندنا يا طنط ديحة والغداء عندك أهو، كده يبقى اتجمعنا عندكم إنتوا الاثنين.
نظرت "مديحة" إلى "وصيفة" وقالت بضيق:
_ ماشي يا ست الصحفية لأجل عيونك إنتِ بس، لكن والله لو أمك حطت إيدها في الغدا لأطفحهولها... يلا يا بت يا أسيا من هنا وهاتي مرات أخوكي في إيدكِ، كتكم القرف.
غادرت إلى شقتها وخلفها ابنتها وزوجة ابنها. تأففت "وصيفة" بضيق من هذه المرأة وقالت:
_ مش معقول، ست لا تطاق، أنا عرفت ليه أبوكِ اتجوزني عليها... مقدرش على معاشرتها.
اقتربت "هدير" من والدتها ببسمة رقيقة تنير وجهها المشرق وقالت بحب:
_ يا ماما يا حبيبتي، إنتوا كبرتوا على الكلام دا، سيبوا الخناقات دي لينا إحنا ولادكم ولا حتى لقُدس وليل أحفادكم... طب والله قُدس وليل أعقل منكم إنتوا الاثنين.
تمتمت "وصيفة" بدلال وهي تسير نحو المطبخ قائلة:
_ هي اللي عاملة زي الجرادة، سمعت أبوكِ بيقولي يا روحي وهو ماشي والنار قادت فيها وشبطت فيا زي الجرادة.
ضحكت "هدير" على والدتها التي أصبحت جدة ولم تتوقف عن العشق أو الدلال على زوجها العجوز. دلفت "هدير" خلف والدتها إلى المطبخ وقالت:
_ الصراحة يا صفصف إنتِ كيادة، يعني الراجل بيحبك وعيالك أحسن من عيالها.
ضحكت "وصيفة" بسخرية وقالت:
_ هههه ما هي اللي مش عارفة تربي، يعني عندك بنتها أسيا اللي اتجوزت سنتين واتطلقت بسبب قلة أدبها ولسانها الطويل على جوزها وحماتها، وفي الآخر خرجت بعيلة على كتفها... والله ظلمت معاها ليل، والنبي ما فلح في عيالها غير فؤاد عشان أبوكِ دخله الأزهر وربنا باركله فيه وبقى إمام جامع. والنبي أخوكِ فؤاد دا خسارة في الحرباية دي، حتى عماد ابنه عشان هي اللي خدته تربيه طلع زبالة. حفيدها الموكوس عماد الدين والنبي ولا يعرف حاجة عن الدين، سُكري وبتاع نسوان، أهو قرب على الأربعين ومش لاقي كلبة جربانة حتى توافق بيه من نجاسته. مطلعش زي أخوه الجارحي تربيتي، سيد الرجالة كلها وألف بنت تتمناه.
_ صحيح بمناسبة الكلام، مش إمبارح وإنتِ مع قُدس في زيارة هادي قامت خناقة بين بابا وعماد بسبب كده وشدوا جامد، بس مسمعتش اللي دار عشان قالي اطلعي اقعدي مع مرات أخوكي وطلعت عند خديجة.
تحدثت "وصيفة" بلا مبالاة وهي تضع الأطباق على الصينية قائلة:
_ قالي وقالي إن السبب إن عماد النجس عايز يمسك المحلات اللي كان ماسكها أخوكي هادي، يا رب يفك سجنك يا ضنايا وتخرج بالسلامة... عماد ابن أخوكي فؤاد دا مشوفتش في نجاسته، مش كفاية إن أخوكي مسجون 3 سنين عشان كان واقف في ضهره في الخناقة، كمان عايز يشغله... الله يوريني فيكِ يوم يا عماد يا ابن خديجة.
وصل "حمدي" الرجل العجوز صاحب الثمانون عام بصحبة ابنه الأكبر "فؤاد" أمام الجامع بعد صلاة الجمعة، ويتكئ بيده على عكازه وبالأخرى يتبأطأ ذراع حفيده وابن "فؤاد" الأصغر "الجارحي"، شاب يملك من العمر ثلاثين عاماً، ذو جسد رياضي عريض الأكتاف وطويل القامة ببشرة بيضاء وعيون عسلية ضيقة ولحية كثيفة بنية كلون شعره الكثيف وطويل يصففه للأعلى مرتدياً عباءة بيضاء. وصلوا إلى العمارة، فقال "حمدي":
_ أزيك يا رجب وعيالك عاملين إيه؟
_ بيدعولك يا حج.
قالها "رجب" بعفوية وصعدوا معاً. فدلفوا إلى شقة "وصيفة" ووجدوا "أسيا" و"هدير" و"خديجة" و"وصيفة" يجهزون السفرة الكبيرة، بينما "مديحة" تجلس بجوار "عماد" على الأريكة بغرور.
فقال "الجارحي":
_ عاملة إيه يا تيتا؟
تحدثت "مديحة" بانفعال شديد أمام الجميع مجيبة:
_ تيتا في عينيك يا شحط أنت، جرا إيه يا سي جارحي تحب أقوم لك؟
تحدث "الجارحي" وهو يساعد جده على الجلوس قائلاً:
_ عينيا يا تيتا.
_ والله أقوم أديك على بوقك يا جارحي.
قالتها بغضب شديد. تنجب الحديث معها مستديراً إلى "وصيفة" وقال بلطف:
_ صفصف يا عسل عاملة إيه؟
ضحكت "وصيفة" بلطف تغيظها أكثر وقالت:
_ بخير يا قلب صفصف.
جلس الجميع على السفرة، ودلفت "ليل" ابنة "أسيا"، فتاة تملك من العمر 18 عاماً، مرتدية فستاناً وردي اللون وتلف حجابها الأسود كعينيها الداكنتين باللون البني الغامق وبشرتها البيضاء.
فتحدثت بنبرة دافئة تقول:
_ السلام عليكم.
_ اقعدي يا ليل.
قالتها "أسيا" بهدوء.
فنظر "حمدي" على سفرته وقال بجدية:
_ فين قُدس؟
تذكر الجميع الحفيدة المنسية دائماً، فمسكت "هدير" هاتفها ورنت على هاتف "قُدس".
وقفت "قُدس" بتعجل من مكانها فوق السطح وجمعت أوراقها وأقلامها، ومن بينهم كانت رسمة بالرصاص لوجه "الجارحي"، دفنتها بين أوراقها وترجلت للأسفل ركضاً، فكادت أن تلف قدميها على الدرج من ربكتها وتوترها، لكنها اصطدمت بأحدهم وكادت أن تسقط، بينما سقطت منها الأغراض.
نظرت إلى الأعلى ويده تحيط خصرها النحيل، فتقابلت عيونهما وكان "عماد". فنظرت بتوتر إلى وجهه متوسط البياض وعينيه العسلية وشعره القصير مع لحيته القصير، وسامته التي يستخدمها لسحر الفتيات وجسده العريض الذي يكفي لأخفاء جسدها الضئيل. ابتلعت لعابها بتوتر من قربهما هكذا وهي تشعر بأنفاسه ويده تجذبها لها أكثر حتى ارتطمت بصدره الصلبة وشعرت بعضلات بطنه. شعرها الأسود الحريري مسدول للخلف وبطوله وصل إلى ذراعه الذي يحيط خصرها.
ابتعدت عنه بخجل شديد وتوردت وجنتاها من التوتر وقالت:
_ أنا آسفة يا أبيه عماد.
انحنت لتجمع أوراقها بتوتر من فوق الدرج، فانحنى "عماد" وضربت قلبه تتسارع بجنون لأجل هذه الفتاة الجميلة وحاول أن يساعدها في جمع الأغراض ليُصدم بصورة أخاه "الجارحي"، فسحبتها بسرعة منه وقالت:
_ عن إذنك.
تابعت النزول ركضاً بتوتر من ابن عمها الفاسد. وصلت للشقة الأولى بحماس، لكن سرعان ما تلاشت بسمتها حين رأت مقعد "الجارحي" فارغاً وقد غادر قبل أن تراه، فقالت بهدوء:
_ صباح الخير.
_ صباح النور يا نن عيني، تعالي افطري.
قالتها "وصيفة" بهدوء.
لتقول بحزن يخيم على صدرها وقلبها:
_ مش جعانة عملت سندوتش لما صحيت الصبح، عن إذنكم.
وقفت "ليل" من مكانها وقالت بهدوء:
_ أنا هدخلها.
دلفت إلى غرفة "قُدس" وقالت بعفوية تشاكسها:
_ كل ده عشان الجارحي؟
مشيتوتر الطفلة الصغيرة وقالت بحزن:
_ لا، أنا مش جعانة بس.
ضحكت "ليل" وهي تجلس بجوار "قُدس" وقالت بحماس وعفوية:
_ طب استعدي يا ستي عشان طلبت من جدو فلوس أجيب هدوم للجامعة، إنتِ عارفة بقى سنة جديدة يعني لبس جديد وقاللي آخدك أجيبلك هدوم وهنأخد عماد معانا.
_ لاااا.
قالتها "ليل" بسرعة فور سماع اسمه. فضحكت "ليل" بدهشة على هذه الطفلة وقالت:
_ متخافيش عيب عليكِ، أنا قلتله إن عماد لما بيروح معانا مش بيخلي باله مننا وبيمشي ورا البنات، فقال للجارحي يروح معانا وعشان كده عماد فرقع من ناره.
ابتسمت "قُدس" بفرحة تغمرها من سماع هذا الحديث وقالت بهيام:
_ بجد هييجي معانا؟
أومأت "ليل" لها وقالت بلطف وجدية:
_ آه، قُدس إنتِ زي أختي وصاحبتي الوحيدة وبنت خالي وأنا بقولك كده مش عشان أزعلك بس عشان أنا خايفة عليكِ، جارحي مش شايفك غير بنت عمه الصغيرة وأكبر منك بـ 15 سنة يعني قد عمرك مرتين، متعشمش نفسك بحاجة مستحيلة، حاجة لو حد في العائلة عرفها هتقوم حرب.
تلاشت بسمة الأخرى وقالت بعبوس:
_ يعني معاكسة عماد ليا هي اللي مباحة، تلزيقه فيا هو اللي مقبول، وعموماً أنا مش مستنية أبيه جارحي يفكر فيا أصلاً أو يحبني، أنا عارفة إني طفلة بالنسبة له لسه في ثانية ثانوي.
نظرت "ليل" لها بحزن شديد وقالت بعبوس:
_ متزعليش مني ها... يلا غيري هدومك عشان جارحي طلع يلبس وإنتِ عارفة خلقه في مناخيره قد إيه.
هزت رأسها بنعم لتغادر "ليل" الغرفة وتجلس الصغيرة على الفراش بحزن وتجمعت الدموع في عينيها، بينما نظرت إلى صورته التي رسمتها وتساقطت دموعها على وجهه بحزن يمزق قلبها.
***
في شقة الطابق الرابع التي تخص "الجارحي"، كان واقفاً أمام المرآة يصفف شعره مرتدياً بنطلون أسود وقميص أسود ليرن هاتفه وكان اسم "ليل" فأجاب عليها بهدوء قائلاً:
_ نازل يا ليل أهو.
_ شد حيلك يا جارحي عايزة ألحق أرجع أروح خطوبة صاحبتي يا عم.
قالتها بضيق تستعجله، فأجاب بهدوء:
_ حاضر يا ليل، نازل.
أغلق معها وأخذ مفتاح سيارته ومحفظة أمواله البنية وترجل للأسفل على الدرج يغلق ساعته الفضية ليرى "ليل" تقف أمام المصعد مع "قُدس"، فقال بجدية:
_ يلا.
خرجوا خلفه و"قُدس" صامتة وحزينة من معاملته الحادة معها وكأنه لم يراها. فتح سيارته لتجلس "ليل" في الخلف وهي تقول بحماس:
_ اركبي يا قُدس يلا.
صعدت "قُدس" بجواره في الأمام، وكانت ترتدي بنطلون جينز وتي شيرت أبيض فوقه سترة جينز بأكمام وتسدل شعرها للخلف وترفعه من الجانبين بدبابيس الشعر. قاد بينهم السيارة متجهًا إلى منطقة عباس العقاد كما طلبت "ليل"، فظهر شاب يقود دراجة نارية من العدم أمام السيارة ليضغط "الجارحي" على المكابح بسرعة، فارتاطمت رأس "قُدس" بالسيارة، وهو يتمتم:
_ غبي... إنتِ كويسة؟
قالها بقلق وهو يضع يده على جبينها، فنظرت له بتوتر شديد وخرجت منها حوقة من لمسته. نظر لعينيها الخضراء بهدوء وقال:
_ قُدس إنتِ كويسة؟
أومأت إليه بنعم ثم قالت بتوتر متحاشية النظر إليه:
_ آه يا أبيه.
انطلق من جديد بينهم ووجنتاها تورّدت باللون الأحمر من دقات قلبها الجنوني وخجلها.
***
في شقة "مديحة" كانت تجلس بغضب سافر مع حفيدها "عماد الدين" وقالت بغضب:
_ يعني جدك رفض يمسكك محلات هادي.
_ لا وكمان قالي إنه خارج بعد 5 شهور وهيرجع لشغله ولحد ما يخرج هيفضل جارحي ماسك كل شيء، ولو عمي هادي رفض يمسك الشغل هيسلمه كله للحارجي، ما إنتِ عارفة يا ديحة أبويا رافض الشغل وبيقولك أنا إمام جامع ومكتفي بكده وأمي فرحانة ما دام ابنها الجارحي هو صاحب الأمر والنهي في العيلة دي.
عقدت "مديحة" ذراعيها أمام صدرها تفكر في هذا الحديث وقالت بمكر شديد:
_ لا ما هو أنا مش هخلص من ابن وصيفة يطلع لي الجارحي، مش كفاية وكستي في ابن بطني اللي رافض يمسك كل حاجة ويقولك أنا إمام جامع كأني بقوله روح تاجر في المخدرات، ده قماش... اسمع يا عماد، إنت مش قلتلي يا واد إن البت قُدس عاجباك؟
اتسعت عينا "عماد" بسعادة، وهذه الصغيرة التي سرقت قلبه بجمالها وضعفها، رغم معرفته بالكثير من الفتيات وكل يوم في أحضان واحدة، لكن فقط هذه الصغيرة التي تسللت لقلبه وهزمت عرشه المتغطرس، فقال بهيام:
_ أوي يا ديحة، عارفك هتقولي إن أنا أكبر منها بـ 20 سنة، لكن قسمًا بالله أنا لما بشوف طيفها بس ببقى عايز أفرش لها الأرض كلها ورد، وبعدين أنا راضي آخدها أربيها على إيدي، جوزهالي وأنا ورب العرش ما عايز منكم مال ولا محلات.
ضحكت "مديحة" بسخرية على حفيدها وقالت بمكر شيطاني:
_ تبقى عبيط يا ابن ابني، أنا هجوزهالك آه لكن مش عشان تتنازل عن المال، لكن عشان قُدس دي نن عيني جدك المخبول وبنت هادي الوحيدة، عشان لو خرج من السجن وجدك مسكوا المحلات من تاني تبقى جوز بنته ودراعه اليمين، وساعتها مش هيبقى لجارحي لازمة بعد جوزاك من قُدس.
اقترب "عماد" من جدته "مديحة" وقال بتوتر وفرحة تغمر صدره:
_ هتجوزهالي، إزاي؟ محدش هيرضى ولا هيوافق.
_ يا حبيبي اللي ميجيش بالذوق، يجي بالعافية وكله كوم وفضيحة البنات كوم... افهم بقى.
***
خرجت "ليل" من المحل مع "قُدس" وهمست إليها بصوت خافت حتى لا يسمعها "جارحي" الذي يسير بجوارهم يتحدث في الهاتف:
_ أنا هروح أقابله ومش هتأخر، أشغلي جارحي ورديلي الجميل اللي عملته معاكِ.
توترت "قُدس" بخوف وقالت:
_ لا يا ليل، مش هعرف وبعدين أنا قلتلك متقابليش الواد ده تاني ولا تكلميه.
_ خلاص بقى... أنا هروح أجيب حاجة من المحل ده.
قالتها وهربت منهم، فنظر "جارحي" ليراها تدخل محل لانجيري ليفهم أنها ذهبت لشراء شيء خاص، فتقدم للأمام حين الكافتريا متابع الحديث في الهاتف، و"قُدس" تسير معه وجلست أمامه. أنهى حديثه في الهاتف وقال:
_ أنا هشرب قهوة، أجيبلك إيه؟
_ شوكليت وسنابون وحاجة تانية.
_ لا شكراً.
قالتها بهدوء وجلست تنظر في هاتفها حتى طلب وجاء بالطلب، فأغلقت الهاتف لتتفحص وسامته وهو يشرب قهوته بشرود في الهاتف. رفع رأسه يطقطق رقبته من الإنحناء ليُدهش عندما رآها تنظر إليه ببسمة، وعندما تقابلت عيونهم تحاشت النظر إليه بخجل، فقال بهدوء:
_ ما تقومي تشوفيها عشان منتأخرش.
تنحنحت "قُدس" بخوف من حدته وهي لا تعرف أين "ليل"، فقالت بهدوء:
_ لا أنا بتكسف أدخل المحلات دي... أنا في محل هنا عايزة أشتري منه ألوان وورق رسم، ممكن أروح أجيب منه حاجات على ما هي تخلص عشان معطلش برضو يا أبيه جارحي.
تنهد بهدوء وهو يرتشف قهوته قائلاً:
_ كملي أكلك طيب ونروح.
تبسمت بلطف وعينيها تتلألأ مع بسمتها البريئة وقالت:
_ هتيجي معايا؟
_ أمال هسيبك تتوهي هنا يعني.
قالها بلا مبالاة وهدوء شديد، ثم أنهى قهوته ووقف ليذهب معها. دلفت للمحل وبدأت تشتري الكثير من الأقلام والأدوات المكتبية الجميلة وأوراق، فخرج يقف بالخارج ويتحدث في الهاتف حتى رآها تخرج وتحمل في يدها الأكياس بصعوبة بسبب حجم أوراق الرسم الكبيرة، ليسرع نحوها وأخذ الأكياس منها وهو يقول:
_ كل ده؟
_ أعمل إيه بحب الرسم جداً.
قالتها ببسمة مشرقة، وهذا الرسمة يحيا قلبها وحياتها الوحيدة. عادوا للكافتريا وجلسوا ينتظرون، ليسألها بهدوء:
_ بتعرفي ترسمي على كده؟
تبسم بحماس وأخرجت كراسة رسمة متوسطة الحجم وقلمين رصاص، وضعت أحدهم خلف أذنها والآخر بين أناملها الصغيرة وبدأت ترسم دون أن تجيب.
***
وقفت "ليل" في الطابق الأخير من المركز التجاري مع "عمران" صديقها في الجامعة وقالت:
_ المهم عجبك صور الفستان، هروح بيه الخطوبة بليل.
أجابها بهدوء موافقاً:
_ حلو، لكن لو طلع ضيق هقطم رقبتك يا ليل فاهمة.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بهدوء:
_ متخافيش يا حبيبي والله واسع وهيعجبك جدًا.
أومأ إليها بنعم ثم دفع حساب الطعام وقال بهدوء:
_ يلا طيب عشان متتأخريش عليهم وأشوفك بليل في الخطوبة.
أومأت إليه بنعم ووقفت معه بفرحة تغمرها من اهتمامه بها، ثم قالت:
_ ماشي يا روحي.
_ بحبك.
قالها ببسمة وعينيه تعانقها عوضاً عن ذراعيه، فأجابت بحب:
_ وأنا كمان بحبك، سلام يا عمري.
نزلت للأسفل بسرعة قبل أن يلاحظ "الجارحي" غيابها.
أدارت "قُدس" الكراسة إليه ليُدهش من رسمها وقد رسمت وجهه بمهارة وكأنها صورة التقطت له بالكاميرا وليس رسم، أخذ من الكراسة مذهولاً من مهارتها وقال:
_ وااو، دي إنتِ فنانة على كده.
_ على قدي.
قالتها بلطف وتبسمت بأريحية أكثر عندما رأت وجه "ليل" جاءت قبل أن تقع كارثة. رآها "جارحي" ليقول بغضب من تأخيرها:
_ كنتِ فين كل ده؟ ها؟
_ أي يا جارحي كنت بشتري حاجة بتزعق ليه؟
قالتها بحدة، ليكز على أسنانه وقال بغضب سافر:
_ كمان بتبجحي، طب اتفضلي إنتِ وهي قدامي، يلا.
***
خرجت "هدير" من غرفتها لتري "قُدس" جالسة على الأريكة تشاهد فيلم كوري على التلفاز، فقالت بلطف:
_ الجميل قاعد لوحده ليه؟
تبسمت "قُدس" وقالت بعفوية:
_ بتفرج على المسلسل... عمتو.
نظرت "هدير" إليها باهتمام وهي في منزلة والدتها التي ربتها منذ ولادتها ووفاة والدتها في الولادة، وأخذتها "هدير" كطفلة لها تعوضها عن تأخر زواجها. تحدثت "هدير" باهتمام شديد قائلة:
_ نعم يا روحي.
كادت أن تسألها عن العشق لكنها ارتبكت، لكن في نهاية المطاف اعترفت بهدوء قائلة:
_ عايزة آخد رأيك في حاجة؟
_ قولي.
توترت "قُدس" وفركت أصابعها ببعضهم ثم قالت:
_ في واحدة صاحبتي بتحب واحد جارها، بس هي والله مش بتعمل حاجة غلط ولا اعترفتله ولا لمحت بأي حاجة، هي بس قلبها بيدق جامد لما بتشوفه معدي حتى وبتستناه في البلكونة عشان تشوفه، لكن مفيش بينهم كلام ولا حاجة من دي ومش عارفة تعمل إيه في قلبها ده.
ضحكت "هدير" وهي تفهم أن الفتاة التي تتحدث عنها هي نفسها من توترها وربكتها، ثم قالت بلطف:
_ وصاحبتك بقى مش شايفة إنها صغيرة جداً على الحب، سنكم ده يعرف إيه عن الحب؟ ده بس سن مراهقة ومعجبة بواحد حلو وبس، وهو كمان سن مراهقة خلي بالك.
قاطعتها "قُدس" كالبلهاء وقالت:
_ لا، هو مش قدها، هو كبير شوية... بصراحة شويتين، بتقول قد عمرها مرتين مثلاً.
رمقتها "هدير" بشك من أمرها وصمتها أرعب "قُدس" جداً، لتتحاشى النظر لها بخوف وقالت بتوتر:
_ أنا نصحتها إنها متعملش حاجة لأن ده غلط أصلاً وحرام كمان.
_ برافو عليكِ وقوليلها كمان إن اللي قد عمرها مرتين ده مش هيشوفها غير طفلة بتلعب في الشارع، آخرها يجيبلها حاجة حلوة.
قالتها "هدير" بجدية حادة بقلق على فتاتها الصغيرة. تنحنحت "قُدس" بحرج ونظرت للتلفاز، و"هدير" تحدق بها وشك واحد جاء بعقلها أن صغيرتها عالقة مع أحد ويجب أن تمنعها من ذلك.
***
لطمت "خديجة" وجهها بهلع من حديث ابنها وقالت بخفوت خائفة أن يسمعها أحد:
_ يا نهارك مش فايت، قُدس يا عماد... قُدس مين يا ابن المجنونة اللي تتجوزها... دي عيلة، دي أصغر من ليل بنت اختك.
_ هتجوزها، عندي فيكِ وأبقى وريني هتمنعني إزاي ولا هتعرفي تقولي لحماتك مديحة لا إزاي، أنا قلتلها وهي وافقت وفرحت لي مش زيك.
قالها بضيق شديد.
دلف "الجارحي" من باب الشقة وهو يقول:
_ السلام عليكم، أزيك يا أمي.
قالها وقبل جبين والدته بحب واحترام، لمح دموع عينيها فسأل بقلق:
_ في إيه؟ مالك؟
_ تعال يا جارحي شوف الخيبة اللي أنا فيها، شوف أخوك اللي هيوديني كلنا وراء الشمس.
قالتها بحزن شديد، بينما "الجارحي" نظر إلى أخاه بفضول شديد مما فعله يغضب أمه هكذا، بينما "عماد الدين" كان يستشيط غضباً من "الجارحي" أخاه الأصغر وتذكر رسمة "قُدس" له وحب الجميع له في حين أن الجميع يشمئز منه، فقال:
_ عملت إيه يا عماد؟
دفع "عماد الدين" أخاه في كتفه وقال موجهاً الحديث لأمه بضيق:
_ أنا بقولك عشان تباركيلي مش تقفي في قصادي.
أمسك "الجارحي" وجهه بقوة وتحدٍ ثم قال بنظرة ثاقبة:
_ بقولك عملت إيه؟ وتباركيلي على إيه؟
أجابته "خديجة" بقهرة تعتصر قلبها وعقلها:
_ البيه أخوكي عايز يتجوز قُدس، العيلة الصغيرة.
احتدمت عينا "الجارحي" بصدمة ألجمته وقشعر قلبه من الاشمئزاز وهو يقول:
_ إنت اتجننت في عقلك يا عماد، قُدس دي عيلة، ده إنت قد أبوها ولا مش واخد بالك.
_ أنا هعمل...
قاطعه "الجارحي" بنبرة حادة صارمة وعينيه تهدده قبل إصبعه الذي رفعه في وجهه قائلاً:
_ إياك تفكر تفتح الموضوع ده تاني حتى بينك وبين نفسك قصاد المراية أو في الحمام، محدش هيقف لك غيري، قُدس أمانة جدك عندي وأمانة عمك هادي لحد ما يخرج من السجن.
_ عندك!! ومين بقى اللي وصاك عليها يا سي جارحي؟
قالها "عماد" بضيق شديد من تحدي أخيه له، ليجيب "الجارحي" بقوة وغضب ناري يكاد يلتهمه:
_ أبوها، روح مدرستها واسأل مين ولي أمرها هيتقالك الجارحي أبو النور، جرب تقرب منها ومحدش هيقفلك غيري وأنا اللي يقرب من حاجة في مسؤوليتي أمحيه من على وجه الأرض... إنت فاهم؟ أنا عمري ما خنت أمانة ولحد ما عمك هادي يخرج، قُدس في مسؤوليتي أنا.
ارتعبت "خديجة" من هذا التحدي القائم بين ابنائها وخصوصاً بعد مغادرة "الجارحي" غاضباً ومغادرة "عماد الدين" مصمماً على ما يريد.
***
استغلت "هدير" فرصة ذهاب "قُدس" إلى المدرسة ودلفت إلى غرفتها وبدأت تبحث في أغراضها ومكتبها وهي واثقة مما تشعر به، لتُصدم عندما وجدت رسمتها لوجه "الجارحي" وأثر الدموع عليها ومدون عليها كلمة "Love" مما جعلها تسقط على المقعد الموجود بجوار المكتب ولا تصدق أن الطفلة الصغيرة تحب هذا الرجل الحاد الذي يكبر بقدر عمرها. سمعت صوت "قُدس" بالخارج وقد عادت، فانتظرت حتى تنهي ترحيبها بجدتها "وصيفة" ودلفت للغرفة، وبمجرد أن رأتها "قُدس" في الغرفة هلعت وارتجف جسدها وهي تنظر إلى رسمة "الجارحي".
وقفت "هدير" من مكانها وصارت نحو "قُدس" وقالت بهدوء:
_ إيه ده؟
ابتلعت "قُدس" لعابها برعب وعينيها ترمق عمتها بخوف وجسدها ينتفض من الذعر، وزاد خوفها عندما مسكتها "هدير" من ذراعها بقوة وسحبتها نحوها بغضب قائلة:
_ بقولك إيه ده؟
تحدثت بتلعثم شديد خائفة وجسدها الصغير مرتجفاً بقوة:
_ والله غصب عني، أعمل إيه بحبه يا عمتو.
قاطعها صفعة قوية من "هدير" على وجهها مما أدهش "قُدس" ودمعت عينيها بغزارة واحمرت وجنتها، لتقول "هدير" بحدة:
_ دي تربيتي فيكِ، هاا!
دفعته "قُدس" بذعر وخوف تملكه منها وخرجت من الغرفة باكية بانهيار وتلتقط أنفاسها بصعوبة، ولأول مرة تضربها "هدير" أو أي شخص. فرأتها "وصيفة" وهي تبكي بانهيار وصوت أنفاسها عالي لا تقوى على التقاطهم، نادتها بقلق:
_ قُدس.
فتحت باب الشقة وهي تسمع "هدير" تنادي عليها من الخلف بغضب وخرجت من الشقة، لكن صدمتها لم تهدأ سوى بهزيمتها حين سقطت على الأرض فاقدة للوعي من هول الصدمة، مع نزول "الجارحي" من الأعلى غاضباً بعد مشاجرته مع أخيه ليراها في سقوطها، فهرع نحوها بفزع مع خروج "هدير" و"وصيفة" التي صرخت مع هزيمة الصغيرة.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني 2 - بقلم نورا عبد العزيز
فحصها الطبيب ووصف لها بعض الأدوية والفيتامينات لجسدها الضعيف.
خرج الجميع معه وظلت هدير معها في الغرفة، وقدس مختبئة في فراشها ومنكمشة في ذاتها تبكي في صمت.
تحدثت هدير بهدوء:
"الجارحي عارف حاجة عن الكلام ده؟"
"لا"، قالتها بصوت خافت خائفة.
سألت هدير من جديد قائلة:
"حد يعرف عن الموضوع غيري؟"
أنكرت أن ليل تعرف شيئًا بخوف من عمتها.
خرجت هدير من الغرفة تاركة الصغيرة وحدها.
دلف الجارحي للشقة وهو يقول بجدية:
"أنا بعت رجب يجيب لها الدواء من الصيدلية."
تحدث حمدي بهدوء قائلاً:
"ماشي يا ابني، روح أنت للمحلات شوف شغلك."
أومأ إليه بنعم وغادر.
نظر حمدي إلى ابنته وقال بحدة:
"تعالي يا هدير."
جلست ابنته جواره بقلق من والدها، وهو يميز قدس عن الجميع.
سألها بهدوء يكبح غضبه:
"أمك قالتلي أنكِ كنتِ عندها وخرجت قدس منهارة وبتعيط ووقعت من طولها وصوابعك معلمة على وشها، مين سمح لك تمدي إيدك عليها؟ ميهمنيش هي عملت إيه؟ قد ما يهمني مين اللي سمح لكِ تلمسيها؟"
"بابا أنا عايزة أنقل وصيتك لقُدس في المدرسة من جارحي ليا." قالتها بجدية.
حدق الرجل العجوز بوجه ابنته وقال وقد فهم أن ما حدث شيء له علاقة بالجارحي.
فسأل بحيرة:
"الجارحي عمل حاجة؟ زعلها أو تجاوز حدوده معها."
"لا معتقدش الجارحي تربيتي وأبوه أمام جامع وهو خريج أزهر وحافظ لكتاب الله، ميعملش حاجة غلط."
تنهدت بهدوء وقالت:
"شهادة لله معملش، لكن قدس مراهقة وفي سن خطر والخناقة اللي حصلت بينا عشان بتقول أنها بتحبه."
اتسعت عينا حمدي على مصراعيها من هول الصدمة وكيف لصغيرته أن تتعلق بحفيده الكبير.
ضرب عكازه في الأرض بخفة وقال بحدة صارمة:
"ولو ما يديكيش الحق أبدًا أنك تمدي إيدك عليها، لو اتكررت تاني اللي ينوله عماد تنوليه يا هدير، واللي تحصده أختك أسيا تحصديه. إياكِ تمدي إيدك على قدس مرة تانية. فاهمة."
أومأت إليه بنعم.
فوقف لكي يغادر المكان غاضبًا.
أخذ سيارته وذهب إلى أحد محلاته.
تأففت مديحة بضيق شديد وقالت:
"أنت غبي، مين قالك تروح تقول لأمك أنك هتتجوز قدس."
"أمال هتجوز من وراهم." قالها عماد بضيق شديد.
لتسخر منه مديحة وقالت:
"يا أغبي خلق الله، وأنت فاكر أنهم هيجوزوك قدس لو جبت ثقلها ذهب، دا قد عيالك، أتوكس. لا الموضوع مينفعش يستني، أمك راغية وهتنقل الخبر لأبوك بسرعة زي نشرة الأخبار والجارحي هيحطك في دماغه. لازم نخلص من الموضوع ده بسرعة."
"أيوه إزاي بقي، أخطفها وأكتب عليها." قالها بعجز وعدم فهم.
لتصرخ جدته من غبائه وقالت:
"ومين الحمار اللي هيكتب لك عليها، دي قاصر يا نن عين ديحة. مش بقولك غبي. اسمع اللي أقولك عليه تعمله بالحرف الواحد الليلة، فاهم. تعال."
كان الجارحي جالسًا على مكتبه في أحد المحلات ويفكر في هذه الصغيرة التي سقطت فاقدة للوعي أمامه.
أخرج هاتفه وأرسل لها رسالة:
"عاملة إيه دلوقتي؟"
كانت قدس نائمة على الفراش وبجوارها ليل التي سمعت بما حدث.
سمعت صوت الهاتف لتلتقطه ونظرت به ووجدت رسالة واتس منه.
لتجيب على رسالته وقالت:
"أحسن."
تحدثت ليل بتعب من عناد هذه الطفلة وقالت:
"بالله عليكِ تأكلي يا قدس، من الصبح وإنتِ على لحم بطنك."
جاءتها رسالة أخرى منه يقول:
"أكلم المدرسة آخد لك إجازة أسبوع ترتاحي."
"لا، شكرًا." قالتها بهدوء.
بينما ليل اقتربت لتجلس جوارها ورأت الرسائل فتبسمت بهدوء وقالت:
"عارفة يا بت يا قدس أنا لو مكانك، ما دام انضربت كده وبسببه والموضوع اتعرف هروح أقوله أني بحبه."
نظرت قدس لها بدهشة وقالت بخوف:
"إنتِ اتجننتِ."
استرخت ليل بجوارها وقالت بحماس:
"ما هي حلاوة الحب الجنان، احسبيها كده معايا خالتي هدير أكيد قالت لجدي وجدي هيقول لصفصف يعني الكل عرف ما عدا صاحب الشأن جارحي، طب خلاص فضيحة بفضيحة أقوله، على الأقل أخليه يبطل يشوفني عيلة وطفلة بيجيب لها الحاجة الحلوة."
نظرت قدس لها بقلق مما تقوله، في حين أن عقلها بدأ يوزن هذا الحديث بداخله.
جاءت رسالة أخرى من الجارحي وقال:
"أنا بعت للمدرسة أن بنتي تعبانة وهتاخد إجازة أسبوع عشان ترتاحي زي ما الدكتور قال."
نظرت للرسالة بغضب شديد، بينما ليل بجانبها تضحك بقوة وهي تقول:
"بنتي!! شوفتي هو شايفكِ في مقام بنته وإنتِ هنا يا حرام قاعدة شايفاه حبيب وهايمة في الحب من طرف واحد."
كزت قدس على أسنانها بضيق شديد وأرسلت له بغضب وصورة لإيموشن الغضب:
"بس أنا مش بنتك!!"
اتسعت عينا الجارحي على مصراعيها من هول الصدمة ورسالتها الغاضبة وهو لا يفهم سبب هذا الغضب.
وتذكر حديث عماد أخاه الذي يكبره ويتحدث عن زواجه بها وضحك بسخرية قائلاً:
"قال يتجوزها قال."
جاء أحد العمال إليه وقال:
"الحاجة اللي حضرتك طلبتها في العربية."
أومأ الجارحي بنعم ووقف من مكتبه ليغادر.
خرج من المحل إلى سيارته وأنطلق إلى المنزل.
وعندما وصل رأى عمته أسيا تجلس على الدرج الرخامي وتلعب في هاتفها فقال:
"عامل إيه يا عمتي؟"
"بخير يا ابن أخويا، والله بشوفك يا جارحي معرفش إزاي أنت تبقى أخوه الشيطان اللي جوا عماد ابن أخويا ده." قالتها بسخرية من حالهم.
فتبسم بخفة وقال:
"البطن قلابة يا عمتي."
دلف إلى شقة وصيفة وكان جده شاردًا بـ قدس.
وفور رؤيته ظل يرمق به بحيرة وكيف اختارت الطفلة الصغيرة هذا الرجل لتحبه.
"السلام عليكم يا حج."
"وعليكم السلام يا جارحي، عامل إيه؟" قالها بهدوء.
فأجاب الجارحي بجدية:
"الحمد لله، اليوم النهار ده كان هادي في الشغل شوية بس الحمد لله، قدس عاملة إيه دلوقتي؟"
نظر حمدي لحفيده بتوتر وقال:
"كويسة، طلعت فوق مع ليل قاعدين عند أمك خديجة."
"طيب أنا جبت لها الشيكولاتات والحاجة اللي بتحبها." قالها بعفوية ووضع الحقيبة جانبًا.
ليُصدم من رد فعل جده لأول مرة يقول:
"متتبقاش تجبلها حاجة تاني."
نظر الجارحي له بدهشة وقال:
"إيه."
"قدس كبرت يا جارحي ولو عاوزت أي حاجة هتعرف تشتريها، متتعبش نفسك." قالها حمدي بهدوء.
على عكس الجارحي الذي صدم من رفض جده المفاجئ له وهو من أوصاه عليها بعد سجن والدها.
أومأ إليه بنعم دون حديث ثم وقف من مكانه ليصعد إلى شقته.
فسمع صوت ضحكاتها حين وصل للطابق الثاني أمام شقة والده فؤاد.
فأكمل طريقه إلى الطابق الرابع حيث شقته ورن هاتفه برقم صديقه ياسر.
فأجاب عليه بلا مبالاة وهو يبدل قميصه:
"عامل إيه؟ أخبار الوظيفة الجديدة إيه؟"
"عشرة على عشرة تسلم يا صاحبي." قالها ياسر بحماس.
فأجاب عليه الجارحي وهو يلقي بجسده على الأريكة الموجودة في الصالة قائلاً:
"على إيه يا بني، أنت اشتغلت بمجهودك وشطارتك أنا بس رشحتك."
أومأ إليه بنعم ثم قال بجدية:
"عملت إيه؟ هتيجي تشوف العروسة اللي قلت لك عليها؟"
تنهد الجارحي بهدوء بخنق.
فكلما رأته أمه، طلبت زواجه وأحضرت له بنات الحي بأكمله.
فقال بهدوء:
"آه أهي جواز والسلام."
"يا بني الناس ما أنت اللي عندك الحب حرام والعلاقات حرام، الزمن ده محدش بيتجوز صالونات كده بس هي تنشيف الدماغ."
أجابه الجارحي بضيق من حديث صديقه هاتفًا:
"الحرام والشرع مفهوش الزمن ده والزمن اللي فات، الحرام حرام لحد يوم القيامة مبيتغيرش تحت مسمى الزمن ولا الجيل ده. سلام يا ياسر."
أنهى حديثه وأخذ حمام دافئ ثم ارتدى بنطلون أسود قطني وتي شيرت سماوي.
ثم نزل إلى شقة والده وحين فتح الباب رآها تجلس مع ليل وأمه خديجة تضمها بين ذراعيها ويشاهدون مسلسل الضوء الشارد.
تنحنح بلطف وقال:
"أحم. السلام عليكم."
"وعليكم السلام يا حبيبي." قالتها خديجة.
بينما اعتدلت قدس بحرج في جلستها وتذكرت حديثه عنها في المدرسة وأنها ابنه له.
فاستشاطت غيظًا.
تحدث بهدوء:
"بابا جوا."
أومأت خديجة له بنعم.
فاستدار لكي يدخل الغرفة لوالده وهو يقول:
"صحيح الحاجات اللي طلبتيها يا ليل إنتِ وقدس عند صفصف."
"تسلم يا جارحي." قالتها ليل بلطف.
بينما الأخرى كانت غاضبة.
دلف إلى غرفة والده ورآه جالسًا على الأريكة ويقرأ في المصحف.
وفور دخوله أغلق فؤاد المصحف بعد جلوس ابنه وقال:
"شكلك عايز تقول حاجة؟"
"آه الموضوع اللي كلمت ياسر عليه، إن شاء الله هنروح الخميس." قالها بهدوء.
فتبسم فؤاد بسعادة وقال:
"المهم البنت محترمة وبنت ناس كده وكويسة."
"آه متقلقش وبرضو لما نروح هتشوف دي تعارف وقبول." قالها الجارحي بحدة.
ليبتسم فؤاد وهو يربت على كتف أبنه وخرج من الغرفة بسرعة من الفرحة التي تغمره ينادي على زوجته:
"يا أم عماد يا أم عماد."
تحدثت خديجة بنبرة هادئة متعجبة فرحة زوجها ولهفته:
"أنا هنا يا فؤاد."
وضع يده حول عنق الجارحي وقال بحماس:
"يوم الخميس الجاي هنروح نخطب للجارحي."
تبسمت بحماس يغمرها ووقفت من مكانها.
لكن قاطع فرحتهما سقوط صينية على الأرض.
فاستدار الجميع وكانت صينية العصير من يد قدس.
التي وقع الخبر على أذنها كالصاعقة الكهربائية.
ونظرت ليل بصدمة ألجمتها لهما وهي تضع يدها على فمها من هول الفزع الذي أصابها.
تحدث فؤاد بلطف:
"ولا يهمك يا قدس و."
لم يكمل كلمته فبتر الحديث من الجميع سقوط قدس فاقدة للوعي من هول الصدمة.
وقلبها الصغير لم يتحمل هذا الخبر الذي قضى على حبها ومشاعرها الجميلة الكامنة بداخلها لأجله.
حملها فؤاد على ذراعيه ووضعها على الأريكة تحت أنظار الجميع.
نظر الجارحي إليها بقلق ووالدته تحاول إفاقتها مع قلق ليل وعمها فؤاد فقال بخوف:
"أطلب لها دكتور أو نأخدها على المستشفى."
"لا، مفيش داعي هي بس تعبانة من امبارح وإحنا عارفين." قالتها ليل بقلق.
وهي الوحيدة التي تعرف ما أصاب الصغيرة.
استعادت وعيها بعد محاولة خديحة وعينيها تتلألأ بها الدموع.
فاعدلت رغم ضعف جسدها وقالت:
"أنا هنزل بيتي."
ترجلت وهي تسند على ليل.
وفور خروجهن من الشقة انفجرت باكية بأقصى درجات الوجع وجلست على الدرج بحزن شديد لتقول:
"هي هتتجوز يا ليل، أصلًا هدير كان عندها حقها هو شايفني عيلة قصاده وكمان ممكن يكون مش شايفني أصلًا، هو أنا وحشة."
"إنتِ صغيرة." قالتها ليل بجدية وحكمة.
فـ نظرت قدس لها بحزن شديد.
لتتابع ليل الحديث بلطف قائلة:
"مش قصدي أزعلك بس إنتِ صغيرة قوي يا قدس عليه، وعشان كده هدير مستوعبتش الصدمة وضربتك ومحدش هيستوعب اللي إنتِ بتقوليه حتى الجارحي نفسه مستحيل يستوعبك، اللي إنتِ بتقوليه ده شيء غير مباح، أنا آه بحب ومن وراهم لكن بحب حد من سني، حد لو جه يتقدم هيتقبل عادي لكن إنتِ مستحيل."
ظلت تبكي بانهيار شديد وهي تضع يديها على وجهها الصغيرة بحرقة ووجع يعتصر قلبها الضعيف من مشاعر حبها.
في الجامعة الأمريكية كانت تجلس ليل في الكافتيريا مع عمران وتنظر في هاتفها باهتمام لتقول:
"أعمل إيه طيب؟ ما هي منشفة دماغه."
تحدث عمران بجدية وعينيه ترمق فتاته الجميلة قائلاً:
"أيوه بس في حاجات مينفعش فيها تنشيف الدماغ ومن كلامك على الجارحي فهمت أنه مش بس كبير في السن عنها لا دا كمان شخصية ووقار وهيبة يعني مستحيل يبص لعيلة."
رفعت ليل نظرها عن الهاتف إليه وقالت بحزم:
"قصدك إيه؟"
ارتشف القليل من كوب الشاي الخاص به ثم قال مجيبًا عنها:
"قصدي لو كان فلاتي زي أخوه عماد وبتاع بنات، أتحداكِ أنه كان هيوافق عليها لأن لما شوفت قدس هي عندها جمال يجذب أي راجل ومش هيهتم بسنها لكن اللي زي الجارحي ده هيحسبها بالمنطق والعقل ومش هيبص لجسمها ولا جمالها عشان متدين شوية وحرام وهيغض البصر والمجتمع هيقول أنه هيتجوز بنت قد عياله فـ هتبقي مستحيلة، لكن لو كان عماد والله ما هيهتم بأي حاجة لو عجبته."
وضعت ليل يدها على وجنتها بحيرة من أمرها وقالت:
"والله البنت صعبانة عليا قوي، معرفش ليه ولا إيه الحكمة إن ربنا يبتليها بحب من طرف واحد مع الجارحي؟ محدش بيعرف الغيب، لكن فعلاً يا عمران صعبانة عليا قوي ومش عارفة أعملها حاجة وصحتها من ساعة ما عرفت أنه هيخطب في النازل وقاطع الأكل، خايفة يجرالها حاجة وهي ولا أم ولا أب ولا أخوات حتى وعمتي هدير شديدة قوي عليها."
"هتتحل يا حبيبتي متقلقيش، ربك هيحلها من عنده." قالها عمران وهو يأخذ يدها في يده يطمئنها ويربت عليها بحنان.
فوقفت بتعجل وهي تقول:
"أنا لازم أمشي عشان ألحق أجهز ومتأخرش عليهم، بليل لما نرجع من عند العروسة هكلمكم ويارب ما تعجب الجارحي ولا ديحة، أنا حاطة أملي كله في ديحة، لو معجبتهاش مش هتوافق على الجوازة. سلام يا حب."
غادرت متعجلة لتصعد بسيارتها مع السائق الذي عاد بها مسرعًا إلى العمارة.
فوجدت رجل من عمال جدها يجلب الهدايا من السيارة فقالت بتمتمة:
"كل دي هدايا للمحروسة، يارب الجوازة دي ما تمد."
لـتتجه إلى شقة مديحة وقالت:
"صباح الخير. عاملة إيه يا ديحة؟"
"بخير يا نن عين ديحة، أخبارك إنتِ إيه يا ليل؟" قالتها مديحة بحنان.
لتجلس ليل جوارها وتحدثت بمكر:
"بقولك إيه يا ديحة، إنتِ شوفتي العروسة؟ حلوة يعني؟"
أجابتها مديحة بجدية:
"مشوفتش يا أختي، بس والله لو طلعت قفلة زي الواد جارحي ده ما هجوزهاله."
تحمست ليل وهي تلقي بكتبها على الأريكة وقالت بسعادة:
"أحبك يا ديحة وإنتِ مسيطرة، بس دي اختيار جارحي مش هتبقى حاجة غير قفلة زيه وبعدين لما كنت عندهم كان عمي فؤاد ومراته فرحانين جدًا وشكلهم وافقوا خلاص."
ضحكت مديحة بسخرية وهي ترتشف القليل من كوب الشاي بالنعناع وقالت:
"مفيش حد بيدخل البيت ده غير بأمري، أنا هنا ست البيت، جدك حمدي لما جه يتجوز العقرب المصدية اللي اسمه وصيفة مقدرش يعملها غير بموافقتي، تقوليلى عمك فؤاد موافق. لا هو له لازمة ولا مراته ليها لازمة، هنا أنا وبس اللي بقرار، يلا قومي من وشي عكرتي دمي."
ضحكت ليل بعفوية ووقفت من مكانها وهى تقول:
"أنا داخلة أصحّي أمي تشوف لي حل معاكِ أنا تعبت منك يا ديحة."
ضحكت مديحة على حفيدتها.
أخرجت هاتفها وأتصلت بـ عماد وقالت:
"ها عملت إيه يا واد، أخوك جارحي هيخطب وأنت قاعد."
"هعمل اللي اتفقنا عليه النهاردة وتبقي الفرحة فرحتين، أهو أبوه وأمي يفرحوا لعيالهم سوا." قالها عماد بصوت شبه نائم بسبب سهره طول الليل في الملاهي الليلي.
أغلق معها الهاتف وأكمل نومه.
دلفت هدير إلى غرفة قدس مرتدية بدلة نسائية زرقاء ومستعدة للذهاب إلى العروس معهم.
كانت تعلم أن فتاتها الصغيرة مريضة وحزينة وموجوعة بهذه الليلة.
رأتها ترتدي فستان أزرق اللون يظهر مفاتن جسدها وقصير جدًا وحذاءها ذو الكعب العالي.
شعرها الأسود الناعم مسدول على ظهرها وأكتافها وترتدي حول عنقها قلادة من الذهب تحمل اسمها "قدس" وتضع أحمر الشفايف، لكن وجهها حزين جدًا.
اقتربت هدير منها وقالت:
"قدس لو تعبانة ممكن تقعدي هنا مع عمتك أسيا هى مش هتيجي معانا وكمان ليل."
هزت رأسها بلا وهى فضولية جدًا لمعرفة هيئة الفتاة التي جذبته وفضلها.
رغم وجع قلبها الصغير لكن الفضول يقتلها.
تبسمت هدير وهي تلتقط منديل من فوق التسريحة ومسحت عنها أحمر الشفايف وقالت:
"ماشي بس متحطيش مكياج إنتِ لسه صغيرة."
دفعته قدس بغضب سافر وقالت:
"أنا مش صغيرة."
ذهبت من أمامها وهدير مندهشة تمامًا من تصرفات قدس مؤخرًا.
وهي تتمرد عليها كلما قالت أنها صغيرة، وكأن الفتاة تصبو نحو الكبر بسرعة جنونية وتسابق الزمن رغمًا عن القدر.
خرجت قدس من الشقة لترى عماد ينزل من الأعلى.
وعندما رآها اتسعت عينه بأنبهار من جمالها البرئ ونعومتها.
تسارعت نبضات قلبه لأجل الصغيرة وفستانها الجاذب يصل لركبتها ويظهر نحافة قدميها الناعم.
رفعت يدها تضع خصلات شعرها خلف أذنها مع نزول الجارحي ليرى أخاه يقف يحملق بها بإعجاب.
فاحتدت عينيه وقال:
"يلا يا عماد."
"مالكش دعوة بيا." قالها عماد بحدة.
رفعت قدس عينيها إلى الدرج من صوتهما لتراه وهو يقف مرتدي بدلة رمادية وقميص أسود وبكامل أناقته ووسامته.
تسارعت دقات قلبها بحزن وهي تراه بكامل أناقته لأجل عروسته.
لكنها كبحت حزنها وتبسمت.
فقال بهدوء:
"تعالي يا قدس أركبي في عربيتي."
أجابته بتمرد شديد وغاضبة جدًا منه قائلة:
"لا، أنا هركب مع ابيه عماد."
تبسم عماد بمكر إلى أخاه ومد يده إلى قدس التي مسكت يده ببرود وأخذها للخارج.
وكانت سيارة حمدي تقف أمام العمارة وتجلس بداخلها زوجاته مديحة ووصيفة.
وخلفها سيارة الجارحي يجلس بها والده فؤاد وزوجته خديجة.
وبالخلف سيارة عماد فصعدت بها قدس.
ثم جاءت هدير وركبت معهم مما أزعج عماد جدًا لكنه التزم الصمت.
انطلقوا جميعًا إلى منزل العروسة.
ورحب الجميع لكن قاطعهم سؤال والدة العروسة التي قالت:
"والجميلة الصغيرة دي أختك يا جارحي."
تحدثت مديحة بنبرة حادة صارمة:
"لا، بنت عمه هادي، بس مجاش معانا أصله مسجون بعد عنك، ادعيله ربنا يفك كربه قريب."
نظر الجميع إليها وكأنها تقدم سبب للطرف الآخر بالرفض.
وهي في الواقع أرادت إذلال وصيفة وهي تتحدث عن ابنها.
فتنحنح والد الفتاة بلطف وصمت الجميع.
حتى خرجت العروس فتاة جميلة في كامل أناقتها وتضع القليل من مساحيق التجميل كأي عروس.
ترتدي فستان أزرق اللون وتلف حجابها الأبيض الذي يظهر القليل من غرتها البنية التي أظهرت للجميع لون شعرها البنية.
انزعج الجارحي من طريقة لبسها للحجاب بالأسم فقط وعنقها يظهر منه القليل وشعرها.
لكنه كبح غضبه وغض البصر عنها.
جلست ومعها أخاها الأصغر الذي رمق قدس بإعجاب وقال:
"إنتِ أخته."
قاطعه عماد بحدة صارمة وهذا الفتى الصغير يغازل حبيبته الصغيرة:
"لا، ومتصبلهاش عشان بتتكسف."
كانت قدس تجلس بجوار عماد ووصيفة وتنظر فقط إلى العروس.
وعقلها يبكي.
فماذا بها أفضل منها ليفضلها عليها.
أم أنه لم يفضلها من الأساس وهو لا يعلم أن هناك صغيرة تحترق بنار عشقه في الداخل.
وقف حمدي ينهي اللقاء وقال:
"إن شاء الله هنستني ردكم وشرف ليا معرفتكم."
رحب الجميع بهم وغادروا.
نزلا الدرج قليل فهمست مديحة إلى عماد في أذنه بمكر شيطاني:
"الليلة يا عماد فاهم."
أومأ إليها بنعم وعينيه على قدس التي تنزل في يد جدها حمدي.
ثم تابعت بحدة:
"إياك تغلط، جدك لو حس بمكر هيطير رقبتنا كلنا، أنت عارف غلاوة قدس ومكانتها عنده."
أومأ إليها بنعم.
عادوا للمنزل جميعًا وذهب كلنا منهم إلى شقته.
بينما صعدت قدس إلى مكانها المفضل في الوحدة.
فوق السطح جلست على الأريكة حزينة ونظرت للسماء.
فشعرت بالقليل من البرد بسبب فستانها ونسمات الهواء الباردة.
جاءها عماد يحمل في يده كوب عصير الفراولة لها وقال:
"الجميل قاعد لوحده له."
اعتدلت في جلستها بأحراج شديد يتملكها منه وقالت:
"مش جايلي نوم."
قدم لها العصير فوضعته على الطاولة ليبتسم بلطف وجلس جوارها.
وضعت يديها على ذراعيها من البرد لينتبه أنها باردة.
تحدث بنبرة دافئة:
"سقعانة؟!"
أومأت إليه بنعم وقالت بخفوت:
"شوية."
"طب اشربي العصير وأنا هنزل أجيب لك بطانية أو شال من تحت."
أومأت إليه بنعم ليغادر السطح.
رآه الجارحي وهو ينزل الدرج مما زاد غضبه.
والجميع يعلم أن منطقة السطح خصصها حمدي لحفيدته الجميلة.
صعد للأعلى ليتأكد أن الصغيرة بالأعلى ورآها تجلس على الأريكة.
تحدث بنبرة خشنة وقوية أرعبتها:
"عماد كان هنا ليه؟"
وقفت من مكانها بدهشة من قدومه لهنا لأول مرة.
رمقته بحزن وقلبها كالبركان المُلتهب الذي انفجر للتو بقدومه يحرقها بناره ولهيبه.
أقترب منها أكثر وهو يكرر حديثه بحدة أكثر:
"عماد كان هنا ليه؟"
ابتلعت لعابها بخوف من نبرته وتوترة جدًا حتى ظهر توترها في تلعثمها في الجواب حين قالت:
"أنا.. هو طلع. كان بيجبلي عصير."
نظر إلى كوب العصير وكان فراولة.
فتنهد الجارحي بضيق شديد وأخذ الكوب وهو يقول:
"مقولتلهوش ليه أن عندك حساسية من الفراولة وممكن حبة واحدة تقتلك هاااا."
صرخ بها بخوف وهو يدرك مرضها وحساسيتها الشديدة من الفراولة.
فـ انتفضت بفزع من صراخه وقالت بعناد شديد:
"إنت مالك، أنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه كويس؟"
كز على أسنانه بغضب وصوت صرير أسنانه أرعبها وجعلها ترجع خطوة للخلف من الخوف منه.
بينما قال بحدة صارمة:
"لا، صغيرة وعيلة متعرفش حاجة عن اللي حواليها. أبعدي عن طريق عماد أحسن لك يا قدس."
ارتشف كوب العصير أمامها حتى يتأكد بأنها لن تشربه بعنادها وتؤذي نفسها.
ثم نزل إلى شقته.
رن هاتفها كثيرًا برقم ياسر.
فـ زاد غضبه وهو يتذكر الفتاة العروسة وطريقة لبسها وحجابها وصديقه وضع في موقف محرج أمام الجميع.
فلم يجيب ونفث غضبه بكوب من عصير البرتقال في ثلاجته وجلس على الأريكة ينزع رابطة عنقه بخنق.
بالأعلى كانت تحترق من الغضب ورأت عماد يأتي وفى يده عباءة مفتوح ليقول:
"ليل أدتني دي."
ارتدتها بضيق.
بينما نظر عماد إلى كوب العصير وفرح جدًا أنها شربته.
ثم أقترب خطوة منها وقال:
"قدس أنا."
قاطعه صوت جده حمدي الذي جاء ليطمئن على الصغيرة وهو يعرف أنها حزينة وموجوعة الآن بسبب حبها إلى الجارحي.
يقول:
"بتعمل إيه هنا؟"
التف عماد بفزع من صوت جده وقال:
"أنا."
"أمشي غور على تحت وإياك رجلك تخطي هنا تاني، هقطعهالك فاهم." قالها حمدي بحدة وتهديد.
ليؤمأ إليه عماد بنعم ثم ترجل للأسفل.
أقترب حمدي من صغيرته الجميلة وقال:
"مالك يا حبيبتي؟"
"كويسة يا جدي مفيش حاجة." قالتها بلطف وبسمة مزيفة تنير وجهها الجميلة.
فضمها إليه وقال:
"أنا جنبك يا قدس، جنبك ومش هسيبك أبدًا."
دمعت عينيها بحزن شديد وطوقت جدها بضعف تخفي جسدها الضئيل في صدره.
ثم قالت بلطف:
"قلبي حزين يا جدو."
تبسم بلطف وأخذها إلى الأريكة وجلس جوارها ثم قال:
"أحكيلك حكاية. زمان لما حبيت صفصف جت قولت لأبويا أنا عايز أتجوزها وبحبها، ضربني كف عمري ما هنساه وقالي بتحب عيلة من دور عيالك، وجوزني ستك ديحة بنت أخوه بالعافية وعشت معها وخلفت عملك فؤاد ومقدرش أخلف منها تاني لأن برضو حب صفصف كان بيزيد جوايا وساعتها بس قررت أتجوزها وأحرب عشان البنت اللي بحبها وأتجوزتها غصب عن عين أبويا وخلفت منها أبوكِ هادي وبعدها خلفت أسيا من مديحة ما خلاص حب عمري بقي معايا وخلفت بعدها هدير، الحب ملهوش سلطان لكن لكل حاجة وقتها. آه في الأول مكنش ينفع أتجوز صفصف عشان لسه عيلة لكن أول ما كبرت وبدأ يجيلها عرسان أتجوزتها لأن حجتهم فأنها صغيرة خلاص. كل حاجة بوقتها يا قدس بتختلف كتير."
كانت تستمع لحديثه باهتمام.
وبعد أن أنهى الحديث قالت:
"حضرتك بتقولي كده ليه؟"
"عشان هدير حكت لي، مبلومكيش أنكِ حبتيه لكن حقيقة أنكِ لسه صغيرة مش هتتغير. ركزي في مذاكرتك ومستقبلك وبعدها يحلها حلل، أوعدك لو خلصتي جامعتك وجارحي متجوزش هجوزهولك غصب عن عينه وعين أي حد. لكن دلوقتي نركز في مذاكرتنا، اتفقنا."
أومأت إليه بنعم ليغادر السطح تاركها خلفه.
وهي تفكر في حديثه وتذكرت حديث ليل حين أخبرته أن تعترف بحبها وتترك العواقب للقدر.
تبسمت بشجاعة وقالت:
"أنا هقوله وهطلب منه يستناني لحد ما أخلص جامعة ومش هبقي صغيرة."
ترجلت إلى شقته بتوتر ويديها ترتجف رغم قلبها الذي يتراقص على أوتار ضلوعها.
وجاءت اللحظة التي انتظرتها منذ أن تسلل حبه إلى قلبها الصغير.
دقت الباب بخفوت وتوتر شديد جعل وجنتيها تتورد خجلًا.
"أعمل إيه يا ديحة، جدي طب عليا؟" قالها عماد بضيق شديد وتوتر.
فضربته مديحة بخوف على كتفه وقالت:
"أنت عارف لو المنشط مفعول ظهر وجدك معاها هيعمل فينا إيه وخصوصًا أنها هتقوله أنك جبتلها عصير."
"دا اللي راعبني، المنشط قوي جدًا ومخدر."
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث 3 - بقلم نورا عبد العزيز
فتح باب الشقة ليرى "قُدس" تقف أمامه متوترة، وعيناها تتحاشي النظر إليه من الخجل ووجنتيها حمراء كالفراولة من حياءها.
سألها بدهشة من قدومها إلى شقته لأول مرة:
- في حاجة يا قُدس؟
- ممكن أتكلم معاك، أنا عندي مشكلة؟
قالتها بتلعثم شديد. نظر إلى أرتجافها وعلم أنها تخفي شيء كارثي، فقال بحدة:
- طب أطلعي فوق وأنا هغير هدومي وأجيلك.
أستدار ودلف إلى الداخل رافضًا دخولها إلى شقته باتًا، ورأسه تشعر بدروان خفيف ورعشة في جسده، أعتبرها من الإرهاق.
لكنه صُدم عندما سمع صوت غلق الباب وهى خلفه تتحدث قائلة:
- أبيه.
ألتف بدهشة من دخولها إلى شقته وهو يعيش وحده، وأقترب منها غاضبًا يقول:
- أطلعي برا، وقولتلك هجيلك.
وقفت خلف الباب بعنادٍ وتحدٍ، وهى تعلم أنه لن يلمسها أبدًا، وقالت بشجاعة تغمرها بقوة:
- أبيه أنا بحبك.
فزع من كلمتها وأتسعت عينيه بصدمة ألجمته، ليعود خطوة للخلف وعيناه تحدق بعينيها الخضراء بصدمة، وكأن كل أطرافه شلت مكانها من كلمتها. كلماته رفضت الخروج من حلقه من شدة الصدمة، وكأن الشمس ظهرت من الغرب الآن.
تحدثت بصدمة:
- أي؟
تخلت عن الباب بظهرها وأقتربت نحوه بضعف، وقلبها يسيطر عليها الآن بخفقانه المجنون لأجله، وقالت بدفء ونبرة صادقة بريئة:
- بحبك.
أتسعت عينيه على مصراعيها من هول الصدمة التى ألجمته وجمدت لسانه. أرتجف صدره بقشعريرة الأشمئزاز، وعينيه تحملق بها بقوة، ثم قال مُتلعثمًا من ربكته:
- إنتِ واعية إنتِ بتقولي اى؟
هزت رأسها بنعم موافقة على هذا الحديث، واعية بعقلها بما يتفوه به لسانها. دقات قلبها تخفق بجنون بين ضلوعها الصغيرة. ثم وضعت يديها على صدره بدلال تقول:
- واعية جدًا يا ابيه جارحي، أنا بحبك وكل دقة في قلبي مجنونة بيك وعقلي مبيفكرش غير فيك.
ضحك ساخرًا وهو يقول:
- ولازمتها أى ابيه وسط القرف اللى بتقوليه دى يا قُدس هانم؟
- يا أبيه أنا...
وضع سبابته في وجهها يمنعها من الحديث بتحذير، وعينيه يتطاير منها الشر نحو الفتاة الصغيرة، وقال مُقاطعًا إياها:
- بلا ابيه بلا زفت، أنا لو سمعتك بتقولي الكلام دا تاني هقطم رقبتك، مبقاش ألا حتة عيلة مفعوسة زيك تتكلم عن الحُب والغرام.
نزعت سترتها عن جسدها الضئيل لتظهر فستانها الأزرق القصير الضيق على جسدها، يظهر مفاتن جسدها الطفولي، وهى فتاة لم تتجاوز السادسة عشر عامًا في عرين مراهقتها، وشعرها الأسود الحريري مُسدول على الجانبين يزيدها جمالًا.
اتسعت عينيه على مصراعيها أكثر من تصرفها وهى تحاول إغراءه بجسدها، فأقترب نحوها بعد أن انحنى يجلب السترة ليُلبسها إياها من جديد. لكن من إنحناءه شعر بدوران في رأسه، ليمسك ذراعها من الصداع.
فسألته بقلق:
- أبيه جارحي... أنت كويس؟
- قُدس!!!
قالها بتلعثم وصوت مبحوح مع أنفاسه العالية التى تشق طريقها للخروج. فنظر إلى كأس العصير وتذكر عصير الفراولة الذي قدمه "عماد" لها وحديثه عن الزواج بها بالاكراه، وجسده الذي يحترق. ليترجم عقله أن "عماد" صنع الفخ للصغيرة وهو من وقع به.
خدره بمنشط، فدفعها بقوة قبل أن يفقد سيطرته كاملًا:
- أطلعي برا.
دمعت عينيها بخوف من القلق عليه، واقتربت أكثر وهى لا تفهم سبب هياج جسده، وهو يفك أزرار قميصه من نار جسده. وضعت يدها على كتفه بقلق وتناديه قائلة:
- أبيه أنت كويس؟ أطلبلك الدكتور.
صُدمت بفزع حين جذبها من ذراعها بقوة إلى احضانه بالقوة، وهى تصرخ بذعر وخوف وتقول:
- أبيه... لا أنا قُدس.... أبيه أرجوك....
فتح عينيه بصعوبة من التعب ليُصدم عندما وجدها بجواره بفستانها الممزق وهو عاريًا، والفتاة غائبة عن الوعي.
فتمتم بفزع:
- يا نهار أسود... قُدس.. قُدس.
لم تُجيب عليه. ارتدى ملابسه سريعًا وحملها إلى المستشفى بخوف عليها، هذه الفتاة الصغيرة التى تركها جده أمانة لديه حتى يخرج والدها من السجن. فتاة لم تبلغ السادسة عشر، ذنبها الوحيد أنها وقعت فريسة في طريق الجارحي صاحب الثلاثون عامًا.
خرج الطبيب صديقه من الغرفة وقال:
- أنت اللي عملت فيها كدة؟
- هي حصلها اى؟
قالها "جارحي" بفزع ويديه ترتجف بقوة.
ليُجيب صديقه قائلًا:
- دا اغتصــ ـاب يا جارحي ولقاصر... أنت اللي عملت كدة؟
أتسعت عينيه وهو لم يرتكب جريمة بهذه البشاعة من قبل. تلوثت طاهرته بسبب غدر أحدهم الذي وضع المخدر له. أحدهم سلب طاهرته وسرق عذرية فتاة بريئة بطريقة بشعة.
فتمتم بغضب:
- هم!! محدش غيرهم عملها عائلة أبو النور اللي عملوها ولازم يدفعوا الثمن.
- أيوه بس في بنت جوا اتعرضت لهتــ ـك عرض، وأنا للأسف بلغت البوليس يا جارحي...
قالها صديقه وهو لا يقوى على خيانة القسم الذي اقسم به من أجل صديقه. لم ينهي جملته سوى ووصل ضابط الشرطة أمامه يتهمه بجريمة لم يكن يومًا يرتكبها، وهو ابن لإمام جامع وتخرج من جامعة الأزهر وحافظًا لكتاب الله، لكن غدر البشر أصابه بسهمٍ مسموم بالندالة والغدر والمكر.
في الداخل كانت "قُدس" في حالة صدمة، وما حدث يتكرر أمامها بذعر. سحبها بقوة إلى أحضانه وأنهل عليها بقبلات القوة، وهى تترجاه أن يتوقف:
- أرجوك... أبيه أنا قُدس.
لم تقوى على الصراخ بين يديه، ويديه تسلل إلى سحاب فستانها، لكنه كان يقاوم. فدفعها من جديد بعيدًا عنه وقال بصعوبة بعد أن سقطت على الأرض من الوجع وحرارة جسده:
- أهربي مني يا قُدس.
حاول الفرار منه بخوف يتملكها الآن، لكنه سحبها من جديد من قدميها وحملها رغمًا عنها، ليتذوق شفتيها الناعمة يمنعها من الصراخ أو الحديث، وقبضتيها الصغيرتين تضربه بقوة حتى أسقطتها على الفراش.
وبدأ يقبل عنقها ويقول:
- سامحيني... العصير السبب.
- أبيه أنا قُدس حرااام.
قالتها بضعف ودموعها تنزل على وجنتيها بحرارة، وترتجف بقوة من قوته البدنية وجسدها الصغير ضعيفًا جدًا أمامها. صرخت بفزع حين مزق فستانها.
بدأت تلهث بقوة حتى حقنتها الممرضة بالمهدأ. وفهمت خبث "عماد" مع ذكرياتها، وأنه من فعل هذه الكارثة وحتما وضع شيء في العصير بقذرته. لتجهش في البكاء بقوة.
دخل عليها ضابط الشرطة وقال بهدوء:
- عاملة أى دلوقت؟
لم تتحدث معه وأنكمشت في ذاتها.
ليقول ببسمة خافتة:
- أنا هنا عشان أساعدك وأجبلك حقك من اللي أذاكِ.
بدأت ترتجف بقوة، وهى لم تفهم قدر الأذى الذي لحق بها.
ألتف الجميع على صوت ارتطم شيء قوي، وكان العسكري سقط على الأرض من ركلة "الجارحي". ووجهه يتطاير منه الشر والغضب. ألم يكفي ما حدث به وطاهرته الذي نجسها أخاه بقذرته، والآن الصغيرة؟
تحدث الضابط بغضب سافر:
- أنت اتجننت؟ أنت هنا متهم؟
- أعلى ما في خيالك أركبه.
قالها بحدة صارمة. ثم أقترب منها، ولأول مرة يخالف مبادئه وطاهرته حين حملها على ذراعيه بملابس المستشفى. تشبثت بعنقه بضعف رغم خوفها.
فوقف أمامه ضابط الشرطة يمنعه وقال:
- أنا هنا عشان أقبض عليكِ.
رفع "الجارحي" رأسه بغرور شديد وقال بحدة صارمة لا يهاب شيء:
- أنا اسمي الجارحي أبو النور. انزل الأزهر أو الغورية وألف من يدلك عليا، لكن دلوقتي أنا لازم أرجع البيت ترتاح زي ما الدكتور أمر.... وهى أهم مليون مرة منك أو حتى مني.
أقترب ضابط الشرطة منه بعنادٍ وكطيف يسمح لمهتم بأن يأخذ المجني عليها أو يتطاول عليه بالحديث، فقال:
- أنت مكانك السجن.
نظرت إليه بفزع وكيف يعاقب على شيء من غدر البشر. من واجبه عليه المعاقبة هو "عماد الدين" الذي ألحق بهم هذا الفخ.
فقالت بهمس وصوت مبحوح:
- بس هو معملش حاجة.
نظر الضابط لها بدهشة، وتنهد "الجارحي" بهدوء وعقله على وشك الانفجار من هذا الذنب الذي أرتكبه.
ليسألها الضابط من جديد:
- متأكدة أن مش هو اللي عمل كدة؟ طب مين؟
دفنت رأسها في عنقه بخوف من هذا الرجل الذي يتحدث عما حدث بلا مبالاة، وهو كارثة لحقت بها.
أبعده "الجارحي" عن الطريق وقال:
- عن إذنك يا حضرة الضابط.
لم تكن تريده أن يذهب للسجن كوالدها ويتركها كما تركها والدها وحيدة. فلن يبقي لها أحد.
عاد بها للمنزل، وكانت "هدير" استيقظت، وهكذا "وصيفة". ليخبرهم فأسرعوا لها.
وقالت "هدير":
- حصل أي؟
كانت خائفة جدًا مما حدث، وكيف تخبرهم بما حدث بها. فقالت:
- مفيش، أغمي عليا على السلم وأبيه وداني المستشفى.
ضمتها "هدير" بلطف وأخذتها للداخل. سحبتها من بين ذراعيها، وهو يحدق بالصغيرة وما زال لا يصدق بأن هذا حدث، ولأول مرة تدخل بين أحضانه أو يلمس فتاة.
صعد كالمجنون إلى شقة والده، وكان "عماد" يجلس على السفرة يتناول الإفطار. فأنقض عليه يلكمه بقوة حتى نزفت الدماء من وجه "عماد الدين" من قوة "الجارحي"، وضربته تحمل الوجع والأشمئزاز الذي بداخله.
خرجت "خديجة" و"فؤاد" على صوت الشجار وصراخ "عماد". وصعدت "مديحة" و "وصيفة" على الصوت.
سحبه "فؤاد" بعيدًا عن أخاه وقال:
- في أى أنت اتجننت يا جارحي؟
صراخ بالجميع وعقله لا يستوعب ما حدث:
- أنا اللي اتجننت ولا ابنك النجس هو اللي اتجنن....
- حصل أي؟
قالتها "مديحة" بفضول وخوف.
ليقول بعناد وهو يحدق بها:
- إنتِ السبب، لكن لا، وعزة وجلالة الله ما هتجوزها يا عماد لو انطبقت السما على الأرض.
نظر الجميع بذهول، وعن من يتحدث. فتنحنح "عماد" بخوف بعد صعود "حمدي" ليقول:
- أنت مالك يا جارحي؟
لكمه مرة أخرى وسط صراخ الجميع وقال:
- قُدس لا، أنت فاهم لو حكم الأمر أني أقتلك هقتلك، لكن جواز من قُدس لا.
أتسعت أعين الجميع وأولهم "حمدي" الذي صعق من الحديث، وكيف لرجل في منتصف الثلاثينات أن يرغب بزواج من طفلة في السادسة عشر.
دمعت عيني "الجارحي" بضعف وخوف من الآخرة وقال بتهكم:
- حرام عليكم... نجاستوني بزبالتكم، وسختوني بذنب لو عيشت عمري كله أكفر عنه عمر ربنا ما هيسامحني يا شوية شياطين... لكن لا، وعزة وجلالة الله واللي خلقني وخلقكم لأدفعكم كلكم ثمن الذنب دا وما هيعز لا قريب ولا غالي لأني معزتش على حد.
غادر المكان ولم يفهم أحد على ما يتحدث، وأي ذنب أرتكبه.
لكن نظر الجميع إلى "حمدي" وهو يفكر في شيء واحد، زواج "عماد الدين" من "قُدس"، وكيف فكر بها هكذا.
***
كانت حزينة وباهتة مما حدث، لا تذهب لدروسها ولا مدرستها، منقطعة عن الطعام وسجينة غرفتها تدعي المرض. لا تعرف ماذا سيحل بها الآن. لا تتحدث مع أحد وتلاشت بسمتها العفوية وقتلت روحها البريئة.
حاولت "ليل" مرارًا أن تتحدث معها، لكنها رفضت وكبحت حزنها ووجعها بداخلها. أم "الجارحي" كان يسمع أخبارها من "ليل" و"حمدي" في الحديث دون أن يسأل حتى لا يلفت الأنظار له. يعلم أنها ضعيفة وحزينة ولم تتوقف عن البكاء، وباتت ذابلة. لكنه لم يجرأ على الحديث معها أو الاطمئنان.
خرجت من غرفتها بعد أسبوعين من الحادثة لأول مرة، ولا تقوى قدماها على حملها لتقول:
- عمتو.
نظرت "هدير" لها بحماس وفرحة تغمرها، وأخيرا الصغيرة تحركت. فقالت بلطف:
- يا روح عمتو، تعالي يا قُدس.
- أنا عايزة أروح أزور بابا.
قالتها بضعف. ففهمت "هدير" أنها الآن لن تبوح لأحد سوى والدها، فأومأت إليها بنعم لتعود الصغيرة إلى غرفتها.
***
كان "عماد" جالسًا في ملهي ليلي مع أصدقائه وحزين على فراقها، وهو لم يلمح طيفها منذ أسبوعين.
وقال بوجع:
- وحشاني يا عادل.
- يا عم كبر دماغك، العيلة كلها دلوقتي عرفت وجدك وأبوك مستحيل يجوزهولك، وبعدين ما حواليك البنات زي الرز ومن الجمال مفيش اتنين محبيكتش يعني فراشتك الصغيرة.
ضربه "عماد" بضيق شديد وقال:
- يا غبي، البنات اليومين دول كلهم خاينين ومفهوش واحدة متلمستش، لكن قُدس لسه بريئة متفهمش يعني إيه علاقة مع راجل، دي أنا هاخدها وأنا واثقة أنها متلمستش ولا عرفت غيري، هاخدها أربيها على إيدي.
ضحك صديقه على تفكيره وقال:
- شيطان يا عماد.
تبسم "عماد" بسمة حزينة وأكمل شربه من المنكر.
***
في السجن كانت "قُدس" تجلس مقابل والدها، الذي وضع يديه على رأسه من الخيبة والصدمة التي لحقت به بعد أن أخبرته بما حدث. كانت تبكي بوجع وحزن طفولي.
فقال:
- إنتِ مش فاهمة حاجة يا قُدس، إنتِ في مصيبة، إنتِ هتفضحي يا بنتي.
لم تتفوه بكلمة واحدة وأكتفت بالبكاء. فأشار إلى "هدير" بأن تقترب. فجاءت نحوه بفضول يقتلها، وماذا حكت "قُدس" لوالدها ليبكوا الاثنان معًا؟
فقالت بقلق:
- مالكم؟
- كنتِ فين يا هدير؟ أمنتك عليها وسبتها معاكِ أمانة؟ كنتِ فين لما سرقوا شرف بنتي؟
قالها بحسرة تغمر قلبه، بينما لجمت "هدير" بصدمة قاتلة ونظرت إلى "قُدس" بصدمة قاتلة وقالت:
- أنت بتقول أى؟
أخبرها بما حدث لتفرغ "هدير" وأنتفضت ذعر من قذارة ما حدث، وكيف للـ "الجارحي" أن يفعل هذا.
لتقول:
- الجارحي!!! لا مستحيل ميعملهاش وأنت عارفه كويس.
ضرب يديه ببعضهم وقال:
- أهو عملها... عملها يا بنت أبويا وضيعتوا شرف بنتي.
صُدمت "هدير" مما حدث، ولا تعرف ماذا تفعل الآن وكيف تعيد ما سُلب؟
عادت للمنزل مع الصغيرة بحزن يغمرها وتشفق عليها، عاجزة عن فعل أي شيء. فأقتربت من والدها "حمدى" وجلست مقابله تقول له:
- بابا كنت عايزك في موضوع.
أجابها بهدوء والفضول يغمره:
- قولي.
- أنا كنت عايزة آخد قُدس ونسافر أي بلد تكمل تعليمها برا.
قالتها بهدوء شديد، ليُصدم والدها من الخبر.
فتابعت "هدير" بجدية:
- بصراحة البنت تعبانة جدًا ومش قادرة تعيش هنا. حكاية حبها للجارحي وعماد اللي عايز يتجوزها، هي عايشة هنا في ضغط كبير ومش قادرة تكمل. ودا اللي خلاها تطلب تزور باباها. وهادي طلب مني أعملها اللي هي عايزاه وأسافر معاها.
صمت الجد بعجز شديد، ولا يصدق أن حفيدته الآن لم تعد بالعيش هنا معهم.
***
وقف "الجارحي" في المحل وسمع شجار بين زبون والعامل.
فقال بحدة:
- إيه دا بتزعق ليه؟
- عشان بتشغل عندكم بهايم.
قالها الزبون بحدة. وأنفعال ليصرخ "الجارحي" الذي أصبح أكثر حدة بعد ما حدث وقسوته التي باتت السكين تجرح كل ما يلتقي به:
- أنت راجل مهزق وأمشي بقي، إحنا معندناش قماش ليك، هو أي الرزق واقف عليك يعني، غور يا عم من هنا كتك القرف.
عاد إلى مكتبه مُنفعلًا ليجد جده شاردًا.
فقال بضيق:
- مالك يا حج؟
تنهد "حمدي" بحزن يغمره وقال بخفوت:
- عايزك تشتري شقة أو بيت في إنجلترا.
اندهش "الجارحي" من حديثه وقال بفضول:
- دا أشمعنا؟
- عمتك هدير هتسافر هي و قُدس عشان تكمل تعليمها برا.
قالها بحزن يمزقه من فراق صغيرته. ليُصدم "الجارحي" من قرار هروبها، واعتدل في جلسته يحدق بجدته ولم يسأل عن السبب، بل يعرفه جيدًا أن الجريمة التي أرتكبها بحقها هذا عقابها أن تغادر عالمه كاملًا. تلك الصغيرة التي اعترفت بحبها له ليلتها الآن تفارقه نهائيًا.
تحدث بتلعثم شديد قائلًا:
- هتسافر؟
رفع "حمدي" رأسه بانتباه إلى "الجارحي" وقال بهدوء مُتسائلًا:
- هي مين فيهم؟ سؤالك عن عمتك هدير ولا قُدس.
انتبه "الجارحي" لطريقة سؤاله، فهو لم يهتم سوى بالصغيرة وفضح أمره هذا السؤال.
ليقول بتلعثم:
- حضرتك وافقت على سفرهم وعمي هادي عنده علم؟
- هي راحت له وقالتله أنها مش مرتاحة في بيتنا وطلب أنها تسافر.
قالها بحزم شديد، وتمني لو يخبره أن الصغيرة تهرب بسبب حبه القائم بداخلها، أو هذا ما يعرفه الجد.
غادر "الجارحي" المكتب بحزن شديد وصعد إلى سيارته حزينًا وهو يعرف السبب الحقيقي لهروبها. لقد سلبها عذريتها وسرق شرفها. هذه الصغيرة تهرب منه هو، لكن هي ستهرب وتعيش حياتها وتكمل تعليمها. لكن ماذا عنه؟ كيف سيعيش بذنبها ويكفر عما فعله بها؟
***
صُدم "عماد" بخبر سفرها وأن كل شيء تم بدون أن يعرف أحد.
فقال بصدمة:
- هتسافر؟
تحدثت "أسيا" بحدة صارمة قائلة:
- بسببك يا خلفة تعر، رايح تبص لعيلة من دور عيالك، دا على كده بقى أنا لازم أسفر بنتي كمان وأخاف عليها من نجاستك.
لم يهتم لتوبيخها له، وكل ما يشغل تفكيره هو صغيرته التي ستسافر غدًا، ولم يخبره أحد بأي دولة ستذهب. خرج من الشقة مُنفعلًا ليقابل "الجارحي" على الدرج.
فقال بضيق شديد وصوت مُرتفع:
- عمل اللي في دماغك صح، هربتها مني مش كدة.
ألتف "الجارحي" له وهو يحمل بداخله بركان من الكره والحقد بسببه.
وقال بهدوء:
- أنا ماسك نفسي عنك بالعافية، وعزة وجلالة الله يا عماد لو جبت سيرتها مرة تاني قصادي لأقتلك.
صعد من أمامه قبل أن يقتله حقًا لأجلها، ودلف إلى شقته بحزن. جلس على الأريكة ومدد جسده بعد أن اعتزل غرفته نهائيًا من يومها، ولا يصدق أن فراشه كان أرض المعركة التي هُزم عليها.
فتح هاتفه على محادثتهما ويحاول أن يرسل لها، لكنه تراجع وترك الهاتف بضعف. تمنى لو يمكن الاعتذار أمامه.
لكن هل سيفيد الاعتذار بشيء.
جمعت "قُدس" كل أغراضها في الحقيبة، و"ليل" تجلس على الفراش تبكي لفراق صديقتها الوحيدة.
وقالت:
- دا قرارك النهائي يعني.
- متقلقيش يا ليل أنا هكلمك على طول، أنا ماليش حد غيرك، بس كدة أحسن.
تحدثت "ليل" بحزن شديد وقالت:
- مكنش حب من طرف واحد اللي هربك كدة يا قُدس.
دمعت عيني "قُدس" وجسدها ما زال يتذكر لمساته وقوته والكدمات التي لحقت بها في ليلتها. ذهبت لتعترف بالحب وعادت مكسورة وروحها مسلوبة منها.
تحدثت بلطف تخفي دموعها:
- معلش بقى ابتلاء من ربنا.
خرجت من الغرفة لترى "هدير" في انتظارها، ليودعها "وصيفة" وحمدي" والأثنين يبكوا بحزن لفراق الصغيرة ولحظات الوداع دائمًا تملأها الدموع والوجع.
غادرت في السيارة مع السائق إلى المطار.
***
كان في المحل يحبس نفسه في المكتب بلا عمل، وهو يعلم أن الآن وصلت إلى المطار. غادرت دون أن يودعها، وهو ما زال يخفي من لقائها أو مقابلتها. ظل في المحل حتى حل الليل وبدأ العمال في الإغلاق ليغادر معهم.
عاد إلى المنزل فوجد "ليل" تنتظره على الدرج لتقول:
- أخيرًا رجعت.
نظر إليها بهدوء وبرود شديد قائلًا:
- في حاجة يا ليل؟
- قُدس سافرت.
قالتها بهدوء. ليُجيب عليها ببرود أكثر وغرور قائلًا:
- عارف.
- أنا بكرهك يا جارحي، بكرهك لأنك السبب وبسببك أنا اتحرمت من صاحبتي الوحيدة.
قالتها بحزن شديد. فنظر إليها وقال بتلعثم، خائفًا أن تكون "قُدس" أخبرتها بما حدث:
- بسببي!!
أعطته الرسمة التي رسمتها "قُدس" له، وكتبت عليها "Love" وغادرت من أمامه. ليحدق بالرسمة وهذه الكلمة الصغيرة، ليدرك أن الجميع كان يعرف أنها تحبه، وهو الجاهل الوحيد هنا. لم تخطأ عندما اعترفت بحبها له ليلتها، فكانت صادقة جدًا بهذا الاعتراف. وتذكر إغماءها وكيف فقدت وعيها عندما سمعت خبر خطبته، وبدأ عقله يربط الأحداث ببعضها. هذه الصغيرة أحبته بقلبها النقي، لكن صُدمت الحقيقة، كيف أحبت رجل يكبرها بضعف عمرها؟
***
خرج "هادي" من السجن مرتدي قميص أزرق وبنطلون جينز، وشعره الأبيض وعيونه الخضراء التي ورثتها ابنته منه. فوجد "وصيفة" في انتظاره، ومعها "حمدي" و"الجارحي". وفور رؤيته له اشتعل بداخله نار الغضب مما فعله بابنته، لكنه كبح هذا الغضب حتى لا يفضح أمر صغيرته.
عانقته "وصيفة" بقوة وسعادة تغمر قلبها لخروج ابنها. انحنى ليقبل يد أمه وأبيه، وتجاهل "الجارحي" نهائيًا.
عادوا معًا إلى العمارة، وكانت "مديحة" تقف مع "أسيا" و"خديجة" وأخيه "فؤاد". رحب الجميع به.
فقالت "مديحة" بضيق:
- حمدالله على السلامة يا ابن جوزي.
- أهلاً يا مرات أبوه.
قالها ببرود شديد، ثم قال بهدوء:
- أنا طالع بيتي أرتاح شوية.
صعد إلى شقته بالطابق الثالث ودلف إليها. وأول شيء فعله اتصل بصغيرته يطمئن على حالها.
فأجابته "هدير" بنبرة دافئة:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
- الله يسلمك يا هدير، فين قُدس؟
قالها بقلق على صغيرته. فقالت:
- في جلستها جوا مع الدكتور، من يومها وهي بتعاني من كوابيس بالليل وقررنا نعالج الصدمة دي بالعلاج النفسي، نص ساعة وتخلص.
شعر بالقلق على طفلته وقال:
- أنا ليا حساب معاه وحق بنتي أنا مش هسيبه.
وضعت "هدير" قدم على الأخرى وهي في الاستراحة الخارجية للعيادة، وقالت:
- هي اتكلمت مع الدكتور وفعلا اتضح من كلامها عن تصرفات جارحي أنه مكنش في وعيه، وفعلا زي ما قالتلك عماد اللي عملها الفخ وخطط أنها تكون معاه ليلتها. وأتاكدنا من دا لما عرفنا أنه عايز يتجوزها وشكله كان ناوي يتجوزها بالطريقة دي، طريقة أنه هيستر عليها ويصلح غلطته، لكن القدر نجدها منه.
- اه نجدها منه عشان تبقي في حضنه أخوه الجارحي.
قالها بأنفعال شديد، وفي الحالتين ابنته تأذت من الأخين.
لتقول "هدير" بهدوء:
- هادي أنت أخويا، وقدس بنتي اللي أنا مخلفتهالوش وربيتها وهي حتة لحمة حمرا لما رجعتلي بيها من المستشفى مولدة وروحت دفنت أمها، يعني بخاف عليها وعايزة حقها أكتر منك، لكن جارحي كان ضحية زي قُدس ولو في حد لازم يدفع تمن الخسة والندالة فهو عماد وبس، كلنا عارفين مين الجارحي وأنه مكنش في وعي متخدر يعني ضحية هو كمان له حق.
خرجت "قُدس" من الغرفة فتبسمت "هدير" وهي تقول:
- أهي قُدس خرجت.
تركضت "قُدس" بسعادة فور سماعها لاسم والدها، لتتحدث معه بفرحة تغمرها وقالت:
- بابا، حمدالله على سلامتك.
- الله يسلمك يا نن عيني، وحشتيني يا بنت اله.
قالها بدلال وبسمة تغمره من سماع صوتها. فتبسمت أكثر بحماس وقالت:
- وأنت كمان يا حبيبي وحشتيني، البلد هنا جميلة جدًا والمدرسة اللي عمتو هدير قدمتلي فيها حلوة قوي.
تبسم بأريحية على سعادة ابنته وقال:
- تعيشي وتتبسطي يا حبيبتي، ركزي بس في مذاكرتك ودروسك.
أومأت إليه بنعم وظلت تتحدث معه كثيرًا.
***
كانت "مديحة" جالسة في الصالة تستشيط غضباً مما يحدث.
وقالت:
- طبعًا أخوك اللي على الحجر طلع وهيستولي على كل حاجة من تاني.
- جرا إيه يا أمي، إنتِ مش لاقية حاجة تنكشي فيها ولا إيه؟
قالتها "أسيا" بضيق من تفكير أمها.
لتنظر "مديحة" لها بغضب وقالت:
- أنا...
أبتسمت "أسيا" بجدية وقالت بمكر:
- أه، أي مش إنتِ برضو اللي اقترحتِ على عماد تجوزيه قُدس، وتعمله اللي عملته.
أتسعت عيني "مديحة" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وكيف لابنتها أن تعرف.
فقالت بتلعثم:
- إنتِ؟
- أنا سمعتكم، ويا خوفي ليكون كره الجارحي دا والذنب اللي اتكلم عنه وسفر قُدس يبقى وراه مصيبة حصلت من الفخ اللي وقعته البت فيه، ما هو الجارحي مش هيتغير 180 درجة كدة ويكره عماد أكتر ويضربه الضرب دا كله ويحلف ليقتله عشان عماد عايز يتجوز قُدس.
قالتها بضيق شديد وعقلها يحاول أن يفهم ويترجم ما حدث. فأبتلعت "مديحة" لعابها بصدمة وخوف شديد يتملكها.
***
كان المحامي يجلس في المكتب داخل المحل مع "هادي" و"حمدي" ويسجل بعض الأوراق.
فوضع الساعي القهوة وخرج. ثم تسلل خارج المحل وأتصل على "مديحة" لتُجيب عليه بضيق:
- نعم.
- الحج جاب المحامي وقاعدين وجواه بقالهم أكتر من ساعة وجاب أوراق الأملاك كلها.
قالها الساعي بصوت خافت خوفًا من أن يسمعه أحد.
لتُصدم "مديحة" بفزع وهي تُتمتم بخوف:
- يبقى اللي خايفة منه حصل، حمدي هيدي كل حاجة لوصيفة وابنها، لا أنا مش هسكت على حقي.
أغلقت الهاتف مع الساعي وهي تقول:
- لا يا حمدي، كله إلا دا، وصيفة سرقتك مني زمان ودلوقت هتسرق مني فلوسك ومالك وأطلع أنا بقي من كل دا، لا.
وللحكـــــــــــــــــــــايـــة بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع 4 - بقلم نورا عبد العزيز
بعد مرور 3 سنوات، خرجت "قُدس" من جامعتها تحمل في يدها بعض الأوراق الخاصة بالرسم وحقيبتها. رفعت شعرها القصير الذي يصل إلى منتصف ظهرها من الجانبين بدبابيس الشعر، ومسدول على ظهرها. كانت مرتدية بنطلون جينز وقميص نسائي فضفاض بأكمام حمراء. اتجهت إلى سيارة "هدير" التي تقف أمام بوابة الجامعة.
حين صعدت، قبلت عمتها بحب وقالت:
_ أتاخرت عليكِ يا دودى.
_ لا يا روحي، يومك كان عامل إيه؟
تبسمت "قُدس" بعفوية وقالت:
_ الأولى على سنة تانية بعون الله.
ضحكت "هدير" على بسمتها الواثقة ثم انطلقت بسيارتها إلى المطعم لتناول الغداء. ذهبتا معًا ودخلتا ليجدا "مصطفى" يجلس على الطاولة ينتظرهما. تبسمت "قُدس" وهي تقول بهمس في أذن عمتها:
_ المفروض تشكريني عشان جبت البلد دي وعشان خدتيني لدكتور مصطفى تعالجيني عنده.
تبسمت "هدير" بإحراج وضربت "قُدس" في ذراعها بخفة. فهمست "قُدس" وقد أوشكتا على الوصول إلى الطاولة:
_ طب دلوقت أنا خفيت من سنة ومفيش كوابيس وبتدلعوا أنتوا الاتنين. قال إيه بتعالجوني برضو، دلوقتي حجتكم إيه ولا أمثل إن عندي كوابيس؟
أمسكتها "هدير" من أذنها بغضب من تمرد الطفلة عليها وقالت:
_ مبقاش إلا عيلة عندها 19 سنة تتمرد عليا، كبرتي إمتى؟
ضحكت "قُدس" بحماس وقالت:
_ من بدري بس إنتِ مش واخدة بالك يا دودي.... ههههه أزيك يا دكتور مصطفى؟
_ بخير يا قُدس، إنتِ عاملة إيه؟
قالها بلطف وعيناه تنظر إلى وجه "هدير". فثلاث سنوات وهو يكبح إعجابه بها ويكتفي بالنظرات المتبادلة بينهما. تبسمت "قُدس" وهي تجلس على مقعدها بجواره ثم "هدير" لتبقى الصغيرة بالمنتصف. فقالت:
_ بخير والله يا دكتور، المهم أخبارك إنت إيه وصحتك؟
_ نحمد الله يا قُدس.
_ هو حضرتك متجوزتش ليه لحد دلوقتي؟
قالتها "قُدس" بعفوية لتضربها "هدير" في قدمها بقوة لتصرخ "قُدس" من ضربتها وقالت:
_ إيه بسأل؟
تبسم "مصطفى" بعفوية وقال بإعجاب:
_ إيه يا آنسة هدير ما تسيبها تسأل.
_ مش فاهمة، أهو قالك ما تسيبها تسأل، وبعدين يا هدير متتدخليش بيني وبين دكتوري أنا حرة أنا ودكتوري.
قالتها "قُدس" بمرح والتفتت تنظر إلى الطبيب بعفوية وقالت ببراءة وعناد:
_ ها بقي قُلتلي متجوزتش ليه لحد دلوقتي؟
نظر إلى وجه "هدير" بحب وعيناه تتلألأ ببريق العشق وقال:
_ ملاقيتش بنت الحلال اللي تخطف قلبي، أو ممكن تقولي مكنتش لاقيها بس دلوقتي بقى لاقيتها.
تنهدت "قُدس" بسعادة. هذا الرجل أوشك على الاعتراف بحبه لعمتها الجميلة التي تبلغ من العمر 37 عامًا وتعمل صحفية، لكنها لم تتزوج حتى الآن بسبب تربيتها لـ "قُدس". تبسمت "قُدس" بعفوية وقالت:
_ أتمنى تكون هي كمان بتحبك؟ ونصيحة من واحدة ذاقت الحب مضيعش الفرصة لأنك متعرفش هتيجي ولا لأ.
نظر "مصطفى" إلى "قُدس" بانبهار وهي تتحدث الآن عن الحب وتعتقد أنها كبرت كفاية لتتحدث عن الحب وهي ما زالت لم تتجاوز التاسعة عشر من عمرها الصغير. تحدث مداعبًا لحديثها:
_ والله إيه؟ وأي كمان يا ست الشاعرة؟
عقدت ذراعيها أمام صدرها بخفة ورفعت حاجبها ليكز "مصطفى" على أسنانه وقال بحدة:
_ إحنا اتفقنا على إيه؟ مش قولنا مفيش حب ولا ارتبط دلوقتي خالص يا ست الشاعرة إنتِ.
ضحكت "قُدس" بلا مبالاة ووضعت يدها على قلبها الصغير وقالت:
_ ها أنا مستحيل أحب، هنا بقى بارد جدًا، أنا هقوم أطلب آيس كوفي.. أطلب لكم حاجة معايا.
أخذت طلبهم وذهبت لتدمع عيناها بحزن. كيف لها أن تتوقف عن عشقه؟ هي تكبح شوقها له بقدر الإمكان حتى لا يلومها أحد. لكن "الجارحي" بداخلها كالدماء التي تسير في أوردتها، فكيف لها أن تتخلص من عشقه؟ هي تعلم جيدًا وخصوصًا مع فترة علاجها مع "مصطفى" أنه ضحية مثلها تمامًا. أراد أن يمنعها من المرض بسبب حساسيتها من الفراولة، فوقع ضحية لفخ أخيه بها.
وقفت تنتظر الطلب وفتحت هاتفها لتتجول بحسابها على الأنستجرام لترى حسابه ما زال كما هو منذ ثلاثة سنوات لم يشارك صورة واحدة على الحساب. لا تعرف كيف أصبح شكله وهل ظهر الشيب في رأسه أم ماذا؟ التقطت صورة لها مع قهوتها الباردة وابتسامة دافئة على شفتيها ثم شاركتها على حسابها وكتبت فوقها:
_ كم اشتقت إليك.
وضعت بجانب كلماتها الدافئة قلب أحمر مكسور. قاطعها مناداة النادلة تخبرها أن قهوة "مصطفى" و"هدير" أصبحت جاهزة، فوضعت الهاتف في جيبها وأخذت الطلب لهما.
***
وقف "الجارحي" في المحل مع عمه "هادي" يتحدثون في العمل عن القماش الجديد ليرن هاتفه باستلام إشعار جديد. فتح الهاتف ليرى الإشعار من حسابها وأنها شاركت شيء جديد. ضغط على الصورة وقرأ ما كتب بها وحدق بوجه صغيرته التي هربت منه. كانت جميلة وبريئة وشعرها الطويل أصبح أقصر جدًا وتضع أحمر شفاه على شفتيها وبشرتها أكثر نقاءً. تبسم على بسمتها الخفيفة وتمنى أن تكون سالمة ولا تعاني من الماضي وألمه.
نظر "هادي" على الهاتف ولمح صورة ابنته فنظر على وجه "الجارحي" الحزين. ما زال الشعور بالذنب يجتاحه ويحتل وجهه، فتبسم بخفة على هذا الرجل ثم قال:
_ هستناك في المكتب مع جدك.
دلف إلى الداخل ليتركه وحيدًا مع صورتها. دخل "هادي" للمكتب ووجد "فؤاد" بالداخل ليقول بعفوية:
_ يالهوي دا المحل نور، الشيخ فؤاد بنفسه عندنا.
ضحك الجميع على داعبته فقال "حمدي" بجدية:
_ تعال يا هادي شوف أخوك، قال إيه جاي يشتكيلي من الجارحي.
أندهش "هادي" ونظر إلى أخاه وهو يجلس على المقعد المقابل وقال:
_ الجارحي عمل إيه؟
_ بالله عليك يا هادي، اتكلم معاه، أمه عايزة تفرح بيه كفاية البلاء اللي في البيت ودا عارفين هو فلاتي ليه ومش عايز يتجوز مش هيلاقي اللي ترضي بيه أصلًا وأنا حرام ليا إذا جبتله بنت ناس هيمرمطها معاه وبنات الناس مش لعبة، أملي كله في الجارحي، اتكلم معاه شوية خليه يرضي يشوف العروسة اللي أمه جايبها، الأول كان بيدور على عروسة تناسبه، بقالي تلات سنين ببوس إيده أنا وأمه وهو قفل باب الجواز نهائي.
قالها "فؤاد" بقلة حيلة من عناد ابنه الذي رفض جميع النساء بعد هجران الصغيرة. نظر "هادي" على "الجارحي" من خلف الزجاج وهو يقف في الخارج وينظر إلى ابنته. لا يعلم إن كان هذا الشعور الذي يحتله هو وجع لفراقها أم شعور الذنب يقتله من الداخل. تنهد بهدوء وقال:
_ هكلمه.
_ حاجة تانية؟
_ لا، أبقى شاكر ليك أوي.
قالها "فؤاد" بعجز ثم غادر المكان فتبسم "حمدي" بحيرة وقال:
_ والله ما عارف الجارحي إيه اللي شقلب حاله كده.
_ الزمن يا أبويا.
قالها "هادي" وخرج من المكتب فرأى الجارحي يسجل بعض البيانات في الأوراق فقال بجدية:
_ تعال يا جارحي عايزك.
نظر "الجارحي" إلى عمه بدهشة وقال بحيرة:
_ خير.
خرج الاثنان معًا من المحل وانطلقا في طريق العودة المنزل فتحدث "هادي" بهدوء:
_ مش عايز تقابل العروسة اللي أمك جايبها ليه؟ دا أبوك بيقول إنها بنت شيخ في الأزهر وزي ما أنت عايزها مختمرة ومتعلمة ومبتشتغلش.
تنهد "الجارحي" بهدوء من حديثه وقال بضيق:
_ بس أنا مش عايز أتجاوز يا عمي دلوقتي.
_ على حد علمي إن عندك 33 سنة دلوقتي هستنى إيه تاني.
قالها بهدوء فألتزم "الجارحي" الصمت وعيناه تتحاشي النظر إلى عمه فتبسم "هادي" بهدوء وقال:
_ يوم ما جتلي قُدس منهارة وضعيفة السجن وقالتلي إنها عايزة تسافر وتسيب البيت وتمشي، كنت هتجنن وأعرف بنتي جرالها إيه وصلها للحالة دي.
أرتبك "الجارحي" من حديث عمه وتحاشى النظر لعمه بخوف ليتابع "هادي" الحديث بجدية تصدمه به:
_ اللي حصل قُدس سامحت فيه لأنها عيلة ومش واعية اللي حصل فيها ده هيوديها فين بكرة وأنا مش بلومك لأنك ضحية زيها ولأن عمرك ما عملت الحرام.
اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها بصدمة ألجمته وقال بتلعثم:
_ حضرتك عارف؟!
_ أومال فاكر إن بنتي هتخبي عليا.
قالها "هادي" بهدوء فأبتلع "الجارحي" لعابه بحرج والندم يحتل عينيه فقال بضعف:
_ أنا...
_ أنت ضحية وأنا بقولك إن حق بنتي مش عندك، اتجوز يا جارحي وعيش حياتك متعلقش حياتك على الماضي وأنت ملكش ذنب فيه.
قالها بهدوء جدًا وقد وصلوا إلى العمارة. تقدم "هادي" للدرج فقال "الجارحي" بهدوء:
_ أنا مش هتجوز غير قُدس.
التفت إليه "هادي" بصدمة ألجمته ونظر إليه فأقترب "الجارحي" بهدوء واثقًا من نفسه:
_ أنا طلب أيد قُدس منك يا عمي.
_ قُدس.... دي عيلة.
قالها "هادي" بدهشة تحتله وعيناه ترمق هذا الرجل بضيق من طلبه ليقول "الجارحي" بهدوء:
_ قُدس بنت وسترها وشرفها اللي راح بسببي حتى لو مكنتش في وعي، وواجب عليا سترها ورفع راسها وسط الناس، فكر في طلبي يا عمي وأنا قابل بأي شرط حتى لو كان جواز صوري على ورق أنا موافق.
صعد إلى شقته وهو مذهولًا بجراءته وكيف تحدث مع عمه هكذا وطلب يدها منه للزواج. فهل حقًا سيتزوج الصغيرة؟
***
تجهز الجميع وأعدت "أسيا" الطعام والمشروبات فقالت:
_ شدي حيلك يا سنية شوية الضيوف على وصول، بت يا ليل، يا ليل.
دلف "أسيا" إلى غرفة ابنتها ورأتها مرتدية فستان وردي اللون فضفاض وتلف حجابها الأبيض فسألتها بضيق:
_ إيه يا عروسة هتنامي قصاد المرايا ولا إيه؟
تبسمت "ليل" بحماس وتوتر شديد ظاهر في رجفتها ثم قالت:
_ شكلي حلو يا ماما.
تحدثت "أسيا" بهدوء وعيناها تبتسم بسعادة وصغيرتها أصبحت عروسة جميلة الآن:
_ زي القمر يا روحي، يلا بقي.
_ حاضر هرن كمان مرة على قُدس.
قالتها بلطف لتتأفف "أسيا" بضيق شديد وقالت:
_ يا دي قُدس مش كلمتيها امبارح وقالتلك مش هتعرف تجيلك، انجزي بقي وسيبى قُدس في حالها ما كلنا هنا حواليكِ ومعاكِ.
تذمرت "ليل" بضيق وقالت بخنق:
_ بس قُدس غير.
حاولت الاتصال بـ "قُدس" صديقتها الوحيدة لكن الهاتف كان مغلق. لا تصدق أن "قُدس" لن تكون معها في ليلة كهذه والفضل يعود للماضي الذي جعلها تهرب منهم جميعًا.
وصل الضيوف وكان "عمران" مع أمه ووالده. جلست "مديحة" و"أسيا" وهكذا "حمدي" و"فؤاد" و"هادي" وبدأوا بالتعارف. ظلت "خديجة" ترن على ابنها "عماد" لكنه في سبات عميق من النوم بسبب سهر الليل و"الجارحي" لا يجيب عليها. تأففت من تصرفات أولادها. تحدث "هادي" بجدية:
_ نورتونا والله، ليل دي بنتي أنا اللي مربيها مع بنتي قُدس.
دلف "الجارحي" بوجه حاد خشن وقال:
_ السلام عليكم.
_ تعال يا ولدي.
قالها "حمدي" بهدوء فنظر "عمران" إلى "الجارحي" وهو يعرفه جيدًا من رسومات "قُدس" يشبه الرسومات تمامًا. فجلس "الجارحي" جوار والده صامتًا. فتح هاتفه وهو لا يبالي بما يحدث في هذا التجمع. فتح حسابها وهو يرتشف قهوته ليبصق ما بفمه حين رآها شاركت صورة جديدة مع رجل بنفس عمره وكتبت عليها:
_ كنت الأمل الذي ظهر لي في عتمة ليالي فانتشلت من الضياع، أملي الحبيب.
اتسعت عينا "الجارحي" وهي تلقب هذا الرجل بأملها الحبيب وشاركت معه قلب أحمر وتمسك في ذراعه بعفوية وتبتسم بسعادة. نظر الجميع عليه بدهشة حين بصق ما بفمه وعيناه ترمق الهاتف بصدمة. تبسم "هادي" وهو يعرف جيدًا ما رآه "الجارحي". ظل يراقبه عن كثب ووجهه يزداد حدة أكثر وغضب ناري يأكل ما بداخله. همس "هادي" سرًا:
_ دكتورها سرق عقله والله بتستاهل.
سمع الجميع صوت ضجة بالخارج وزغاريد، فوقفت "أسيا" لتنظر بما يحدث وفتحت باب الشقة لترى "سنية" تزغرد بحرارة وتلفظ باسم "هدير" قائلة:
_ والله مصر كلها نورت يا ست هدير، نورتي البيت كله يا آنسة قُدس.
_ قُدس.
قالتها "أسيا" بدهشة فتبسم "هادي" بمكر وهو يتذكر حديثه ليلًا مع ابنته في الهاتف ويقول:
_ لازم تيجي بكرة يا قُدس، ليل مستنياكِ ومش عارفة تفرح من غيرك، ولا ليل متستاهلش إنكِ ترجعي الإجازة دي عشانها.
كان يمكر لابنته واستغل خبر زواج "ليل" حتى يقنعها بالعودة بعد طلب "الجارحي" يدها للزواج. فهو أيضًا أب يسعى لستر ابنته فما حدث لن يغيره السفر.
اتسعت عينا "الجارحي" وهكذا الجميع عندما سمع صوت "أسيا" تلفظ اسمها. نظر إلى الباب ليراها تدخل ببسمتها البريئة وجسدها النحيلة. ما زالت صغيرة الحجم بخلاف جسدها الذي تغيرت مفاتنها أكثر وأصبحت عروس جميلة. ركضت إلى أحضان والدها الذي فتح ذراعيه إليها وحتى عندما خرج من السجن لم يراها. ضمها بقوة، صغيرته التي عادت ليقبل جبينها بحب ثم عانقت جدها و"وصيفة" ورحبت بالجميع وما زالت لم تراه وهو يقف بجوار المطبخ غاضبًا ليُصدم عندما دلفت "هدير" وبجوارها "مصطفى" هذا الرجل الذي رآه من قليل في الصورة. تبسم "مصطفى" بلطف وقال:
_ طب أستأذن أنا.
لم يفهم أحد من هذا لتقول "قُدس" بحماس:
_ باي باي هبقى أكلمك بقي.
أومأ إليها بنعم مع بسمة رقيقة وغادر. استدارت تبحث عن "ليل" لتراه يقف محله ويغلق قبضته بقوة على كوب القهوة. انقبض قلبها بدهشة لوجوده وتلاشت بسمتها حين التقت عيونهما. ما زال كما هو بوسامته على الرغم من عينيه التي يتطاير منها الشر والغضب. يرتدي قميص أسود وبنطلون رمادي اللون. شعرت أن أنفاسها على وشك الانقطاع من الخوف من نظراته الحادة لتدرك أنه غاضبًا لعودتها وكأنه لم يرغب برؤيتها مرة أخرى. قاطع خوفها ونظراتهما المتبادلة صوت "ليل" التي خرجت من المطبخ وصرخت باسمها:
_ قُدس.
ركضت "قُدس" نحوها وهي تضع الصينية على السفرة بجوار "الجارحي" وألتقى الاثنان في عناق طويل ودموعهما تتساقط من الفرحة وكلاهما مشتاقة إلى الأخرى. كان اللقاء قُربه جدًا ليشم رائحتها ويتذكر تلك الليلة التي ضمها بها وشم نفس الرائحة بها فغادر الشقة سريعًا محاولًا السيطرة على عقله الذي أخذه إلى ذاكرة تمنى أن ينساها.
التفتت "قُدس" إلى باب الشقة حين غادر لتشعر بحزن شديد في قلبه وتصرفه يدل على عدم الترحيب بوجودها. جلست مع "ليل" مبتسمة بسمة مزيفة واتفقوا على موعد قراءة الفاتحة في الشهر القادم ليعم الفرح المكان. ومع مغادرة الضيوف، صعدت "قُدس" إلى شقة والدها في الطابق الثالث ودلفا خلفها والدها. تأمل فتاته الصغيرة ليقول:
_ أنا توقعتك كبرتي شوية.
_ يا بابا دا كلهم ثلاث سنين.
قالتها بعفوية ليبتسم وقال:
_ فعلاً ثلاثة سنين بيفرقوا جدًا، قوللي يا قُدس يا حبيبتي الدكتور بتاعك إيه اللي جابوه معاكم من انجلترا.
أجابته بحيرة قائلة:
_ أعتقد إن السبب هدير، في بينهم إعجاب متبادل لكن هو لسه مأخدش خطوة وأعتقد رجوعه معانا يعني أنه ناوي ياخد الخطوة دي.
أومأ إليها بنعم وقال:
_ امممم قُلتلي بقي، ماشي ادخلي غيري هدومك وارتاحي من السفر.
أومأت إليه بنعم ثم دخلت إلى غرفتها وجلست تفتح هاتفها وتذكرت أنها تحتاج إلى شريحة اتصال من بلدها. ألقطت بجسدها على الفراش بتعب ونظرت في هاتفها بملل لتفتح صورته التي سرقتها من حسابه الإلكتروني. ظلت تحدق بوجهه كم مشتاقة له وتقاوم هذا الحب؟ ظلت تحدق بوجهه حتى غاصت في نومها. دلف "هادي" إلى غرفتها بعد أن طرق الباب ولم يجد جوابها فرآها نائمة وتحمل الهاتف في يدها على صورة "الجارحي" فتبسم بحزن وكيف ابنته تحب هذا الرجل حتى الآن؟ أغلق الأضواء وخرج من الغرفة ودلف إلى غرفته بحيرة فماذا يفعل؟
***
استيقظ "عماد" من نومه على صوت "مديحة" التي توقظه بصعوبة وتقول:
_ قوم يا خيبتي الثقيلة.
فتح عينيه بتعب من جدته وقال:
_ في إيه يا ديحة على الصبح؟
_ قصدك على المسا، قوم سبع الرجالة العشاء أذنت، قوم شوف قُدس اللي راجعت في إيدها راجل غريب.
قالها بغضب سافر. اتسعت عيناه وانتفض من فراشه فزعًا من حديث جدته وكيف عادت؟ ورجل آخر معها؟ قال بصدمة:
_ بتقولي إيه؟
_ اللي سمعت يا سبع الرجالة.
قالتها "مديحة" بضيق شديد. ركض للخارج يأخذ حمامًا دافئًا ينظف جسده من رائحة الخمور والقذارة التي به وبدل ملابسه ثم ترجل للأسفل بسرعة جنونية ودُهش عندما رأى "هدير" تجلس على الدرج مع أختها "أسيا" ليتأكد من حديث جدته وعودة "هدير" تعني أن صغيرته عادت لكن أين هي؟ بحث عنها حوله ليُصدم من نظرة "هدير" الحادة وتشمئز منه فقالت:
_ أزيك يا بن أخويا، لسه زي ما أنت عرة يا عماد.
تنهد بحرج من حديث عمته وهو لا يقوى على الرد عليها فتابعت بسخرية منه:
_ مالك كبرت وعجزت كده ليه، شكلك يقرف.
أرادت أن تخبره أنه كبر وبلغ الأربعين الآن فلا يأمل بشيء من صغيرتها. تبسمت "أسيا" على مزحتها وقالت:
_ صدقتي والله يا هدير، أنا معرفش أنت خلفت أخويا فؤاد إزاي.
_ انتوا قاعدين فاضيين صح؟
قالها بضيق شديد وعيناه تنظر على شقة "وصيفة" لعل صغيرته تخرج الآن فقالت "أسيا" بضيق:
_ يا راجل يا عرة مش تقول لي مبروك لبنتي ومش كفاية أحرجتنا مع الناس ومنزلتش تقعد مع الرجالة.
_ مبروك.. مبروك.
قالها بضيق وصعد إلى شقته من جديد وهو متلهفًا لرؤيتها لكنه سينتظر للصباح فقط. لأجل "قُدس" سينتظر.
***
استيقظت "قُدس" في الصباح وفركت عينيها بتعب ثم ترجلت من الفراش بفستانها الوردي المصنوع من القطن. خرجت من غرفتها تمطي جسدها وتقول:
_ بابا.
رأت والدها يجلس مع "فؤاد" في الصالون ومعهم "الجارحي" الذي غض بصره سريعًا عنها فتنحنت بحرج ودلفت إلى غرفتها ليعود إلى شجارهما وقال "فؤاد":
_ كلمه يا فؤاد، خديجة كلمت الست وقالتلها إننا هنيجي وهو منشفة دماغه وحالف ما هيروح في حتة.
نظر "هادي" إلى أخاه وهكذا ابنه وكيف يخبره أن ابنه طلب ابنته للزواج. تحدث "هادي" بهدوء شديد:
_ أهدأ بس يا فؤاد وكل شيء بالخناق إلا الجواز يا ابن أبويا بالاتفاق.
قاطعهم "الجارحي" بحدة صارمة وقال:
_ أنا طلبت منك أيد قُدس، ما تقوله إني عايز أتجاوز بنتك يا عمي.
نظر "فؤاد" بصدمة ألجمته إلى ابنه ثم أخيه وقال بتلعثم:
_ أنت بتقول إيه؟، لا أفهم بس قُدس مين؟
تنحنى "هادي" بهدوء ثم قال بجدية:
_ أعتقد الخناقة دي المفروض تكون في بيتكم، كلم أبوك وأمك ولما توصلوا لحل كلمني.
وقف "الجارحي" بعناد شديد وقال صوت قوي وخشن:
_ أنا هتجوز قُدس ومبآخدش رأي حد، عن إذنكم.
خرج من الشقة غاضبًا وأغلق الباب بقوة حتى انتفض جسدها من الداخل. خرجت على صوت إغلاق الباب معتقدة أنهم رحلوا لتُدهش بوجود عمها الذي يحدق بها في صمت والآن طلبها ابنه الآخر للزواج والأكبر متيم بها. تنهد "هادي" بهدوء وقال:
_ أنا هكلمه متقلقش.
_ مش قلقان، ربنا يسترها على ولادي.
قالها "فؤاد" وغادر الشقة لتسأل "قُدس" بقلق من تعابير وجه والدها الحزينة:
_ مالك يا بابا؟
_ تعالي يا قُدس.
قالها والدها بهدوء. شعرت بقلق من حديث والدها ثم جلست على المقعد المجاور له وقالت:
_ جارحي طلبك للجواز.
اتسعت عيناها على مصراعيها وضحكت بقوة ساخرة ثم قالت:
_ حضرتك أكيد بتهزر.
نظر لها بصمت لتتوقف عن الضحكة وتفهم أنها في موقف صعب جدًا وهذا الحديث حقيقي لتقول:
_ إزاي؟ وليه؟ وامتى؟
تنهد "هادي" بهدوء شديد ثم قال بحزم:
_ إزاي؟ زي الناس، زي أي راجل بيطلب واحد للجواز، وليه؟ عشان في حاجة حصلت ولازم تتصلح سوى رضيتي أو رفضتي وزجارحي لازم يصلح غلطته معاكِ عشان سمعتك وشرفك وتفضل راسك مرفوعة ورأس أبوكِ، وأمتى؟ قبل من أسبوع وعشان كده أنا جبت وأصرت إنك ترجعي.
دمعت عيناها من حديث والدها القاسي وهي أعتقدت للحظة أنه اشتاق لها ولو قليل في غيابها لكن كل ما يفكر الخطأ الذي ارتكبه في حقها لتقول بعناد هي الأخرى:
_ وأنا مش موافقة.
ضحك والدها بسخرية على جراءتها وعنادها وأجاب بحدة:
_ ومين قالك إن الخيار ده موجود؟ إنتِ مجبرة تتجوزيه عشان الفضائح يا بنت هادي، ولا عايزة تتجوزي واحد من سنك وتتفضحي يوم فرحك ولا سيرتك تبقي على كل لسان ورأي أبوكِ تتحط في الطين وتكسري ضهري.
ذرفت دموعها قسرًا وقالت بضعف:
_ أكيد لا بس...
_ مبقاش دا الحل الوحيد عشان نصلح اللي فات، ولو على الجواز ورغبتك شهرين تلات يطلقك وبعدها أعملي اللي عايزاه وأتجوزي اللي من سنك.
قالها بحدة صارمة رافضًا منها أي جدال أو مناقشة ثم تركها وغادر الشقة لتجهش باكية من الحزن وكيف تتزوج رجل تعشقه بهذه الطريقة القاسية. تعلم جيدًا أن "الجارحي" سيتزوجها ليكفر عن ذنبه وليس للحب؟ ظلت تبكي بحزن شديد على المقعد حتى نفدت طاقتها بشدة.
***
علم الجميع بخبر طلبه للزواج من الصغيرة وصدم "عماد" من الخبر ليركض إلى شقة أمه ووجد "الجارحي" بالداخل يشاجر أبوه على هذا القرار حتى صرخ بقوة يقول:
_ عشان كده وقفت في طريقي عشان تاخدها لنفسك.
كز "الجارحي" على أسنانه بغضب سافر وكل هذا من تخطيطه الشيطاني فلم يجب عليه ليسرع "عماد" نحوه ومسكه من ذراعه يديره إليه ثم ضربه بقوة ليرد "الجارحي" لكمته للكثير ينفث به القليل من غضبه لتصرخ "خديجة" بقوة وصعد الجميع على صوت صراخها فضربه "عماد" بقوة وهو يقول:
_ هقتلك يا جارحي، هتقتلك لو فكرت تقرب من حاجة ملكي.
ركل "الجارحي" في بطنه بقدمه بقوة ليسقط على السفرة وقال بتحدٍ:
_ جرب بس تقرب لها يا عماد وأنا هلبس أمك أسود عليكِ مدى الحياة.
صرخ "فؤاد" بهما بغضب وقال:
_ بس أنتوا الاتنين، على جثتي واحد فيكم يتجوز قُدس، تحرم عليكم البنت اللي توقع بينكم.
رفع "الجارحي" سبابته في وجه والده أمام الجميع وتحدث بنبرة قوية لا يهتم لأي شيء:
_ هتجوزها غصب عن أي حد واللي يقدر يمنعني يوريني نفسه.
_ أنا.
التفت الجميع على صوتها فتحدثت "قُدس" بنبرة غاضبة من هذا الشجار وكلاهما يقرر نيابة عنها حياتها فقالت من جديد:
_ أنا همنعك، أنا ولا هتجوزك ولا هتجوزه، واللي هيفكر يقرب مني هموت نفسي ويبقى ذنبي في رقبته.
غادرت الشقة تحت أنظار الجميع رافضة الزواج بأي منهما. غادر الجميع لشققهم وكل واحد من أفراد العائلة يتحدث عن غضب "الجارحي" والسبب وراء عناده وإصراره على الزواج من طفلة هو نفسه رفض زواج أخاه منها لكونها طفلة وتصغره بكثير. أخذ "حمدي" أبناءه "هادي" و"فؤاد" إلى شقته ليحسم الأمر بين شجار أحفاده وقال بجدية:
_ إحنا عشان نحل الخناق والعداوة بين الأخوات، قُدس بنتك مش هتجوز ولا واحد فيهم.
تحدث "هادي" بغضب مكبوح بداخله يحاول السيطرة عليه:
_ جارحي لازم يتجوز قُدس يا حج.
_ أنا بقول محدش هيتجوزها، أي كلامي مش مسموع.
قالها "حمدي" بقوة غاضبًا ليتابع "هادي" الحديث بهدوء قائلًا:
_ جارحي لازم يصلح غلطته مع بنتي.
نظر الاثنان له بصدمة ألجمته ليخبرهم بهدوء قائلًا:
_ ابنك يا فؤاد غلط مع بنتي وعشان كده أنا سفرتها وعشان كده هو مصمم يتجوزها عشان يستر عليها ويصلح غلطته وأنت شيخ جامع وحافظ كتاب الله وأنا هسيبك تحكم بنفسك الخناق بين ولادك أهم من شرف بنتي اللي ابنك سرقه منها بخسة وندالة وهي عيلة محافظش عليها.
كانت الصدمة تحتل "فؤاد" ولا يصدق أن ابنه بطهارته فعل شيء كهذا. لو كان أخبره أن "عماد" من فعلها لكان صدقه بسرعة البرق، لكن "الجارحي" لا يستوعب كيف فعلها؟ ليسلم للأمر الواقع ويقبل الزواج رغمًا عنه لأجل شرف الفتاة الصغيرة. أما الأخوة فبينهما القدر وما يخبئه القدر لن يتوقعه بشر.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس 5 - بقلم نورا عبد العزيز
كان الجميع في حالة صمت، كل فرد من العائلة يكبح وجعه وغضبه من رفض هذا الزواج. لكن بعد علم "فؤاد" و"حمدي" بالخطيئة التي ارتكبها "الجارحي" في حق الصغيرة، كان قرار الزواج أمرًا لا مفر منه. لم يقبل أي منهم مناقشة أو معارضة للقرار.
تحدثت "أسيا" بلهجة هادئة وحائرة:
_ هو أي اللي جواز بسرعة؟ بسرعة... يبقى كلامي كان صح. الجوازة دي وراها حاجة.
تأففت "مديحة" بضيق يخنقها من هذا القرار قائلة:
_ بلا كلامك صح، بلا غلط. أنا دلوقتي في ناري وقرار أبوكِ أنه يجوز "قدس" للجارحي كده من غير ما يرجع لحد ولا عايز يسمع من حد. جواز أي ده اللي بسرعة البرق في يوم وليلة.
تحدثت "أسيا" بلهجة خبيثة ماكرة:
_ يبقى اللي أنا بقوله صح. الجارحي شكله غلط مع البت وعايزين يصلحوا اللي اتكسر ويداروا عليه.
صمتت "مديحة" بأففة ضائقة وتفكر في شيء آخر الآن لتتمتم قائلة:
_ اتلهي واسكتي. كل اللي همك شرف البنت والجوازة اللي جت بسرعة. وأنا همي حاجة تانية خالص. هو الجارحي لما يتجوز "قدس" هيبقي كده خلاص الملك كله وقع في حجر هادي والجارحي ويا عالم أبوكِ ناوي.
ضحكت "أسيا" بدهشة من حديث والدتها ثم قالت:
_ إنتي أكيد بتهزري يا ماما. إنتي بتفكري في الفلوس؟ متخافيش بابا مش هيعمل كده ولا الجارحي ممكن يعملها. اللي حافظ كتاب الله وماشي على الحرام والحلال وبيخاف من حساب الآخرة مش هيعمل كده. وبعدين ده غيري في هدير وفؤاد هيحرمهم كلهم من مالهم. متفكريش في الفلوس يا مديحة. إنتي اللي زيك دلوقتي على سجادة الصلاة.
مسكت "مديحة" زهرية الورد من جانبها وألقت بها في وجه ابنتها غاضبة بسبب هذا الزواج.
***
جلست "قدس" أمام المرآة غاضبة جدًا من قرار الزواج والفتاة تضع مساحيق التجميل على وجهها، و"هدير" تجلس في الخلف تراقبها فتحدثت بنبرة دافئة:
_ في عروسة تكشر كده؟
تحدثت العاملة بعفوية تقول:
_ قولي لها بقولها من الصبح تفكها شوية. وهي ما شاء الله قمر.
تأففت "قدس" بضيق شديد من حديثهم وقالت:
_ مش طالبة أي كلام دلوقتي يا هدير. أنا قلت مش هتجوزه. أنتوا ليه بتعملوا فيا كده؟ مين تقدر تستحمل تعاشر جارحي؟
رفعت "هدير" حاجبها الأيسر بدهشة وقالت:
_ عجبت لك يا زمن. الله يرحم أيام ما خدتي أول قلم عشان حبك للجارحي. واحدة غيرك المفروض تكون طايرة من الفرحة إنها بتتجوز حبها الأول.
أبعدت "قدس" يد العاملة عن وجهها واستدارت إلى "هدير" تحدق بوجهها بضيق وعاقدة حاجبيها بتعابير الخنق وقالت بتذمر:
_ لأني مش فاهمة حاجة. جارحي مش متجوزني حب فيا. وأنا مش قادرة أتحمل عصبيته ونظرة كرهه ليا. محدش يتحملها.
جلست "هدير" على ركبتيها أمام الصغيرة وقالت بحنان مطمئنة لها:
_ الجارحي عمره ما هيعاملك وحش. هيعاملك بما يرضي ربنا يا قدس. يمكن ميفهمش وميعرفش يتعامل مع سنك لأنه أكبر شوية عنك، لكن مش هيقسي عليكِ. وفكرة خناقه مع عماد عشانك كفيلة تثبت لك أنه بيخاف عليكِ.
_ لأني بنته.
قالتها بتذمر وهو دائمًا كان يخبرها بأنها ابنته الصغيرة. ربتت "هدير" على يدها مطمئنة وعادت تستعد للزواج.
على الجهة الأخرى كان "الجارحي" يقف في شقته أمام المرآة في الصالة ينظر إلى هيئته وهو يرتدي بدلة سوداء وقميص أبيض. ما زال لا يستوعب أنه أصبح عريس لهذه الطفلة الصغيرة التي لطالما كانت في مكانة ابنته. وهجرته لسنوات طويلة وعادت إليه بصحبة رجل غريب. فأبتلع لعابه بتوتر من هذا القرار. حتى دق باب الشقة وفتح ليجد والدته "خديجة" حزينة جدًا ووجهه شاحب رغم أنها ترتدي عباءة باللون الزيتي وبها الكثير من الخرز اللامع وتلف حجابها مستعدة للذهاب إلى المسجد معه. تحدثت بنبرة خافتة قائلة:
_ خلصت يا عريس؟
_ آه. مش هتباركيلي ولا كل همك زعل ابنك الثاني؟
قالها بنبرة حادة لتنظر "خديجة" إلى وجه ابنها ورفعت يدها إلى وجنته تلمس لحيته بحنان وقالت بعيني دامعة:
_ مفيش أم مبتفرحش لما تشوف ابنها عريس زي القمر. لكن أنا أم ابنها بيتجوز واحدة أخوه اختارها. غير أنها متناسبكش لا في السن ولا العقل ولا الهيئة. مش أنت برضو الجارحي اللي كان أهم شروطك أن مراتك تكون منتقبة أو مختمرة وحافظة لكتاب الله ومبتشتغلش وتصغرك بسنتين ثلاثة بالكتير. يا ترى لقيت شروطك في "قدس" اللي مش محجبة حتى ولا حافظة جزءين حتى في القرآن وبتدرسي في جامعة مختلطة وصورها على النت عادي وبتصغرك بـ 15 سنة. "قدس" فيها إيه من شروطك عشان تنشف دماغك تتجوزها؟
لم يجب على والدته وهي تخبره بالحقيقة الموجوعة، فتنهد بهدوء وخرج من الشقة ثم أغلق الباب خلفه وقال بحدة صارمة:
_ متتأخريش يا أمي عشان تلحقي تزغردي لابنك.
ترجل للأسفل في هدوء لينطلق بسيارته إلى مركز التجميل حيث عروسته. وصل إلى هناك وصعد وحده ليرى عروسته الجميلة جالسة بجوار "ليل" و"هدير" ترتدي فستان زفاف بسيط من الدانتيل يظهر نحافتها وواسع بسيط من الخصر للأسفل بأكمام شفافة وترتدي قفازات بيضاء في يدها الصغيرة وشعرها مصفف على شكل كعكة جانبية فوقها تاج الشعر اللؤلؤي وتزينت بمساحيق التجميل. وهو لأول مرة يراها تتزين هكذا. حدقت "قدس" به بضيق والبسمة لا تعرف طريق وجهها البريء. تبسمت "هدير" بلطف وقالت:
_ قال أعوذ رب الفلق يا حبيبي. ربنا يحرصك من العين يا ننى عين عمتك.
_ اللهم آمين يا هدير.
قالها بهدوء وعينيه تحملق بفتاته التي وقفت بانفعال وتمسك أطراف فستانها لتتمكن من السير وحدها جيدًا وخرجت من المكان بدونه. فتأفف بضيق لتهمس "هدير" له بلطف:
_ معلش يا جارحي استحلها هي النهار ده عصبية زيادة عن اللزوم وخلقها في مناخيرها.
_ مش هتفرق يا هدير.
قالها وخرج خلف عروسته المتمردة وأخذها بسيارته إلى مسجد القوات المسلحة ووضعت طرحة الفستان فوق شعرها. كانت تقف بجوار جدها ووالدها يضع يده في يد "الجارحي" والمأذون يعقد قرآنها. عينيها لا تتوقف عن النظر إليه في هدوء خائفة من القادم وقلبها ينقبض بقوة من الخوف. لا تعلم الغيب لكنها تدرك شيئًا واحدًا واثقة به. أن "الجارحي" لم يتزوجها حبًا بها لكن زواجه منها بالإكراه ليصحح ما ارتكبه في الماضي. وهذا السبب الذي تعرفه كفيل بأن يمزق قلبها العاشق له. حتى في غربتها كانت مشتاقة بجنونة إليه لكن الآن في هذه اللحظة التي ستصبح زوجته بها باتت مرعبة وحزينة. كأن الشوق بداخلها تحول لبرود وحجود. فاقت من شرودها في القادم على صوت المأذون يقول: بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.
كان الجميع يباركون لهما. اقتربت "ليل" منها بحماس وفرحة وعانقتها بحب ثم قالت:
_ وأخيرًا حلمك اتحقق والجارحي بقي بتاعك لوحدك.
رمقتها "قدس" بعيني حزينة ووجهها بات وبارد رغم جمالها الذي زاد مع مساحيق التجميل وقالت:
_ حلم مؤذي يا ليل.
أندهشت "ليل" من كلماتها الباردة واتسعت عينيها على مصراعيها بقوة ثم قالت:
_ مالك يا قدس؟ مش فرحانة ليه؟ مش ده الجارحي اللي كنتي هتموت يوم ما قرر يخطب وكنتي بتتمني تيجي اللحظة اللي يبطل يشوفك فيها طفلة وبنته ويشوفك بنت وأنسة. من دلوقتي مش هيعرف يشوفك غير مراته. مش فرحانة ليه؟
_ عشان مش كل الوجع بيتحكي.
قالتها "قدس" بحزن شديد وألتفت إلى والدها الذي اقترب إليها وخلفه "الجارحي" فتنهدت بلطف محاولة كبح حزنها حتى وقف والدها "هادي" أمامها وقال بلطف وبسمة خافتة:
_ مبروك يا قدس.
صمتت لم تعقب على حديث والدها. فنظر إلى "الجارحي" ثم إلى ابنته وقال بجدية:
_ حطها في عينيك يا جارحي وحافظ عليها لحد ما ترجعها لي.
نظر "قدس" إلى والدها على كلمته الأخيرة لتعلم أن هذا الزواج مؤقت فقط وتتأكد من أفكارها الخبيثة. لتستشيط غضبًا ومرت من أمامهما وهي تدفع "الجارحي" في ذراعه بكتفها الصغير. فمسك يدها قبل أن تهرب منه ولأول مرة يمسك يدها برغبته وبأحكام لتندهش من فعلته. ونظرت إلى يده فقال بحزم:
_ حينما تعقد... طول الوقت كنت بصبر نفسي عليكِ. وبكبح غضبي منك وبقول أصبر وهيجي الوقت حينما تعقد وتكون حلالك...
وأهو جه أول وآخر مرة تديني ضهرك وتمشي يا قدس.
سحبت يدها منه بقوة وقالت بعناد وتحدي:
_ وأنا قُلت لك إني مش هتجوزك غير على موتي. لو فكرت تلمسني مرة تانية هموت نفسي ويبقى ذنبي في رقبتك. إنت فاهم؟
كانت تعتقد أن تهديدها له سيرعبه أو سيرتجف قلبه خوفًا عليها من الموت، لكن فعله كان صادمًا أكثر. أحاط خصرها بذراعه الأيمن وجذبها بقوة إليه، فارتطمت بصدره القوي. يداها تلمسان عضلات صدره، فابتلعت لعابها بخوف من قوته. عيناها ترمقانه في دهشة، بينما الجميع ينظرون عليهما. البعض ينظر بسعادة متمنيًا السعادة والخير لهما، والبعض تملأ نظراتهم الكره والحقد. همس إليها بنبرة هادئة قائلًا:
_ ابتسمي، لأن مش الكل اللي موجودين حابين لك الخير وبيشكوا في جوازك.
وضع قبلة رقيقة على جبينها بلطف، لتذيب قبلته برودها وتجمدها. شعرت بدقات قلبها تتسارع بجنون وهي لا تفهم أمر هذا القلب العنيد. أبعد شفتيه عن جبينها البارد وأخذها من يديها بعد الترحيب والمباركة ليعودوا إلى منزلهم مع العائلة. بارك الجميع لهما، وهو أخذها من يدها إلى شقته. دلفت إلى شقته خلفه وأغلق الباب، لتتذكر ليلتها السابقة التي بدأت باعترافها بحبه وانتهت بكارثة. رأته يتجه نحو الأريكة وجلس عليها، فسألت بعفوية دون وعي:
_ أنت هتنام على الكنبة؟
التف إليها بدهشة من سؤالها واقترب منها بخطواته الثابتة وعينيه الباردتين، ثم قال:
_ إيه؟ عايزاني أنام معاك؟
كزت على أسنانها من الغيظ وقالت بغلاظة طفولية:
_ أنت سافل!
قهقه ضاحكًا بسخرية على فهمها وقال بتهكم وهو يمسك ذقنها بسبابته:
_ أنا قصدي معاك في الأوضة. فكرك راح فين؟
دفعت يده بعيدًا عنها وقالت بضيق شديد:
_ نجوم السما أقرب لك. لتكون فاكر إني كنت هموت وأتجوزك مثلًا.
حملق بعينيها واقترب خطوة أكثر منها، ولم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة من الهواء. عيناه تعانق عينيها بالنظرات، لترتجف بتوتر واحمرت وجنتاها خجلًا من قربه. ليقول بحدة:
_ ولا أنا كنت بتمناك في دعائي، فمتحسسنيش إني كنت بطلبك من ربنا في كل سجدة، لأن تقريبًا أنت فاهم إني كنت هموت وأتجوزك، ولا بقطع شرايين عليك. أنا عارف وإنت عارف أنا اتجوزتك ليه، فبلاش نعملهم على بعض.
لم تتمالك أعصابها أمامه، ومن مواجهته شعرت بالضعف وعجز قلبها الذي أحبه بجنون. ورغم اعتدائه عليها وسلب حريتها، ما زالت طفلة بلهاء تحبه. لكن حديثه القاسي الآن جعل الدموع تتلألأ في عينيها، ولم تشعر بشيء سوى وهي تصفعه بقوة على وجنته، مما صدمه وجعل عيني "الجارحي" تتسع بقوة على مصراعيها من هول الصدمة. وهذه الطفلة الصغيرة لطمته وهو رجل كبير، والجميع يقف له انتباه وترتجف قلوبهم منه. صرخت بانفعال في وجهه بعد صفعتها:
_ إياك تتكلم معايا بالطريقة دي تاني. أنا بحذرك. والجواز ده مجرد جواز صوري عشان اللي إحنا عارفينه زي ما أنت لسه قايل. وأنا اللي هبلة وغبية إني حبيت بني آدم حقير زيك يا "أبيه" جارحي.
مرت من جانبه بضعف ودموعها تذرف من عينيها، لكن استوقفها حين مسك ذراعها بقوة بيده وضغط عليها بإحكام، يعتصر عروقها وعظامها في قبضته، وقال:
_ إنت قد اللي عملتيه ده؟
_ زعلان أوي، مع إنه ميجيش حاجة جنب اللي عملته فيا. ولو ناسي أفكرك، أنت أخدت مني إيه...
قالتها بحزن شديد تأنبه على فعله، حتى وإن كان بغير وعيه. اقتربت خطوة منه وهمست بتحدٍ وغضب:
_ شرفي... فاكر أخدت شرفي إزاي؟
ابتلع لعابه باشمئزاز وهو يرخي قبضته عن ذراعها بحزن. وهذه الذكرى تمزقه من الداخل. كم يخاف أن يفعل ما حرمه الله؟ عيناها الخضراء تبكي بغزارة، حاذقة به من حزنها الذي سكنها أكثر لقسوته عليها. طفلته الصغيرة التي كانت برعايته، الآن باتت برعايته كزوجة له، لكنه يمزقها أكثر بحدة حديثه معها. شعر برجفتها وضعفها ليقول بهدوء محذرًا إياها:
_ إنت مراتي يا قدس. ولحد ما أطلقك، حتى لو بكرة، فإنت مراتي... فاهمة؟
_ أنا بكرهك يا "أبيه" جارحي... بكرهك.
قالتها بحزن شديد يخيم على قلبها السجين داخل ضلوعها القوي. ركضت بسرعة إلى الغرفة التي أمامها تختبئ منه وتخفي دموعها عنه، لتُصدم عندما دلفت للغرفة وكانت مزينة بالورود والبالونات التي تحبها. والأريكة الجانبية مليئة بالحلوى والسناكس والشكولاتات التي تحبها. يبدو أنه وأخيرًا دلف لهذه الغرفة ليرضي صغيرته ويجعل الغرفة تليق ببراءتها الجميلة. تخطت كل شيء وسقطت على الفراش تبكي بانهيار من قسوته وحزنه. وظلت هكذا حتى أذان الفجر. وبدأت عيناها تغمض من التعب، لكن فستانها الثقيل لا تقوى على حمله والنوم به. وقفت أمام التسريحة تحاول أن تنزع هذا الفستان عنها، لكنها لم تنجح، فكان من الخلف به الكثير من الأزرار. فتأففت بضيق شديد وأخرجت مقصًا من الدرج لتقص الفستان، أفضل من أن تطلب المساعدة من هذا الوحش الجالس بالخارج. مزقت الفستان تمامًا حتى حررت جسدها الصغير منه، وسقط على الأرض. جلست أمام المرآة تمسح مساحيق التجميل عن وجهها لترى دموعها الحارة وحزنها. سمعت صوت باب الشقة يغلق، فأدركت أنه ذهب إلى صلاة الفجر مع والده كعادته. فخرجت من الغرفة سريعًا وأخذت حمامًا دافئًا وارتدت بيجامتها الوردي، عبارة عن بنطلون وتي شيرت بحمالة ضيقة فوقه روب قصير بأكمام. دلفت للمطبخ باحثة عن الطعام، ووجدت جدتها "وصيفة" أعدت لها طعامًا من جميع الأصناف التي تحبها. جلست على السفرة الصغيرة الموجودة في المطبخ أمام الطعام وبدأت تأكل بشراهة، وشعرها المبلل بلل ملابسها قليلًا.
كانت ليلة زفافها بمثابة يوم هزيمته. شعر "عماد" أن أخاه الأصغر انتصر عليه للمرة الثانية. في الأولى خرب عليه الأمر وشرب هو المخدر، والآن جعل الجميع يوافقون على الزواج. ظل طول الليل خارج المنزل، كارهًا العودة إليه الآن. يتوعد بالانتقام من "الجارحي" على هذه الهزيمة وسرقته لفتاته الصغيرة منه. جاء "عادل" له وكان الغضب يتطاير من كل ملامحه، مما أزعج "عادل" وقال بخنق:
_ إيه يا عم؟ إحنا ناقصين غم؟ إحنا بنيجي هنا نفرفش وندلع. قالب خلقتك ليه علينا؟
_ اتجوزها.
قالها بصوت مبحوح وهو يرتشف ما بكأسه بضيق. أندهش "عادل" من حديثه وسأل بفضول يقتله:
_ مين العيلة الصغيرة؟ مين اللي اتجوزها؟
_ مبقتش عيلة يا عادل. رجعت من برا بدر منور، وعروسة زي القمر تخطف القلوب وتهزم أي راجل بجمالها.
اقترب "عادل" أكثر منه وسأل بفضول:
_ مين اللي اتجوزها؟
_ الجارحي أبو النور.
اتسعت عينا "عادل" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وعاد بظهره للخلف من هول الصدمة التي وقعت على مسمعيه، وليس لزواج الصغيرة، بل من هوية العريس. كيف لـ "الجارحي أبو النور" أن يتزوج الصغيرة؟ وكل ما يعرفه يعرف شروطه للزواج. "قدس" تلك الصغيرة بعيدة كل البعد عن شروطه في عروس المستقبل. تحدث صديقه بتلعثم وهو يسكب القليل من الخمر في الكأس من دهشته القوية التي وقعت عليه كالصاعقة الكهربائية:
_ الجارحي! يا نهار أبيض! هي الدنيا اتشقلب حالها ولا إيه؟ الجارحي أبو النور عملها إزاي ده؟ يخربيت أبوه! أقسم بالله أخوك ده محدش يتوقعه، لا في التجارة ولا في الحياة.
كز "عماد" على أسنانه بضيق من حديث صديقه الذي يزيد من غضبه أكثر، حتى باتت نيران غضبه تلتهم من الداخل. ولم يكتفِ بكرهه وشرب المنكر، فأكمل الشيطان خباثته ومكره في مجلسهما، حين قال "عماد":
_ عايزك تشوف لي واحد بلطجي.
_ بلطجي! ليه؟ قول لي عايز إيه وأنا هعمله لك، وكله بحسابه.
اقترب "عماد" من صديقه بشر وهمس في أذنيه بنبرة مخيفة قائلًا:
_ عايزاه في قتل... يقتل! هتقتل؟
اتسعت عينا صديقه بصدمة ألجمته وعاد بجسده للخلف من الدهشة، وشعر بالخوف قليلًا من صديقه وغضبه، وأدرك أنه قرر قتل أخيه لأجل الصغيرة.
عاد "الجارحي" من الصلاة وصعد إلى شقته السادسة صباحًا بعد شروق الشمس. وترك المفتاح والهاتف على الطاولة، ودلف للمطبخ. أخذ زجاجة مياه من الثلاجة وارتشف القليل منها ليبصق ما بفمه بفزع حين رآها نائمة على السفرة أمام الطعام. ابتلع لعابه بتوتر شديد ولم يعتد على رؤيتها في منزله. اعتاد على العيش وحده في شقته والتنقل بين أرجائها بحرية، والآن فكرة أنها تشاركه وحدته وكهفه المظلم لم يستوعبها حتى الآن. وضع الزجاجة في الثلاجة واقترب منها بخطوات خافتة حتى لا يوقظها. كانت تنام على ذراعها وفي يدها تحمل شطيرة من الخبز بالكفتة، يبدو عليها التعب والإرهاق. تنحنح بلطف متوترًا وحائرًا بين أن يوقظها أو يتركها هنا. ليُصدم من تصرفه حين فعل جسده رد فعل ثالث لم يكن في مخيلته، حين حملها على ذراعيه بلطف. سقطت رأسها على كتفه، فظل مكانه متجمدًا في أرضه من التوتر وجسده يقشعر بقوة، وهو لا يصدق أنها الآن بين ذراعيه. تحرك ببطء إلى الخارج حيث غرفة النوم التي أصبحت ملكًا لها وحدها الآن. ووضعها على الفراش برفق، وأخذ من يدها الشطيرة ووضع الغطاء عليها، ثم خرج من الغرفة وأطفأ الضوء. دلف إلى الغرفة المجاورة، وكانت غرفة مخصصة للأطفال بها فراشان صغيران وخزانة ملابس صغيرة. غير ملابسه وصعد إلى الفراش لينام به.
جهزت "وصيفة" الفطار صباحًا بحماس يغمرها لأجل العروسين، وبدأت تضع الأطباق على الصواني وتجهز طقوس الصباحية وعادات المصريين في هذا اليوم. خرجت من المطبخ تنادي على ابنتها "هدير" بعفوية وقالت:
_ هدير...
يا هدير ....
توقفت عن الحديث عندما رأت زوجها "حمدي" يجلس على الأريكة متكئاً بيديه على لحيته السوداء والهم يثقل كاهله والحزن يخيم على ملامح وجهه العجوز. اقتربت منه بدهشة وقالت:
_ مالك يا سيد الناس؟
كان يفكر في "قدس" والزواج ويقلق بشأن ليلة العرسان ولا يعلم ماذا حدث وكيف قابل "الجارحي" عروسته الصغيرة العنيدة وهي رافضة الزواج منه. خرجت "هدير" بعد أن سمعت صوت أمها وقالت بلطف:
_ أيوة يا ماما.
_ يلا يا حبيبتي عشان نطلع الفطار للعرايس.
هم "حمدي" بحماس يغمره رغم ضعف جسده وقال بنشاط:
_ يلا يا هدير.
اتسعت عيني "وصيفة" على مصراعيها بدهشة من نشاطه ومن ثواني معدودة كان مهمومًا جدًا ولا يبالي بأي شيء ولم يستمع لحديثها وسؤالها. خرج من الشقة ووجد "مديحة" تقف مع "أسيا" أمام المصعد لكي تصعد بالفطور هي الأخرى، وعندما رأت الصواني التي جهزتها "وصيفة" قالت بحزم:
_ همي يا سنية عشان نطلع الفطار للعرسان.
حاول "حمدى" إخماد نيران الشجار قبل أن يبدأ فقال بلطف يرضي زوجاته الاثنتين:
_ يا بختهم والله. يا ريتني تدلعت زيهم دي ميزة جواز الأقارب.
تبسمت "مديحة" على حديثه وقالت بدلال:
_ أمال إيه؟ قولها يا حج. فاكر يوم فرحنا شوفنا الدلع كله من العائلة.
هز "حمدى" رأسه بنعم موافقًا على حديثها حتى لا تفتعل الشجار معه وبمجرد وصول المصعد دخل بسرعة متلهفًا لرؤية أحفاده. وصل الجميع إلى الشقة ليدق "حمدى" الجرس بلطف ووصلت "خديجة" تحمل معها صينية الإفطار من أجل ابنها لكنها لم تسلم من لسان "مديحة" التي تحدثت بحدة قائلة:
_ والله عال يا سيدنا الشيخ أنت ومراتك. فكرتي نفسك حماة يا خديجة وبقيتي تتصرفي من دماغك وتعملي فطار كده عادي من غير مشورتي ولا أذني.
تنحنحت "خديجة" بحرج من لسان حماتها السليط الذي دائمًا يبحث عن المشاحنات. تحدث "فؤاد" بنبرة خافتة قائلة:
_ خلاص يا أمي. مش على باب شقة العرسان هنتخانق. خلاص مأجرمتش لما عملت فطار لابنها.
_ لا بقي أجرمت. وعزة وجلالة الله يا فؤاد...
كانت تنوي على الكثير من الغضب لتدمير لحظتهم السعادة وفرحتهم بزواج الثنائي لتسقطها ضرب "حمدي" الأرض بلحيته ثلاث ضربات فأبتلعت كلماتها فورًا خوفًا منه.
استيقظت "قدس" على صوت جرس الباب ووجدت نفسها على الفراش وهي آخر ما تتذكره أنها كانت بالمطبخ لتدرك أنه حملها إلى الفراش. تنهدت بحزن شديد وهي تمطي جسدها وخرجت من الغرفة لتراه يقف أمام غرفته وينهدم ملابسه. تجاهلت وجوده ومرت من جانبه لتفتح الباب لكن استوقفها صوته وهو يقول بجدية:
_ ابتسمي عشان محدش يشك في حاجة. خصوصًا ديحة.
تمتمت بسخرية وهي تكمل سيرها قائلة:
_ همك شكلي قوي وخايف على سمعتي.
سمع كلماتها لكنه لم يجيب عليها. دلفت للمطبخ وهي لا تبالي بالعائلة وحضورهم في كل الأحوال قد أجبرت على الزواج. أرتشفت القليل من الماء وسكبت كوب من العصير المفضل لها وخرجت. رأته يجلس على المقعد صامتًا وسط ترحيبات الجميع و"أسيا" التي تشاكسه بطريقتها. أسرعت "هدير" إلى صغيرتها تعانقها ثم قالت:
_ عن إذنكم.
أخذت "قدس" إلى الداخل ونظرت بعينيها حتى أدركت ما حدث بالأمس وبكاء صغيرتها فقالت بحزن:
_ اليوم كان صعب قوي كده؟
_ كان كله قسوة وتجريح. جرحنا في بعض لحد ما كل واحد شبع وهو بيمص دم الثاني.
قالتها "قدس" ببرود بينما تجلس على الفراش منهكة. شهقت "هدير" بحزن ولم تتخيل أن الأوامر ستصل لهذه المرحلة من القسوة فقالت:
_ جرحك بكلمة أو عايرك.
ضحكت "قدس" بسخرية أكبر من كلماتها وهي تتذكر حديثه القاسي عن سبب زواجهما فقالت بحسرة وضيق:
_ هتفرق...
ضمتها "هدير" بلطف إلى صدرها لتجهش الصغيرة في البكاء بقدر الإمكان وقد أطلقت العنان لأوجاعها تتشارك مع أحد. تشبثت بأحضان "هدير" بقوة وهي تبكي بضعف وصوت أنينها ملأ ضلوع "هدير" بحسرة لتربت على ظهرها بحب وقالت:
_ قدس إنتِ بقيتي مراته ومحدش شاف ولا حس ولا عاش وجع فراق الجارحي معاكِ غيري.
أبتعدت "قدس" عن حضن عمتها وهي تحاول التوقف عن البكاء وتجفف دموعها قائلة بعدم فهم:
_ قصدك إيه؟
أخذت "هدير" وجه الصغيرة بين راحتي يديها وتطلعت بعينيها الخضراء الباكية ثم قالت بتحدٍ وعناد أكثر:
_ يعني أنا أكتر واحدة عارفة إنك بتحبيه. وأنا اللي حصل بينكم رغم أنه إذاكِ في سن صغيرة لكن معرفتيش تكرهيه الجارحي وكنتِ طول الوقت بتقنعي نفسك أنه ضحية زيك لليلة دي وكله من شر عماد ومكره. وبرضو أنا أكتر واحدة عارفة أن يوم ما رفعت أيدي عليكِ كان عن حبك للجارحي. وقتها رفعت أيدي وضربتك عشان تبعدي عنه. نفس أيدي دي اللي دلوقتي بتزقك وتقولك لو لسه بتحبي الجارحي حاربي عشان حبك. أدخلي الحرب عشان حبك. دوسي في الحرب لحد ما تمحي أثرها. وتحولي الحرب لحب.
_ مش فاهمة قصدك إيه؟
قالتها "قدس" بوجه طفولي لم يفهم مكر الدنيا وخباثتها لتجيب عليها "هدير" بجدية:
_ حطي حبك جوا قلبه بالعافية يا قدس. زمان أضربتي عشان الجارحي ودلوقتي أنا بقويكِ عشان تأخدي الجارحي ليكِ. أنا بقولك دوسي في الدنيا وكليها بأسنانك عشان توصلي للي إنتِ عايزاه.
_ بس هو مبحبنيش. شايفني طفلة قصده. بنته اللي رباها. أبيه الجارحي كارهني.
كزت "هدير" على أسنانها بغيظ وقالت:
_ أول حاجة بطلي كلمة ابيه دي. اسمه جارحي عادي دا جوزك. ومتخفيش مش هيفضل شايفاك طفلة كتير يا قدس. ولو على زعلك منه وقسوته فخدي حقك منه بس بذكاء. وأنا هقولك تعملي إيه. اتفقنا.
أومأت "قدس" لها بنعم موافقة على حديثها. تبسمت "هدير" بلطف ثم وقفت وأخذت الصغيرة تبدل ملابسها وجعلتها ترتدي عباءة الصباحية وحذاءها ذو الكعب العالي ثم صففت لها شعرها وخرجت للجميع فأندهش منها الجميع وذهل "الجارحي" من صغيرته في العباءة الفضفاض جدًا على جسدها النحيلة وطبقاتها الكثير تخفي ملامح جسدها نهائيًا. رحبت بـ "وصيفة" وهكذا "خديجة" التي كان يبدو عليها الحزن من هذا الزواج ثم جدها الذي قبل رأسها الصغير وهكذا " هادي" والدها ثم أقتربت لتعانق "مديحة" فدفعتها بجدية قائلة:
_ أبعدي كده الرائحة اللي حاطاها تسد النفس.
_ دا برفيوم فرنسي.
قالتها "قدس" بعفوية تثير اشمئزاز "مديحة" فوقفت "مديحة" غاضبة من رد الفتاة وهي تصرخ بعناد كعادتها لشخصيتها الحادة:
_ قصدك إيه يا مفعسة إنتِ؟ أني جاهلة ومبفهمش في الذوق مش كده.
_ مقالتش كده يا ديحة ولا قصدت كده. أقعدي.
قالها "حمدي" بنبرة ساخطة على تصرف زوجته لتقول "مديحة" بانفعال وهي تقترب من "قدس":
_ لا قالت وقصدت بدافع عنها ليه هي عيلة متربتش. ما هي لو ست صفصف كانت فاضية تربيها مكنش حصل كده.
كادت أن تجلب "قدس" من شعرها أمام الجميع فعادت "قدس" للخلف بخوف من شراسة "مديحة" لتصطدم بظهرها في صدره ونظر الجميع حين وقف "الجارحي" من مكانه وباتت صغيرته بين ذراعيه الآن. رفع سبابته أمام وجه "مديحة" وقال بحدة صارمة:
_ إياك ثم إياك ثم إياكم كلكم حد يتجرأ أو يفكر يرفع عينه في مراتي أو حتى يبص لها بصة متعجبهاش. أخر مرة ممكن أسمح لك تفكري تهني مراتي أو ترفع أيدك عليها. لسه متخلقش اللي يفكر يلمس مراتي ولا حتى أبوها.
_ مراتك!!
رفع كف يده أمام وجهها بحدة أكثر وعينيه يتطاير منها الشر وقال بحزم:
_ مسمحلكيش، أنا مرتي متربية غصب عن عين الكل، وللمرة الأخيرة لو فكرتي تضايقها هنسي أنك ستي.
كنت بين ذراعيه لا تبالي بالشجار القائم بينه وبين جدته أمام الجميع. ترمق وجهه عن قرب وتتسارع نبضات قلبها الصغير لأجله. حدته وقوته في التحدي وشجاعته في مواجهة "مديحة" أمام جميع الرجال لأجلها. تهديده الواضح لهم على معاملتها. لطالما كان السند والحماية لها في غياب والدها. لولا غدر "عماد" بهما ما كانت القسوة شقت طريقها لهما. كان يهدد الجميع وذراعه يحط بجسدها الصغير ثم طرد الجميع وهو واقف محله. انتفض جسدها مع غلق باب الشقة بقوة ليربت عليها بلطف من نفضتها وقال بهدوء:
_ متخافيش.
_ أبعد عني كدة.
قالتها بعناد وهي تصارع قلبها الذي كاد أن يتوقف الآن من سرعة خفقانه. كز على أسنانه غيظًا من طريقتها وهو يدافع عنها أمام الجميع. كبح غضبه متحاشيًا النظر لها حتى لا يفقد أعصابه عليها. ألتف لها يقول:
_ العيلة هتفضل عيلــــ......
أبتلع كلماته الغاضبة حين رآها تخلع عباءتها وهكذا خفها ذو الكعب العالي وتهندم خصلات شعرها من الطقس الحار. حملق بها بتوتر وابتلع لعابه من الخجل وهو يراها تقف أمامه ببجامة نوم عبارة عن شورت يصل لأعلى ركبتها وفضفاض وتي شيرت بكتف واحد ويصل منتصف خصرها. تحاشي النظر إلى فتاته الصغيرة مندهشًا من جرأتها في الوقوف أمامه بهذه الملابس. سمع صوت خطواتها فنظر ليراها تجلس على السفرة تتناول الإفطار ولا تبالي بشيء أو توتره. سمعوا صوت ضجة بالخارج ليخرج "الجارحى" من الشقة.
خرجوا من الشقة و"وصيفة" تقول بتذمر:
_ إنت كده متسبنيش في لحظة حلوة أبدًا لازم تنكدي علينا في كل لحظة حلوة.
_ هو اللي يقول الحق يزعل.
قالتها بحزم وكان سيبدأ الشجار لولا ظهور "عماد" على الدرج يصعد بجسد هزيل يهتز من السكر وحالة الثمالة التي بها من الأمس. سأل "حمدي" بحدة مشمئزًا من حالته:
_ والله عال راجع سكران وبتطوح.
تأفف "عماد" بضيق من حديث جده ليصدم بصفعة قوية على وجهه من جده "حمدي" الذي قال بغضب:
_ أفف بقي براحتك.
أتسعت أعين الجميع على مصراعيها وصرخت "خديجة" و"مديحة" على الصفعة بينما صرخ "عماد" بجنون وهو لا يبالي بجده وبدون وعي بثمالة:
_ أنت مجنون أنت بتمد أيدك عليا يا عجوز انت.
مسك جده من عباءته بقوة بغضب مما جعل الجميع يصرخون وقال بانفعال:
_ أنت اللي زيك دلوقت على سجادة الصلاة مستني عزاريل يجي يأخده.
فتح "الجارحي" باب شقته ليصدم مما سمعه و"عماد" يمسك "جدته هكذا فأسرع نحوه ليدفعه بقوة بعيدًا عن جده الكبير. سقط "عماد" عن الدرج ووقف "الجارحي" أمام جده يحملق بأخاه وقال:
_ قولتلك موتك على أيدي مصدقتش. طلبتها وهتنولها يا عماد.
كاد أن ينزل كي يقتل أخاه من الغضب على تجرأه على جده "حمدي" لتمسك يده "خديجة" ببكاء وقالت بحزن شديد:
_ وحياتي يا جارحي. بلاش أكون الام اللي ابنها قتل التاني.
_ ما إنت كنتي الأم اللي ابنها سرق حبيبة التاني. لكن لا أنا مش هسكت حبيبتي هأخدها حتى لو كان الطريق الوحيد أن أرملها.
قالها بغضب سافر أمام الجميع. كز "الجارحي" على أسنانه من الغضب وهذا المختل يتحدث عن زوجته بلسانها المخمور. كاد أن ينزل ويده تدفع يد والدته بعيدًا عنه بقوة لكنه شعر بيد أخرى صغيرة دافئة وناعمة تسللت لراحة يده الأخرى تعانقها باستماتة. سمع صوتها بقربه تقول:
_ خلاص يا ابيه.
نظر إليها وهو كالثور الهائج أمام الجميع ليراها تنظر إليه بخوف وتشاهد هذا الشجار. ظهورها أمام "عماد" تتشبث بيد أخاه أفقده صوابه ليخرج مسدسه من جيبه وهو لا يشعر بشيء وأطلق رصاصته من شدة الغضب.
رواية حرب سقطت راءها الفصل السادس 6 - بقلم نورا عبد العزيز
رواية حرب سقطت راءها الفصل الفصل السادس 6 - بقلم نورا عبد العزيز
الفصـــــــــل الســــــــــادس ( 6 )
بعنـــوان " عنــــــــــــــــــــــاد طفلــــــــــة "
[[أى عقل رجل ناضج يتحمل جنون فتاة مراهقة، لاسيما جمع القدر بين النضوج والطفولة، أشعلت الحرب نيرانها بين الرقيقة والوحش، لكن الآن باتت الجميلة فريسة بين مخالب الأسد]]
صرخت "أسيا" و "خديجة" و"هدير" فزعًا مع إطلاق النار ، نظر "فؤاد" بخوف على ابنه ليرى "الجارحي" يضم صغيرته بين ضلوعه ويحميها من الرصاص بذراعه القوي وقد تلقي الرصاصة فى ذراعه الذي يحيطها بأحكام بخوف ، أرتجفت "قُدس" بين أحضانه ويديها تتشبث بملابسه بقوة من الفزع وقد أوشكت على الموت الآن من هذا الغبي، تلتقط أنفاسها بصعوبة ورأسها الصغير مدفون فى صدره، أقتربت "خديجة" من ابنها بخوف وعينيها تبكي قائلة:-
_ أنت كويس؟
أخذت ذراع "الجارحي" بين يديها لكنه لم يبالي بألمه وهذه الرصاصة الصلبة التى أخترقت جسده فنظر إلى صغيرته بخوف وقال:-
_ إنتِ كويسة؟
نظرت بعينيه العسليتين بخوف تمالك منها وهزت رأسها بنعم مُرتعشة، تألم من ذراعه ووالده يمسك ذراعه فقال بألم:-
_ خلاص حصل خير يا حج؟
انتبه لملابس زوجته المُدللة وهى تقف أمام الجميع ببجامتها فقال بحزم:-
_ عن أذنكم؟
تحدث "حمدي" بقلق على حفيده بفزع وهو يربت على ظهره:-
_ خير أي يا ابنى؟ أمشي خلينا نروح المستشفي؟
نظر إلى صغيرته التى ترتعش بشدة من هول الصدمة ولا تستوعب أن الرصاصة التى تلاقاها كانت من نصيبها، تحدث "الجارحي" بهدوء:-
_ أطلعي
تشبثت بعباءته بضعف لينظر إلى يديها التى ترتجف وشعر برعشتها فأنحني بلطف رغم أصابته وحملها على ذراعه الأخر ووضع المصاب ينزف بغزارة خلف ظهرها، تألم من ثقل ظهرها عليه لتتشبث بعنقه بأحكام وأصبحت قريبة جدًا منه عندما رفعت جسدها أكثر لأجل إصابته، رمق بطرف عينيه للدرج ليجد "عماد" قد أختفي تمامًا بعد مصيبته فدلف إلى الشقة مُتجاهل الجميع لأجل طفلته الجميلة الخائفة، أنزلها على الأريكة فخرجت منه صرخة من الوجع وصك شفتاه بأحكام يكبح أنينه فأنتفض قلبها الصغير لأجل ألمه ولا تصدق أن حبيبها المتسلط الغليظ مصاب، وقفت على الأريكة بركبتيها أمامه ولمست جرحه بحزن وعينيها تبكي بقوة فقالت بصوت مبحوح:-
_ يا الله ، أبيه عماد أتجنن أزاى يعمل كدة...
مسك ذقنها بقوة وأحكام وعينيه تحولت لنيران الشر يرمق عينيها الخضراء وقال بتهديد واضح:-
_ إياكِ تلفظى اسمه أو اسم راجل تاني طول ما إنتِ على ذمتي فاهمة
بعدت يدها عن ذراعه بخوف شديد من هذا الرجل الذي تحول لوحش أمامها ويهددها وأبتلعت لعابها ذعرًا منه، خرج من الشقة غاضبة وأغلق الباب عليها بالمفتاح لتشعر بتحجره وسيطرته عليها وهو يأسرها لديه كسجينة فى بيته ......
__________________________
وقف "فؤاد" أمام "عماد" بغضب يلتهم قلبه من تصرفه وكاد أن يقتل أخاه فصرخ بخنق شديد:-
_ هى وصلت أنك ترفع السلاح على أخوك
_ وهو يصح برضو أنه يعارض جوازي من قُدس ويرفع أيده عليا عشان متجوزهاش ويروح يتجوزها هو ، يصح وحلال أنه يبص لواحدة أخوه طلبها للجواز
قالها "عماد" بغضب وانفعال شديد على والده فتابع الصراخ ويده تلوح أمام وجه والده بقساوة:-
_ ما ترد يا شيخ يا اللى حافظ كتاب ربنا ، يصح ويجوز أنه يعمل كدة
صفعه "فؤاد" على وجهه بقوة وهو يقول:-
_ إياك تلفظ أسم الله وكتابه بلسانك الخمورجي دا، أنت فاهم
صُدم" عماد" من صفع والده له وحدق به بحدة صارمة، صك على شفتيه وهو يحملق بابنه وقد فهم أنه من أجرم بصنع الفخ لأخيه و"قُدس" وبسبب نجاسته باتت الفتاة عالقة بالزواج منه واضطر أخاه يتزوج من فتاة تصغره بعمر، رفع "فؤاد" يده ليصفع أبنه مرة أخرى وأندهش عندما مسك "عماد" يده قبل أن يصفعه ووقف أمامه يعانده قائلًا :-
_ إياك تفكر ترفع أيدك عليا أنا مش صغير قصادك ولا عيل بيجري فى الشارع....
ذهل "فؤاد" من تصرف ابنه وهو يقف أمامه وتجرأ على مواجهته بجحود، دفع "عماد" والده للخلف بضيق ثم دلف إلى غرفته بلا خوف ولا يعري أهتمام لما فعله فى أخاه أو تجاوز الحدود مع والده، نظر "فؤاد" إلى زوجته بحزن شديد من ابنه الأكبر ثم جلس على الأريكة باستياء فتحدثت "خديجة" بقلق قائلة:-
_ ولسه، أنا من البداية كنت رافضة الجوازة دى، الحرب والعداوة هتقوم بين ولادي وهقطعه بعض على حتة عيلة، ربنا يستر على اللى جاي
صمت "فؤاد" بحزن شديد وهو مجبورًا على الموافقة بعد ما علم بالخطيئة التى ارتكبها ابنه مع الصغيرة، كان الهم يثُقل كاهله وهو داخل أرض المعركة تحرفه نارها بينما يديه مقيدة عاجزًا عن فعل أى شيء، الحرب القائمة بين ابنائه ستظل وهو لا يقوى على فعل أى شيء سيبقي مشاهدًا فقط ....
__________________________
وضعت "قُدس" العصير فى الكأس وخرجت من المطبخ تتحدث فى هاتفها مع شاب بعفوية وقالت:-
_ هى إجازة بس هرجع قبل بداية الترم أكيد .....
فتح باب الشقة ليعود "الجارحي" من المستشفي وسمع صوت ضحكاتها يملأ المكان ليشعر بطمأنية على ضحكاتها وقد تخطت الخوف مما حدث، أتسعت عينيه وتوقفت قدميه عن السير عندما سمع جملتها:-
_ هههههه لا والله يا حيدر أكيد الجامعة وأنتوا كلكم وحشتوني أوى
ألتف لكي ينظر إليها فرآها نائمة على الأريكة وتضع الهاتف على أذنها بدلال وعفويتها مع ضحكاتها تُثير غضبه أكثر فأقترب ليسمع بقية الحديث:-
_ شهر كدة ولا حاجة وأجي وليك عندي واحد عصير عشان تعرف بس أنك وحشتني
سحب الهاتف من يدها بغضب شديد قبل أن ينزل حذرها أن تلفظ أسم رجل غيره والآن ببجاحتها وعنادها تتحدث مع شاب عن الشوق وعودتها له، تحدث بلهجة قوية قائلًا:-
_ألو ... مين دا اللى بتكلميه معه
وقفت من مكانها بغضب شديد من طريقته وحاولت أخذ الهاتف من يده وقالت:-
_ أنت مجنون أنت أزاى تعمل كدة ؟
قذف الهاتف فى الحائط من الغضب مما أفزعها وجعلها تنتفض خوفًا، أنكسر الهاتف فى الأرض بينما هو لم يتمالك أعصابه وسحبها من ذراعها بقوة نحوه وعينيه يتطاير منها الشر ولهيب الجحيم قد أشتعل بداخله الآن، تحدث بلهجة قوية مُرعبة :-
_ مين دا؟ انطقي
_ وأنت مالك ؟
قالتها بلهجة مُرتجفة من الخوف ليشد على ذراعها بقضبته أكثر يعتصر عظامها فى يده فقال بضيق:-
_ أنا مالي، أنا جوزك يا محترمة وداخل ألاقي مراتي بتتكلم مع واحد وبتقوله وحشتني هاا ورجعاله بعد شهر ، دا إنتِ عيارك فلت بقي
دفعته بقوة بعيدًا عنها من الغضب وطريقة حديثه عنها المقززة فقالت بضيق:-
_ أتكلم عني بأدب وما تعيش الدور أوى، دا مجرد جواز على ورق صورى وشهر بالكثير وطلقني وأغور من وشك دا
رفع يده بغضب ناري وقد أنفجر بركانه الناري بداخله الآن ليصفعها فأنكمشت فى ذاتها بخوف وهو لم يقوى على صفع الصغيرة لطالما كانت يده تحميها وتساندها، كز على أسنانه بغضب لتشعر بقشعريرة فى جسدها من صوت صرير أسنانه فقال بحدة يُثير غضبها كما فعلت معه ويرد لها الإهانة:-
_ جواز صورى وعلى ورق وشهر وهطلقك لكن طول الشهر دا إنتِ مراتي ، وبراحة على نفسك كدة ليطق لك عرق ومحسسينش أنى بشوفك بدوخ من جمالك وأنوثتك ، يا بت دا إنتِ عيلة مبلغتيش بس العيب مش عليكي العيب على راجل زي اللى قبل يتجوز عيلة لسه بتلعب وتتفرج على كرتون
_ مش عيلة يا أبيه، أنت بس اللى كبريائك وغرورك رافضين الأعتراف بأنى عروسة، لو كنت عيلة مكنش أخوك ضربك بالنار عشان أتجوزت حبيبته بس هى مش كل الناس بتعرف تشوف والرجالة بس اللى بتعرف تميز
لم يتمالك أعصابه هذه اللحظة على حديثها وهو تصف نفسها بحبيبة لهذا الخمروجي وتتحدث عن إعجابها به وبشخصيته، سحبها من ذراعها بقوة إلى الغرفة وهى تصرخ به قائلة:-
_ سيبني يا أبيه.... سيبنى
دفعها على الفراش بقوة وهو يقول بحدة وعينيه يتطاير منها الشر قائلًا:-
_ تعالى أثبتلك أنا راجل ولا لا
أبتلعت لعابها بقوة خائفة من قسوته معها ليبتسم بشر وأقترب على الفراش منها يقول:-
_ أنا عشان راجل طبيعي مش مريض نفسي مش هتغوينى طفلة، وصدقيني يا قُدس عمايلك دى مش هتوصلك لحاجة واللى عملتيه دا وقُلتيه هتندمي عليه كتير، وغلاوتك عندي إذا موتي وإذا اتصلوا قالولي إنك ميتة مش هأجي أشوفك قبل ما يدفنوكي حتى، إنتِ أخر بنت فى العالم ممكن اتمنى أنى أشوفها ومتخافيش أوي كدة إنتِ لو أخر واحدة على الأرض مش هلمسك ومش هكرر الغلط مرة تانية
كان لا يبالي بقسوة حديثه معها بقدر جرح كبريائه الذي إهانته وسببته له بحديثها مع شاب وإعجابها بـ "عماد" ، غادر الغرفة بكبرياء وترك خلفه صغيرة أنهارت من البكاء بضعف وصوت بكائها يعلو وشهقات تحمل الإنكسارات المعبأة فى صدرها ووجعها......
________________________________
وصلت "هدير" إلى الصحيفة التى كانت تعمل بها لتقدم طلب عودة للعمل وخرجت من العمارة لتجد "ليل" تتصل بها فأجابت بلطف:-
_ أيوة يا ليل؟
_ أزيك يا دودو أنا برن على قُدس ومبتردش عليا
قالتها بقلق فأجابت "هدير" بعفوية قائلة:-
_ يا حبيبتي قُدس عروسة لما تشوف التليفون هترن عليكي
قوست "ليل" شفتيها بضيق وقالت بتذمر:-
_ عروسة أى، الجارحي لسه نازل رايح الشغل
_ طيب يا ليل أنا هتصل بيها وأشوف الدنيا معها اى وهكلمك تاني؟
قالتها "هدير" بفضول وأغلقت الهاتف معها ، رنت على هاتف "قُدس" ولم تجد جواب هى الأخرى، نظرت "قُدس" إلى الهاتف الذي يدق بشاشته السوداء من كسر "الجارحي" لهاتفها وشعرت بغيظ أكبر، تواعدت له بالأنتقام وفتحت باب الشقة وهى تنادي على "ليل" قائلة بغضب:-
_ ليل ، يا ليل أطلعي عايزاكِ
دلفت للداخل وأخذت حمام دافئ وعندما خرجت رأت "ليل" تجلس فى أنتظارها لتدخل "قُدس" إلى الغرفة وخلفها "ليل" فرأتها تضع على الفراش فستان فضي لامع قصير وبدون أكمام وبالطو طويل أسود، سألت "ليل" بفضول قائلة:-
_ أي دا ، إنتِ هتخرجي بالهدوم دى
_ أنا هحكيلكِ لأني محتاجة مساعدتك فى حاجة
قالتها بضيق ونار الأنتقام تشتعل بداخلها، أخبرتها "قُدس" بما تنوي فعله لتشهق "ليل" من الخوف وقالت:-
_ إنتِ مجنونة دا ممكن يقتلك فيها وخالي هادي مش هيعديها
تبسمت "قُدس" بمكر شديد وقالت:-
_ الجارحي مش هيسيب بابا يعملى حاجة، مسمعتيش لما قال أنه محدش يتجرأ يقرب من مراته حتى أبوها، بس أنا لازم أخد حقي من جارحي
تأففت "ليل" بضيق وقالت:-
_ بس جارحي مُخيف يا قُدس
وقفت "قُدس" من مكانها وبدأت تستشور شعرها بالمجفف وتصففه ووضعت القليل من مساحيق التجميل ورسمت شفتيها بأحمر الشفايف مُستمعة إلى "ليل" فأجابت بجدية:-
_ أسمعي بس أنا هفضل قاعدة فى العربية لحد ما الجارحي يجي وتقوليله زى ما فهمتك وأول ما يتحرك هدخل هناك، حقيقي أنا مقهورة منه ولازم أخد حقي بالطريقة دى
شعرت "ليل" بخوف من هذا الحديث وما تنوي فعله هذه الصغير فأستعدت "قُدس" وغادرت الشقة بسيارتها الرياضية وظلت "ليل" على أتفاقها مع "قُدس" تنتظر عودة "الجارحي" وأرسلت "قُدس" رسالة لها من الهاتف الجديد الذي أشترته فى طريقها ووضعت به نفس الشريحة، رأت "ليل" سيارة "الجارحي" ومعه "هادي" لتشعر بالخوف من خطة "قُدس" تلك الفتاة العنيدة والمتمردة لتقرر أن تفسد الخطة لصديقتها وتُحدث والدها يتصرف فى العناد، همت بالخروج من الشقة إلى عمها "هادي" قبل أن يصعد "الجارحي" وقالت بقلق:-
_ خالي
توقف "هادي" مكانه ونظر إلى الفتاة وقالت :-
_ خاله قُدس خرجت
عقد حاجبيه بدهشة من خروج صغيرته وقال بفضول:-
_ خرجت راحت فين؟ وأزاى تخرج من غير ما تأخد أذن حد؟
_ هى المشكلة فى أذن حد ،المشكلة خرجت فين؟ بص هى راحت الملهي الليلي اللى بيروحه عماد
تحدثت بسرعة قبل أن يصعد "الجارحي" ويقتلهما الأثنتين، أتسعت أعين "هادي" على مصراعيها بصدمة من تصرف ابنته وقال بفزع:-
_ قُلتِ أى يا ليل؟!
تمتمت الفتاة بخوف من خالها وغضبه الذي اشتعلت نيران فى عينيه من جملتها غير مُصدقٍ ما وقع على مسمعه فقالت مُكررة الحديث:-
_ ارجوك جارحي لو عرف مش هيفوتها على خير، روح يا خالي هات قُدس من الملهي الليلى اللى بيسهر فيه عماد، أنا عرفت اسمه من ديحة
هم الكبير من مكانه بصدمة ألجمته وقال مُتمتمًا بعدم استيعاب:-
_قُدس بنتي أنا راحت كبارية المنحل دا.....
كادت "ليل" أن تتحدث رغم خوفها لكن استوقفها صوت جهوري أرعب الأثنين يقول:-
_مراتي فين؟!!!
استدارت "ليل" بفزع من "الجارحي"، وقفت خلف خالها بذعر من هذا الرجل الذي سيُقطع رأسها اليوم حتمًا، تحدث" هادي"بنبرة هادئة رغم غضبه هو الأخر وقال:-
_أهدا بس يا جارحي خليني أفهم منها
اقترب خطوة جعلت الموت يسير فى عروق "ليل" التى صرخت قبل أن يصل لها:-
_أنا ماليش دعوة هى موجودة فى السحاب الزرقاء فى مدينتي عايزها روح هاتها أنا ماليش دعوة
ركضت بذعر من أمامه وهربت قبل أن يلتهمها غضبه فكز على اسنانه واستدار لكي يذهب حيث زوجته، أوقفه "هادى" بقلق على صغيرته المتهورة وتصرفت كالبلهاء دون أن تحسب عواقب هذا، قال بلهجة واهنة:-
_ أستن هغير هدومي وأجى معاك
نفض ذراع عمه وقال بحزم:-
_مراتي مش هتستني لو استنيك، قُدس لوثت قدسيتها وطاهرتها فى نظري ولازم تتحمل العواقب
خرج كالمجنون من العمارة وذهب حيث زوجته المُدللة ويتصل بغضب سافر عليها لكنها لا تُجيب على اتصاله
كانت "قُدس" جالسة على البار تتفحص المكان بفستانها الفضي اللامع بدون أكمام وقصير يصل لركبتيها وشعرها المسدول على أكتافها العارية، قدميها صاحبة الكعب العالي لا تصل للارض من قُصرها، كان عامل البار لا يُقدم لها الخمر وينظر لها فى هدوء، رن هاتفها باسم "قاسي القلب" زاد غضبها وهى تتذكر شجار الصباح معه وطلبت من العامل بعناد قائلة:-
_ممكن كأس اى حاجة عندك
قدم لها عصير برتقال فقالت باستياء وهى تكز على أسنانها:-
_أنا مطلبتش عصير
_معنديش حاجة أقدمها لقاصر غير عصير
صرخت بانفعال به وهى تقول بتمرد:-
_مش قاصر، أنا كبيرة ومتجوزة...
القت فى وجهه المال الموجود فى حقيبتها بانفعال ليتأفف بضيق وقدم لها أول كأس الذي كان كفيل بأن يسرق وعيها ويجعلها فى حالة سُكر قوية لتطلب الثاني والثالث فبدأت تهتز بثمالة وقالت بحزن:-
_تعال أقولك سر
أقترب عامل البار منها فقالت وهى تتكأ برأسها الثقيل على ذراعها:-
_أنا مش طفلة، بس هو طول الوقت شايفني طفلة وعيلة صغيرة، قلبي بيوجعني من قسوته وبترعب من عصبيته ، بس لو يشوف قلبي قد اى بيحبه
سقطت رأسها بخمول على البار لتطلب كأس أخر فتحدث العامل وقد فهم أنها تعاني من حُبها ووجع قلبها:-
_طيب كفاية شُرب عليكِ كدة وخليني اتصل بجوزك يجي يأخدك، المكان هنا مش أمان كفاية لجميلة زيك
سحبته من قميصه للبار وقالت بعناد:-
_أصلا جوزى مش مهتم لأمري، قال أنى إذا مُت وإذا اتصلوا قالوله أنى ميتة مش هيجي يشوفني قبل ما يدفنوني، هو قاسي ومتحجر وبارد مش مهتم ليا
تنهد العامل بلطف وابعد يدها عنه ثم سرق هاتفها خلسًا لكن الهاتف توقف عن الرنين، تمتمت بحزن ودموعها بدأت تتساقط بحرارة تحرق قلبها:-
_ هو هيطلقني.. أول ما يشوفني هنا هيطلقني، وأنا حابة أنه يطلقني وأسافر بعيد عنه، الوجع معاه صعب ومش قادرة استحمله.. اللعنة عليك يا جارحي
وصل للمكان وتوقف أمامه برجفة فى قدمه لا يقوى على الدخول لهذا المكان، وهل دخوله هنا سيلوث طاهرته وصلاته، دلف رغمًا عنه فصغيرته البلهاء بالداخل، دلف ليراها تجلس على البار نائمة وتهتز وفى يدها كأس فأغمض عينيه بغضب يكبح ناره بداخله قبل أن يقتلها فى الحال، تنهد وهو يتقدم نحوها فسمعها تقول بصراخ إلى العامل:-
_ دا كأس عذابي... في صحة قلبي المكسور بقسوة الجارحي أبو النور.. أنا بكرهه أوى.. لا نهيهنهي لا بحبه بكل روحي.....لا لا لا بكرهه هو شرير وقاسي وظالم ومستحيل أرجعله هو اتسمي جارحي لأنه جارح قلبي، اكيد جارحي دا عشان جارحي أنا
كادت أن تسقط عن مقعدها الطويل مع اهتزاز جسدها لتسقط بين ذراعيه، رمقته عن قرب فتبسمت بسعادة بعد أن سقطت فى أحضانه وقالت بدلال كالبلهاء:-
_وأخيرًا وصل جوزى القاسي
نظر العامل له وهذا الرجل صاحب البنية الجسدية القوية هو زوج الجميلة، تفحصها "الجارحي" بنظره وهو فى شدة غضبه الآن ورائحة الخمر تفوح منها فقالت بسعادة ويدها تلمس لحيته:-
_ جه جارحي القاسي، حبيبي الوسيم
نزع سترته ليضعها على جسدها فتبسمت بين ذراعيه وهى تلف ذراعيها حول عنقه فقالت بدلال:-
_ ممكن ترحم قلبي الصغير، أرحمني
_أسكتي، حسابك لما نرجع البيت
قالها بحزم ثم أنحنى لكي يحملها على ذراعيه وعاد بها للمنزل فوجد "هادي" يقف أمام العمارة ينتظر بقلق ليراه يترجل من السيارة ثم حمل الصغيرة فحاول أستوقفه بكلمة :-
_ جارحي
_ عن أذنك يا خالي
قالها بحدة وهو يصعد بصغيرته التى تهتز وتشهق من الخمر ، دفعها على الفراش بقوة غاضبًا من تصرفها وحالة الثمالة التى بها وقال بنبرة غاضبة قوية:-
_ حسابك لما تفوقي من القرف دا يا قُدس، وغلاوتك عندى لأدفعك تمن الغلط اللى عملتيه أضعاف
غادر الغرفة مُستشاطًا غضبًا وبركان النار يأكل عقله وضلوعه الصلبة، لم يستوعب فعلتها حتى الآن وحالتها التى وجدها بها، كانت والدته على حق هذه الطفلة لا تناسبه نهائيًا ولا تليق بهيبته ووقاره ومبادئه الحادة، جلس على الأريكة فى الصالة ينفث غضبه فى زفيره القوة وآففته الغليظة ويتواعد لها بجحيم لن تتحمله حين تستيقظ من سُكرها، سمع صوت إنكسار الزهرية الزجاجية لينظر فوجد صغيرته تأتي نحوه بثمالتها وتهتز بقوة محاولة الأتكاء على الحائط والأثاث، تأفف بغضب أكثر بينما يراها تقترب بفستانها الضيق والقصير وذراعيها العاريين ، كادت أن تفلت قدميها وتفقد توازنها فانحنت تخلع حذاءها ذو الكعب العالي لتكمل سيرها نحوه حافية القدمين، أغمض عينيه بخنق لا يصدق أنها خرجت من منزله بهذه الملابس التى تكشف من جسدها أكثر ما تستر، فتح عينيه بفزع حين شعر بها تجلس على قدمه وأتسع جفنيه بقوة من هول الدهشة وعينيه ترمق خضراتيها اللامعة ببراءة ونار عشقها المُلتهب تحتل نظراتها الدافئة، همست إليه ويديها تلمس وجنتيه باشتياق:-
_ حبيبي الوسيم
أبعد يدها عنه بقوة غاضبٍ وأنفاسها مليئة برائحة الخمر، تمتم بضيق أكبر يحاول إخماد ناره حتى تعود لوعيها وتتلقي العقاب المناسب لها:-
_ غورى من خلقتي دلوقت يا قُدس وكلامنا لما تفوقي من القرف دا
لمست لحيته بدلال مُفرط مُعجبة بوسامته التى زادت فى غضبه ولا تعي لشيء مما يحدث حولها سوى أنها الآن فى أحضان حبيبها المغرور، تحدثت برقة وصوت ناعم يذيب الجليد:-
_ جارحي
سارت القشعريرة بجسده حين لفظت اسمه لأول مرة دون ألقاب ولمساتها الدافئة للحيته وقُربها الشديد فشعر بأن هذه الصغيرة تستحوذ عليه وبدأت نيرانه تهدأ وغضبه يتلاشي شيئًا فشيء، أبتلع لعابه بتوتر أكبر عندما أخذت يده بيدها ووضعتها على قلبها الذي أوشك على الأنفجار من سرعة ضرباته وقالت بضعف هائمة بعشقها:-
_ أرحم قلبي، بيوجعني من قسوتك.. أنا قُدس
نظر ليده التى تعانق قلبها وضلوعها ويشعر بجنون دقاته أسفل قبضته ثم رفع نظره بصغيرته التى لم تتوقف للحظة عن الاعتراف بحبها له، صغيرته التى باتت زوجته ولم يستوعب حتى الآن أنها كبرت وأصبحت عروسة جميلة تأسر قلوب الرجال بجمالها الخلاب، صُدم من ضحكاتها العفوية وهى تنهل عليه وتفتح أزرار قميصه فجأة ويديه تحاول منعها بدهشة بينما "قُدس" تعانده بسعادة تغمرها حتى فتحت القميص وأبتسمت بإعجاب لعضلاته وقالت بعفوية براءة:-
_ وووووواااااا كل دى عضلات.... وووواااااا
تشنج جسده بربكة ويديها تمسك عضلات كالبلهاء فابعد يدها عنه بقوة لا يقوى على تحمل حركاتها المُثيرة وهو يصرخ بها قائلًا:-
_ قُدس كفاية متختبريش صبري عليكي أكتر من كدة
ضحكت بعفوية مُدللة لتهزمه مرة أخري بجمال ضحكاتها وقالت:-
_ جوزى عنده عضلات جميلة، تعرف أنك بتضرب حلو
احتدت عينيه بمكر وهو يتواعد لها فى الغد حين تعود لوعيها وقال:-
_ ولما أكلك قلم على اللى عاملة فى حالك بكرة هتعرفي أنا ضربي حلو قد أى
حملها بذراعه عن قدمه ليلقي بيها على الأريكة ووقف أمامها يُهددها قائلًا:-
_ متلوميش ألا حالك يا قُد.....
ابتلع كلماته فجأة ولم يكمل تهديده حين جذبته بقوة من ذراعه المُصاب ليسقط جوارها مُلتصق بها وحاوطت عنقه بذراعيها الصغيرين فصرخ بعناد وهو لا يتحمل صبيانتها الجنونية قائلًا:-
_قُدس كفاية جنون وأعقلى بقي، صبري نفد منك ومن شقاوتك.....
أقتربت تقاطعه بدلال وألتصقت رأسها بجيبنه تقول:-
_ فى جامعتي كل الولاد عاشقين شقاوتي وبيدوبوا بس يشوفوا ضحكتي وغمازتي... معقول أنت حبيبي وكاره شقاوتي، معقول غمازتي وضحكتي مش حاببهم
تبسمت بشدة حتى ظهرت غمازتها لينظر لها عن قُرب وشعر بربكة فى قربها ونار الغيرة تأكل قلبه الآن بعد أن أخبرته بمغازلة الشباب لهاو ومحادثة الصباح مع الشاب تأكل عقله، كانت جميلة جداً مع غمازتها التى كانت بمثابة السحر فى جمالها، لا يعلم متى كبرت فتاته وأصبحت تملك كل هذا الجمال السحري، أنقبض عقله تمامًا أمام دلالها وأرتجف صدره خائفًا من مجاورة الصغيرة وقت أطول فيهزم أمامها، كان يرتجف القلب وصعب ابتلع اللعاب داخل الحلق من شقاوتها البريئة، سألت بحزن وعيني دامعة من فراقه وقساوته عليها:-
_ طب إذا حابب تعاقبني قولى أمتى بتخلص مدة عقابي، أمتى ممكن تضمنى وتحبني، أنا مُستعدة أستناك كتير سنة أتنين لحد ما أتخرج، قولى لحد أمتى؟، أمتى عقابي بيخلص؟؟
ذرفت الدموع من عينيها الحزينتين ليصمت وهو لا يفهم شيء، عن أى عقاب تتحدث وهو لم يعاقبها بعد؟، تتحدث عن العشق وهى لم تبلغ التاسعة عشر حتى الآن؟، أى عشق ومشاعر تعرفه طفلة مثلها وتبكي وجعًا لأجله؟! ، قاطع شروده فى التفكير شفتيها التى تتذوق شفتيه برقة ونعومة تُثير عقله، أتسعت عينيه على مصراعيه من فعلتها لكنه لم يدفعها رغم قدرته على فعل ذلك بجسده القوية أمام بنيتها الضئيلة، تشنج جسده وتجمد فى أرضه وهى تقترب بجسدها نحوه وتحيط عنقه بيدها الصغيرة، فى ليلتهم الأولى لا يتذكر الكثير عنها بسبب تخديره فعانت وحدها من الذكريات والآن يبدو أنها تنتقم منه فلن تتذكر شيء عن جراءتها فور استيقاظها لكنه من سيحمل الذكريات وحده، أبعدها عنه بقوة رافضٍ هذا القرب والمساحة التى أقتحمتها فى حياته، وخائفًا هذا الوحش لأول مرة من قُربها وهى قد أشعلت حرارة الرغبة بها بداخله، قوست شفتيها للأسفل بحزن أكبر ووقفت تتأرجح أمامه من الغضب وتقول بصراخ طفولى:-
_ أنا بكرهك بكرهك لأنك قاسي وبارد... بص ليا كدة أنا مش طفلة
وقفت أمامها بعناد أكبر وقال:-
_ طفلة ولو لبستي أى ومهما تعملى مش هيغير حقيقة إنكِ طفلة يا قُدس
رفعت يدها لتصفعه فمسكها بأحكام وعينيه يتطاير منها الشر وقال بتهديد:-
_ مبقاش ألا العيال ويرفعوا أيدهم على الجارحي أبو النور
_ أنت بارد و.....
كادت أن تسقط ليمسكها بأحكام خوفٍ عليها فأغمضت عينيها بتعب ويبدو أن المنكر الذي شربته غلبها أخيرًا، أنحنى ليحملها بلطف على ذراعه فبدأت تُتمتم بكلام لم يفهمه وهو يسير بها وبداخله نار قد أشتعلتها الصغيرة بتصرفاتها المُثيرة ولمسها لجسده بدلالها، وضعها بالفراش برفق هذه المرة لتتشبث بعنقه وقالت:-
_ بحبك
تتطلع بعينيها الجميلتين وشرد بكلمتها الدافئة فسحبته ببطيء نحوها حتى لمست شفتيه كرزتيها الصغيرتين يتذوقها.....
تسلل من الفراش قبل أن تستيقظ الفتاة وتدرك ما جلبت لنفسها بسبب سُكرها، هرب من الغرفة بعد فعلته مهزومًا لأول مرة فى حياته على يد صغيرته الجميلة......
_______________________
فى أحد المطاعم على النيل كانت تجلس "هدير" مع "مصطفى" ووجهها حزين رغم بسمتها فسأل بقلق:-
_ ممكن أفهم بس أي الى مضايقاك أوى كدة ؟
_ مش مضايقة قد ما أنا قلقانة
قالتها "هدير" بقلق واضح وهى تتناول لقمتها فسأل بفضول وفى يده الشوكة:-
_ برضو أي سبب القلق دا؟
_ قلقانة على قُدس
قالتها بضيق وعبوس فتبسم "مصطفى" بعفوية وقال:-
_ متقلقيش عليها ، قُدس مش هتتخلى عن الجارحي بسهولة وألا مكنتش أتجوزته من الأول
أندهشت "هدير" من كلمته وقالت بسخرية:-
_ سبحان الله أمال لو مكنتش إنت دكتوراها وعارف كويس هى أتجوزته ليه؟ أنا قلقانة ترجعلها الكوابيس والحالة اللى كانت فيها لما تعيش مع الجارحي
_ أنا عشان عارف هى أتجوزته ليه بقولك متقلقيش عليها لانها مش هتسيبه وموضوع جواز شهرين وثلاثة وتطلق ، قُدس مش هتطلق هى بس محتاجة الوقت المناسب وأطمن بس وسيبي الزمن يحكم ما بينهم وأفتكري إنكِ متعرفش غير نص الحقيقة ، سيبي الحقيقة تكمل على مهلها
قالها بجدية وتناول لقمته فسألته بفضول من كلماته الغامضة:-
_ لحظة معلش، هو أي اللى نص الحقيقة، دكتور مصطفى أنت مخبي عليا حاجة
أخذ المنشفة الصغيرة ليمسح فمه بهدوء تحت أنظارها الثاقبة له وقال بحيرة من كلماتها وقلبه لا يقوى على رؤية محبوبته بهذا القلق:-
_ هدير بلاش دكتور دى، لأن بحكم القسم اللى أقسمته مينفعش أقولك حاجة عن أسرار المرضي بتوعي، بس اللى أقدر أقول ليكي أن قُدس لسه بنت
أتسعت عيني "هدير" على مصراعيها بصدمة قاتلة وقالت بتلعثم:-
_ بنت !! أزاى؟ لا مستحيل قُدس أتجوزت الجارحي مخصوص عشان كدة
تنهد "مصطفى" بهدوء ثم قال بجدية:-
_ قُدس قبل ما تنزل مصر طلبت منى تروح تكشف لأن لما حكيت ليا اللى حصل ليلتها رغم أن الجارحي كان متخدر لكن مع صوت بكاءها ورجاءها هو مقدرش يكمل ، وقُدس كشفت وكلام الدكتورة باللفظ أنها متلمستش ، ازاى دي بقى سيبها للزمان والأيام لم تكشف الحقيقة كاملة وتبوح قُدس صاحبة الشأن بيها، فأرجوكِ متخافيش عليها ومتقلقيش قُدس أتجوزت الجارحي وهى عارفة أنه ملمسهاش لكن أستغلت الوضع دا عشان خاطر تكون مع حبيبها ، الأزمة أن الجارحي يوجعها بمعاملته فيتحول الحُب لكره كبير وتقرر تبعد عنه ..
كانت "هدير" فى حالة من الذهول وكل الظروف والمواقف أجمعت على أنه سلبها شرفها، فكيف هذه الصغيرة أمكرت له هذا المكر لتجبره على الزواج بها مُستغلة خوفه من عقاب الأخرة ........
وللحكـــــــــــــــــــــايـــة بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة ، يُتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع .................
• تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع 7 - بقلم نورا عبد العزيز
استيقظت "قُدس" في فراشها بتعب وصداع يلزم رأسها الصغير. وضعت يدها على رأسها من التعب بينما تجلس على الفراش، وتذكرت أمس حين قررت الانتقام منه. لكن خطتها انحرفت منها كالماء الذي ينجرف على حافة التل، حين غرقت في السُكر من الوجع والشعور الذي اجتاحها حين دلفت لهذا المكان. كان مُرعبًا.
عندما ولجت لهذا المكان ورأت السعادة على وجوه الجميع، شعرت بضعف. أن هذه المشروبات قد تسلبها الوجع وتعطيها السعادة مثلهم، وتبتسم بأريحية مثلهم. تذكرت حين اتصل بها المجنون، ومجرد رؤيتها لأسمه قررت أن تنتقم من قلبها العاشق له، وغرقت في الشُرب من هذا المنكر. ولا تتذكر شيء آخر عن ليلة أمس.
أغمضت عينيها الخضراء بتعب شديد وهي تنزل من فراشها، وتحاول أن تتذكر شيء بعد أن شُرب كأسها الأول. بدأت الصورة المشوشة تجتاحها، ورأت وجه "الجارحي" في صورة ضعيفة. ولا تتذكر شيء لتُدرك أنه من أعادها للمنزل، لكن ماذا حدث؟ وكيف كان رد فعله حين جلبها لهنا؟ لا تتذكر شيء عن ليلة أمس مما جعلها في حيرة.
تقدمت للأمام بخطوات ثقيلة، وقدميها مُرتعشة من أثر حالة الثمالة التي كانت بها. وجسدها غير مُتزن يهتز بخفة في خطواتها. لتنتبه لشيء حين مرت من أمام المرآة الطويلة. فعادت مرة أخرى لتقف أمام المرآة الموجودة بطول الحائط لترى نفسها ترتدي قميص رجالي أبيض على جسدها الصغير، وقدميها العاريتين. وكان القميص أقصر من فستانها، وأكمامه طويلة جدًا على ذراعيها وواسع على نحافتها.
لتفزع وهي تضع يدها على فمها بفزع، وكيف خلعت فستانها وأرتدت قميصه. فركت عينيها بقوة من هول الدهشة التي أصابتها، ونظرت مرة أخرى فلم يتغير شيء. لتفزع من هذا الشيء وشعرت بخوف يحتلها. إذا حدث شيء بينهما ليلة أمس، فحتما "الجارحي" الآن في أقصى درجات غضبه منها وسيطلقها.
ظلت بغرفتها قليلًا تفكر، وقررت أن تصطنع الجهل. فأخذت بيجامتها من الخزين بعد أن وجدت الساعة تجاوزت الثانية عشر ظهرًا، وحتما أنه ذهب إلى العمل. خرجت لتأخذ حمامها رغم جسدها الهزيل، وأرتدت بيجامتها عبارة عن بنطلون فضفاض رمادي وتي شيرت أبيض ضيق يظهر مفاتن نصفها العلوي.
وخرجت من المرحاض تجفف شعرها بالمنشفة، لتصرخ بفزع حين رأته يخرج من المطبخ، فأرتطمت بظهرها في الحائط. تجاهل النظر إليها بحدة صارمة وقال:
"تعالي أطفحي عشان تفوقي من القرف اللي شربتيه."
ابتلعت لعابها بخوف، ولأول مرة ينعقد لسانها ويمتنع عن تحديه. فدَلفت إلى غرفتها تصفف شعرها، وخرجت من الغرفة الخوف يتملكها، خصيصًا أنها تجهل ما حدث ليلة أمس بينهما. رأته يجلس على السفرة يتناول فطاره ببرود شديد ويحملق في هاتفه.
جلست على مقعدها المجاور له، أرتشفت القليل الحساء الساخن وعينيها تحملق به في هدوء، مُنتظرة رد فعله أو صراخه. مُنتظرة أي رد فعل منه على ما حدث. كان أكثر ما يشغل بالها هو كيف كان قميصه على جسدها الناعم. لتبتلع لعابها بتوتر، فتحدث بحدة صارمة وعينيه في هاتفه:
"هتفضلي مبحلقة فيا كتير؟ هاتي اللي عندك."
تنحنت بحرج وتركت الملعقة من يدها في الطبق، وتنهدت بخفة خائفة منه وسألت بتوتر شديد:
"أنا هببت الدنيا أوي؟"
رمقها بغرور، بينما يضع الجُبن على العيش بالسكين. فأبتلعت لعابها بتوتر وأحمرت وجنتها خجلاً. فتبسم بخباثة على خجلها وانكماشها في ذاتها أمامه، وهي لا تذكر شيء عن ليلة أمس. فسألت بتلعثم شديد:
"أو"
لوّح بالسكين أمام وجهها وقال بجدية:
"اللي هببتي متلومنيش عليه يا قُدس. أنا وعدتك ما هبص لك حتى لو ميتة، لكن اللي عملتيه تحمليه لوحدك."
لم تفهم كلمات، ليسحب مقعدها بيده بقوة حتى ارتطمت به. فحاوطها بذراعه وهو يقول:
"خايفة ليه؟ المفروض بعد ليلة امبارح تكوني اتعودتي على حضني زي ما أنا اتعودت على حبك الكبير ليا وقد إيه مش قادرة تعيشي من غيري ولا في بعدي. زي ما اتفاجئت بجرأتك معايا امبارح وإنت تخلعي هدومي..."
وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث أكثر، وأحمرت وجنتها أكثر وعينيها تتلألأ بالخجل. فلم يفهم هذه الصغيرة. تورّدت خجلاً الآن، بينما أمس كانت جريئة في لمس جسده. فكز على أسنانه بحدة صارمة، فتحدثت بنبرة خاجلة واستحياء:
"اتلم يا ابيه، أنا مستحيل أكون عملت كده."
تبسم بخباثة ثم قال بعينين ترمقها كالصقر:
"أنا كمان قلت إنك مستحيل تعملي كده؟ أنا كمان قلت مستحيل قُدس اللي ربتها على إيدي وعلى الأخلاق تروح الأماكن دي وتطفح اللي طفحتيه."
ابتلعت لعابها بخوف منه، فقالت بتمتمة:
"لأن قُدس كبرت."
مسك ذراعها بقوة غاضبًا وقال بحزم وصراخ أرعبها:
"وهي اللي تكبر تفجر... اللي عملتيه اسمه فُجر وانحراف وعقابه عسير يا قُدس."
فُتح باب الشقة مع صرخته، لترى رجل ضخم كدلفة الباب. فقال بحزم:
"اللي بيشرب اللي شربتيه صلاته متتقبلش أربعين ليلة. وبما إنك طفحتيه ومعملتش حساب للجارحي أبو النور... بس صحيح اللي مخافتش من الحلال والحرام وربنا هتخاف من الجارحي أبو النور. أربعين ليلة محرومة من الطلوع من الشقة. يزيد عنده أمر لو طلعتيه من البيت يطخك عيار يجيب أجلك. ومفيش جامعة ولا نت يا قُدس. هتعيشي أربعين ليلة سجينة بين حيطان شقتك. ودا لأني رافض رفض قاطع أن أمد إيدي عليكِ."
لم تستوعب عقابه وهو يحول الشقة لسجن لها، فمسكت ذراعه قبل أن يغادر، وقالت:
"انت متقدرش تعمل فيا كده، أنا هكلم جدي حمدي هو هيمنعك."
خنقها بقبضته بقوة وتحدث بغضب شديد:
"مقدرش، لكن إنتِ تقدري تروحي المكان اللي روحتي وقدرتي تكوني في الحالة اللي إنتِ فيها. قُدس أنا حاليًا بفكر إزاي أقتلك على اللي عملتيه ومانع نفسي عنك، فمتحاوليش تستفزيني أكتر من كده وكوني هادية قدر الإمكان."
ارتجفت خوفًا منه، ولأول مرة تتخلى عن التحدي أمامه بسبب خوفها، وتمتمت بتلعثم:
"أنا هكلم جدي."
تبسم بمكر وقال بثقة:
"جربي تكلميه ولو عرف يعملك حاجة يا قُدس يبقى بحق. صحيح في الأربعين ليلة دول أوعي لسانك يخاطب لساني لأن مانع نفسي بالعافية. وبمناسبة بقي أنك كبرتي ومش طفلة راقبي أمورك لتكوني حامل من ليلة امبارح... سلام يا مراتي العزيزة."
اتسعت عينيها على مصراعيها من كلمته، لتفهم أن ليلة أمس كانت بين أحضانه رغم أنها لا تتذكر شيء من ليلتها. فتبسمت بخباثة على كذبه، فإذا فعل ذلك حقًا لكان عرف أنها ما زالت بعفتها وبراءتها. كانت نظرة الخبث تتطاير منها وهي تمكر له، وهو يعتقد أنه من ينتصر عليها؟
لكن الآن قد سحب هاتفها واللاب توب الخاص بها ومنع عنها كل شيء تحبه وخرج من الشقة. فحاولت الركض وراءه، لكن عندما فتحت باب الشقة وجدت "يزيد" يقف أمامها يمنعها من الحركة. فأتسعت عينيها بخوف، وقد فهمت أنه لم يكن يمازحها، بل أصدر أمره باعتقالها. فتمتمت بخوف:
"أنا هنزل لصفصف تحت مش هخرج من العمارة."
أجابها "يزيد" بجدية صارمة كما أُمر:
"ممنوع."
أدلفت إلى الشقة وضربت باب الشقة بقوة حتى سمعه الجميع من الأسفل بسبب غضبها.
***
خرجت "أسيا" مع ابنتها "ليل" و"عمران" ووالدته لشراء شبكتها من أجل التحضير إلى حفل الخطبة. كانت "ليل" في أقصى درجات السعادة، لتبتسم بحب على خاتم ذهب بسيط. فسألته عنه بلطف:
"ممكن أشوف دا لو سمحت؟"
أندهشت "أسيا" من اختيار ابنتها، فقالت بدهشة هامسة إليها:
"إيه يا ليل دا مش حلوة ومش مقامك الدبلة دي، إنتِ ليل أبو النور."
سمعها "عمران" ووالدته، وقبل أن يُجيب ردت فتاته الصغيرة ببسمتها المشرقة، وكانت في غاية السعادة بهذا الخاتم البسيط:
"مش بالشبكة يا ماما، أنا مبسوطة ومرتاحة في دا."
"برضو... شوفي لنا سوليتار كده ولا حاجة بعد إذنك."
قالتها "أسيا" بحدة صارمة. فتحدثت "ليل" بجدية إلى الموظف:
"لا، مش عايزة سوليتار يا ماما، أنا عايزة الدبلة دي."
تحدث "عمران" بلطف سعيدٍ بفتاته الجميلة التي تُقدر الحب عن الذهب، قائلًا:
"شوف لينا دا بكام بعد إذنك؟"
رمقته "أسيا" بغيظ شديد، والآن ابنتها ستكون أقل من أي بنت في العائلة، وهم أكبر عائلة. ليُصدمها الرجل حين قال بلطف:
"دي 3 جرام ونص."
اشمئزت "أسيا" غيظًا من "عمران"، وهل هذه ستكون شبكة ابنتها؟ قالت بحزم:
"والنبي يا خويا شوف لينا حاجة أثقل شوية ووريني الغوايش اللي هناك دي كده."
ألتفت "ليل" إلى والدتها التي تعكر صفو سعادتها وأحرجت "عمران" كثيرًا أمام الرجل ووالدته الصامتة. لكن نظراتها توحي برفضها لما يحدث. فقالت بضيق تكز على أسنانها من الحرج:
"ماااااا ما."
رمقتها "أسيا" بخنق، ونظرت إلى والدة "عمران" بهدوء، وقالت:
"ما تتكلمي يا أم عمران، عجبك الشبكة دي لبنتي؟"
نظرت "حسناء" والدة الشاب إلى ابنها بضيق محرجة من تصرف "أسيا"، وقالت بهدوء:
"هاتلها اللي عايزاه يا عمران، الحمد لله مستُرة يا بني والحمد لله."
غضبت "ليل" وشعرت بإحراجهم، بينما تبسمت "أسيا" في حين الجميع كان الضيق تملك من ملامحهم. واشترت خاتم سولتيار وأساورة وعقد. فتبسمت "أسيا" وهي تأخذ علبة الشبكة من الرجل وخرجوا من المحل. فهمس "عمران" بلطف قائلًا:
"مبروك يا عروسة."
كانت "ليل" أكثرهم ضيق من تصرف والدتها، وقالت بهمس:
"حقك عليا يا عمران."
"فداكِ يا قلب عمران والدنيا كله تحت رجلك وقليل عليكِ."
قالها ببسمة لطيفة لتبتسم "ليل" بخفة تخفي حرجها، وقالت:
"تسلم يا عمران."
عادوا للمنزل لتنفجر "ليل" بغضب في أمها قائلة:
"ينفع اللي عملتيه دا يا ماما."
"عملت إيه؟ ها أنا غلطانة إني بجيبلك حاجة تليق بقيمتك وتشرفك قدام العائلة."
قالتها "أسيا" بضيق، بينما صرخت "ليل" مُنفعلة في والدتها وهي تنزع حجابها قائلة:
"بتجيبيلي!! هو إنتِ اللي بتجيبي دا شبكتي هدية منه ليا، ومحدش بيشترط على الهدية ولا قيمتها. كنت فرحانة باختياري كسرتي فرحتي عشان تجيبي اللي تتباهي بيه قصاد الناس. نظرة الناس أهم من فرحة بنتك."
خرجت "مديحة" على صوت شجارهم، فتحدثت "أسيا" بضيق قائلة:
"اتكلمي مع أمك بأدب وإياك حسك يعلى عليا إنتِ فاهم يا ليل، وإلا قسم باللي خلقك أقطع رقبتك. وفرحة إيه اللي كسرتها يا ست الحُسن إنتِ ها؟"
سألت "مديحة" بضيق من صوتها العالي وشجارهن قائلة:
"فيه إيه يا بت مزعلة أمك ليه؟"
تأففت "ليل" بضيق من حدة والدتها وتجمعت الدموع في عيونها، وخرجت من الشقة غاضبة لكي تصعد إلى "قُدس" صديقتها الوحيدة. ووجدت "يزيد" يقف أمام الشقة، فشَهِقَت بدهشة ورنت على "قُدس" لتُدهش عندما أتاها صوت "الجارحي". فنظرت إلى هاتفها ربما اتصلت به بالخطأ، لكنه كان رقم "قُدس" فعلًا. فتحدثت بتعجب وهي واقفة بمنتصف الدرج:
"ابيه جارحي!! أنا كنت برن على قُدس عشان أطلع أقعد معاها شوية."
تبسم "الجارحي" بخباثة، وعقله غاضبًا جدًا من تصرف زوجته، ولم يكتفِ بعقابها بل يبحث عن عقاب أكبر لها. فتحدث بحدة صارمة:
"معلش يا ليل، قُدس مش هتقعد معاكِ لفترة كده محترمة."
"عشان اللي حصل امبارح، واللي هي أكيد اتعلمت الدرس وهتبطل جنان."
قالتها بقلق على "قُدس"، لكن الصدمة كانت في رده القاسي حين قال:
"لا يا ليل هانم، ما انتوا بتخططوا وتنفذوا سوا. وإذا فعلاً كنتي خايفة عليها وعلى مصلحتها كان ممكن تكلميني قبل ما تطلع البيت وتقوليلي على اللي ناوية تعمله من ورايا. لكن إنتِ شاركتيها المصيبة. اتحملوا بقيت."
تنحنحت "ليل" بخوف من غضبه، وقالت بجدية:
"بس أنا عايزة أشوفها دلوقتي. واوعى تفكر أن الجحش اللي موقفه على الباب ده هيمنعني أنا وقُدس."
ضحك بسخرية من هذه الفتاة التي تتحداه بجراءة، وقال:
"أعلى ما في خيلكم أركبوه يا ليل."
أغلق الهاتف في وجهها، لتتصدم وتبدأ في شتم وسب "الجارحي" بغلاظة، ثم قالت:
"هتشوف يا جارحي."
***
في حديقة العمارة الأمامية كانت تجلس "هدير" مع "أسيا". ثم قالت:
"بصراحة يا أسيا ليل عندها حق تزعل منك. إنتِ أحرجتيها قصاد خطيبها وأمه. وكمان يمكن الولد معهوش المبلغ ده ولا يقدر يجيب اللي إنتِ عايزاه."
تحدثت "أسيا" بلهجة غليظة وبسمة لزجة:
"ما هو دفع وجاب معوش إزاي يعني؟ والنبي تتلهي يا هدير، أنا بجيبالها شبكة العمر. ولا إنتِ فاكرة إنه لما يخدوها هيجيبالها حاجة تانية؟ ما هو أبوها أهو، ولا دخل عليا بسلسلة صيني حتى بعد الجواز. هو أنا سبته من شوية."
تنهدت "هدير" بضيق من تفكير أختها، وأخذت كوب العصير من فوق الطاولة ترتشف منه القليل، ثم قالت بجدية:
"بس يا هدير مش كل الناس زي بعضها، ومطلعيش التروما اللي عندك من الرجالة على بنتك. واه عمران دفع ومعه بس ممكن تكون الفلوس دي اللي هيجيب بيها الشقة الملك وبتصرفك ده احتمال يسكنها في إيجار ولا مش واخدة بالك."
وضعت "أسيا" كوب الشاي من يدها على الطاولة بضيق، وتحولت ملامح وجهها إلى الغضب والجنون في نبرتها المُنفعلة حين قالت بجدية:
"ليه هو فاكر نفسه واخد مني؟ دا ليل أبو النور، ولو مش قادر مهرها ميخدهاش يا حبيبتي، وأقل من مستواها اللي عايشاه معايا هنا مش هقبل."
تنهدت "هدير" بهدوء، وقالت بلطف تهدأ من روعة اختها الغاضبة:
"أهدي طيب مش بالخناق. ومستواها هنا حرمها من إنها تعيش مع أبوها زي باقي الأطفال. المعنى إن لكل حاجة ضريبة يا أسيا. ومحدش بياخد كل حاجة. إنتِ لما لاقيتي نفسك مش قادرة تعيشي في نفس المستوى مع طليقك وحسيتي بالبخيل والعيشة اللي على القد قررتي تنفصلي عشان ترجعي للعز، وكانت الضريبة إنك تعيشي منفصلة. وأنا عشان أكمل الدراسات العليا وأعمل كارير في الإعلام وأبقى حاجة قررت اتنازل عن الجواز ولحد دلوقتي رافضة الجواز ووصلت لـ 37 من غير جواز. لكل حاجة ضريبة يا أسيا. ويمكن الحب اللي ليل اختارته ضريبته إنها هتعيش في مستوى أقل شوية لكن هتكون سعيدة وراضية مع عمران. وكفاية إنه محترم وبيحبها وبيخاف عليها. فكري في كلامي وخلي الولد يبقي في طوعك وزي ابنك، هتتسندي عليه في المستقبل وهيبقى راجلك إنتِ وبنتي بدل ما يأخد موقف منك وتبقي الحماة الشريرة في نظره."
تنحنت "أسيا" بهدوء ووضعت قدم على الاخرى بلا مبالاة، وما زالت على قناعتها وتفكيرها. فقالت "هدير" بتمتمة حائرة:
"ولا كأني قلت حاجة مش كده؟"
نظرت "هدير" في هاتفها، وقد تعبت من الحديث مع أختها.
***
{{ محل أبو النــــــــــــــــور }}
كان "الجارحي" جالسًا في مكتبه الزجاجي بالأعلى شاردًا بطفلته الصغيرة، وليلة أمس لم تغادر عقله للحظة، ولمساتها التي أشعلت نيران جسده، وما زالت القشعريرة تُصيبه كلما تذكر دفء جسدها وعناقها السحري. جمالها وغمازاتها الخلابة حين تحدثت عنهم، وبسمتها المشرقة. أنوثتها التي ظهرت في ملابسها القصير. كلمة (بحبك) التي لفظت بها برقة وهي شبه غائبة عن الوعي.
فتح هاتفه على حسابها على الأنستجرام، ونظر إلى صورتها وبسمتها. ما زالت نيران عقله مُلتهبة بداخله. أيعقل أن الصغيرة كبرت؟ لكن كيف وهي ستبلغ التاسعة عشر بعد شهرين تقريبًا؟ تسعة عشر عام كافية ليقول عنها كبيرة، كما تزعم هي أنها كبرت وأصبحت امرأة ناضجة. لم يتمكن من رؤيتها سوى صغيرة وفتاته البريئة التي كان يذهب إلى مدرستها كولي أمر لها.
دخل على خانة الاتصال وضغط على اسم "صغيرتي" واتصل، ليجد هاتفها يرن بجواره. وصُدم من تسميتها له على الهاتف "قاسي القلب" مما جعله يجن وعقد حاجبيه بغضب وأغلق الهاتف بضيق. دلف "عبد العظيم" رئيس العمال في المحل وقال بهدوء:
"يا معلم جارحي، المعلم أبو سعود بعت حد عايز يشيل البضاعة أطلعها ولا إيه؟"
نظر إلى "الجارحي" وكان شاردًا في صغيرته، ليكرر سؤاله من جديد وقال:
"يا معلم."
نظر "الجارحي" إليه وقال بحدة:
"مفيش بضاعة هتطلع من هنا غير لما يدفع النص والنص التاني يدفع بعد شهرين. قوله دا النظام عندنا، الحساب بيدفع على دفعتين."
أومأ "عبد العظيم" إليه بنعم، ثم غادر المكتب. تنهد "الجارحي" بهدوء وعينيه تحملق بالصغيرة في شاشة الهاتف ليهدأ من روعته وغضبه. ثم خرج من المكتب لكي يعود إلى المنزل.
***
كانت "قُدس" جالسة في الشقة تكاد تجن من الحبس هنا ولا تملك شيء يسلي وقتها. أخذ هاتفها واللاب توب وكل شيء، فكان الوقت يمر بملل شديد. جلست ساعات طويلة أمام التلفاز تغير القنوات بملل أكبر ولا تنتظر شيء مدهش بها.
دلف إلى الشقة يحمل في يده أغراض وبعض الأكياس، لينتبه إلى صوت التلفاز العالي جدًا. فنظر ورأى "قُدس" نائمة على الأريكة وترفع قدميها للأعلى بملل شديد. فتنحنح بحرج من طريقة نومها، لكنها لم تحرك ساكنًا. فأقترب برفق ليراها نائمة في عمق أحلامها والريموت في يدها.
وضع الأكياس بالأرض برفق وأقترب أكثر، ثم أخذ الريموت من يدها وأغلق الشاشة. نظر إلى وجهها في نومها وأنحنى نحوها يحملها على ذراعيه، وعادت إليه ذكريات الأمس التي تُربكه وتجعل حرارة جسده ترتفع بغزارة. تنهد بلطف وأستدار حيث غرفتها وسار بها. كانت كالفراشة بخفة، أخذها إلى الوسادة على ذراعيه. وضعه بالفراش وانتبه إلى الغرفة الفوضوية، وكأنها بحثت عن شيء في الغرفة حتى جعلت الحرب تُقام بها.
تأمل وجهها البريئة، ولأول مرة يجرؤ على المبادرة بلمسها أولًا. رفع خصلات شعرها عن جبينها برفق، رغم غضبه الشديد منها، لكن بداخله شيء يصبو نحوها. تنهد بهدوء وقال بلطف:
"لسه مكبرتش، لو جبتيلي مية عقل على عقلي هفضل أقول إنك مكبرتش يا قُدس."
وقف من مكانه وبدأ ينظف الغرفة بنفسه، ووضع الملابس في الخزينة وأخذ الأوراق المنثورة على الأرض ورسوماتها التي تعتز بها ووضعها فوق الطاولة. خرج ليحضر الأكياس التي اشتراها وعاد للغرفة، وبدأ يضع الأواني وأدوات الرسم التي جلبها لصغيرته على الطاولة. ثم خرج إلى المطبخ ووضع الشيكولاتات والعصائر في الثلاجة، وخرج إلى الصالة وبدأ ينظف مكانها. ووجد الزهرية الموجودة على السفرة على الأرض مكسورة لإشلاء.
فتح باب الشقة ودلف "يزيد" إلى الصالون ليقول:
"طلبت تخرج الصبح مرتين وبعدها سمعت صوت صراخ وتكسير، لكن من بعد المغرب وحل الهدوء."
"تعبت!!"
قالها بتمتم شارد في حالة الغضب التي تملكتها من حبسها. قال بهدوء:
"خليك زي ما إنت، ممنوع تخرج من الشقة نهائي."
أومأ "يزيد" بنعم، فأشار إليه "الجارحي" بأن يغادر المكان وعاد بظهره إلى الخلف لكي يستريح، وبدأ يغفو في نومه من التعب أثناء جلوسه. لكن فتح عينيه بتعب عندما سمع صوت خطواتها، ليُدهش عندما رآها تخرج إلى البلكونة وتحمل في يدها الأكياس التي وضعها على الطاولة وألقت بها من الشرفة. فأستدارت ورأته خلفها، فقالت بعنادٍ وتحدٍ:
"أنا مش عايزة حاجة منك، بلاش تعمل فيها الراجل الجدع وإنت حابسني هنا زي الكلبة. والله يا أبيه لأدفعك تمن ذُلي وحبسي دي وهتشوف هتيجي الأيام اللي تقول فيها أن العيلة الصغيرة علمت عليك."
دفعته في كتفه بغيظ من شعورها اليوم وسجنها في الشقة، لتمر من أمامه غاضبة رغم هدوئها. اندهش من حديثها وسار خلفها ليراها تدخل غرفتها وأغلقت الباب من الداخل بالمفتاح. وقد بدأت انتقامها منه حين مر الأربعين ليلة الذي عاقبها بهم، وهي تحرمه من رؤية وجهها. تظل بالغرفة حبيسة، بينما هو في الشقة وتخرج من غرفتها حين يغادر، ليظل أربعين ليلة لا يلمح طيفها ولا يعرف كيف حالها؟
خرجت من غرفتها صباحًا ببرود شديد واتجهت إلى باب الشقة، لتجد "يزيد" ما زال واقفًا. فقالت بحزم:
"أعتقد الأربعين ليلة خلصوا، خليه ينزلني."
أومأ إلى "يزيد" بنعم، فأفسح لها الطريق لتغادر الشقة، بينما هو كان يراقبها بعينيه لعله يرى وجهها الجميل. أول شيء فعلته نزلت إلى شقة "وصيفة" لترى "حمدي" يجلس مع "هدير" و"هادي" الذي سعد برؤية صغيرته، وهو لم يفهم لماذا تغيبت كل هذه الليالي دون أن تراه. فقالت بحزم شديد:
"بابا أنا عايزة أطلق."
أتسعت أعين الجميع، ومن بينهم "هدير"، ولم تعد تفهم شيء. في البداية خططت الصغيرة للزواج منه بسبب خطيئة لم يفعلها، والآن قررت الانفصال دون أن تهتم لأي شيء آخر. وقفت "هدير" من مكانها وسحبت "قُدس" معها للغرفة، وقالت بغضب:
"ها."
"نعم يا دودي."
قالتها "قُدس" بهدوء شديد، ولم تفهم سر غضبها. لتقول "هدير" بضيق شديد قائلة:
"هتفضلي تستغفليني كتير."
"مش فاهمة، قصدك إيه؟"
قالتها "قُدس" بحيرة وعدم فهم، لتقول "هدير" بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها بثقة:
"دكتور مصطفى قالها إنك بنت!! الكلام ده حقيقي."
أتسعت أعين "قُدس" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وقالت بتلعثم:
"هو إزاي قالك؟"
"ده المهم بالنسبة ليك، إزاي قالي، مش مهم إنك اتهمتي الجارحي بجريمة بشعة زي دي وبسببك عاش ثلاث سنين في عذاب وخوف وهو بيحاول يكفر عن ذنب هو معملهوش، واتجوزك بالإكراه عشان يكفر عن ذنبه اللي معملهوش برضه. ودلوقتي جاي تقولي طلاق مش كده؟ هو الجواز والطلاق لعبة في إيدك يا قُدس."
قالتها "هدير" بغضب من تصرف الفتاة. لتدمع عيني "قُدس" وقالت بحزن:
"إنتِ بتقولي إيه؟ أنا أكتر واحدة كنت رافضة الجوازة دي؟ أنا مكنتش أعرف إني بنت لسه غير في اليوم اللي نزلنا منه لإنجلترا لما روحت للدكتورة مع مصطفى. قبل كده مكنتش أفهم يعني إيه العلاقة الحميمية مش كاملة وإني لسه بنت."
جلست على حافة الفراش بحزن، ودموعها تسيل على وجنتيها بغزارة، وقالت:
"يومها كنت في حالة رعب وهو بيقطع هدومي وأيده بتلمس كل حتة في جسمي."
*** فلاش باك ***
كانت تصرخ بهلع بين قبضتيه التي تمزق ملابسها. فتمتمت بضعف:
"ابيه أنا قُدس وحياتي أنا خايفة منك... أرجوك سيبني ومش هقولك بحبك تاني."
كان حديثها يمزقه من الداخل، فأبتعد عنها للحظات يقاوم تأثير هذا المخدر الذي يسيطر عليه من الداخل. فحاولت التسلل من قُربه حتى تنقذ حالها، لكن سرعان ما مسك يدها بقوة وقال بضعف:
"مش قادر."
جذبها إلى أحضانه بقوة، فعادت للأرتجاف والبكاء بقهرة وحزن، وتمتمت بضعف وشهقاتها القوية تملأ صدره القوي:
"فوق يا ابيه، فوق أنا قُدس."
مسك الكوب الزجاجية وكسره في الفراش وهو يغرس الزجاج في يده بقوة، يحاول أن يقظ نفسه بالألم، لتفزع من المنظر وهو يجرح نفسه بقوة لأجلها محاولًا إنقاذ الصغير من قوة المخدر الشيطاني الذي يسير بعروقه. وجهها الشاحب. ضمت فستانها من الصدر وهي خائفة منه، بينما هو فوقها يجرح نفسه. همس بضعف:
"اهربي يا قُدس... اهربي مني."
وقفت من مكانها بفزع لتدهس الزجاج بقدمها وتسقط أرضًا فاقدة للوعي.
***
تمتمت "هدير" بدهشة من حديثها قائلة:
"طب والدكاترة اللي وصفوكي حالة اعتداء."
"يمكن وقتها ترجمه الدم اللي على هدومي مني ومش من أبيه، لأن وقتها أنا كنت بصراخ بجنون ومعرفوش يكشفوا عليا وفهمت دا لما الدكتورة كشفت عليا في انجلترا. هم مكشفوش عليا زي ما هي عملت. وكمان بدليل إن الضابط اللي جالنا المستشفى مجاش تاني هنا ومحاولة الدكاترة إنهم يشوفوا جسمي رعبتني أكتر وأبيه خدني منهم لما شافني خايفة."
تمتمت "هدير" بفهم أن الأطباء لم يتمكنوا من إجراء كشف العذرية عليها قائلة:
"عشان كده كنتي رافضة جدًا إنك تتجوزي الجارحي لما رجعنا."
"أمممم."
تنهدت "هدير" بضيق ثم قالت بلطف:
"ودلوقتي عايزة تتطلقي ليه؟ بتكرهيه؟"
تنهدت "قُدس" بجدية وعينيها تبكي وجعًا:
"مش عايزاه يفضل عايش معايا مجبور على حاجة هو معملهاش، وفي نفس الوقت بنوجع في بعض بسبب حاجة مش موجودة."
جلست "هدير" بجوارها وقالت بهدوء:
"طب أهدي وبطلي عياط ومعلش ممكن تستحملي شوية على ما نتم خطوبة ليل."
أومأت "قُدس" بنعم وظلت تبكي بقهرة على حياتها.
***
خرج "الجارحي" من المحل وذهب إلى الكافي الذي يقابل فيه "ياسر" صديقه، وكان بانتظاره بالفعل. جلس "الجارحي" وطلب قهوته، فتحدث "ياسر" بعفوية قائلًا:
"مالك يا صاحبي؟ صوت ما تطمنيش في التليفون؟"
تنهد "الجارحي" بهدوء ثم قال بجدية:
"هو أنا قفل يا ياسر؟"
هز "ياسر" رأسه بلا ثم قال بلطف:
"لا مش قفل، أنت القفل يقولك يا بابا."
"مبهزرش، أنا صعب."
تنحنح "ياسر" بقلق من تصرف صديقه ونبرته في الحديث، ليقول:
"فيه إيه يا جارحي قلقتني عليك، هو الجواز بيعمل كده؟"
كاد أن يتحدث، لكن رن هاتفه يقاطعه باسم جده "حمدي". أجاب عليه وهو يقول:
"أيوة يا حج."
"أنا عايزك دلوقتي يا جارحي، حالًا. سيب كل اللي في إيدك وتعالي لي."
قالها "حمدي" بحزم بعد أن سمع حديث "قُدس" وطلبها للانفصال. خرج "الجارحي" بتعجل وقلق من استعجال جده، وخرج معه "ياسر". فوق أمام سيارته وفتحها، وقبل أن يصعد، ظهرت دراجة نارية من العدم وعليها رجلان. الأول يقودها والآخر أخرج مسدس من سترته وأطلق النار على "الجارحي". الأولى جابت بالسيارة، ليلتف "الجارحي" على الصوت، فأخذ الثانية في صدره وسقط أمام سيارته غارقًا في دمه. صرخ الجميع والدراجة تهرب من المكان. وهلع "ياسر" إلى صديقه الذي سقط في بركة دمائه يصرخ باسمه بفزع.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن 8 - بقلم نورا عبد العزيز
الفصـــــــــل الثـــــامن ( 8 )
بعنـــوان " أرتجــــــــــــاف قلـــــــــب"
توقفت سيارات العائلة أمام المستشفي وترجلت العائلة كاملة بعد أن وصلهم الخبر ، كان "حمدى" ينتفض من الخوف على حفيده ويسير بخطوات سريعة بصعوبة من كبر سنه ويمسك يد ابنه "هادي" وركض "فؤاد" للداخل بفزع يحتله مُنذ أن سمع الخبر فى الهاتف بأصابة ابنه بضرب النار، وصله إلى غرفة العمليات وكان "ياسر" يقف أمامها بقلق شديد فسأله "فؤاد" بخوف:-
_ جارحي فين يا ياسر، ابنى حصله أيه؟
_ أدعيله يا عمى الدكاترة بيقولوا الحالة خطيرة جدًا والرصاصة جنب القلب بالضبط
قالها بقلق يحتله وجبينه يتعرق بغزارة من الحالة التى رأى بها صديقه وأثر الدماء على ملابسه، وقع حديثه على مسمعها ورأت "خديجة" تبكي بذعر فلم تكتفى بالبكاء لتسقط الصغيرة أرضًا ولم تتحمل قدميها حملها وقلبها يكاد يتوقف عن النبض بعد أن سمعت خبر إصابته ودخوله المستشفي،ذهبت "هدير" نحوها ومعها "أسيا" يساعدوها فى الوقوف فتمتمت بخوف قائلة:-
_ جارحي
سقطت من يديهما فاقدة للوعي وتلفظ اسمه، فكانت العائلة بين نارين الزوج فى العمليات والزوجة ركض بها والدها إلى الطوارئ خائفٍ أن يصيبها شيء من الصدمة، فحصها الطبيب جيدًا لتفتح عينيها بتعب وكانت تعاني من هبوط فى ضغط الدم ، تبسم والدها بحزن وقال:-
_ متخضنيش عليكِ يا قُدس
أومأت إليه بنعم بتعب وسألت بخوف وعينيها لا تتوقف عن البكاء:-
_ أبيه فين؟
تبسم والدها وقبل أن يُجيب سمع صوت "ليل" تنادى من الخلف بحماس:-
_ يا خالى ...يا خالى جارحي خرج من العلميات
قبل أن يُجيب كان رد فعل صغيرته أسرع حين دفعت الطبيب وركضت من فوق الفراش رغم ضعف جسدها لتجرح الكانولا يدها من ركضها بعد ان نسيت أمرها ، وصلت إلى غرفته مع "ليل" وكانت "خديجة" تقف جوار ابنها تبكي على حاله وتمسح على رأسه بحنان مُنادية عليه :-
_ جارحي... رد عليا يا ضنايا
_ أهدئي يا أم عماد الحمد لله أننا أطمننا عليه
قالها "فؤاد" بهدوء وجلس جوار "حمدي" على الأريكة و"ياسر"، أقتربت "قُدس" منه بعيني باكية من حالة وهو نائمًا فى فراشه لتمسك يده بضعف وخوف فتحدث "فؤاد" بلطف مُدركٍ حالة الصغيرة الآن فقال بلطف:-
_ تعالي أقعدي يا قُدس أرتاحي لحد ما يفوق
نظر "ياسر" نحوها ليدرك أن هذه الفتاة هى من بدلت حاله صديقه وكانت سبب همومه، هذه الجميلة هى زوجته التى عاند أخاه لأجلها، جلست على حافة الفراش جواره ومر الليل بأكمله كسنة فى الأنتظار حتى يستعيد وعيه، خرج "هادي" مع أخوه "فؤاد" للكافتريا وجلسوا ينتظروا فى الأستراحة طيلة الليل ، فتح عينيه بتعب شديد فى صدره وألم بسيط يشعر به لكنه ثقيل فنظر بطرف عينيه ليجد صغيرته نائمة ورأسها على صدره رغم الجرح ويديها الأثنتين تحتضن يده اليسري فتنهد بهدوء حتى سمع صوت "ياسر" يقول بهمس:-
_ حمد الله بالسلامة
ذهب بعينيه تجاه الصوت وكان "ياسر" واقفًا فى الجهة الأخرى مقابله ورأى والدته نائمة على الأريكة أثناء جلوسها وبجوارها "أسيا" و"هدير" وجده "حمدي" يجلس على المقعد ويقرأ فى المصحف وأنتبه "حمدي" لصوت "ياسر" فوق بصعوبة وقال:-
_ حمد الله على سلامتك يا جارحي
_ الله يسلمك يا حج
قالها بتعب شديد فى صدره وحاول أن يتحرك فتحدث "حمدى" يقاطعه قائلًا:-
_ براحة متصحهاش ما صدقنا أنها نامت وبطلت عياط عليك، أستن لما المحلول اللى فى أيدها يخلص
نظر إلى المحلول ليُدرك أنه متصل بيد "قُدس" وليس هو، فسأل بقلق:-
_ حصلها اى؟ هى كويسة؟
تبسم جده بلطف وقال:-
_ مستحملتش الخبر أول ما جينا المستشفي وقعت من طولها ورفضت تتحجز عشان تشوفك أول ما نامت خليت الممرضة تديها العلاج
نظر إلى وجهها البرئ يتأمل هذه الفتاة التى اقتحمت حياته على غير المعتادة منها، أصبحت تملك الكثير من الحقوق فى حياته وكأنها تركت أرض الشعب وصعدت للتوج على عرش حياته ملكة جميلة لممكلته، خرجت منه كحة تقاطع تأمله فأنتفضت "قُدس" من تعبه وهو يسعل فتحدثت بلهفة:-
_ جارحي
تطلع بها مُندهشٍ من لفظ أسمه بدون ألقاب، ساعده "ياسر" فى رفع السرير من أسفل الرأس قليل ليعتدل فى جلسته وأنتفض الجميع يطمئنوا عليه، بحث بعينيه عن "عماد" وهو واثقًا أنه من فعل ذلك ولم يجده لتتأكد شكوكه، أطمئن الجميع عليه و"حمدى" يحدق بوجه حفيده يحاول أن يفهم تفكيره لكن "الجارحي" كان خبيثًا وماهرًا فى إخفاء أفكاره، فتح باب الغرفة ودلف ضابط الشرطة ومعه رجلين ليقول:-
_ حمد الله على السلامة يا جارحي، مش جارحي
نظر الجميع إليه بدهشة وحتى الآن لم يسأل أحد عن الفاعل وانشغل الكل فى الإطمنئان عليه، نظر "الجارحي" إلى الضابط بهدوء فتحدث الضابط بلطف:-
_ مش هطول عليك هم كلمتين وهنمشي بس لازم تساعدنا عشان نجيب حقك
أومأ "الجارحي" بنعم فتحدث الضابط بلطف قائلًا:-
_ مين اللى عمل كدة؟ شاكك فى حد معين ؟
_ مفيش غير أخوه عماد يا بيه وسبق وضرب نار على الجارحي فى بيته
قالها "ياسر" بانفعال شديد مما حدث ليرمقه "الجارحي" بنظرة أرعبته من مكانه ونظر الجميع إليه بدهشة وبدأت عقوله الآن تتذكر ما حدث ووقعت الشكوك كلها على "عماد" وحده لتفزع"خديجة" من قذر ما تسمعه فهل أبنها حاول قتل أخاه؟ تحدث "الجارحي" بحدة صارمة:-
_ معرفش يا باشا دا شغلك أنت
_ أخوك عماد سبق وضرب عليك نار أو هددك؟
قالها بجدية وبدأ يفهم أن "الجارحي" يخفى شيء فقال بجدية:-
_ محصلش يا باشا ، ياسر بس متوتر من اللى حصل، أنا تاجر ومنافسين فى السوق كتير وكلهم يتمنوا وقوعي، لكن أخويا لا، العائلة كلها عندك لو حابب تسألهم ، أنا مفيش بيني وبين أخويا أى خلاف
أبتلع "فؤاد" لعابه بخوف من ابنه، أنكاره لهذا الاتهام يعنى أنه سيرى الأخ يقتل أخاه بطريقة مرعبة، كان واثقًا أن "الجارحي" لن يتخلى عن ثأره هذه المرة، نظر الضابط إلى الجميع والصمت يحل عليهم فتحدث بهدوء بعد ان وقف:-
_ تمام أنا هتحر عن الجريمة لأنها شروع فى قتل ودا شغلى زى ما قلت ، ومرة تانية ألف سلامة عليك
غادر الغرفة فكاد "فؤاد" ان يتحدث بقلق قائلًا:-
_ جارحي....
تحدث "الجارحي" يقاطع والده وعينيه تنظر للأمام فى العدم بغضب مكبوح بداخله:-
_ سيبوني لوحدي ، روحوا أرتاحوا
_ أنا مش هسيبك
قالتها "خديجة" بقلق على ابنها فتحدث بحزم شديد ونبرة قوية:-
_ سيبوني لوحدي
غادر الجميع وهو يأخذ هاتفه من فوق الكمودينو وأتصل بـ "يزيد" وقال بجدية:-
_ تعال على المستشفي يا يزيد وهاتلى معاك هدوم
أغلق الهاتف وعاد بظهره للخلف يسترخي بتعب وألم صدره يزيد بعد أن بدأ مفعول المُسكن يختفى من جسده وتنهد بصعوبة وأنفاسه تمزق صدره الذي أخترقته رصاصة الغدر لمح ظلها على الحائط فرفع رأسه قليلًا ووجد "قُدس" تقف بجوار الكمودينو والعمود المعدني الخاص بالمحلول، تحدث بلهجة خشنة باردة:-
_ مسمعتنيش بقول سيبوني لوحدي
أبتلعت لعابها بتوتر منه ثم رفعت يدها المتصلة بالمحلول وقالت:-
_ معرفتش أخلعه
نظر إلى يدها بصمت ليرى الأخرى محاطة بشاش طبي من جرح الكانولا الأولى فى الطوارئ فأغمض عينيه بتعب من تشبثها به كالوبر فى قطعة القماش، دلفت الممرضة تعطيه جرعة المسكن الجديدة ورأت "قُدس" واقفة محلها فقالت بجدية:-
_ أقعدي متفضليش واقفة كدة، إحنا بنظبط ضغطك متبوظيش اللى بنعمله، كلتي؟
_ لا
قالتها بصوت خافت بعد أن جلست على المقعد وأنكمشت فى ذاتها، نظر "الجارحي" عليها وكان وجهها شاحبًا فأقتربت الممرضة عليها وبدأت فى قياس ضغط الدم لديها وخلعت الكانولا من يدها بلطف ثم قالت:-
_ أشربي عصير وكلي أى حاجة ، هخليهم يبعتولك وجبة من البوفيه
أومأت "قُدس" لها بنعم فتبسمت الممرضة بلطف وقالت:-
_ شكلها بتحبك أوى كانت هتروح فيها من الخضة
نظر إلى "قُدس" ببرود شديد وتذكر حديث جده عن إغمائها والآن حديث الطبيب، تبادلا النظرات فى صمت شديد وغادرت الممرضة فأغمض عينيه وهو يحاول أن يتذكر شيء عن ليلة الأمس فقاطعه دق الباب ودخول "يزيد" يحمل حقيبة صغيرة بها أغراضه وقال:-
_ حمد الله على سلامتك يا معلم جارحي
_ الله يسلمك يا يزيد
قالها بجدية فنظر إلى "قُدس" بصمت لتشعر بحرج وقالت:-
_ أنا هستني برا
خرجت من الغرفة فتحدث "الجارحي" بهدوء شديد:-
_ العنوان اللى بعتهولك على الواتس هتلاقي فيه عربيتي، أنا عايز أوصل للى عملها قبل البوليس
_ تحت أمرك
قالها "يزيد" بهدوء فتحدث "الجارحي" بجدية صارمة:-
_ محدش يعرف أنت بتدور على أى ومتغبش عنى بقولك قبل البوليس اللى أكيد دور فى كاميرات المراقبة فى المكان، فى كاميرا أمامية فى عربيتى هاتهالى بس قبل كل دا هاتلى عصائر وفاكهة وأكل وشيكولاتات من تحت
أومأ له "يزيد" بنعم وأستدار لكي يغادر ليوقفه "الجارحي" وهو يضع يده على صدره بتعب قائلًا:-
_ أبعد عن أى حاجة فيها فراولة عشان بتحسس منها
أومأ إليه بنعم وفهم أن هذه الطلبات لأجل زوجته المُدللة فغادر الغرفة لتدخل "قُدس" بهدوء وتحمل فى يدها كوب من الينسون الساخن وقالت بتمتمة :-
_ الممرضة قالت ممكن تشرب ينسون بس براحة
وضعته على الكمودينو وألتفت لكي تغادر فأوقفها بحديثه:-
_ رايحة فين؟
_ همشي
قالتها بحزن شديد لأنه يرفض وجودها فتحدث بجدية بعد أن اغمض عينيه قائلًا:-
_ أقعدي هنا مفيش مشي لوحدك، لما يزيد يجي يبقي يروحك...
_________________________
فى الملهي الليلي خصيصًا على طاولة "عماد" كان جالسًا معه وقال "عادل" بجدية:-
_ أظن أكيد الخبر وصلك فى البيت
تحدث "عماد" بضيق شديد هاتفٍ:-
_ وصل بس لسه عايش وفيه الروح ياسي زفت ، قُلتلك شوفلي حد محترف هيجيب أجله من أول مرة لكن الطمع عماك ، أهو عايش يا سيد وبسبب غباءك وجشعك هتخليه يأخد باله بعد كدة
_ أمر ربنا يا صاحبي مالهاش علاقة بمحترف أو غيره ، أنا مضربتش فى كتفه دا منشل على القلب على طول ، بس ربنا بقى لسه مأرادش
تأفف "عماد" بضيق شديد وأرتشف كأسه كاملًا ثم قال:-
_ عارف المشكلة فين؟ المشكلة أن كلهم فى البيت هيخمنوا ان أنا اللى عملتها عشان مهددوا قبل كدة قصاد الكل، والكبير والصغير هيتسلي عليا وياريتها تيجي على التسلية بس
ضحك "عادل" بضيق وقال بنبرة ساخرة:-
_ تستاهل يا صاحبي، معرفش أنا أى حتة عيلة اللى بسببها تعادي العيلة كلها ، يعنى اللى خلق ست قُدس مخلقش غيرها، وطيانة منك دى تتضحي بأخوك عشان واحدة ، والله ما فى ست تستاهل
لم يتمالك "عماد" غضبه فوقف من مكانه ومسك "عادل" من قميصه ولكمه بقوة من الغضب وقال:-
_ جرب تجيب اسمها على لسانك تاني وشوف هعمل أى؟
وقف "عادل" ليصرخ به وبدأ الشجار بينهما فتدخل حرس المكان يفصلون بينهما ثم غادر "عماد" غاضبًا.....
___________________________
فى عمارة أبو النور
تحديدًا فى شقة "مديحة" خرجت من الغرفة بتنهيدة مما حدث وقالت بلطف:-
_ متشلش الهم يا حج المهم أنك أطمنت على جارحي وقام بالسلامة
_ حالته حرجة يا ديحة، وبعدين أنا اللى شاغل بالي أن خايف يكون الجلف عماد أبو مخ تخين هو اللى عملها
قالها بقلق شديد ويضرب يده بعكازه فقالت "مديحة" بأنحياز إلى حفيدها:-
_ لا يا حج، أزعل منك كدة، عماد ميعملهاش أبدًا، هو أه عصبي بس دا من حرقة قلبه ، الواد كان له غرض فى قُدس وجارحي وقفله فى الموضوع وأتخنقوا أكتر من مرة عشان جارحي كان رافض أنه يفتح معاك الموضوع ، فيا حبة عيني قلبه وجعه ومقهور لكن ميعملهاش، ميقتلش أخوه أبدًا
رفع "حمدى" نظره بزوجته بثقة وتطلع بعينيها ليراها تتهرب من النظر إليه بتوتر فقال بتحذير:-
_ يا خوفي يكون هو، بس عارفة خوفي الأكبر يا ديحة أي هو؟
أبتلعت لعابها بأرتباك وقالت بتلعثم:-
_أى يا حج
أقترب منها قليلًا ويديه تحتضن عكازه بأحكام وقال بنبرة تهديدية:-
_ إنكِ تكوني عارفة حاجة ومخبية عليا، أو تكوني كان عندك علم باللى بيفكر فيه وبدل ما تقوليلى عشان أمنعه تكوني قويتي على موت أخوه... ساعتها هزعل أوى وإنتِ اكتر واحدة عارفة زعلي
شعرت بلعابها يخنق حلقها من الخوف وتحدثت بلهفة وخوف:-
_ وعزة وجلالة الله ما أعرف حاجة يا حج ولا مصدقة أن عماد عملها
_ بس أنا أصدق ، ما هو على رأى الواد صاحب جارحي ، سبق وعملها ورفع سلاحه وسحب الزناد كمان ولا نسيتي
قالها بحزم ثم وقف غاضبًا ودلف إلى غرفته لتأخذ "مديحة" نفس عميق من الخوف وقالت بتمتمة:-
_ الله يخربيتك يا عماد، يارب ما تكون أنت وتخيب ظن الكل، والنبي يا رب لأجل حبيبك المصطفى ما يطلع هو اللى عملها
_ آمين يا رب
قالتها "أسيا" بهدوء وهى تخرج من المطبخ فألتفت إليها "مديحة" ونظرت إلى غرفة زوجها وأشارت إلى ابنتها بأن تقترب وقالت :-
_ تعالى يا بت
أقتربت "أسيا" لكى تجلس جوار والدتها على الأريكة فسألت بخوف:-
_ هو زى زفت جارحي حالته صعبة أوى يعنى عشان أبوكِ يقلب خلقته فى وشي كدة ويستحلف
حركت "آسيا" شفتيها يمين ويسار بسخرية وقالت بذعر:-
_ دا لفو طلع ابن أبنك اللى عملها هيولع فينا كلنا ، جارحي حالته خطيرة والرصاصة جت رشقة فى القلب بينها وبينه هفوة، يعنى كان هيروح فيها والعملية كانت صعبة وخطيرة وزاد وغطى تعب قُدس ، عليا النعمة يا أما لو أتاكد أن عماد اللى عملها عارفة واد البنات هيعمله فيه ، هيدفنهولك حي فى جنينة العمارة
تنهدت "مديحة" بخوف من وصف ابنتها وضربت ركبتيها بيديها من الخوف وظهر توترها فى ملامحها ، هتفت "آسيا" بنبرة هادئة:-
_ نصيحة مني يعنى؟ لو عماد اللى حضر على الحركة الزبالة دى خليه ينظف وراءه ويخفي اللى عملها من على وجه الأرض عشان لو ثبتت عليه أقل ما فيها هتترحمي عليه وإنتِ مطلقة يا أما فى السن دا ....
رمقتها "مديحة" بقلق شديد وهى لا تعرف شيء، لكنها تتوقع هذا الغدر من "عماد" وشعرت بالخوف على حفيدها فربما تخسره نهائيًا بعد أن حاول قتل أخاه .....
___________________________
فتحت "قُدس" عينيها على صوت حركة بجوارها وأنينه المكبوح من الوجع، رفعت نظرها وهى ترفع ظهرها من نومها على حافة الفراش ومقعدها الحديدي أصاب ظهرها بألم، رأته يتألم وهو يحاول أرتدي قميصه وصدره محاط بشاش طبي أبيض وكتفه الأيسر ، فركت عينيها بتعب ووقفت من مقعدها وألتفت حول الفراش بوجهها شبه النائمة، أقتربت منه فى صمت ليراها أستيقظت فقال حزم:-
_ أقعدي كلى، يزيد جبلك أكل وعصائر
أخذت كم القميص منه ليرفع رأسه نحوها فوقفت أمامه مباشرة وتنحنحت بحرج مُتمتمة بخفوت:-
_ خليني أساعدك
_ لا
رفض بحدة صارمة فقوست شفتيها بحزن من كرهه الشديد لها فقالت بلهجة واهنة:-
_ طيب هناديلك على ممرضة من برا تساعدك
_ قُدس
قالها بحدة بعد ان ألتفت لكى تخرج فأستدارت من جديد أليه وقالت بهدوء:-
_ نعم!
أراد أن يستفزها حتى تتخلص من حزنها وقلقها الواضح فى وجهها الشاحب وجسدها الهزيل الذي يتحرك ببطيء كالسلحفاة من الصدمة التى وقعت عليها بأصابته فتحدث بنبرة ساخرة باردة:-
_ مش هتغيري لما تشوفي واحدة غريبة بتساعدني
أبتلعت لعابها وتقابلت عيونهما فى نظرة طويلة صامتة، رأى فى عينيها الحزن والغضب منه، خائفة لكنها حزينة وضعيفة بينما عينيه كانت تحمل البرود والشفقة إليها لم ترى بهما ذرة واحدة من الحُب أو الأهتمام ليتحدث بلهجة الأمر يقاطع صمتهما:-
_ هتعرفي تلبسيني ولا صغيرة على دور الزوجة
أقتربت خطوة منه فوقفت أمامه مباشرة ومسكت كم القميص وحاولت أن تساعده فى الأرتداء دون أن تؤلمه، نظر بوجهها البرئ وعينيها الخضراء الجميلة ، شعرها المسدول على الجانبين بحرية دون دبوس واحد للشعر ووجنتيها التى أحمرت كالدم من الخجل وهى تلمس ذراعه وصدره، كانت جميلة جدًا رغم حزنها الممزوج بالخوف، جلست بجواره لكى تغلق أزرار القميص وعينيه لم تفارق وجهها يتأمل ملامحها من قرب وعادت لذاكرة بهذه الليلة التى أشعلت بها فتلة الرغبة بها فأبتلع لعابه بتوتر شديد حتى أنها سمعت صوت حلقه فرفعت نظرها إلى وجهه لتراه يحملق بها عن كثب وعينيه تتلألأ بشيء لم تفهم وتحولت العينين العسليتين الباردة إلى بريق لامع من شيء لا تفهمه ولا تعرفه أهو إعجاب بجمالها أم دفء وسعادة، أرتبكت من نظرته ووقفت من مكانها بتعجل هاربة منه ليعيق حامل المحاليل المعدني طريق قدميها وفقدت توازنها فمسكها من ذراعها بيده اليمني وأتكأت بذراعيها على أكتافه وزادت وجنتيها أحمرارًا ، كاد أن يفقد سيطرته أمام جمالها الخلاب الذي يهزم أى رجل لكن اوقفه فتح باب الغرفة بدون أذن فنظر الأثنين عليه وكان "عماد" يقف يحدق بهما والغضب يتطاير من عينيه وأشتعلت نيران الكره والحقد بداخله عندما رآهما بهذا القرب، كادت "قُدس" أن تبتعد عنه بأحراج لكنها صُدمت عندما سحبها "الجارحي" نحوه أكثر فجلست على قدمه مما زاد غضب "عماد"، نظر "الجارحي" نحوه وهو واثقًا أن أخاه من فعلها وليس غيره، قاومته "قُدس" بأحراج وقالت بهمس فى أذنه:-
_ جارحي، عيب
ترك آسرها لتقف بسرعة وقال بلطف:-
_ اقعدي كُلي
دلف "عماد" للغرفة وعينيه ترمق "الجارحي" بهدوء فقال بحدة:-
_ أنا جيت أطمن عليك بس واضح كدة أنك زى الحصان
أجابه "الجارحي" بهدوء بارد وغرور متعجرف:-
_ بفضل مهارة الفاعل الضعيف، نعمل أى بقي محتاج المرة الجاية يكون حد احترافي
_ أنا!!
قالها "عماد" بصدمة من توجه "الجارحي" الأتهام له فتبسم "الجارحي" بخباثة وقال:-
_ أنا قصدي على اللى عملها ، أكيد مش أنت!! مش كدة؟
تنحنح "عماد" بتوتر ليتأكد "الجارحي" من شكوكه وقال بجدية:-
_ أصل اللى عملها مين ما كان فهو لعب فى عداد عمره، هو حفر قبره بأيده واللى باقي له مجرد أعداد تتعد على صوابع الأيد الواحدة .... غبى ميعرفش مين هو الجارحي أبو النور
_ بركة أنك بخير
قالها "عماد" بضيق وثقل على لسانه فى الحديث، نظر إلى "قُدس" التى جلست على الأريكة صامتة وتفحص الأكياس الموجودة وبسمة مُشرقة تنير وجهها الجميلة، تحدث "الجارحي" قائلًا:-
_ معلش يا عماد بقي أنت مش غريب ، وأنا لسه بغير هدوم المستشفى
أومأ إليه بنعم وغادر الغرفة ليعتدل "الجارحي" بصعوبة فى الحركة على الفراش يتأفف بضيق وغضب يخنق صدره حاوزل كبحه أمام أخاه بقدر الإمكان، نظر على النافذة بضيق ويفكر إذا كان الفاعل أخاه فماذا سيفعل به؟، نظر إلى وجه "قُدس" وهى سبب هذه الحرب القائمة بينه وبين أخاه؟ كانت تبتسم بحماس وسعادة طفولية وهى تخرج الأشياء من الأكياس وقد جلب لها كل شيء تفضله، فسأل بهدوء:-
_ تستاهلي؟
سمعته فنظرت إليه من مكانها وقالت:-
_ قُلت أى؟
تحدث بجدية صارمة قائلًا:-
_ بسألك تستاهلي يا قُدس أدخل حرب كلها دم عشانك؟
لم تفهم سؤاله فتحدث بتلعثم حائرة:-
_ محدش يستاهل تدخل حرب عشانه، أعتقد محدش يستاهل نتخلي عن حياتنا الهادئة والسلام اللى عايشين فيه عشانه، فجوابي أكيد لا ، أنا جربت أحارب عشان حد وأتهزمت فعن تجربة أكيد لا مستاهلش
هز رأسه بهدوء وقد فهم أن الشخص الذي حاربت لأجله كان هو لكنها تخلت عن الحرب قبل أن تفوز وقبلت بالهزيمة....
__________________________
جلست "ليل" مع "عمران" فى المطعم بعد أن اشترت فستان الخطبة، جلب الطعام لها وجلس لكن قبل أن تتناول طعامها فتحت حقيبتها وأخرجت منها ظرف أبيض كبير وقدمته له على الطاولة فسأل بدهشة مُتعجبٍ:-
_ إي دا يا ليل؟
تنحنحت بهدوء دون أن تُجيب فأخذ منها الظرف وفتحه ليجد بداخله حزم من المال فرفع رأسه إلى "ليل" مُندهش فقالت بلطف:-
_ أنا رجعت الشبكة وأشترت الدبلة والخاتم اللى عجبوني
أتسعت عينيه على مصراعيها من الدهشة وتحدث بضيق قائلًا:-
_ إنتِ مجنون أزاى تعملى كدة؟، أنا مقولتلكيش أنى محتاج فلوسهم
_ بس دا مكنش أتفاقنا وبعدين دى شبكتي انا، أنتوا ليه بتفرضوا عليا حاجة أنا مش عايزاها ومش هلبسها، لا ماما اللى هتلبس الشبكة ولا أنت عشان ترفض دلوقت
قالتها بجدية فتأفف بضيق من تصرفها وقال بحزم:-
_ ليل أنا مش عايز ازعل مامتك، أنا عايز أكسبها لصفي وتحبني مش تكرهني أكتر وبتصرفك دا هى هتشيل منى أكتر
_ بس أنا عارفة أن دى فلوس الشقة عشان نتجوز بسرعة
قالتها بضيق من والدتها التى عقدت الأمور فتحدث بلطف محاولة ترويض جميلته الرقيقة:-
_ بسرعة أى يا ليل، إنت لسه معاكِ سنة فى الجامعة، اوعدك أول ما تتخرجي نتجوز بس ممكن ترجعي الشبكة
_ لا
قالتها بعناد أكبر وبدأت تتناول الطعام بسعادة تغمرها فتنهد بحيرة من أمرها ليبتسم فى نهاية المطاف على محبوبته التى تقدر الأشياء بقلبها وليس بالمال .....
__________________________
استيقظت "قُدس" من نومها فجرًا بتعب فى معدتها يجتاحها وركضت إلى المرحاض الموجود فى الغرفة لتستفرغ ما بداخل معدتها بتعب وتتألم، سمع "الجارحي" صوتها من الخارج وفتح عينيه بتعب وأدرك أن صغيرته مريضة ربما أصابها البرد من النوم على الأريكة، وقفت "قُدس" بتعب ودوران فى رأسها بسيط أمام الحوض تتكأ بذراعيها عليه وتنظر فى المرآة لترى وجهها شاحبًا جدًا، غسلت وجهها خرجت من المرحاض فأخذت منشفة فى يدها ورأته استيقظ من النوم على صوتها، جلست على الأريكة بتعب ليتحدث بقلق:-
_ تعالي
ألقت المنشفة على الأريكة بتعب ووقفت رغم دوران رأسها لتساعده فيما يريد، ذهبت نحوه بتعب وقالت بخفوت:-
_ نعم
تزحزح قليلًا إلى حافة الفراش وربت عليه بمعنى أن تنام جواره فنظرت إلى يده ثم إليه ليقول ببرود متغطرس:-
_ مش هتحايل عليكِ
أبتلعت لعابها بتوتر وصعدت جواره رغم صغر حجم السرير لكن جحمها الضئيل كان يساعدها فى النوم جواره ويكفيها القليل، وضع ذراعه أسفل رأسها ليضمها إليه بحنان وقال:-
_ متفركيش كتير، متنسيش أن اللى جنبك مُصاب
أومأت إليه بنعم وأستسلمت للنوم فى صدره بهدوء حتى لا تؤلمه لكن ألم معدتها تزداد سوء فأنتفضت من الفراش بألم وعادت للمرحاض تستفرغ من جديد، شعر "الجارحي" بشيء خاطئ وبدأ يشك فى أمرها لكنه التزم الصمت حتى عادت للنوم جواره فظل يتألمها ووجهها شاحبًا ، تعقد حجابها من الوجع الذي تقاومه فى نومها، حاول أن يرفع خصلات شعرها لكنه فشل بسبب ذراعه المُصاب فتنهد بتعب وهو يحملق بالسقف حتى دلفت الممرضة الساعة السابعة صباحًا تعطيه جرعة المسكن ورأت زوجته منكمشة فى صدره من الوجع، تحدث "الجارحي" بلهجة باردة:-
_ أى هى أعراض الحمل ؟
نظرت الممرضة إليه بدهشة من سؤاله فقال بجدية:-
_ ممكن أعملها أختبار حمل بس من غير ما تعرف
أومأت إليه بنعم ، ألتفت إلى الجهة الأخرى ومسكت ذراع "قُدس" لتسحب منه عينة دم وعندما وضعت الحقنة فى ذراعها تألمت فتاته لكن التعب كان يسيطر عليها فلم تفتح عينيها وأكتفت بعقد حاجبيها وصوت أنين خافت صُدر منها، تحدثت الممرضة بهدوء:-
_ دقائق وأرجعلك
أومأ إليها بنعم ثم نظر إلى "قُدس"، وبدأ عقله يفكر هل حقًا حملت طفله فى أحشائها؟ وإذا حدث حقًا ليلتها الحمل كيف ستتحمل طفلة مثله مسئولية طفل أخر؟ هو نفسه لم يتحمل مسئوليتها ويشعر بأنه أب لها فكيف سيتحملها مع طفل أخر؟، رن هاتفه باسم "يزيد" يخبره بأنه وصل للمستشفي فتحدث "الجارحى" بحدة وغيرة رجل تحتله قائلًا:-
_ متطلعش ... قولى وصلت لأيه فى التليفون؟
قالها بغيرة تلتهم صدره أن يصعد رجله ويري زوجته وهى نائمة، نظر إلى وجهها والهاتف على أذنه فقال "يزيد" بجدية:-
_ هبعت لحضرتك نسخة من تسجيلات الكاميرا بتاعت العربية وبتاعت المطعم ونمرة الموتسكيل مش متسجلة ومزيفة بس نوع الرصاصة اللى خدتها من باب العربية بيتبع فى السوق السوداء ، حاجة كدة شعبي أهو، جبت رقم واحد حبيبي هيوصلني للى بيبعه ولعل يكون اشتراه منه، هوصله وابلغك يا معلم عملت أى؟
_ ماشي يا يزيد ، والحاجة اللى طلبتها
تحدث "يزيد" أثناء جلوسه فى السيارة ونظره بجواره ثم قال:-
_ جبتها ، عديت على البيت وجبت تليفون مدام قُدس وهدير هانم أديتنى شنطة ليها فيها هدوم وحاجات ليها
أومأ إليه بنعم وقال بهدوء:-
_ ماشي ، خمس كدة ولما أرن عليك طلعهم ، أو أقولك طلعهم بس أديهم للممرضة اللى برا تدخلهم
أومأ إليه بنعم ليقاطع حديثهما دخول الممرضة مُبتسمة بسعادة تغمرها وتحمل فى يدها ورقة التحليل وقالت بعفوية:-
_ مبروك إيجابي، المدام حامل
أتسعت عيني "الجارحي" على مصراعيها بصدمة ألجمته ونظرته المصدومة أرعبت الممرضة وجعلت السعادة تتلاشي من وجهها وانكمشت شفتيها لتقترب منه بخوف وأعطته التحليل ثم خرجت ، نظر "الجارحي" إلى التحليل ثم إلى "قُدس" وهى نائمة جواره وتشنج جسده كاملًا ولم يُصدق هذا الشئ وكيف هذه الفتاة لم تنتبه لحملها وقد مر أكثر من 45 ليلة على ليلتهما، أغمض عينيه بقوة بصدمة ثم نظر إلى بطنها الصغيرة وكأن جنينها ألمها بقوة أمس لتنتبه والدته لوجوده، لمس بطنها بدفء وهو لا يفهم دوامة المشاعر التى أصابته أهو فرح أم خوف، سعادة أم توتر، فتحت "قُدس" عينيها بتعب بعد ساعة تقريبًا ورأت يده على بطنها وعينيه تحملق بها فشعرت بحرج وأنتفضت فى جلوسها بخجل وهى تراه يتأملها، ركضت إلى المرحاض بخجل شديد وهى ليلتها الأولى فى النوم بين ذراعيه، كان قلبها يدق بجنون وعشقها يحرق صدرها فتمتمت بتوتر:-
_ أهدئي يا قُدس ، دا جوزك
_______________________________
كان "حمدى" جالسًا فى المكتب بداخل المحل فدلف عليه "عبدالعظيم" وقال بجدية:-
_ الدكتور بيسأل على حضرتك يا حج
نظر "حمدى" إلى "مصطفى" بدهشة وهكذا "هادى" الذي خمن سبب الزيارة بعد أن أخبرته "قُدس" فتحدث "حمدى" بلطف وقال:-
_ أتفضل يا دكتور... القهوة يا عبدالعظيم
تنحنح "مصطفى" بتوتر ويمسح رأسه بمنديل من الربكة، قال بلطف:-
_ ألف شُكر يا حج ، أنا مش هطول عليك عشان دا محل أكل عيش
_ فى أى يا دكتور
قالها "حمدى" بهدوء مُستفهمٍ عن حالة هذا الرجل والتوتر الزائد فتحدث "مصطفى" بلطف قائلًا:-
_ أنا دكتور مصطفى دكتور نفسي شغال فى أنجلترا وعندى 41 سنة ، عندى أخ أصغر منى وأختي الصغيرة متجوزة وعايشة مع جوزها فى السعودية وأمي متوفية وأبويا عايش مع أخويا الصغير هنا
عاد "حمدى" بظهره للخلف هادئًا منتظر بأساس الحوار بعد المقدمة التى بدأ بها، فقال بخنق:-
_ وبعدين يا دكتور هو أنا هطلعلك قيد عائلي
تبسم "هادى" بسعادة وقد فهم التالى من هذه المقدمة لكنه أخفي سعادته وأصطنع الجهل وقال بلطف:-
_ أهدأ يا حج ، لما نفهم الدكتور عايز يقول أى؟
تبسم "مصطفى" إلى هادى" الذي يحاول أن يساعده فى هذا الموقف وقال بعفوية:-
_ أنا كنت حابب يعنى أخد من حضرتك ميعاد أجيلك البيت يا حج وأجيب أخويا وأبويا تتعرف عليهم ، قصدى يعنى أنا طلب أيد بنت حضرتك الأنسة هدير
تبسم "حمدى" بسعادة تغمره وابنته التى شارفت على الأربعين من عمرها أتاها النصيب الآن وستصبح أجمل عروس فتنحنح بحدة مُصطنع وقال:-
_ طب ما تقول كدة من الأول لزمتها أى المقدمة العريضة دى كلها، ما كدة كدة هنتحرى عنك لو وافقنا
تبسم "مصطفى" باحراج ودلف الساعى بالقهوة ليبتسم "هادى" وقال بهدوء:-
_ أشرب القهوة يا دكتور، أشرب القهوة وخير إن شاء الله
_ اجيب الأسرة وأجيلكم أمتى؟
قالها "مصطفى" بحماس وهو لا يبالى بالقهوة الآن، تبسم "حمدى" على تعجله وقال:-
_ مستعجل على أى يا بنى؟ بس وماله فى يوم من الأيام كنت زيك؟ إحنا إن شاء الله على الخميس الجاي خطوبة ليل بنت بنتي فى قاعة اللؤلؤة هاتله دعوة يا هادى من الدرج، شرفنا يا سيدى ونخلص من العروسة ونتم ليلتها على خير عشان أفوق لك دا أنت طالب أيد الغالية وقرة عيني مش بالساهل كدة ، هدير مش اى حد يأخدها
تبسم "مصطفى" بلطف وأرتشف قهوة بينما جلب له "هادى" بطاقة الدخول للقاعة ليبتسم أكثر وأخذها ...
____________________________
خرجت من المرحاض بعد أن بدلت ملابسها وأرتدت بنطلون جينز وتي شيرت أبيض بنصف كم وأخذت السترة الجينز من فوق الفراش ليستوقفها "الجارحي" وقال:-
_ مش ناوية تقوليلي؟
أستدارت "قُدس" إليه ولم تفهم عما يتحدث فسألت فضول وهى ترتدي السترة بلا مبالاة:-
_ أقولك أى؟
ضحك بسخرية شديدة وأخرج الورقة من أسفل الوسادة وهو جالسًا مكانه على الفراش وقال بانفعال:-
_ عمى قالى أنك طلبتي الطلاق
صمتت قليلًا ثم قالت بلطف:-
_ اه يا جارحي، مش دا كان أتفقنا تتطلقني بعد شهر أتنين والحياة معاك صعبة وقاسية
ألقى بالورقة فى وجهها بضيق مُنفعلًا بعد أن اتصل "هادى" ليخبره ان بيوم الحادث ابنته طلبت منهم أن تنهى الزواج فصرخ بها غاضبًا:-
_ بس متفقناش أنك تهربي بابني، عايزة تطلقي وتأخدى ابنى معاكِ
أتسعت عينيها على مصراعيها من حديثه وقالت بسخرية ولا تصدق حديثه:-
_ ابنك!! ابنك مين؟ هو اأنت عندك...
صمتت للحظة وتذكرت حين أخبرها ان تنتبه لأمورها لأجل الحمل، ركضت إلى الورقة وكان التحليل إيجابي وتجاوز ابنها الأربعين فأصبح الآن يملك نبضًا، هزت رأسها بلا غير مُصدقة ما تراه وقالت:-
_ لا ، مستحيل...
رواية حرب سقطت راءها الفصل التاسع 9 - بقلم نورا عبد العزيز
جذبها من ذراعها إليه ليجلسها على حافة السرير من انفعاله ويده تضغط على معصمها بقوة وقال:
- هو مستحيل فعلًا.
رفعت عينيها إليه وكانت تدمع بغزارة من الصدمة وقالت:
- أنت عملت إيه؟ إزاي؟ ليه؟
تساقطت دموعها من جفنيها مع صراخها، ليُدهش من انفعالها وقال بحزم:
- يومها نبهتك وحذرتك ومسمعتيش مني بسبب القرف اللي شربتيه، بعدها كنت صريح معاكِ وقولتلك متلومنيش على اللي حصل لأنه بسببك، وأهو برضو بتلوميني.
توقف عن الحديث وبدأ يسعل بقوة من التعب والأنفعال.
- إزاي؟ يعني أنت...
جهشت باكية بانهيار أمامه وقالت:
- كنت عارف إنك بنت.
- آه، من قبل ما أتجوزك.
قالها ببرود وهو يضع يده على صدره من التعب، لتُصدم من كلمته وقالت بصدمة أكبر تحتل عقلها الذي توقف عن التفكير واستيعاب ما يحدث:
- إزاي؟ وأتجوزتني ليه؟
- إزاي؟ لما قررتي تسافري وتهربي، الحج طلب مني أشتري بيت تقعديه فيه وسافرت إنجلترا يومين أشترى البيت المناسب ليكي وتحسي براحة فيه وطلبت من واحد يكون حارس ليكِ عشان يخلي باله منك وإنتِ برا لوحدك في بلد غريبة. مكنتش عارف بعمل كده ليه بس يمكن عادة لأني اتعودت أشيل مسئوليتك أو يمكن كنت خايف عليكِ من الغربة وإنتِ في السن ده. قبل ما تنزلي اتصل وقالي إنكِ زورتي عيادة وبالفلوس عرف إنك كشفتي وعرفتي إنك بنت وكنت طلبت من عمي إيدك قبلها بليلة.
ارتشف القليل من الماء من التعب ونظر إلى وجهها الباكية ودموعها تسيل بحزن يخيم على ملامحها كأنها مُشئمزة من هذا الجنين الموجود بداخلها. تجرأ لأول مرة أن يرفع يده بتوتر إلى وجنتيها يمسح دموعها بإبهامه ثم أبعد يده وتحدث بجدية ولهجة قوية:
- إنما اتجوزتك ليه؟ معرفش. آه أنا كنت طلبت اتجوزك من عمي عشان كنت فاهم الغلط اللي عملته وعرفت الحقيقة، لكن لما رجعتي معرفش ليه أصرتِ أني أتجوزك ودخلت حرب مالهاش نهاية مع عماد عشانك. معرفش ليه اتجوزتك غصب عن الكل، بس اللي أعرفه إن وقتها ويومها كانت مستقتل عليكِ قصاد الكل.
سألته بحزن أكبر قائلة:
- وكلامك ليه يومها وقسوتك معايا؟
- كان لازم أجريكِ في التمثيلية اللي عملتيها لأنك لو رافضة تتجوزيني كنتِ هتقولي لعمي إنك بنت ومش مضطرة للجوازة اللي بالإكراه دي، بس معملتيش كده بالعكس سكتي وسكوتك ده معناه إنك عايزة الجوازة دي. سيبتك تعملي اللي عايزاه، من يوم ما شرفتي الدنيا دي وأنا سايبك تعملي اللي عايزاه، عمري ما منعتك أو عارضت حاجة نفسك فيها. إزاي أمنعك تتجوزيني ما دام اللي عايزاه يا قُدس. من يوم ما اتولدتي وأنتِ في رقبتي، هتيجي على الكام سنة اللي باقية في العمر ده إذا كان مكتوبلي كام سنة.
نظرت إلى صدره وللمرة الثانية يُضرب النار مُنذ أن تزوجها وكأنه يخبرها أنه سيُقتل عن قريب. اعتصرت قبضتها من الوجع وهي تشعر أنها كانت دُمية في يده. تنهدت بحزن وقالت:
- أنت ليه بتوجع فيا كده؟ أنا أذيتك فيه عشان كل أوجاعي تكون على إيدك؟
حاول الاعتدال في جلسته واقترب منها بنصفه العلوي بصعوبة من إصابته ووضع يده على وجنتيها يمسح دموعها من جديد وقال بنبرة خافتة:
- أنا حاولت أدي حبك فرصة، حاولت أحققلك اللي بتتمنيه. إنتِ لو طلبتي نجمة من السماء هجبهالك ومتغلاش عليكي، هتيجي على جرحي وأقولك يغلى عليكِ.
شهقت بوجع من طريقة معاملته لها، يُقدم نفسه لها فقط لأنها تُحبه حتى وإن كان لا يكن لها مشاعر. فتحدثت بضعف باكية:
- بس مش ده اللي أنا عايزاه، ده بيوجعني بس مش بيسعدني.
- اطلبي واتمني وأنا هجبلك اللي عايزاه وهنفذهولك.
قالها بنبرة دافئة لتبعد يده عنها وقالت بحزم غاضبة:
- تطلقني، أنا مش عايزة منك غير إنك تطلقني.
نظر لها بدهشة ورغم كل شيء وطفله الموجود بداخلها مُصممة على الانفصال عنه، فكاد أن يتحدث لتقف من جواره وتهرب للخارج باكية وفي يدها ورقة التحليل. ظلت تركض في الشارع بحزن ودموعها تسيل على وجنتيها بضعف يفتك بها من الداخل. شعرت بسيارة تسير ببطء بجوارها فتأففت بوجع واستدارت لترى "يزيد" يقود السيارة بجوارها كما أمره "الجارحي"، فجهشت باكية وهو لم يترك لها مجال للهرب منه.
***
تحدثت الممرضة بضيق من تصرفه قائلة:
- يا معلم جارحي والله ما ينفع تتحرك.
نزع الكانولا من ذراعه وهو يرتدي قميصه بغضب ثم قال بحدة صارمة:
- غورى من وشي دلوقت.
خرج من المستشفى دون إذن من الطبيب، فبحث عن السيارة التي جلبها "يزيد" له ولم يعرفها، فضغط على زر المفتاح لتصدر السيارة صوت. صعد إلى السيارة ثم فتح عبوة الدواء وأخذ ثلاثة حبات من المسكن ليقود السيارة وهو يضع الهاتف على أذنه بقلق شديد:
- ابعتلي اللوكيشن يا يزيد وأياك تغيب عن عيني.
لم يبالي بشيء أمام صغيرته المنهارة من البكاء في الشارع.
***
في شقة "وصيفة" كانت جالسة مع زوجها بسعادة تغمرها وقالت بسعادة:
- قول والله يا حج، يعني هو قالك إنه عايز يتجوزها.
ضحك "حمدي" على زوجته وفرحتها لأجل ابنتها فقال بجدية:
- هو الكلام ده فيه هزار يا صفصف، بقولك الدكتور جه طلبها مني أنا وأخوها، ما ابنك أهو قصادك اسأليه.
هز "هادي" رأسه بنعم مبتسم وقال:
- أي يا حجة الفرحة مخليكي متصدقيش ولا أي، ده هدير ست البنات كلهم.
أومأت إليه بنعم وقالت بفرحة وعينيها دامعة:
- طبعًا يا أخويا، دي ست البنات كلها وزينتهم كمان.
ابتسم "حمدي" بعفوية وقال بحنان:
- أمال عروستنا فين بقى عشان أفرحها وأقولها؟
- في الشغل لسه مجتش يا حج، بس بالله عليك تقنعها توافق ده دكتور وشكله محترم.
قالتها "وصيفة" بجدية وقلب الأم يسيطر عليها. فتحدث "حمدي" بجدية صارمة:
- مفيش الكلام ده يا صفصف، بنتي مش هتأخد أي حد. لما أسأل عنه الأول وأجيب قراره وأسأل عن عيلته واحد واحد، مش أي حد معدي كده هيأخد بنت حمدي أبو النور. وإن كان هو دكتور فانتِ عارفة إحنا مين وبنتي مبتجوزش الشهادة يا وصيفة.
هزت رأسها بنعم ولم تجادله وقالت بهدوء:
- طبعًا اللي تشوفه ياحج.
فتح باب الشقة ودلفت "هدير" مُنهكة من العمل فقالت بتعب:
- مساء الخير.
دلفت إلى المطبخ وجلبت زجاجة مياه ثم خرجت لتقول بتعب:
- عامل إيه يا هادي، روحت لجارحي النهارده؟
أجابها بهدوء شديد مشاكسًا أخته:
- مكنتش فاضي أروح له كنت قاعد مع عريس الغفلة يا ست العرايس.
أبعدت زجاجة المياه عن فمها ونظرت للجميع بتوتر وقالت بحزم:
- عريس إيه؟ ومين ست العرايس؟
- إنتِ طبعًا يا نن عيني.
قالتها "وصيفة" بلطف وبسمتها تنير وجهها فتأففت "هدير" بضيق شديد وقالت:
- وبعدين بقى في النكد اللي على المسا ده، هو أنا مش قلت كده مرة مش عايزة أتجوز.
غمزها "هادي" بمكر وقال:
- أهدئي بس ده ذوق أخوكِ وهيعجبك المرة دي.
وقفت من مكانها غاضبة وقالت بضيق:
- خلاص أتجوزه أنت.
سارت إلى غرفتها ليقول "حمدي" بجدية ماكرًا:
- طب جهزي نفسك عشان عزمتُه على خطوبة ليل أهو تشوفه بعض وتقوليلي رأيك.
- كويس عشان أديله باللي في رجلي قدام الكل.
قالتها بتذمر شديد ودلفت إلى الغرفة غاضبة وأغلقت الباب وراءها، فتبسم "هادي" على أخته وقال بهدوء:
- أحلق ذقني دي لو ما جتلك تترجاك توافق يا حج لما تشوفه، البت قُدس قالتله إنه نازل مخصوص مصر عشانها.
- هنشوف يا ابني.
***
وصل بسيارته إلى المكان الذي حدده "يزيد" ليراها تقف على حافة الدرابزين وتنظر على النيل بحزن فشعر بخوف وترجل من سيارته على الجهة الأخرى وحاول مرور السيارات بالقوة، فضغط الجميع على المكابح ليصدر ضوضاء قوي، فاستدارت مُنزعجة من الصوت لتراه يعبر الطريق دون خوف أن تدهسه سيارة، بل يجبر الجميع على الضغط على المكابح لتفادي هذا المجنون. شعرت بخوف شديد والسيارات تقود بسرعة على الكوبري وركضه رغم إصابته، فقالت بحزن شديد:
- متجريش.
اقتربت لتمنعه من الركض فكادت سيارة تصدمها من اختراقها للطريق ليجذبها بقوة نحوه وارتطمت بصدره بفزع، فتنهد بأريحية حين ضمها بين ضلوعه لتتشبث به بقوة باكية أكثر وقالت بوجع:
- متجريش.
ابتسم بأريحية وقال:
- أنا كويس متخافيش.
رفعت رأسها له ويديها تحيط خصره ويديه تطوقها بإحكام، تقابلت عيونهما بحزن شديد فرمق عينيها الباكيتين وتحول بؤبؤ عينيها الأبيض إلى أحمر ووجنتها الحمراء كالفراولة من أثر بكائها، أنفها منتفخة وكان البكاء دمر حال صغيرته التي أصبحت كالوردة الذابلة. تحدث بنبرة هادئة يعز عليه حالتها:
- لدرجة دي كارهة وجوده جواكِ؟
ابتعدت عنه بتوتر وتذكرت طفلها الذي تحمله بداخلها، فتنهد بهدوء شديد وقال:
- ماشي يا قُدس متزعليش نفسك أوعى كده، إذا كنتِ عايزة تنزليه أنا موافق لكن نأجله يومين بعد خطوبة ليل.
أخذها من يدها قبل أن تُجيب وذهب إلى السيارة ليقود "يزيد" بهما إلى المنزل وعقله لا يستوعب طلبه وكيف له أن يقرر قتل الطفل؟ أهذا هو "الجارحي" الذي يتبع الشرع والدين في كل شيء؟ كانت خائفة. صعدت خلفه و"يزيد" يساعده في صعود الدرج وخرج الجميع بدهشة من عودته لتهرع "خديجة" إليه وقالت بقلق:
- إيه اللي خرجك من المستشفى دلوقتي يا ابني بس؟
- مبحبش قاعدة المستشفيات إنتِ عارفاني يا أمي.
قالها بضيق وهو يصعد ولم يبالي بأي حد أو قلق أحد، دلف إلى شقته وخرج "يزيد" فدخلت "قُدس" بهدوء خلفه تنظر إليه في صمت ثم قالت:
- تعال نام في أوضتك عشان جرحك.
تحدث بحدة صارمة قائلًا:
- مالكيش دعوة بيا، متدخليش في اللي ميخصكش.
تأففت بضيق من صارمته وعاد لغلاظته معها وبروده الذي يُحسد عليه ويسبب الجلطة لطرف الآخر. قالت بغيظ أكبر:
- اللي لازم أخلص منه هو أنت مش اللي في بطني، أنا عند أبويا لحد ما تبعتلي ورقتي.
التفت ليغادر منه غاضبة فتحدث ببرود شديد وهو لا يبالي بتهديدها:
- قال يعني أبوكِ في آخر الكوكب، ده أنتِ لو كحتي هسمعك.
كزت على أسنانها تكبح غضبها منه، مُستسلمًا تمامًا لرحيلها ولا يكترث لوجودها ولم يحاول منعها من المغادرة. بروده يسبب لها هبوط في ضغط الدم وكأنه جبل جليدي لا يشعر أو ما يحمله في صدره هو حجر وليس قلب. تحدث صباحًا عن اللطف وكونها من أولوياته والآن يعاملها كالفيروس يريد التخلص منه. قالت بغيظ يستحوذ عليها:
- كتلة جليد.
ذهبت نحو السفرة لتأخذ هاتفها واللابتوب الخاص بها وجمعت ملابسها للنوم ثم غادرت الشقة غاضبة منه، فتنهد بهدوء وظل مكانه على الأريكة يفكر بها وحقيقة أنها تحمل جنينهما في أحشائها لا يمكن إنكارها. وتساءل إذا كانت تحبه حقًا أليس من المفترض أن تفرح بهذا الطفل؟ لما كل هذا الحزن والكره اللذان رأهما في عينيها. أغمض عينيه لينام من التعب.
***
كان الجميع يجلسون في شقة "مديحة" من أجل فرحتهم بليلة "ليل" وخطبتها ليروا "قُدس" تدخل عليهم وتحمل في يدها أجهزتها وبعض أغراضها مقوسة شفتيها بضيق. أوقفت "ليل" الأغاني وتحدثت بلطف:
- تعالي يا قُدس.
- إيه يا حبيبتي اللي معاكِ ده، إنتِ معزلة؟
قالتها "هدير" بقلق فتمتمت "قُدس" بغضب طفولي واضح في ملامحها قائلة:
- طفشانة منه.
جلست بجوار "وصيفة" على الأريكة وقالت بعبوس:
- صفصف أنا سبتله البيت غضبانه زي الستات ما بتعمل لما جوازاتهم بيغضبهم. البارد بقوله أنا رايحة عند أهلي يقولي هسمعك. ما صدق يخلص مني عشان يجيب ستات في الشقة.
ضحك الجميع على عبوسها ودراميتها في الحديث فتحدثت "خديجة" بجدية قائلة:
- أنا ابني مش بتاع ستات يا قُدس، وأزاي تغضبي منه في واحدة بنت أصول تسيب بيت جوزها وهو مريض وفي الحالة دي؟
قوست "قُدس" شفتيها بضيق وقالت بانفعال:
- ده مريض، ده هو اللي هيجيبلي المرض. بقولك إيه يا مرات عمي على رأي المريض ابنك بيت أهلي مش في آخر الكوكب. اطلعي أطمني عليه واعمليله اللي عايزاه، أنا عن نفسي مش عايزاه ومش هرجع له وهيطلقني. بابا أنا مش عايزاه.
ابتسم "هادي" على طفلته وقال بإعجاب:
- بنتي كبرت وبقيت بتغضب عندي، أهدئي يا قُدس يا حبيبتي إحنا عندنا فرح وخطوبة سيبينا نفرح وبعد الخطوبة بإذن الله نشوف موضوعك.
أومأت إليه بنعم ثم قالت بضيق:
- عمومًا أنا مش راجعاله.
كادت "مديحة" أن تتحدث لكنه امتنعت عن الحديث بخوف من "الجارحي" ولم تنسَ تهديده لها من قبل. أكمل الجميع فرحتهم وخلال اليومين لم يلمح طيفها وظلت "خديجة" تعتني بابنها. حملت صينية الطعام لكي تغادر فأستوقفها "الجارحي" بهدوء يقول:
- قُدس بتأكل كويس؟
جلست "خديجة" بعد أن وضعت الصينية على السرير من جديد وقالت بحيرة:
- آه، بس فيها حاجة غريبة. أول يوم مكانتش طايقة رائحة الأكل ومدقتش طعم الذات، لكن اليومين دول بتأكل بطريقة غريبة وكل أنواع الأكل لدرجة أن امبارح بالليل أبوك وهو راجع من صلاة العشاء لاقي عمك في الشارع دايخة على رنجة وفسيخ. قاله قُدس مصممة تتعشى رنجة وأنت عارف بنت عمك تربية هاي متعرفش الرنجة وكانت متطقش رائحتهم ويوم ما صفصف تحب تأكلهم كنت أنا بطلعها تأكلهم في شقتي عشان قُدس بتقرف.
كان يستمع إلى والدته وتبسم بلطف على صغيرته التي ظهر عليها بعض تصرفات الحمل. تمنى لو كان هو من يبحث لها عن الطعام بدلاً من والدها. حاول أن يتخيل فتاته وهو تطلب وتأكل هذه الأشياء للحظة شعر بحزن لأنه لا يشاركها هي وطفلهما هذه اللحظات السعيدة. اقتربت "خديجة" من ابنه وسألت بحيرة:
- تكونش البت حامل؟! آخدها أعملها اختبار حمل.
- متتعبيش نفسك يا أمي وبعدين حمل إيه، كبري دماغك تلاقي نفسها جت عليهم.
قالها بهدوء ثم غير الحديث بجدية قائلًا:
- يلا قومي إنتِ انزلي عشان لو هتساعديهم في حاجة وأنا هستني لما الدكتور يجي يشوف الجرح وهلبس وأحصلكم على القاعة.
أومأت إليه بنعم ثم غادرت. مسك هاتفه وأرسل رسالة لها محتواها قصير لكنه يحمل الكثير من الاهتمام:
- هتمشي معاهم ولا أنزلك تمشي معايا؟
كان يتمنى أن تُجيب بأنها تنتظره، زوجها لكي يذهبا معًا كثنائي أمام الجميع لعلها تتخلى عن عنادها قليلًا وهجرانها. فأرسلت رسالة جعلته يركض من أمام المرآة بسرعة وسرعان ما تلاشت لهفته حين رأى رسالتها تقول:
- أنا أصلًا في الفندق مع ليل، مش عايزة منك حاجة. ده ما افتكرت تسأل على مراتك، بلاش الشكليات دي إحنا كده كده هنطلق.
أغمض عينيه بضيق شديد من قسوة حديثها وهي من تخبره دائمًا أنه قاسي القلب، فقذف الهاتف في الحائط بقوة من الغضب وقال:
- ماشي يا قُدس.
***
وصل "يزيد" إلى منطقة شعبية يبحث عن تاجر السلاح الذي توصل إليه. سأل بائع البقالة بهدوء:
- بقولك يا حج متعرفيش المعلم صبحي ألاقيه فين؟
نظر الرجل له بقلق شديد من ذكر اسم التاجر وقال بهدوء:
- يمين في شمال مع أول شمال يقابلك واسأل هناك.
- تشكر يا حج.
قالها "يزيد" وغادر على الوصف ليخرج الرجل من المحل ينادي على طفل صغير وقال:
- عصفور.. ولا يا عصفور.
أجاب الطفل إليه فقال الرجل بهدوء:
- طير للمعلم وقوله في حد غريب بيسأل عني.
ركض الطفل من الزقاق بسرعة يسابق خطوات "يزيد" حتى يصل أولًا. وصل "يزيد" إلى المكان ووجد الكثير من الرجال الجالسين على الحافتين يحدقون به ليفهم بأنه وصل لوكر تاجر السلاح، فتنهد بهدوء ثم قال:
- بقولك ياسطا بدور على المعلم صبحي، عايزه في مصلحة كده.
اقترب الرجال منه يفحصه ليمسك أحدهما المسدس فحاول سحبه لكن منعه "يزيد" حين مسك يده وقال بنبرة خشنة قوية:
- لا.
حاول الرجل سحب المسدس بالقوة ليلكم "يزيد" بقوة أسقطه أرضًا بلكمة واحدة، فوقف الجميع وقبل أن تبدأ المعركة بينهم أوقفهم صوت رجل من الخلف يقول:
- مكانك أنت وهو، الضيف في بيتنا.
نظر "يزيد" تجاه الصوت ووجد رجل في الخمسينات يقترب منه، فهندم بدلته بغرور دون أن تهتز له شعرة وقال بجدية:
- معلم صبحي.
- بشحمه ولحمه، أُمر يا باشا.
قالها بجدية فأخرج "يزيد" الرصاصة من جيب سترته وفتح يده ليراها "صبحي" بينما قال "يزيد":
- حوار صغير وعشان أطمنك مش مباحث، الرصاصة دي من عندك، ولاد الحلال دلوني عنك.
قهقه "صبحي" بسخرية وعاد ليجلس على مقعده أمام المنزل وقال بتهكم:
- يا باشا أنا مفيش ولاد حلال يعرفوني، أنا بتاع الحرام. عايز دولارات وعملة هتلاقي، عايز تبيع مساخيط هتخدمك، سلاح ملعبي، لكن أبيع زبائني لحد يبقى مسألتش عني قبل ما تيجي.
اقترب "يزيد" منه بثقة ثم قال بلهجة تهديدية:
- طب أشتري مني يا معلم، اللي خد الرصاص ده منك حاول يقتل بيه.
ضحك الرجال وهكذا "صبحي" ثم قال بسخرية أكبر:
- يعني سلاح ورصاص حي هسلك سناني بيه ما هو أكيد هيقتل، بس بما إنه حاول يبقى جلف وأهبل وفشل.
طقطق "يزيد" رقبته بغضب ثم قال:
- ما هي المشكلة مش في أنه فشل، المشكلة فحاول يقتل مين؟ الزبون اللي عايز تحميه الجلف على رأيك وقع مع واحد تقيل أوي وحفر قبره وفاضل يدخله فيه. وللعلم هو ضرب رصاصتين واحدة قصادك أهي والتانية مع البوليس. تيجي معايا سكة وضهري وهدفعلك اللي يشبع ضميرك وأنت بتبيع زبونك ولا تستني البوليس لما يوصلك من نفس طريق ولاد الحلال... يوه قصدى ولاد الحرام اللي دلوني عنك.
حك "صبحي" لحيته بضيق ثم قال:
- أنا حاسس ليه بلهجة تهديد في كلامك؟
حاوط الرجال بـ "يزيد" بعد أن حك "صبحي" لحيته وكانت إشارته للهجوم، ضحك "يزيد" بسخرية وقال:
- شكل البدلة خلتك تقرأني غلط خالص.
***
كان الجميع في القاعة والموسيقى تملأ المكان حتى فتح الباب ودلفت "ليل" تتبأطأ ذراع "عمران" بفستانها الذهبي وحجابها الجميلة. وقف الجميع لأجل العروسة و"آسيا" تسير بجوار ابنتها من الجهة الأخرى بسعادة تغمرها حتى وصلت "ليل" إلى المقاعد وبدأت فقرة الترحيبات والمباركة للعروسين من الجميع. كان "الجارحي" جالسًا على الطاولة يبحث عن زوجته المتمردة بعينه والغضب يحتله من رسالتها. جلست "هدير" بجانبه بسعادة فسألها بحزم:
- أمال قُدس فين؟
- معرفش يا جارحي هتلاقيها هنا وهنا مش هتضيع يعني.
قالتها بلا مبالاة بينما "وصيفة" سألت بنبرة خافتة:
- هو أنت مشوفتهاش يا جارحي؟
- هي مين؟
قالها بغرور وعينيه تنظر في الهاتف فتنهدت بلطف:
- قُدس، أصلها عملت مشكلة مع مديحة.
رفع نظره عن الهاتف بضيق مما سمعه لتقاطعه "مديحة" وهي تجلس معهم على الطاولة:
- مبتبلش في بوقك فول يا درتي.
- عملتي معاها مشكلة؟
سألها بكبرياء والغضب يظهر في ملامحه لتتحدث "مديحة" ببرود مُتحاشية النظر إليه ناظرة إلى "ليل":
- مراتك لابسة بدلة رقص وعايزة تنزل بيها قصاد الناس.
أغمض عينيه بضيق من تصرف جدته بينما انتبه "هدير" إلى حديثها وقالت بخنق:
- هو أنا مش قُلتلك يا ديحة مالكيش دعوة بيها ليها جوز وأب، وبعدين قُدس لسه صغيرة وحجمها كله ميديش واحدة في سادسة ابتدائي عشان تعنفيها.
ضرب قبضته بالطاولة بضيق ثم قال:
- هي فين؟
ألقت "مديحة" مفتاح من حقيبتها على الطاولة وقالت ببرود وهي تضرب ولا تبالي:
- حبستها فوق.
كز على أسنانه بغيظ شديد من تصرف جدته وقال:
- هي كلبة بتحبسيها، أنا مش هفوتهالك يا ديحة وعزة وجلال الله ما هتفوت المرة دي.
وقف من مكانه غاضبًا وغادر القاعة لتتمتم "وصيفة" بضيق قائلة:
- متعرفيش تسيبنا نفرح، لازم تنكدي علينا كل لحظة حلوة.
صعد إلى الغرفة وفتح الباب بالمفتاح وولج للداخل فرأى زوجته جالسة على الفراش بضيق مُرتدية فستان أحمر من القماش اللامع بأكمام من الدانتيل الأحمر تظهر ذراعيها من أسفلهم، ضيق يرسم جسدها وطويل له ذيل من الخلف، تصفف شعرها على شكل وردة جانبية وغرتها مسدولة على الجانب الأيمن وتزين أذنيها بحلق من الألماس به أحجار حمراء وحول عنقها عقد به وردة رقيقة. وقفت بعد أن رأته وأقتربت غاضبة من حبسها وتقول بضيق:
- هي بتحبسني فاكرني جارية عندها.
كان شاردًا بجمال صغيرته وهذا الفستان تحديدًا الذي أظهر أنوثتها المُثيرة. بعد أن وقفت علمت أنها ترتدي الكعب العالي بقدميها فأصبحت تصل قرب كتفه عوضًا عن ساعده. ابتلع لعابه بتوتر من نظراته الثاقبة بها كأنه يلتهمها بعينيه. انحنت لتأخذ البالطو الخاص بها وقالت:
- أنا رايحة البيت والله ما أنا نازلة خالص.
مرت من جواره ليمسك معصمها يمنعها من الرحيل فنظرت له بعبوس ليقول بهدوء شديد:
- لفي.
تفهم جملته فجعلها تدور وهو يمسك ذراعها وكان جزء من ظهر الفستان من الدانتيل ويظهر أكتافها من الخلف كذراعيها. كانت تدور وهي لا تفهم شيء من سحبه لذراعها بالقوة والكعب العالي مع ذيل الفستان جعلوا خطواتها تتعثر فكادت أن تسقط ليحيطها بذراعه الآخر وهي بين ذراعيه. حملقت به بضيق لتشم رائحة عطره ووسامته عن قرب وعينيه العسليتين اللتي تغرق بهما في العشق. تسارعت نبضات قلبها العاشق وسارت القشعريرة في جسدها وأحمرت وجنتيها أكثر مع مساحيق التجميل. كانت لحظة تملأها الكثير من مشاعر دافئة بينهما تمتم بخفوت:
- إنتِ بكل الطرق الممكنة متناسبنيش يا قُدس.
اتسعت عينيها بدهشة من حديثه وقبل أن تنفجر غاضبة به أوقفها متابعة حديثه حين قال وهو يمسك ذقنها بإبهامه وسبابته برقة:
- لكنك تستاهلي أدخل الحرب عشانك.
تذكرت سؤاله في المستشفى أن كانت تستحق الحرب التي دخلها مع أخاه لأجلها والآن أجاب على سؤاله بنفسه. فأبتلعت لعابها بتوتر والخجل يسيطر عليها وجعلها تشبه الوردة الحمراء التي تخجل أن تتفتح في بستانها. تمتمت بتلعثم شديد:
- أنا...
قاطعها بقبلة دافئة يتذوق بها عبير وردته الجميلة الخجولة ويده تمسك ذقنها بلطف والأخرى تحيط بخصرها. دُهشت من فعله وسقط البالطو عن يدها، وقد قَبل قلبها بالحرب لأجل عشقه ونبضاته تسارعت كالمجنون متراقصة على أوتار ضلوعها بسبب حبيبها ولأول مرة يعاملها بهذه اللطف واللين ويتخلى عن قسوته. لم تقاومه أو تدفعه بل كانت غارقة في دفئه ولطفه حتى ابتعد عنها يفصل قبلته الناعمة وعينيه تعانق عينيها الخضراء وقال:
- تستاهلي يا قُدسي.
ابتسمت بخجل شديد من فعله وحديثه فحاولت أن تتحاشي النظر إليه ليرفع رأسها بلطف وقال:
- لسه متخلقش اللي يخليكي جارية وأنا على وجه الأرض.
مسك يدها في يده وأخذها لخارج الغرفة سار معها إلى حيث القاعة فسأل بتوتر:
- أوعي يكون روجك بيطلع؟
ابتسمت بخجل وهي تراه يمسح شفتيه بإحراج فهزت رأسها بلا وهي تنظر بالأرض. اقترب من القاعة وهو يقول:
- ارفعي رأسك فوق إنتِ مرات الجارحي أبو النور.
لف بها إلى القاعة وسط زحمة المعازيم ويدها تتبأطأ ذراعه فتبسمت "وصيفة" وهي تقول:
- موتي بغيظك يا درة.
نظرت "مديحة" لتراه يقترب من طاولتهم مع زوجته بنفس فستانها، فكزت على أسنانها وسحب المقعد لأجلها و"قُدس" وسط تصرفاته مُندهشة فجلست وجلس بجانبها. رن "يزيد" على هاتفه ليقف بتعجل وقال:
- أنا طالع برا خمسة وجاي.
أومأت إليه بنعم وغادر. همست "هدير" لها بلطف وقالت:
- راجل الجارحي مش أي حد، يكش تعقلي وترجعي بيتك يا ست الغضبانة.
رفعت "قُدس" حاجبها بغرور وقالت:
- مفكرتش في الموضوع ده، لسه على موقفي.
تأففت "هدير" بغيظ من هذه الفتاة وقالت:
- هتجنني والله؟ إيه دان.
نظرت "قُدس" على كلمتها ورأت "مصطفى" يدخل من باب القاعة، دهشت أن "هادي" ذهب ليصافحه فتمتمت بدهشة وصوت خافت:
- إنتِ عزمتي دكتور مصطفى؟
رفعت "قُدس" حاجبها بدهشة وقالت:
- شوف الرقة!! لا معزمتهوش بس جدي وبابا عزموا لما راح يطلب إيدك.
اتسعت عيني "هدير" على مصراعيها من الدهشة وقالت بلهفة:
- إنتِ قلتي إيه؟ حصل امتى ده ها؟ ومقولتليش ليه؟
ابتسمت "قُدس" بمكر تغيظها بطفولية:
- مجاليش مزاج كنت غضبانة من جوزي ومعنديش وقت للرغي.
قرصتها "هدير" من أسفل الطاولة وهي ترى "مصطفى" يقترب منهم. تبسم وهو يراها أمامه تتحاشي النظر إليه بخجل فتحدث بلطف قائلًا:
- عاملة إيه يا قُدس؟
- بخير يا دكتور مصطفى والله؟ تعال أقعد مكاني.
قالتها بخباثة لتكز "هدير" على أسنانها بخجل. تحدث بلطف قائلًا:
- لا خليكي مرتاحة.
- هروح أشوف جوزي أصله وحشني، بس أمانة تخلي بالك لما تقعد أصل الكرسي ده فيه حاجات كده بتقرص.
قالتها بمكر لتضرب "هدير" قدمها قبل أن تغادر فتألمت "قُدس" بخفة وضحك "مصطفى". رحب بـ "وصيفة" و"مديحة" وهو يقول:
- أنا دكتور مصطفى كنت مع قُدس.
ابتسمت "وصيفة" بحماس وهي تتطلع به من الرأس وهي تعرفه بينما "هدير" تتحاشي النظر له والحديث.
أجتمع الجميع بسعادة وحان وقت تقديم الشبكة وعندما اقترب موظف القاعة بالشبكة أوقفته "آسيا" بدهشة وقالت:
- إيه ده؟ فين الشبكة؟
نظر الجميع على سؤالها فتحدثت "ليل" بجدية قائلة:
- ما هي دي الشبكة يا ماما.
- لا، دي مش الشبكة، مش دي اللي أنا اخترتها.
قالتها بانفعال شديد مما جعل جميع الحضور ينتبه إلى الحديث. تحدثت "ليل" بحدة من تصرف أمها أمام الجميع:
- بس دي اللي أنا اخترتها.
كادت "آسيا" أن تنفعل أكثر ليوقفها "فؤاد" وهو يقول:
- خلاص يا آسيا هتفرجي الناس علينا... لابس عروستك الشبكة يا عريس.
تأففت "آسيا" بضيق شديد وغادرت القاعة دون أن تشارك ابنتها فرحتها.
***
وقف "الجارحي" مع "يزيد" أمام الفندق بحيرة وهو ينظر إلى صورة "عادل" ويقول:
- أنا شوفته قبل كده، بس فين ولا مين مش فاكر.
- ده اللي كان مع الواد اللي اشترى السلاح، وهو اللي ضرب عليك. الواد اللي كان معاه قالي إنه ساق الموتوسيكل وده اللي ضرب ودفعه 10000 جنيه.
قالها بهدوء ليبتسم "الجارحي" بسخرية وقال:
- قيمة الجارحي أبو النور 10000 جنيه، هاتلي كل اللي تعرفه عن الواد ده.
أومأ "يزيد" له بنعم وقال:
- تأمرني يا معلم.
قاطعه صوت "قُدس" من الخلف تقول:
- جارحي.
تنحنح بحرج من زوجته وأشار إلى "يزيد" بأن يذهب وأستدار إليها ليراها تحمل حذاءها ذو الكعب العالي في يدها وتسير حافة القدمين فسأل بقلق:
- إيه ده، ماشية كده ليه؟
- حاسة بوجع في ضهري ومش قادرة.
قالتها بألم شديد فأخذ يدها بلطف وشعر بقلق على زوجته وجنينها فأشار إلى الموظف ليحضر سيارته وقال:
- إنتِ اتخبطتي أو حاجة؟
- لا، حاسة مش قادرة أفرد جسمي.
قالتها بألم، وصلت السيارة أمام الفندق فأخذها في سيارته وذهب إلى المستشفى ليفحصها ويعلم سبب الألم. فحصت الطبيب حنينها وتبسمت بسعادة ثم قالت:
- لا عال جداً متقلقيش، البيبي كويس ماشاء الله والحمل كويس مفهوش أي مشاكل.
- طب والوجع اللي هي حاسة بيه؟
سألها "الجارحي" بقلق شديد على صغيرته وتابع بجدية:
- لو سنها صغيرة أو جسمها الضعيف هيخلوها في خطر عرفيني، نجهضه لو هيعملها مشاكل صحية.
ابتسمت الطبيبة بلطف على قلقه وقالت:
- يا أستاذ بقولك المدام والحمل كويسين، مالوش علاقة بحجمها قد إيه، وبعدين قبل ما تكلم في الإجهاض اسمع صوت نبضاته، ابنك دلوقتي بقى عنده نبض.
سمعت "قُدس" صوت نبضات جنينها فدمعت عينيها بسعادة تغمرها وشعور الأمومة يحتلها فرحًا. وظلت تنظر للشاشة على طفلها الذي بحجم حبة الفاصوليا بداخلها. استمع "الجارحي" بنبضات صغيره ليشعر بشيء من الحب بداخله. شعر بأنه سيقاتل لأجل هذا الصغير وستحدى عناد والدته التي تتحدث دومًا عن الانفصال. نزلت "قُدس" عن السرير وحملت حذاءها في يدها وهو يساندها لتلمح الطبيبة الحذاء فقالت بلطف:
- مينفعش تلبسي كعب خالص في الحمل أو على الأقل في الأول، ممكن ده يكون سبب الألم اللي عندك.
أومأت إليها بنعم وسجلت الطبيبة بعض الأدوية في ورقة وقالت:
- هنمشي على الأدوية دي بانتظام عشان ميقولكيش تاني حجمك الصغير هههه وأشوفك إن شاء الله بعد أسبوعين، على فكرة يا أستاذي المدام حامل في شهرين يعني الإجهاض مش في صالحها.
أومأ إليها بنعم ثم أخذ متمردته الجميلة وغادر المستشفى. أوقف سيارته أمام أقرب محل أحذية وأشترى لها حذاء رياضي أبيض بدون كعب ثم فتح باب السيارة الخاص بها. جثا على قدميه وهي تجلس في السيارة مُندهشة من ركوعه أمامها وأخذ قدمها يُلبسها الحذاء بلطف وهي تتأمله واليوم من أسعد أيام حياتها وحبيبها يعاملها باللطف ويدللها بحنانه.
***
نزل "عماد" يركض على الدرج بسبب تأخيره على خطبة "ليل" والآن سيغضب الجميع منه. وصل للأسفل وهو يعقد رابطة عنقه فجاءت له "سنية" زوجة "رجب" البواب وقالت بعفوية:
- سي عماد، أم السعد لاقت الورقة دي على السلم وهي بتمسح والبت بنتي قالتلي أنها من المستشفى. معرفش أرميها ولا أخليها.
أخذ الورقة من يدها بتعجب وقال ببرود:
- مستشفى، هم هيرموا ورق المستشفى على السلم ليه، تلاقيها بتاعت جارحي.
تلعثم في الحديث وتوقف محله بصدمة ألجمته حين رأى ما بداخلها وكان تحليل الدم الخاص بـ "قُدس" فتمتم بصدمة شلت جميع أطرافه وقتلت قلبه في الحال:
- حامل!!
رواية حرب سقطت راءها الفصل العاشر 10 - بقلم نورا عبد العزيز
في الإسكندرية، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة مساءً.
في محطة الأتوبيسات، توقف الأتوبيس جانبًا فترجلت "ليان" منه وسارت إلى بيتها قدمًا.
فتاة في التاسعة عشر من عمرها، يبلغ طولها 160 سم وجسدها ممشوق، مُرتدية فستان وردي اللون بأكمام من قماش الكتان فضفاض وشعرها الأسود مرفوع على شكل ذيل حصان، مُرتدية حذاء رياضي أبيض اللون وتحمل حقيبتها البيضاء الصغيرة ودفترين على ذراعها.
سارت في الزقاق وهي تلعب في هاتفها وتضع سماعة الرأس الوردية فوق رأسها، تمنع عنها أصوات العالم الخارجي.
كان الزقاق هادئًا جدًا، وتخرج من واحد للآخر.
الزقاق كان فارغًا وهادئًا وعينيها لم ترفع عن الهاتف.
قد اعتادت يوميًا على السير في هذه الشوارع الهادئة دون خوف.
تعثرت في شيء ضخم أسفل قدمها لتصرخ بفزع وعادت خطوة للخلف.
فصُدمت عندما رأت يد أحدهما لتصرخ بذعر، وأعتقدت أنها جثة مُخبأة بالطريق.
لكن أوقفها سماع صوت استغاثة ضعيف.
أقتربت "ليان" بخوف يحتلها لترى شاب في منتصف الثلاثينات غارقًا في دمه وقد تعرض للطعن في خصره.
لم ترى ملامحه جيدًا بسبب ضعف الإضاءة.
أبعدت الصناديق الكرتونية عنه بتعجل محاولة مساعدته وجعلته يعتدل في جلسته بهدوء.
قالت بصوت دافئ:
"متخافيش، أنا في أولى طب."
حاولت مساعدته ومزقت قميصه بتعجل تحاول ربط الجرح وتضغط عليه بقوة.
قالت بعفوية:
"أنت نزفت كتير، تقدر تسند عليا وأوصلك لأقرب مستشفى."
بحثت عن هاتفها الذي سقط من فزعها لتتصل بالأسعاف، لكنه مسك يده بقوة يمنعها من فعل ذلك.
فتح عينيه ببطء من التعب ورأى أمامه فتاة ملامحها صغيرة ليدرك بأنها لم تبلغ السن فعلًا.
تملك بشرة بيضاء، شعرها الأسود بنعومته وغرتها تزيدها جمالًا.
لديها زوج من العيون الخضراء الواسعة، شفتيها ملون باللون الوردي اللامع بسبب أحمر الشفاه الذي ترسم به شفتيه.
أخذ الهاتف من يدها وأتصل على رقم مجهول.
وقبل عشر دقائق، امتلأ المكان بالرجال وكان يبدو عليهم أنهم رجال عصابات.
فابتعدت "ليان" عن طريقهم بخوف.
صرخ أحدهم، يبدو أنه قائدهم، يقول:
"خدوا الرئيس على العربية بسرعة وأتصلوا بالدكاترة."
أخذوه من الأرض وعينيه تحدق بالصغيرة كلما ابتعدت.
عادت "ليان" إلى منزلها ففزعت والدتها عندما رأت الدماء على ملابس صغيرتها ويديها.
قالت "ليان":
"متخافيش يا ماما، دا واحد كان مصاب وساعدته."
"أنا كام مرة أقولك يا ليان أبعدي عن الأغراب، إنتِ ضامنة اللى فى الشارع دا مين؟"
قهقهت "ليان" بعفوية وهي تدخل المرحاض تغسل يديها مُتمتمة:
"مش أوى كدة يا ماما، متقلقيش عليا، أنا قدها ومبخافش."
تأففت الأم بضيق.
ثم دلفت "ليان" إلى غرفتها تبدل ملابسها وخرجت تساعد والدتها في تحضير العشاء وتُحدثها قائلة:
"أمال بابا فين؟"
"في الأوضة بيصلي العشاء."
أومأت إليها "ليان" بنعم وجلسوا على السفرة معًا حتى جاء والدها وجلس على السفرة.
يقول بحب:
"حمد الله على السلامة يا حبيبتي."
"الله يسلمك يا حبق."
قالتها "ليان" بلطف وتتناول طعامها.
كان الصمت يسود بينهما حتى قاطعتهما "ليان" تقول:
"حضرتك فكرت في طلبي؟"
تنهد "فتحى" بخفوت وتوقفت "ياسمين" عن الطعام وتغيرت تعابير وجهيهما الاثنين.
لتفهم "ليان" أن طلبها ما زال مرفوضًا.
تحدثت بجدية:
"بابا، أنا طلبت منك أروح مع أصحابي القاهرة، هو يوم سد رد مش هتأخر، الساعة 8 بالكثير هكون هنا."
"لا، القاهرة لا."
قالتها "ياسمين" بضيق شديد وانفعال واضح في ملامحها.
مما جعل "ليان" تُدهش من رفض والدتها القاطع.
فنظرت إليها بضيق وقالت:
"ليه لا، هي القاهرة بتعض؟"
لم تقبل "ياسمين" النقاش ووقفت من مقعدها تاركة الطعام ثم ولجت إلى غرفتها غاضبة.
فنظرت "ليان" إلى والدها مُندهشة من تصرف أمها وقالت:
"أنا مش فاهمة، هو في إيه؟"
تنهد "فتحى" بهدوء وقال بخنق:
"مفيش، هي قلقانة عليكِ لأنك بنت وعايزة تسافري لوحدك."
"حضرتك ممكن تيجي معايا، أنا مش رافضة دا؟"
قالتها بجدية.
ليغادر "فتحى" هو الآخر المكان تاركين الصغيرة في حيرتها.
تركت "ليان" الملعقة من يدها بضيق واستفهام كبير في عقلها.
دلتفت إلى غرفتها غاضبة وظلت بها حتى غرقت في نومها من التعب.
في مكان آخر، داخل فيلا كبيرة في الإسكندرية تملأها الحراسة والرجال من كل مكان وفي كل زاوية.
كان الطبيب يعالج جرح الرجل وسط صرخاته القوية.
قال:
"الحمد لله أن الطعنة ما أذتش الأعضاء."
تحدث "كريم" بقلق على رئيسه قائلاً:
"يعني هو بخير؟"
ابتسم الطبيب ونظر إلى الرجل المصاب بعفوية ثم قال:
"متقلقش عليه يا كريم، هو أسد، ومش أول طعنة لجلال بيه."
أومأ إليه بنعم.
ليقف "جلال" يرتدي تيشيرته ببرود شديد جدًا وملامح وجهه الغليظ.
يشير بيده إلى الطبيب بأن يرحل.
وقف "كريم" الشاب صاحب الثلاثين عامًا خلفه ببدلته السوداء، يشابك يديه ببعضهم أمامه وينظر بعينيه البنية على "جلال" من الخلف، ويدون لحية ويصفف شعره الأسود للأعلى.
تحدث "جلال" بنبرة حادة قائلاً:
"عملت إيه؟"
مد "كريم" يده إلى رئيسه بالتابلت وكان مفتوحًا على السيرة الذاتية لـ "ليان".
تحدث بهدوء:
"ليان فتحي محفوظ، قدّمت 54 يوم وتم التاسعة عشر سنة، طالبة في أولى طب جامعة إسكندرية، معروفة بين صحابها بالشخصية القوية وبتحب المغامرة والتحديات، عنيدة لأقصى درجة وأتُفصلت من مدرسة في الإعدادية بسبب ضربها لمدرس حاول يلمسها وأتُفصلت من مدرسة في تانية ثانوية عشان ضربت زميلتها في المدرسة ورفضت تعتذر من المديرة، وحيدة أبوها معندهاش أخوات، باباها فتحي محفوظ صاحب شركة محفوظ للأدوات المنزلية وفضل 20 سنة مبيخلفش وبعد عشرين سنة جواز ربنا رزقه بـ ليان."
نظر "جلال" إلى صورتها في السيرة الذاتية ثم قال بجدية:
"خلي عينيك عليها."
أومأ "كريم" بنعم.
قال:
"أحم، بالنسبة للي حصل..."
قاطعه "جلال" بنبرة حادة أكثر برودة:
"قفل على الموضوع دا ومع شروق الشمس خلى الرجالة تجهز عشان هننزل القاهرة."
أومأ إليه بنعم.
في القاهرة، عاد الجميع من الخطبة بسعادة.
فاستوقفهم "الجارحي" بنبرة قوية:
"ديحة!!"
نظرت "مديحة" وهكذا الجميع إليه.
فأقترب منها بهدوء وقال:
"آخر مرة تفكري تقربي من مراتي أو حتى تدخلي في شئونها وأنا موجود على وش الدنيا."
تأففت بضيق من تصرفه أمام الجميع.
فهل يفكر حفيدها في إهانتها أمام العائلة؟
لتقول بضيق:
"أنت سامع نفسك بتقول إيه؟ الظاهر أن اسم ديحة خلاك تنسى مكانك وبتتكلم مع مين؟"
تحدث "حمدي" بتعب من طول اليوم قائلًا:
"خلاص يا مديحة، ادخلي شقتك."
أقترب "الجارحي" منها خطوة وقال بتهديد واضح دون خوف:
"آخر مرة يا حجة، هكلم معاكِ باللسان."
"أنت قد اللي بتقوله دا."
وضع يديه في جيوبه بغرور وقال بكبرياء:
"الزمن علمني أني لما أقول أكون قد القول وجربيني يا ديحة، وغلاوة الحج عندك لتجربيني بس، لأن برضو حاجة اتعلمتها من الحج جوزك لما أعمل أكون قد رد الفعل... وإنتِ عملتي فكوني قد رد فعل الجارحي أبو النور. مراتي خط أحمر."
كزت على أسنانها بضيق غاضبة منه.
وقفت "قُدس" تشاهد جراءته في تحدي جدته وتهديدها أمام زوجها وابناءها.
يراقب جميع الرجال تهديد الحفيد للجد دون أن يلفظ أي منهم بحرف.
أعلن حربه على الجميع لأجلها كما وعدها.
جزء من قلبها يتعلق به باستماتة وجزء أخرى منها يحكم عقلها الذي يرفض العودة له وكل ذرة بالمنطق تخبرها بأنه سيعود لقساوته من جديد ولم تدوم رِقته ولطفه معها.
كانت تصارع وحدها ما يدور بداخلها والحرب القائمة بين القلب المُسلح بالعشق والعقل المُسلح بالمنطق.
تحدث "حمدي" بهدوء قائلاً:
"جارحي، أنا واقف واللي بتكلمها مرات حمدي أبو النور."
تبسم "الجارحي" بسخرية وقال بلطف مُصطنع مُستفز:
"حقك عليا يا حج، على راسي بس أي اللي يخلي مرات المعلم حمدي أبو النور تجسس عليه وتتصل بالمحامي تسأل على الوصية والأملاك."
اتسعت أعين الجميع وهكذا "حمدي" الذي صُدم من تصرف زوجته وهي تبحث عن ماله فقط.
مر "الجارحي" من جوارها وقال بهمس:
"دي قرصة ودن صغيرة من الممكن أعملها لو قربتي لقُدس."
كادت "مديحة" أن تتحدث بتلعثم خائفة من زوجها الذي يُمقنها بعينيه ثاقبة تملأها الشر والحقد، لكنه لم يسمح لسماع صوتها ودلف إلى شقة "وصيفة" ليدخل الجميع إلى شققهم.
صعد "الجارحي" أولًا لكنه لم يسمع خطواتها.
فالتف ليرى "قُدس" تسير نحو شقة "وصيفة".
فسأل بدهشة:
"رايحة فين؟"
حدقت به وشعرت بهزيمة قلبها الخائف من تقلبة عليها وما زالت تشعر بالحزن والخذلان من جعلها دمية في يديه.
هزمها العقل بأفكاره المُرعبة.
كانت تعلم أن بمجرد دخولها لشقته سيتبدل حاله من جديد معها ويقسو عليها.
فقررت أن تهرب منه وتمتمت:
"داخلة عشان أنام."
قالتها بتعب.
ليترجل "الجارحي" الدرجات التي صعدها حتى وصل أمامها مُندهشًا من هجرها.
اعتقد أن لطفه وقبلته صباحًا كان نهاية الفراق والهجر بينهما.
أم تكفي خطوته في البداية بتقبيلها لمصالحتها وإعلان السلام بينهما لتبدأ حياة جديدة بينهما ويسعدوا معًا بطفلهما.
تحدث بدهشة مُتسائلًا عن هروبها منه:
"ليه؟"
رفعت نظرها نحوه بتوتر وعينيها دامعة تتمنى لو تلقي بجسدها الصغير بين ذراعيه وتختبئ به من قسوة العالم.
لكن عقلها الخبيث لا يوافقها على النعيم ودومًا يأخذها إلى الجحيم.
فتحدثت ببرود مُصطنع تخفى به حربها القائمة بداخلها بعد أن رمقته بجدية:
"أعتقد أن كلامي كان واضح لما قلتلك أني عند أهلي لحد ما تبعتلي ورقتي."
يضحك بسخرية من تحولها الغريب.
قضم شفته السفلية بغيظ ثم قال بهدوء:
"أنا فكرت أنك عقلتي و..."
حك لحيته بضيق من عنادها الشديد وقال مُتأففًا من تمردها:
"هو مش المفروض أني صالحتك الصبح وقربنا من بعض وضحكك في وشي و...، إنتِ واعية إنتِ بتعملي إيه يا قُدس؟ أنا مش هتحمل صبيانتك دي كتير."
قاطعته وهي تتذكر يومها كاملًا معه وتقول بعنادٍ وتحدٍ:
"فكرت لما تعاملني كويس يوم هعقل وأرجع عن قراري. أنا مش هرجعلك يا جارحي، مش هرجعلك عشان زي ما أنت قلت قبل كده أنا مش مناسبة ليك ولا أنت كمان مناسب ليا. آه، أنا يمكن النهاردة تقبلت اللي في بطني لما شوفته لأن غصب عني أنا أم وقلبي مال لما شوفته وسمعت صوته، لكن متقبلتش وجودك. أنا فكرت كتير وعرفت أنك مش الراجل اللي أنا عايزاه ولا فيك ميزة واحدة مناسبة ليا."
شعر بحدتها في الحديث وإهانتها له كرجل بكلماتها القاتلة.
فجذبها من ذراعها بقوة إليه وقال بلهجة مُخيفة مُرعبة:
"إنتِ مين اللي صورلك أن يحق ليكِ أنك تقربي من كرامتي ورجولتي؟ أوعي يا قُدس في يوم أو حتى لحظة تنسي أني الجارحي أبو النور. أنا لو بنفذلك طلباتك وبعملك اللي عايزاه دا عشان كرم أخلاق مني مش ضعف، ومتخلقتش الست اللي تلوي ذراعي. عايزة تتطلقي... عيني زي ما تحبي بس ما بعد ما تولدي ابني ولحد ما تولديه مش عايز ألمح ظلك حتى. مبقاش الجارحي أبو النور إذا ما دفعتك ثمن المساس بكرامتي وتقليلك مني كراجل."
دفعها من ذراعها للخلف بغضب سافر وقال بحزم:
"غوري يا قُدس."
صعد إلى شقته غاضبًا يتوعد لها بالكثير من الإهانات والذل على جرح كرامته.
دلتفت إلى شقة "وصيفة" بهدوء شديد والحزن حليفها في هذه الليلة.
في الإسكندرية، تسللت "ليان" من غرفتها في السابعة صباحًا قبل أن يستيقظ والديها.
وصلت لباب الشقة وخرجت منها عازمة أمرها على السفر بعناد.
ترجلت للأسفل ووجدت سيارة ملاكي بها أصدقائها الأربعة، ولدين وبنتين.
صعدت في الخلف مع البنات وانطلقوا جميعًا إلى القاهرة، وخلفهم سيارة رجل "جلال" يراقبها.
كان "كريم" يقود السيارة بـ "جلال" الذي يجلس في الخلف يتابع أعماله على جهاز التابلت.
رن هاتفه من قبل الرجل الذي يراقب "ليان" فحدثه "كريم" ثم أغلق الهاتف وقال:
"ليان في طريقها للخروج من إسكندرية مع أربع شباب، بنتين وولدين."
رفع "جلال" نظره عن التابلت باهتمام وقال:
"معقول يكون لها دخل بالهواري؟ خليه وراها."
أومأ إليه بنعم وأعطى الأمر للرجل في الهاتف.
في السيارة الأخرى، كانت "ليان" تستمع مع أصدقائها في سفرهما إلى القاهرة حتى وصلوا إلى بوابة القاهرة، فتحمس الجميع.
[[ عمارة أبو النور ]]
استيقظت "هدير" صباحًا مع أذان الظهر.
خرجت من غرفتها ورأت "سنية" تجهز الإفطار مع والدتها "وصيفة" التي تبسمت فور رؤيتها لوجه ابنتها وقالت بلطف:
"صباح النور يا عروسة."
تبسمت "هدير" بخجل وجلست على الأريكة تقول بهدوء:
"خلاص، خليتيني عروسة."
تركت "وصيفة" السفرة لـ "سنية" وذهبت نحو ابنتها ثم قالت:
"طبعًا وست العرايس كمان. أنا شفت الدكتور امبارح وعينيه متشالتش من عليكي وبصراحة أنا ارتحت له مع أني متكلمتش معاه بس حسيت بقبول كدة جوايا من ناحيته."
ضحكت "هدير" بعفوية على والدتها ثم قالت بملل:
"ههههه، برضو اللي قبله كده. صفصف، إنتِ أي رجل تحت بند عريس بترتاحي له والقبول بيبقى مليون المية."
حاولت إخفاء خجلها وتوترها من الخطوة التي أقدم عليها "مصطفى".
فتحدثت "وصيفة" بعفوية:
"يا شيخة، يعني انتِ مش عايزاه؟ أقول للحج إني سألتك وموافقتيش."
تنحت "هدير" بأحراج وقالت بتوتر وارتباك:
"إيه يا صفصف، مستعجلة ليه؟ ما هناخد وقتنا في التفكير."
ضحكت "وصيفة" بعفوية على ابنتها ثم قالت بأريحية:
"طب قومي يا أختي صحي قُدس عشان تفطر على ما أشوف أبوكِ خلص ولا لسه."
بحثت "هدير" حولها عن والدها وقالت بهدوء:
"هو فين؟"
التفتت "وصيفة" حولها بخوف أن يسمعها ثم همست إلى ابنتها بقلق شديد قائلة:
"ما نامش طول الليل بعد القنبلة اللي رماها الجارحي قُصادنا، ومن الفجر عمال يتصل بالمحامي وجاله من صباح ربنا وقاعدين في المكتب جوه. ربنا يستر من تفكيره، أنا أول مرة أشوف أبوكِ كده وبالغضب والعصبية دي كلها من يوم ما اتجوزته وكله من وش البومة اللي متجوزها."
تنهدت "هدير" بقلق وقالت:
"ربنا يستر."
فتح باب الغرفة يقاطع حديثهما الهامس.
وكانت "قُدس" تركض نحو المرحاض تستفرغ ما بأحشائها وخرجت تتكئ على الحائط بظهرها.
فوقفت "هدير" و"وصيفة" من مكانها وساروا نحوها.
فكانت شاحبة جدًا.
فسألت "هدير" بقلق:
"مالك يا قُدس؟"
"تعبانة شوية."
قالتها "قُدس" بتعب ودوران رأسها لا يتركها.
فمسكت رأسها بتعب وحاولت الاستقامة فتعثرت قدميها.
لتمسك "هدير" يدها بقلق وكانت باردة كقطعة من الثلج.
فوضعت يدها الأخرى على جبين "قُدس" وكانت باردة جدًا مما جعلها تتحدث بفزع:
"يا لهوي، ده إنتِ متلجة يا قُدس، اتصلي يا ماما بالدكتور."
سارت "قُدس" بتعب معها نحو الأريكة مُتمتمة بضعف:
"مفيش داعي يا دودو، أنا مش عيانة."
رمقتها "هدير" بقلق بينما "وصيفة" تحدق بالصغيرة وقالت بتردد وصوت خافت:
"إنتِ حامل؟ نعملك اختبار حمل."
"آه."
قالتها "قُدس" بتعب وألقت بجسدها على الأريكة نائمة من وجع بطنها الذي يلازمها.
لكنها فزعت عندما أطلقت "وصيفة" الزغاريد في الشقة بفرحة تغمرها.
بينما "هدير" نظرت إلى الصغيرة بدهشة ولم تصدق أن فتاة بعمرها تحمل بداخلها جنين وعلى وشك أن تكون أم.
طلبت الطلاق ولم تخبرها بأن شيء قد حدث بينهما والآن تفاجئها بالحمل وما زالت هنا غاضبة وتهجر زوجها.
خرج "حمدي" على صوت الزغاريد مُندهشًا من وجود الفرحة في بيته ليقول بحدة صارمة:
"ما خلصنا يا وصيفة الخطوبة وخلصت."
كان في أشد غضبه وعلى وشك هدم المنزل على رؤوس الجميع.
لكن أوقفه صوت "وصيفة" التي تقول بحماس وفرحة تغمرها:
"تعالى يا حج شوف عروستنا وبارك لها، قُدس حامل."
اتسعت عيني "حمدي" على مصراعيها من هول الصدمة التي وقعت عليه.
فتحدث بهدوء وتلاشى غضبه:
"طيب روح أنت دلوقت واعمل اللي قلتلك عليه في أسرع وقت."
أومأ "المحامي" إليه بنعم وقال بلطف:
"عن إذنك يا حج ومبروك، يتربى في عزكم."
غادر المحامي.
وأقترب "حمدي" بعكازه وخطواته الضعيفة نحو حفيدته الجميلة.
جلس على الأريكة بجوارها فرفعت جسدها بتعب ليمسح على رأسها بحنان رغم الضغط والضيق اللذان يحتلان عقله.
تحدثت بلطف ونبرة دافئة:
"إنتِ حامل يا قُدس؟"
"آه يا جدو."
بدأت "وصيفة" نوبة من الزغاريد من جديد لتصرخ بها "حمدي" رافعًا عكازه في وجهها بحزم:
"اخرسي، كتم على الموضوع ده."
ادهش الجميع من حزمه وإخفائه للأمر.
فنظر "حمدي" بهدوء إلى الصغيرة وقال:
"مين يعرف إنك حامل؟"
"انتوا وجارحي بس."
قالتها بقلق.
ليقول بحزم شديد موجهًا حديثه إلى ابنته وزوجته:
"إياكِ حد غيركم انتوا الاتنين يعرف ولا يشم خبر عن الموضوع ده، اللي حاول يقتل جارحي لسه متمسكش والعيلة كلها أول ناس محل شك واللي عايز يأذيه مش هيغلب على أذى ابنه."
تحدثت "هدير" بقلق مما حدث وقالت:
"عندك حق يا بابا وخصوصًا إني شاكة في عماد."
تنهد بهدوء شديد ثم قال:
"أنا بس أتأكد."
رفع رأسه لها بجدية يرمقها بنظرة مُرعبة ويتطاير منها الشر:
"إياكِ يا وصيفة حد يعرف، قُدس هنا في بيتك أمانة عندك وسلامتها هي واللي في بطنها مسئوليتك فاهمة؟ وأي حاجة تعوزها متطلبهاش من حد غير جارحي بما إنه عارف بحملها وجوزها. إياك حد يشك مجرد شك في أنها حامل."
هزت "وصيفة" رأسها بنعم وجلست بجوار الصغيرة.
ليقترب "حمدي" أكثر ويقبل رأس "قُدس" بلطف وقال بحب:
"مبارك يا نني عيني وخلي بالك من نفسك عشان تجيبلنا بنوتة قمر زيك كده."
تبسمت "قُدس" بعفوية على دلل جدها لها.
فقاطعهم صوت دقات الباب ودلفت "آسيا" بعد أن كان الباب مفتوح بعد خروج "سنية" وسألت بفضول:
"خير يا مرات أبويا الزغاريد دي من عندكم مش كده؟"
تنحت "وصيفة" بتوتر وقالت بحماس:
"أيوة يا آسيا، باركيلي أختك هدير جالها عريس وأخيرًا وافقت تقعد معاه، الدكتور اللي كان قاعد معانا امبارح على الترابيزة."
نظرت "آسيا" إلى أختها بحقد وقالت بضيق:
"آآآه وماله، مبروك مقدمًا يا هدير."
"الله يبارك فيكِ يا آسيا."
قالتها "هدير" بهدوء.
فتحدث "حمدي" بضيق:
"باركتي يا آسيا، امشي غورى عند أمك البومة."
شعرت "آسيا" بضيق واحراج أكبر من طرد والدها لها ثم قالت:
"كده يا أبا، ماشي."
"غوري روحي لأمك السودة، ما إنتِ طالعة وارثة السواد منها."
قالها بغضب شديد لتخرج "آسيا" من الشقة غاضبة.
تبسم "حمدي" بعفوية وقال:
"قومي يا قُدس اتسندي عليا ونفطر سوا، أنا عايز الواد يطلع فيه العز."
ضحكت عليه ووقفت تتسند عليه رغم ضعف جسده لكنه كان يدللها بحنان.
فتحت "ياسمين" باب غرفة ابنتها وهي تقول:
"صحي النوم يا ليان، الفطار..."
لم تجد ابنتها في الغرفة.
فخرجت بذعر تبحث عنها في المرحاض لكن لم تجد أثر لابنتها.
مما جعلها تصرخ باسم زوجها:
"فتحي... ألحقني يا فتحي، ليان مش موجودة."
ترك الهاتف من يده وقال بدهشة:
"يعني إيه مش موجودة؟"
"قالتها بذعر وقدميها تركض في كل أرجاء الشقة باحثة عن ابنتها والخوف تملك منها وبدأت يديها ترتجف بخوف وكاد قلبها أن يتوقف."
"بقولك مش موجودة، يالهوي لتكون راحت القاهرة بجد."
خرج "عمران" من الشركة التي يعمل بها في المهندسين الساعة الرابعة عصرًا.
دلف إلى أحد المطاعم مع أصدقائه وطلبوا الغداء.
رن هاتفه باسم "ليل" خطيبته الجميلة.
فخرج من المطعم يحدثها بعفوية وقال:
"خطيبتي القمر."
"إيه دا، في إيه؟"
قالتها "ليل" مُندهشة من كلمته.
ليتابع الحديث بعفوية وقال:
"أصل لحد دلوقتي مش مصدق أنك بقيتي خطيبتي خلاص وأمبارح دبلتي نورت إيديكي. عايز أقولك أني طول اليوم النهاردة مخلعتش دبلتك أبدًا وحاسس بفرحة وهي منورة إيدي."
ضحكت "ليل" على حبه وقالت برقة:
"لا صدق يا روحي."
"بحاول والله أصدق أنك خلاص بقيتي بتاعتي."
قالها بحب وهو يضع يده في جيب بنطلونه وينظر في الأمام على المارة بسعادة.
تحدثت "ليل" بخجل من كلمته:
"لسه يا حبيبي، الكلام ده لما أبقى مراتك رسمي، دلوقتي أنا خطيبتك وبس."
كان يستمع لحديثها بحب وقال بمشاكسة ومرح:
"بت، أنا خلاص اعتمدت أنكِ بقيتي مراتي، إحنا في عيلتنا الخطوبة بحكم كتب الكتاب."
قهقهت "ليل" على مزاحه وقالت:
"ده في شرع مين ده؟"
"في شرع قلبي يا نبض قلبي."
قالها بدلال يتغزل بمحبوبته.
ليُصدم عندما رأى "قُدس" تقف على الجهة الأخرى من الطريق مع شاب في عمرها ويمازحون بعضهم باللمس.
فتحدث بدهشة:
"قُدس."
استعجبت "ليل" من كلمته وقالت بدهشة:
"قُدس... مالها؟"
خرج شاب وبنتين من المطعم المقابل ليقفوا معهم.
فقال "عمران" بضيق من تصرفات الفتاة التي يراها:
"بنت خالتك واقفة مع شباب ونازلة ضحك ومرقعة وسط الشارع، هو فين جوزها اللي عاملكم رعب يشكمه."
تعجبت "ليل" من حديثه وقالت بغضب:
"لا، أنت أكيد بتهزر، قُدس مين اللي بتهزر وتتمرقع مع شباب."
لم يبالي بشيء بعد أن خرج صديقه يناديه من أجل الطعام.
فأنهى الحديث مع "ليل" وأغلق المكالمة.
لكن شعر بشيء يخبره بأن يصورها.
فالتقط صور لها مع الشباب ودلف للداخل.
مرت "ليان" مع أصدقائها بسعادة تغمرها في رحلتهما وكانت نسخة طبق الأصل من "قُدس".