تحميل رواية «حرب سقطت راءها» PDF
بقلم نورا عبد العزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي الأزهر، تحديداً في بناية سكنية مكونة من 5 طوابق ذات اللون الأخضر من الخارج، كان يجلس الحارس "رجب" يتناول فطاره في هدوء. سمع ضجيجاً وصوتاً لنساء الطابق الأول يتشاجرن، فلم يهتم وهو معتاد على شجارهم كل يوم في الصباح. زوجته "سنية" تقف في البهو الرخامية أمام المصعد مع عاملة النظافة تجفف الأرض من الماء. تحدثت العاملة بضيق: _ يا أختي نفسي مرة آجي ومسمعش صوت خناقهم، أي مبيزهقوش، مبيتعبوش؟ كتهم نيلة. تحدثت "سنية" بضيق من حديث هذه المرأة الأربعينية قائلة: _ خليكِ في حالك يا أم السعد وأنجزي قبل ما ال...
رواية حرب سقطت راءها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نورا عبد العزيز
وصلت "قُدس" إلى المنزل تحمل في يدها حقيبتها لترى "ليل" تقف في الحديقة بغضب شديد تنتظرها بعد ما سمعته من "عمران".
ركضت لها بغضب وقالت:
- كنتِ فين يا قُدس؟
اندهشت "قُدس" من لهفة "ليل" وانفعالها في الحديث لتقول:
- في إيه يا ليل؟ كنت في الجامعة بحاول أقدم ورقي هنا عشان السنة متروحش عليا.
- جامعة؟!
قالتها "ليل" بسخرية وهي تنظر حولها بقلق من أن يسمع أحد الحديث. عندما اطمأنت، بدأت الحديث بغضب سافر بعد أن سحبت "قُدس" من ذراعها جانبًا تقول:
- متكذبيش عليا يا قُدس، ماشي؟ عمران شافك من ساعة وأنتِ في المهندسين مع شوية شباب وحاجة أخر قرف.
اتسعت عيني "قُدس" على مصراعيها بذهول من الحديث، ثم نفضت ذراعها من يد "ليل" غاضبة من اتهامها الذي لا تصدقه وقالت بسخرية:
- خطيبك مين الأعمى دا اللي شافني، ومهندسين إيه وشباب إيه اللي شفتني معاهم؟ بقولك كنت في الجامعة الأمريكية اللي في التحرير، إيه اللي هيوديني المهندسين أنا؟ وبعدين شباب إيه؟ هو أنا أعرف حد هنا؟ ولنفرض أنه شافني من ساعة، هلحق أجي من المهندسين لهنا في ساعة؟ شغلي مخ البهايم اللي في راسك دا.
كزت "ليل" على أسنانها بغيظ أكبر من إهانة "قُدس" لخطيبها وحديثها بالسب عليه فقالت:
- وإيه اللي هيخلي عمران يكذب يا هانم؟ مصلحته إيه أنه يألف؟
تأففت "قُدس" بملل شديد من هذا الحديث وقالت بعناد أكبر:
- بقولك إيه يا ليل؟ حاسبي على كلامك إنتِ والمحروس بتاعك، أنتوا واعيين بتقولوا إيه وكلامكم دا معناه إيه؟ روحي اعملي له نظارة نظر.
تأففت "ليل" بضيق من هذا الحديث وتركتها "قُدس" ودلفت إلى العمارة. وقفت أمام الدرج غاضبة وتمتمت بغيظ:
- قال مهندسين قال.
كانت تفتح باب الشقة بلا مبالاة وهي لا تعير اهتمامًا كبيرًا للحديث، فهو مجرد كذبة. نزل "عماد" من الأعلى ودُهش عندما رآها تقف وتعطيه ظهرها. وقف بغضب سافر يفكر وشيطانه يستحوذ عليه من الكره والحقد. فكر في دفعها عن الدرج ليتخلص من حملها ويقهر قلب "الجارحي" كما قهر قلبه بسرقة فتاته. اقترب أكثر منها بهدوء ورفع يده خلف ظهرها وقبل أن يفعل، دلفت "ليل" من الباب غاضبة فأنزل يده سريعًا قبل أن يراه أحد.
في الغورية كان "الجارحي" واقفًا مع تاجر قماش يتحدث عن العمل وعقله مُنذ هجرها غاضبًا ولا يحمل كلمة لأحد. طيلة الوقت مُنفعل ويصرخ بعنف في أي شخص دون أن يبالي بالعواقب أو الأذى الذي يسببه لأي. قال بخنق وطريقة مُشمئزة:
- يا عم الحاج، الواحد خلقه في مناخيره لوحده مش ناقصك على الصبح. معاك ثمن البضاعة شيلها، ولو معندكش اللي يشيل، أخلي أي عيل من المحل يوصلها لحد باب محلك على رأسي، لكن مفيش فلوس يبقى مفيش بضاعة.
تنحنح الرجل بضيق من إصرار "الجارحي" على كلامه ولا تملك ردًا على عناده وإصراره، فكان صمته أكثر استفزازًا لهذا الثور الهائج. فتحدث بضيق من آفّة الرجل:
- شوف هتعمل إيه يا حج وأنا جوه.
وتركه ودلف للداخل. كان العمال يتهامسون عن غضبه وحدته اليوم، يصرخ بالجميع لأي سبب مهما كان صغيرًا. قبل أن يصل إلى المكتب أتاه "يزيد" يقول:
- معلم جارحي.
التفت "الجارحي" إليه بضيق ثم قال:
- تعال يا يزيد.
دلفوا للمكتب معًا، فوقف "الجارحي" أمام ركن القهوة يصنع قهوته بنفسه وينفث غضبه بفنجان القهوة، بينما "يزيد" يقول بجدية:
- أنا عملت زي ما طلبت، وصلت مدام قُدس على الجامعة واشترينا الملف وقدمنا، بعدين وصلتها للبيت لأنها كانت تعبانة شوية. وطريقنا كان كويس، مفيش أي حاجة من اللي حضرتك توقعتها.
تحدث بقلق وهو يسكب القهوة في الفنجان بجدية:
- اتأكدت أن محدش كان ماشي وراكم أو بيراقبها؟
- متقلقش يا معلم، وكمان مدام قُدس مكنتش عنيدة النهاردة ولا رفضت وجودي جنبها طول الوقت، كان باين عليها الإرهاق شوية، أعتقد عشان كده معارضتش وجودي.
قالها بهدوء. تبسم زوجها بسخرية على كلماته البسيطة ثم تحدث "الجارحي" بخفة قائلًا:
- اتعودت على وجود البودي جارد بتاعها، لكن جوزها لأ.
لم يسمع "يزيد" تمتمته جيدًا فسأل بلطف:
- حضرتك قلت حاجة؟
هز "الجارحي" رأسه بـ "لا". ورغم اطمئنان قلبه من سلامة زوجته، لكن الإرهاق والمرض الذي تحدث عنهما "يزيد" زرعا الخوف بداخله عليها. التفت ليقدم القهوة إلى "يزيد" وجلس على المكتب بهدوء وبدأ يهدأ غضبه، رغم أنها ما زالت عنيدة وتهجره، لكن عقله اطمأن قليلًا والخطر المحاط به لم يهدد صغيرته. فتح "يزيد" الهاتف وقدم صورة لـ "عادل" مع "عماد" وقال:
- اسمه عادل الخواجي. الشق بتاع عماد في الكباريهات والبارات، وتقريبًا تخمين حضرتك صح بنسبة 99% أن عماد اللي طلب منه يضربك بالنار. وده بسبب وجود علاقة معرفة بينه وبين عماد الدين أخوك، لكن غير وجود العلاقة دي، أنا معنديش أي دليل أن عماد الدين هو اللي حضره على الجريمة، بس كمان في نفس الوقت مفيش أي صلة بينه وبينك من قريب أو من بعيد عشان يفكر يأذيك.
نزل الحديث على "الجارحي" كالصاعقة الكهربائية التي ألجمته. ولأخر لحظة كان يتمنى ألا يقف أمام أخيه في حرب مميتة ونهايتها قتل واحد على يد الآخر. ظل يحملق بالصورة كأنه يتمنى أن يكون "يزيد" أغفل عن شيء ليقول:
- عرفت ليه محدش كان بيراقب قُدس، عشان الأفعى جوا بيتي.
تنحنح "يزيد" بهدوء ومرر أصابعه بين خصلات شعره ثم قال بلطف:
- مطلوب مني حاجة؟
هز "الجارحي" رأسه بـ "لا" وعاد بظهره للخلف من الحيرة ثم أشار إلى مساعده بأن يذهب من أمامه. غادر "يزيد" من المكان وترك خلفه هذا الرجل يحاول أن يمكر لأخيه حتى يسترد حقه مقابل كل شيء فعله لأجله. قاطع تفكيره الخبيث رسالة وصلت على هاتفه ليلتقط الهاتف من فوق المكتب. وكانت الرسالة من رقمها المسجل بـ "صغيرتي". دُهش من رسالتها وهي تخلت عن كبريائها قليلًا وأرسلت له. فتح الرسالة بشغف ولهفة رغم القدر الكبير الذي يحمله من الغضب لأجلها. ودُهش أكثر واتسعت عينيه وفمه من رسالته ومحتواها الصغير:
- عايزة أكل فسيخ.
ضحك بخفة على طلبها ثم تنحنح بغرور وكتب لها بمكر بارد:
- اطلبي من أهلك يجبولك، الغضبانة مبتطلبش من جوزها.
كزت "قُدس" على أسنانها بغيظ شديد ثم كتبت بغلاظة أكبر:
- بس دي طلبات ابنك وأنت لما خدتني من أهلي مأخدتنيش بأبنك، ابنك ملزوم من كتب.
ابتسم بخفة على حديثهم الحاد وترك صورة "عادل" من يده بدون اهتمام ومسك الهاتف بيديه الاثنتين ثم اقترب للأمام بنصفه العلوي متهمًا بالحديث معها. كتب بجدية صارمة:
- صح عندك حق، ابني ملزوم مني بس مش لحد. من كام يوم كان ابنك لوحدك.
- مش عايزة من خلقتك حاجة، صحيح رجالة ميتوثقش فيها.
أرسلتها بضيق ليبتسم بعفوية عليها وترك الهاتف ثم خرج من مكتبه وهو يخرج محفظته من جيب بنطلونه وينادي بجدية:
- عبدالعظيم.
جاء رئيس العمال بتعجل من مناداته، فأعطته بعض النقود وقال بحزم:
- ابعت أي عيل من عندك يجيب أكلة فسيخ بحاجاتها، بصل وكده، ويكون نضيف ومن مكان كويس.
تبسم "عبدالعظيم" على حديثه بحماس ومد يده يرجع النقود إلى "الجارحي" وقال بلطف مبتسمًا:
- أنا مراتي بتعمل فسيخ بيتي محترمة هتأكله وتدعيلي، هكلمها تبعتلي مع الواد ابني أكلة فسيخ وخلي المرة دي علينا يا معلم.
مد يده بالنقود من جديد وقال بلطف لأجل زوجته المدللة:
- خليها تظبط الطبق ليمون وبصل وطحينة والحاجات الحلوة دي، وأكل العيش مفيهوش، خلي المرة دي، ده رزق وأنا كده كده كنت هجيب من برا ومكنتش أعرف أن المدام بتعمل، أهم حاجة بالله عليك تنظفه كويس وتخليه، أنا عايزه على الأكل على طول، ومطولش عشان ساعة كده ولا حاجة همشي.
أومأ إليه بنعم وذهب من أمامه يتصل بزوجته، بينما عاد "الجارحي" إلى مكتبه.
***
( الإسكندرية )
كانت "ياسمين" على وشك الانفجار من الغضب بسبب هروب ابنتها، وهكذا "فتحي" ليقول:
- أنا السبب، هي عنيدة، مكنش لازم أعاندها أكتر، كان لازم أروح معاها ونعدي اليوم.
- ليان لو ضاعت مني هتبقى أنت السبب.
قالتها "ياسمين" بضيق من هروب ابنتها وخوفها من خسارتها. خرجت من الغرفة تحاول الاتصال بابنتها لكن الهاتف كان مغلق. وهذه الفتاة المتمردة لا تهتم لشيء سوى سعادتها وفعل ما تريد. تنهدت "ياسمين" بقلق شديد وقالت:
- يارب أسترها معايا يا رب، ورجعلي بنتي بحق حبيبك المصطفى يا رب، أنا ماليش غيرها، متعاقبنيش على اللي فات فيها ولا بيها.
أتاها صوت زوجها بنبرة خافتة يقول:
- وهيعاقبك فيها ليه يا ياسمين؟ إحنا مسرقناش ليان من أهلها، ليان أهلها ماتوا وأنتوا شفتوا شهادة وفاة أمها بنفسك. إحنا ربنا هيجزينا خير على اللي عملناه معاها، ربيناها وكبرناها عروسة محترمة ودكتورة وعلمناها، عاملناها بما يرضي الله.
التفت زوجته إليه وقالت بخوف من الماضي وأبوابه المغلقة:
- كذبة كذبناها وصدقناها يا حج.
تركته ودلفت إلى غرفتها هاربة من الحديث ليتأفف بضيق من هذا الشيء.
***
جلست "ليل" مع "عمران" في حديقة المنزل تتحدث، كانت عابسة منذ أن جاء إلى المنزل فسأل بضيق:
- طب ممكن أفهم التكشيرة دي لازمتها إيه؟
تحدثت "ليل" بعنف غاضبة تقول:
- أنت متأكد إنك شفت قُدس النهاردة يا عمران؟
أومأ إليها بنعم وقال بملل شديد:
- يعني إنتِ قاعدة مكشرة في وشي من ساعة ما جيت وضاربة بوز عشان كده.
تنحنحت بخفوت ثم قالت بحدة:
- أيوة، لأني مصدقتش وكلمت قُدس لما رجعت واتخانقت معاها وهي قالت أنها مرحتش المهندسين خالص النهاردة.
ضحك "عمران" بتهكم وحك لحيته بلطف ثم نظر إلى خطيبته الجميلة وقال بسخرية:
- حبيبتي يا روح قلبي، إنتِ فاكرة أنها هتقولك آه روحت ووقفت مع شباب عادي وهي متجوزة؟ دي مصيبة ولو كان جوزها راجل ودمه حامي هيبقى فيها قطع رقبة.
نظرت "ليل" إلى "عمران" بشك من طريقته. عقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور ثم تحدثت بنبرة أكثر حدة وثقة:
- بس قُدس مكنتش بتكذب، أنا عارفاها كويس، دي كانت بتتكلم بثقة جدًا ومش خايفة ولا حتى توترت لما قلتلها.
ضحك بسخرية وأخرج هاتفه من جيبه وفتحه على صورة "ليان" وهي تعانق صديقها وقال بسخرية:
- ودي مين؟ أمي يا ليل؟ ما هي قُدس أهو وحاضنة الواد.
نظرت "ليل" إلى الصورة لتُصدم مما تراه. وكانت "ليان" نسخة طبق الأصل من "قُدس" حتى نفس تفاصيل الجسد الضعيف، لم يكن بينهما فارق واحد حتى يظهر الحق من الباطل. تنحنحت بفزع وهي تبتلع لعابها ثم هتفت بتلعثم من هول الصدمة:
- قُدس...
لم تكمل حديثها ليقاطع صدمتها يد تسحب الهاتف من يدها بقوة. وحين رفعت رأسها صدمت بـ "هادي" لتقف بفزع قائلة:
- خالي.
حملق بالصورة واشتعلت نيران الغضب بداخله واحمرت عيناه من الغضب الذي يتطاير من وجهه ورأسه التي أوشكت على الانفجار من رؤية تصرف طفلته. أخذ الهاتف وأسرع للداخل لتركض "ليل" وراءه وهي تقول:
- يا خالي استنى.
بسط طرق باب الشقة لتفتح "هدير" بفزع من طريقته في الطرق الذي أرعب كل من بداخل الشقة وخرجت "وصيفة" من غرفتها على صوت الدق على الباب. تحدث بلهجة قوية مرعبة:
- هي فين؟
خرجت "قُدس" من غرفتها مرتدية فستانًا قطنيًا باللون الوردي قصير يصل لركبتيها وشعرها مرفوع للأعلى على شكل كعكة. رآها تخرج هي الأخرى من طريقة الدق بلهفة فأسرع نحوها، و"هدير" تسأل بقلق من حالة الغضب التي وصل إليها أخاها:
- في إيه يا هادي؟
وصل أمام طفلته وبمجرد وصوله نزلت لطمة قوية على وجهها من يده الكبيرة كادت أن تسقط الصغيرة أرضًا ليفزع الجميع. وشهقت "وصيفة" بقوة مما تراه. تحدث بقوة:
- أطلق، والنبي طلقني... عايزة تطلقي عشان تمشي على حل شعرك يا فـا جــرة.
هرعت "هدير" إلى أخاها ووقفت بالمنتصف بينه وبين "قُدس" التي سقطت دموعها من قوة لطمته والألم الذي شل خلايا وجهها. كانت في حالة من الذهول وتجهل تمامًا سبب ضربها وغضب والدها منها. تحدثت "هدير" بغضب وهي تدافع عن صغيرتها:
- إيه ده؟ أنت اتجننت يا هادي؟ بتضربها ليه؟ عملت إيه؟ وإزاي تمد إيدك عليها؟
اقتربت "وصيفة" منهما وقالت بحدة صارمة:
- إياك تمد إيدك عليها تاني، إنت فاهم؟
مد يده بغضب يأكل عقله وصدره ليسحب من شعرها لتصرخ بألم. سحبها بقوة من خلف "هدير" نحوه لتتألم وهي تصرخ بفزع قائلة:
- أنا عملت إيه يا بابا؟ اااااه أنت بتوجعني.
- عملت إيه؟ بصي شوفي عملتي إيه؟ وأطلق وأعيش معاه ليه؟
قالها بقوة وهو يضع الهاتف بيده الأخرى أمام عينيها. فنظرت إلى الصورة واتسعت عينيها الباكية على مصراعيها وهي ترى نفسها في صورة مع شاب لا تعرفه وهي واثقة أنها لم تراه من قبل، فكيف جاءت إلى حضنه هكذا؟ فاقت من صدمتها على صفعة قوة نزلت على وجهها جعلت وجنتها تزرق من القوة ونزفت أنفها. انسدل شعرها من سحبه لها وأصبحت الصغيرة في حالة فوضوية لتقول "هدير" بهدوء:
- طب اهدئي بس وبطل ضرب فيها، بنتك حامل وممكن يجرالها حاجة هي واللي في بطنها، خلينا نسمع منه.
لم يبالِ بخبر حملها ومن جديد لطم وجهها بقوة وسط صرخاتها. ثم مسك "قُدس" من شعرها بقوة يجذبها نحوه من الغضب الذي تملكه ليقول:
- أخرتها كده، ده آخر دلالي فيكِ يا قُدس.
كانت تشهق بقوة وهي لا تصدق ما تسمعه وخصوصًا التهمة التي سقطت على كاهلها وهي لا تعرف عنها شيئًا. كانت تنتفض بقوة من الصدمة وكم الضرب المبرح الذي نالته الآن فتمتمت بخوف أكبر مما يحدث:
- والله ما عملت حاجة، أنت إزاي تصدق أني أعمل كده أصلاً؟ والله ما أنا.
جذبها بقوة من شعرها لتصرخ بوجع من شدته وكاد أن ينزع خصلات شعرها في يده. تحدث بلهجة مرعبة:
- والصور دي، ها؟ والحمار اللي مرمية في حضنه ها؟ صور أمي دي؟
لم تفهم شيئًا وكيف تبرر موقفها وتنفى الذنب عنها وهي بالفعل في الصور. انهال عليها بالضرب كالمجنون وهي أخذت شرفها إلى الوحل. اقترب "هدير" و"وصيفة" منه محاولين إنقاذ الصغيرة من قبضتيه المرعبة وهو الآن يسعى لقتلها فقط. هربت منه مستغلة الفرصة لنجاة نفسها من الموت. خرجت من الشقة ترتجف والدموع تسيل على وجهها بغزارة. وجهها أحمر كالدم من كثرة الضرب التي تعرضت له وشفتيها جُرحت. نزلت الدرجات الأمامية للعمارة لتصطدم بـ "الجارحي" يدخل مع جده. صُدم من شكل زوجته وأثر الضرب على وجهها ودماء شفتيها وأنفها. حدقت به بضعف وخوف تملك منها لتقول بتمتمة:
- جارحـــ...
لم تكمل اسمه لتسقط بين ذراعيه فاقدة للوعي. فتشبث بها بفزع ولا يعرف ماذا حدث ومن أوصل زوجته لهذه الحالة وتجرأ على لمس فتاته الصغيرة. فتحدث بضعف وهو يحملها على ذراعيه:
- قُدسي...
***
( مخزن الصحراوي )
وصل "جلال" على المخزن ليفتح العامل الباب الحديدي الكبير فدلف بالسيارة إلى الداخل ثم ترجل "كريم" من مقعد السائق ثم التف ليفتح الباب الخلفي للسيارة وترجل منها "جلال" يرتدي بدلته الزرقاء، فهندم سترته وأغلق الزر ثم نظر إلى الأمام. وكانوا رجاله يملؤا المكان في كل زاوية هناك رجل معلق من قدميه في الحبل والدماء تملأ وجهه ورأسه. اقترب "جلال" منه فأشار "كريم" إلى الرجال لينزلوا الرجال. لبوا أمره فنظر "جلال" إلى الرجل وقال:
- بركة أن لسه فيك الروح.
بدأ الرجل يسعل وقال بتلعثم وصوت مبحوح:
- مياه... عايز مياه.
تجاهل "جلال" طلبه وجلس على المقعد الموجود ووضع قدم على الأخرى ثم سأله ببرود مخيف يقشعر البدن:
- أنت عارف أنا مين؟
أكمل الرجل سعاله بتعب شديد يظهر في ملامحه ليقول "جلال" بجحود:
- ما دام اتجرأت ورفعت سكين عليّا وغدرت بيا يبقى تعرف أنا مين؟
- جلال الصياد.
قالها الرجل بتعب واضح في ملامحه والرجال يمسكوه من ملابسه وذراعيه. فرمقه "جلال" وهو يضع السيجارة في فمه وأشعلها بقداحته الذهبية، ثم أنفث دخانه يرعبه أكثر وهتف بحدة مرعبة:
- جلال الصياد صاحب شركة الصياد للحراسة ده اللي قدام الحكومة، لكن في الواقع أنا رئيس أكبر عصابة في البلد والبلدان اللي حواليا. الصياد ده مش لقب العائلة لأن معنديش عائلة، الصياد ده لقب الوظيفة. عارف ليه اخترت الصياد لأني بتأنى أوي في اختيار فريستي وبصبر عليها أوي أوي، بس لما بتقع في إيدي بتبقى نهايتها، ملهاش نجاة من إيدي تاني.
تنحنح الرجل بتعب سافر وجلس على ركبتيه يزحف إلى قدم "جلال" وتشبث بها بقوة ثم قال بترجي:
- والله حرمت يا بيه، اطلب اللي عايزه، هم اللي هددوني بمراتي وعيالي، أنا كنت مضطر عشان أنقذ عيالي ومراتي.
أنفث "جلال" دخان سيجارته في وجه الرجل ببرود ثم قال:
- بس أنا مكنتش مضطر، أنا كنت مستمتع.
نظر الرجل إلى وجه "جلال" المخيف وأبتلع لعابه بتوتر ثم قال:
- يعني إيه؟
- كريم، طمنوا على مراته وعياله.
تحدث "كريم" بنبرة باردة جدًا وعينيه تحدق بالرجل قائلًا:
- لا، الحمد لله سالمين، كل واحد فيهم قطعة واحدة.
- روحوا لمراته وعياله.
قالها "جلال" وهو يقف من مكانه وقال بهدوء يكاد يقشعر البدن:
- دي مجرد قرصة ودن عشان تكون عبرة للي يصوره عقله أنه يقدر يظهر عادي كده قصاد الصياد.
غادر المكان ليطلق الرجال سراح الرجل الذي فر هاربًا بإعجوبة لا يصدقها عقله. رغم تعبه ومرضه ركض في الطريق ليعود إلى منزله ودلف وكان المنزل هادئًا جدًا ومرتب. بحث عن زوجته وأولاده الثلاثة ليُصدم بفزع عندما رأى زوجته الحامل في الشهر التاسع وعلى وشك الولادة مذبوحة في الأرض وقد نحر عنقها وأخذ جنينها من أحشائها ووضع في صدرها بعد أن أخرجوه هؤلاء المجرمون من رحم أمه وأطفاله الاثنين جثث هامدة بجوار والدتهم ليصرخ بذعر من هول المنظر المرعب الذي يراه. وركض يبحث عن طفله الثالث فوجده مع رجل ملثم ويضع السكين على عنقه وفي أقل من ثواني نحر عنقه. وقف الرجل من مكانه وقبل أن يتحرك نحو الملثم أخذ رصاصة في رأسه فسقط قتيلًا بجوار عائلته. وكان هذا تهديد "جلال" له. غادر الرجل من المكان وأرسل رسالة إلى "جلال" تحتوي على كلمات بسيطة:
- تم المهمة نظيفة بدون أدلة.
تبسم "جلال" بمكر شديد وهو يجلس في سيارته التي وصلت إلى فيلا في مدينتي ولا يبالي بشيء من قذارة أفعاله ودون أن ترجف له عينه من بشاعة ما فعله. لطالما كان يصفوا الجميع بـ رجل بلا قلب لا يعرف الرحمة لطفل أو امرأة، يقهر دون أن يبالي.
***
( عمارة أبو النور )
خرج الطبيب من غرفتها بعد أن فحصها وقال بلطف:
- دي الأدوية اللي هتمشي عليها.
أومأت "هدير" بـ "نعم" ليغادر الطبيب بهدوء. نظر "الجارحي" إلى الصور الموجودة في الهاتف بهدوء ليتحدث "عمران" بنبرة خافتة قائلًا:
- أنا مكنش قصدي حاجة بس...
لم يكمل كلمته فقاطعه لكمة قوية على وجهه أسقطه "الجارحي" على الأريكة من قوته بسبب غضبه وما تعرضت له زوجته في غيابه بسبب هذا الأحمق. فزع الجميع وكان "هادي" جالسًا بجوار "وصيفة" و"حمدي" ليتحدث "الجارحي" بنبرة قوية غاضبة:
- مين اللي طلب منك تصورها، أو حتى تتكلم عنها؟
- بدل ما تعاقبه هو، روح عاقب السنيورة اللي...
كان يتحدث "هادي" بغلاظة وصوت خشن ليقاطعه "الجارحي" بنبرة حادة:
- عمي، أنا مراتي أشرف من الشرف ومحدش يجرؤ أنه يتكلم عنها كلمة واحدة. وبصريح العبارة أحمد ربنا أوي أنك عمي وأبوها لأن اللي حايشني عنك إنك أبوها، لكن حتى لو كنت أبوها ميحقلكش أبدًا ترفع إيدك عليها، بنتك على ذمتي وأنا ولي أمرها دلوقتي.
ضحك "هادي" بسخرية وقال:
- وإيه كمان يا سبع الرجالة؟
ألقى بالهاتف في وجه "عمران" غاضبًا ثم قال بغضب مرعب:
- امشي غور اطلع بره وأنا عايز أسمع أنك جبت سيرة مراتي على لسانك مرة تاني وساعتها هقطعلك لسانك.
غادر "عمران" من الشقة مرعوبًا من "الجارحي". ففتح باب الغرفة وخرجت "قُدس" منها مُنهكة من التعب وجسدها لا يقوى على حملها من الصباح وهي مريضة وبعد الضرب المبرح الذي تعرضت له زاد إرهاقها وتعبها. تحدثت بنبرة مبحوحة وخوف من والدها:
- أنا معملتش حاجة يا بابا، والله ما عــ...
قاطعها "الجارحي" بنبرة حادة صارمة حادقٍ في وجهها يقول:
- إنتِ بتبرري لمين وليه؟ اسمعوا كلكم أنا مراتي أشرف من أتخن واحدة على ضهر الكون واللي بيفكر في الموت بس هو اللي يحاول يجيب سيرتي. مراتي ليها راجل اسمه الجارحي أبو النور، وأقفلوا الموضوع ده.
اقترب منها ونظر في عينيها الباكية وترتجف بحزن خائفة. تنهد بهدوء يلومها على هجره والبُعد عنه. انحنى ليحملها على ذراعيه برفق فتشبثت بعنقه بضعف والآن أمانها معه وحده. أوقفه "هادي" بغضب وهو يقول:
- أنت واخدها على فين؟ قُدس مش هتتحرك من هنا غير لما أفهم إيه القرف اللي شوفته ده؟
تأفف "الجارحي" بغضب وقال بضيق:
- يا عمي بقولك مش مراتي، عايز تفهم إيه؟ إيه مسمعتش عن مصايب النت والتكنولوجيا في الزمن ده؟
تنهد "هادي" بضيق ثم قال بنبرة خافتة:
- طب أنا هعمل نفسي مصدقك ومش هي؟ مين بقى اللي هيركب صور للمدام ولا عمران مصلحته إيه في أنه يركب صور زي دي؟
نظر "الجارحي" إلى وجه زوجته المتورم من الضرب وشعر بغصة قوية بداخله مما عانت "قُدس" به. لا يحمل رؤيتها تتوجع بهذا القدر فقال بضيق:
- دي بس بتاعتي أنا، أنا هعرف مين اللي عملها ومصلحته وهدفعه التمن من دمه عشان ده شرفي وعرضي... عن إذنك بقى عشان مراتي تعبانة.
صعد بها إلى شقته وكان هادئًا. وضعها بالفراش برفق ووضع الغطاء عليها فتحدثت بصعوبة من الألم الذي تشعر به في وجهها المتورم قائلة:
- أنت مصدقني؟
- أكيد.
قالها ببرود دون أن ينظر لها ثم التفت لكي يغادر الغرفة وقال مستديرًا:
- متنسيش دوائكِ وابقي كُلي عشان صحتك.
غادر الغرفة وصعدت "سنية" له بالأكل الذي وصل مع ابن "عبدالعظيم" وضعه على السفرة ثم دلف إلى الشرفة واتصل بـ "يزيد" فسأل بهدوء:
- أنت قلت قُدس كانت معاك النهاردة طول اليوم؟
- آه يا معلم.
تنهد تنهيدة مُعبأة بالحيرة والتوتر ثم قال:
- هبعتلك عنوان في المهندسين، في واحد متخلف بيقول أنه شاف قُدس النهاردة الساعة 3 في هناك، عايزك تتأكد من كاميرات المراقبة.
تعجب "يزيد" من هذا الحديث وأجاب بثقة من كلماته:
- اتأكد من كاميرات مراقبة إيه؟ الساعة 3 أنا كنت على باب الجامعة مع مدام قُدس واتحركنا الساعة 3 ونص تقريبًا بعد ما طلبت العصير على البيت على طول، هأتأكد من إيه وهي كانت معايا وقتها، إزاي هتكون في المهندسين في نفس الوقت؟
أومأ "الجارحي" بـ "نعم" ثم قال بجدية وهناك شيء لا يفهمه:
- أنا عارف بس مش فاهم إيه اللي يخلي عمران يقول كلام زي ده ويصور فعايز أعرف المكر اللي مخطط له تجاه قُدس عشان أقدر أحميها.
أومأ "يزيد" له بـ "نعم" ثم أنهى الاتصال تمامًا ودلف إلى الداخل ليرى الطعام كما هو فتنهد بهدوء ودلف إلى المطبخ يجهز الطعام ووضع الأطباق على الصينية لأجل صغيرته وأخذه لأجلها فولج إلى غرفتها ليُصدم عندما رأى "قُدس" تقف على حافة الشرفة وتحاول إنهاء حياتها.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورا عبد العزيز
كان كل شيء مثاليًا في حياته وقلبه حتى ظهرت هذه الصغيرة وعيونها السحرية التي قلبت حياته رأسًا على عقب، وكيف للقدر أن يجمع صغيرة برقتها أمام رجل بوحشيته.
صرخ باسمها من الفزع قائلًا:
- قُـــــــــدس
التفت إليه بفزع من صرخته وكانت أن تسقط من فزعتها وظهوره من العدم فجأة فتشبثت بالدرابزين جيدًا وهي ترتجف قائلة:
- خضتني
أقترب بهلع نحوها وشعر بنفضة في صدره أسقطت قناع الغرور والقسوة الذي أرتداه أمامها، تنهد بهدوء وتحدث بلطف وخطوات تتقدم ببطء:
- أهدئي يا قُدس، أنا مصدقك وقلت لك كده، مصدقك أهدئي وأنزيلي من فوق.
تنهدت بلطف وتمالكت أعصابها ثم نظرت للأمام بخمول وقد نفدت طاقتها بفضل والدها. اقترب "الجارحي" منها أكثر حتى وصل إليها لينقض عليها يحيط خصرها بإحكام حتى لا تفلت منه. صُدم عندما رآها جالسة على الشرفة وفي يدها كوب عصيرها وتنظر للسماء مستمتعة بالليل. تنهد بإحراج من تصرفه وإظهار خوفه عليها في حين أنها لا تبالي بشيء. شعرت بدفء من احتضانه لها من الخلف وظهرها متكئ على صدره وتشعر بأنفاسه فتحدثت "قُدس" بصوت دافئ وهامس:
- شكرًا إنك مصدقني وما ضربتنيش زي بابا.
سحبها بلطف من فوق الشرفة وهذا المكان لا يناسب الحديث. أنزلها أرضًا في الغرفة فأستدارت الصغيرة إليه ليرمق وجهها المتورم وما زال لا يصدق أن والدها تهور في ضربها حتى أخفى ملامح وجهها الجميلة وعيونها الخضراء حمراء وجفنها الأيسر متورم لدرجة أنه أخفى لون عينها الخضراء. تحدث بلطف مشفقًا على حال فتاته:
- متشكرنيش، دا واجبي عليكِ يا قُدس. لو كل واحدة جوزها شك فيها وكذبها في الزمن ده، زمن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يبقى كل البنات هتطلع فاجرة وهتطلق. أساس أي علاقة الثقة ومش صورة عبيطة اللي هتكسر الثقة دي. الثقة لو اتكسرت مبترجعش يا قُدس عشان كده مش صح إن أي موقف يكسر الثقة بين زوجين.
جلست على الفراش بتعب ورأت الطعام لتبتسم بعفوية على تلبيته لطلبها رغم شجارهما. وضعت يدها على وجنتها بألم من فمها بعد أن ابتسمت. تناولت لقمتها الأولى بشراهة تحت أنظاره الثاقبة لها فجلس على حافة الفراش يراقبها وهي تلتهم الطعام بعفوية رغم ألمها. شعر بدفء وسعادة بداخله لمراقبته لطريقتها وكيف أصبحت جميلة بسبب حملها وتناولها للطعام. مد يده إلى وجهها بمكعب من الثلج لتفزع فقال بلطف:
- آسف.
رفعت نظرها إليه وطال الصمت بينهما والنظرات التي تلفظ بالكثير رغم ألمهما المتجمدة. عينيها كانت تخبره بكم الحب الذي تكنه إليه منذ نعومة أظافرها وعينيه تظهر ربكته وتوتره في حضرتها. تنفست بأريحية ويده تمرر الثلج على كدماتها.
***
كانت "ليان" تجلس مع أصدقائها في المطعم تتناول وجبة العشاء قبل أن تعود إلى الإسكندرية. فتحت هاتفها بعد أن أغلقته طيلة اليوم لتهرب من اتصالات والديها، ليرن هاتفها في لحظتها برقم والدتها "ياسمين" فخرجت من المطعم بضيق وأجابت عليها:
- أيوة يا ماما.
تحدثت "ياسمين" بانفعال شديد من تصرف ابنتها قائلة:
- أخيرًا تكرمتي وردتي يا ست هانم، أنا ربيتك على كده يا ليان، تهربي من البيت ها.
أفلتت "ليان" بضيق من رد والدتها وألتزمت الصمت وسمعتها "ياسمين" لتقول بخنق شديد:
- انفخي كويس، انتِ فين بقى إن شاء الله؟ وهترجعي امتى؟
- لسه هناك هركب وأجي.
قالتها بنبرة حادة ثم أغلقت الهاتف دون أن تترك وقتًا لوالدتها أن تتحدث. وقفت بضيق واتصال والدتها عكر صفو مزاجها. قاطعها صوت زميل لها جاء من الداخل يقول:
- الأكل جه.
- طيب جاية.
قالها بزمجرة ووجه عابس. نظر إلى وجهها بحيرة متهمًا ملامحها الغاضبة ثم سأل:
- مالك؟
تحدثت بانفعال تبوح بما بداخلها قائلة:
- زهقت وحقيقي الحياة بقت مملة. أنا عندي تسعة عشر سنة مش صغيرة عشان الحظر والقلق اللي أنا عايشة فيه. أنا لو عليا ثأر مش هتبقى حياتي كده.
ربت صديقها على كتفها وقال بلطف:
- طب أهدي، تعالي نقعد في العربية لحد ما تهدئي مش هينفع ندخلهم وإنتِ متعصبة كده.
ذهبت إلى السيارة معه وجلسوا بداخلها وكل هذا تحت أنظار المراقب الذي أرسله "جلال". التقطت صورة لها في السيارة مع صديقها وأرسل الصورة إلى هاتف "كريم" الذي كان يقود السيارة وبدوره أعطى الهاتف إلى "جلال". نظر إلى الصورة بدهشة وظل يحدق بها قليلًا ثم نظر خارج النافذة بضيق وضغط على زر النافذة لتفتح ويستنشق الهواء الخارجي مما أدهش "كريم" ولأول مرة "جلال" يفتح نافذة سيارته. ظل يراقبه في المرآة الأمامية حتى سمعه يقول:
- اطلع على المكان ده.
- هتروح بنفسك؟
قالها "كريم" مستفهمًا عن سبب رغبة رئيسه في الذهاب إلى طفلة مثلها وماذا بها لتنال هذا القدر من الاهتمام. نظر "جلال" في المرآة على "كريم" الذي تجرأ على طرح سؤال له. تنحنح "كريم" بهدوء وغير مسار السيارة في صمت.
كانت "ليان" تتحدث بالسوء عن معاملة والدها لها وقالت بغيظ شديد تكبحه بداخله:
- مش قادر يفهم أني كبرت كفاية، زهقت وقرفت من تصرفه وتحكمه فيا.
وضع "أيمن" يده على قدمها يربت عليها لتُدهش "ليان" من تصرفه ويده تتحسس قدمها بلطف فدفعت يده بقوة تنفث بها غضبه قائلة:
- مش ناقصاك خالص.
تنحنح بحرج ثم أخذ يدها في يده بلطف ونظر إليها عن قرب ثم قال بعفوية ونبرة دافئة خبيثة:
- ليان، أنا عارف إن مش وقته بس أنا مش قادر أداري عليكِ أكثر من كده.
رفعت حاجبها له ببرود وقد فهمت خبثه ومكره ثم قالت بسخرية:
- يا حرام، مش قادر تقاوم جمالي.
تبسم بمكر بسمة مزيفة ورفع يده الأخرى إلى وجهها يضع خصلات شعرها خلف أذنها مجيبًا على سخريتها ببراءة مصطنعة:
- بغض النظر عن أنك بتقوليها بسخرية، لكنه ده حقيقي. أنا معجب بيكي جدًا يا ليان، وفعلًا مش قادر أقوم جمالك.
ضربت يده بقوة ثم قالت بغيظ شديد:
- أنت عبيط صح، أنت فاكر إني ممكن أبصلك؟ أنت ولا يوم ما أفكر أرتبط هرتبط بواحد زيك مش لاقي يأكل ولسه بيأخد مصروفه من أبوه. أنت فاكرني مش عارفة إنك مأجر العربية دي وبتتمنظر بيها قدامنا... دا أنت أهبل قوي.
قهقه "أيمن" ضاحكًا عليها ويسخر من ذكائها ثم قال بتمتمة:
- أنا فعلًا عبيط قوي وبفضل تكبرك ده أنا مش ندمان على أي حاجة أنا عملتها ولا هعملها.
لم تفهم كلماته لكنها بدأت تشعر بدوران في رأسها فنظرت إليه وهو يحاول أن يمسك ذراعها فدفعته بقوة متمتمة:
- أنت قصدك إيه؟
- أنا هخليكِ إنتِ اللي تترجي الشحات ده أنه يفضل معاكِ يا ليان.
قالها بحماس وقد بدأ مفعول المخدر يأثر على جسدها فتابع الحديث قائلًا:
- أنا مكنتش ناوي أذيكي بس إنتِ كبرياؤك وغرورك هم السبب، متلومنيش أنا لومي نفسك.
فتحت باب السيارة لتترجل منها لكنها سقطت على الأرض بتعب ورآها رجل "جلال" وظل يراقب الموقف فرأى "أيمن" يترجل من السيارة وأخذها للداخل من جديد وأنطلق بها. فأنطلق وراهما وهو يتصل بـ "كريم" ويخبره بما رآه فتحدث "جلال" بحدة صارمة قائلاً:
- خليك وراهم، إياك يأذيها أنت فاهم.
- أمرك يا جلال بيه.
قالها الرجل في مكبر الصوت وزاد "كريم" من سرعة السيارة.
وصل "أيمن" على أحد العمارات وكانوا أصدقاؤه هناك. حملها معه إلى الأعلى ودلف إلى شقة مفروشة وكانت "ليان" ما زالت في وعيها قليلًا لكنها هزيلة تمامًا. تحدثت صديقتها بأشمئزاز:
- هتعمل إيه؟
- خليكي في حالك.
قالها "أيمن" فتمتمت صديقتها بلا مبالاة:
- بصراحة هي تستاهل، حاطة مناخيرها في السما وبتنطط علينا على أي حاجة يعني؟
أجابها "أيمن" بسخرية من كره صديقتها إليها قائلاً:
- عشان حلوة مثلا؟ أنا مستغرب كرهك ليها وهي بتمثلي إنكِ صاحبة عمرها الوحيدة. طب أنا بعمل كده عشان دي الطريقة الوحيدة اللي هتجبرها تكون معايا لأني بحبها لكن إنتِ غلوية وسوداء من جوه يا ماما.
لم تبالي بحديثه وتجاهلت طريقته في الحديث عنها ثم قالت:
- أنا نازلة أتمشى تحت مش ناوية أقعد وأشوف اللي هيحصل قلبي الرقيق مش هيستحمل.
خرجت من الشقة وخرج وراءها صديقهم الآخر. دلف "أيمن" إلى الغرفة ورأى تهمس بحديث غير مفهوم في الفراش ونائمة حتى أقترب منها وقال:
- سامحيني يا ليان بس مفيش طريقة غير دي.
أقترب منها لتضع يديها المرتجفتين حاجزًا بينهما وتدفعه بطاقتها الباقية لكن لا جدوى من مقاومتها بسبب قوامه لتسحبه من شعره بقوة وقضمت ذراعيه حتى أبتعد من الوجع ثم وقفت بصعوبة وهي تتحدث بزمجرة:
- أنت مجنون.
خرجت من الغرفة تتأكد بيدها على الحائط فخرج خلفها وهو يقول بحدة خائفًا أن تصرخ ويسمعها الجيران:
- اسمعي يا ليان بس.
كاد أن يقترب من خطواتها البطيئة لتتوقف قدميه من الفزع عندما كُسر باب الشقة ودلف أربع رجال أقوياء وأجسادهم ضخمة. ابتلع لعابه وهو يرى "جلال" يدخل المكان خلفهم وحين رأى "ليان" في حالة الخمول والضعف عقد حاجبيه بغضب شديد واقترب نحوها حتى وصل إليها. رمقته بضعف وقالت بتلعثم:
- أنت.
تذكرته جيدًا نفس الشخص الذي كان على حافة الموت أمس وأنقذته. تأفف بضيق من سذاجتها وأنحني قليلًا ليحملها على ذراعيه. أقترب "أيمن" بغضب منه وقال:
- أنت مين؟
تلقى لكمة قوية من "كريم" يمنعه من الاقتراب نحوها وكانت لكمته قوية لتكون كافية لإغماء "أيمن" على الأرض. خرج "جلال" من الشقة بها لا يعلم كيف لفتاة عنيدة وشرسة كما أخبره "كريم" أن تسقط في الفخ هكذا. أخذها إلى السيارة وكان المخدر قد سيطر عليها كليًا لتفقد وعيها تمامًا فأخذها معه إلى منزله.
***
في الصباح كانت "آسيا" في المطبخ تصنع كوبًا من القهوة في هدوء مندمجة مع أغنية "عبد الحليم" حتى قاطعها صوت "ليل" تقول:
- ماما، كنت عايزة أخرج مع عمران عايز نتغدى سوى بره.
لم تجب "آسيا" عليها فتحدثت "ليل" بضيق شديد تقول:
- طيب ممكن تقولي لي هتفضلي زعلانة مني لحد امتى ومخاصماني كده؟
حملت "آسيا" فنجان قهوتها وأستدارت لترى "ليل" تقف خلفها مباشرة فقالت بحدة:
- مش انتِ كبرتي كفاية عشان تعصي كلامي وتتصرفي من دماغك ومن ورائي؟ جاية تأخدي إذني عشان تخرجي ليه يا ست البنات؟
تنحنحت "ليل" بلطف وعينيها تسير مع خطوات والدتها التي غادرت المكان غاضبة. تنهدت "ليل" بلطف وخرجت خلفها تقول:
- يا ماما بعد إذنك من غير تريقة، أنا عملت الصح من نظري وعلاقتي بعمران مش اللي هيصونها الذهب ولا الفلوس. أنا مش مخطوبة له عشان يأمن مستقبلي. لو على مستقبلي وتأمينه أعتقد أن في بيتي وهنا مع جدي ومعاكي متأمنة كويس ومفيش أكتر من كده تأمين. أنا بدور على الحب والراجل الأصيل اللي هيصون قلبي ويحافظ عليا ويعيش معايا العمر كله.
جلست "آسيا" على الأريكة وقالت بحدة:
- يا خوفي من الأصيل، إنتِ بس لسه صغيرة قوي يا ليل. زمان وأنا في سنك كنت كده برضه، كنت بجري وراء الحب واللي يقول كلمتين حلوين وأديكي شايفة وشاهدة أنا وصلت لأيه يا بنت بطني.
جلست "ليل" بجوار والدتها ثم قالت بلطف وبسمة عفوية:
- أدينا فرصة يا ماما، أديني أنا وعمران فرصة نثبت لك إنه مش زي بابا ولا هيكون زيه.
أرتشفت "آسيا" القليل من فنجانها بصمت وعينيها تراقب فتاتها العاشقة ولمعة عيني "ليل" بالحب وسعادتها بهذا الشاب ثم قالت بضيق من موافقتها بالإكراه:
- ماشي يا ليل، ماشي يارب الزمن يخيب ظني فيه وأطلع أنا اللي ظالمة.
تبسمت "ليل" بعفوية وسعادة تغمرها كالبلهاء لموافقة والدتها، فعانقتها بحب شديد ثم قالت:
- يا حبيبتي يا ماما.
تبسمت "آسيا" بإحراج تكبح بغيظ حيرتها وذرة الشك والضيق تدق بداخلها. ذهبت "ليل" للداخل فأتصلت "آسيا" على رقم "الجارحي" لكنه لم يُجيب.
***
فتح "الجارحي" عينيه بتعب على صوت رنين هاتفه وكانت عمته "آسيا" فتجاهل الاتصال وخرج من غرفته ليرى "قُدس" جالسة على الأريكة وتمسك في يدها جهاز التابلت الخاص بها وتبحث عن شيء. تحدث بنبرة هادئة:
- أنا هاخد دوش وألبس، البسي عشان آخدك للدكتور يشوف الكدمات دي عشان يكتب لنا علاج قبل بداية الجامعة.
أجابته بنبرة خافتة حزينة:
- الجامعة رفضت تقبل ورقي لأن الدراسة الأسبوع الجاي.
تحدث بهدوء وهو يسكب بعض الماء في الكوب:
- قومي ألبسي ومتشيليش هم حاجة وأنا موجود.
أومأت إليه بنعم ثم دلفت إلى غرفتها. جلس على الأريكة مكانها وهو ينظر في هاتفه على عدد المكالمات الواردة من عمته وشعر بفضول لكم المكالمات فتأفف بضيق وترك الهاتف جانبًا. وقع نظره بدون قصد على التابلت المفتوح بجواره وكانت تبحث عن تركيب الصور فأخذه وكان محرك البحث الخاص بها بأكثر من طريقة وصيغة عن تركيب الصور بالذكاء الاصطناعي والتزييف. شعر بأن الظلم الذي لحق بها يؤلمها أكثر من ألمها الجسدي. تأفف بضيق وهو يتوعد بالانتقام من مرتكب الجريمة في حق زوجته فتمتم بضيق:
- إنما للصبر حدود، وآوان لرد الدين.
ذهب للمرحاض يأخذ حمامًا دافئًا ثم ارتدى قميصًا رماديًا وبنطلون أسود وخرج من غرفته وهو يغلق ساعته حول معصمه. رآها تقف أمام المرآة الموجودة في البهو تضع القناع الطبي على وجهها وترتدي قبعة محاولة قدر الإمكان إخفاء وجهها المشوه. ثم أستدار إلى دولاب الأحذية وأخرجت حذاءها. انحنت للأمام لكي ترتدي الحذاء وقاطعها "الجارحي" حين جلس أمام قدمها على ركبتيه يساعدها في ارتدي الحذاء قائلًا بجدية صارمة:
- متوطيش، أنا أعرف إن الحامل مينفعش توطي.
ظلت تنظر إليه وهو جالسًا أمامها بحب. رغم حدته في الحديث وجحود قلبه لكن تصرفاته تحمل دفء ولطف يغمر قلبها وعقلها. هذا الرجل يجعلها حائرة لا تعرف أهو قاسي القلب أم لطيف؟ لسانه سليط وتصرفه لين. وقف أمامها بعد أن انتهى وأستدار ليرتدي حذاءه. خرجوا معًا من الشقة حتى وصلوا أمام شقة والده فقال بهدوء:
- انزلي استنيني في العربية مع يزيد.
أومأت إليه بنعم وترجلت وحدها. فتح باب الشقة وكانت "خديجة" جالسة على السفرة تتناول الإفطار مع "فؤاد" فتحدث بجدية:
- السلام عليكم، ابنك فين؟
تعجبت "خديجة" من سؤاله عن "عماد" وقالت بفضول خائفة:
- في أوضته، بتسأل على عماد الدين ليه؟
أجابها وهو يسير نحو الغرفة ببرود:
- والله ظلمتيه باسمه وهو لا يعرف عن الدين حاجة.
فتح باب الغرفة وكان "عماد" نائمًا. وقفت "خديجة" من مكانها بقلق وذهبت خلفه. رأى أخاه في السرير ليقترب وهو يأخذ زجاجة المياه في طريقه وإفراغها على رأس "عماد" ببرود على عكس الآخر الذي فزع من نومه وهو يقول:
- إيه... في إيه؟
نظر إلى "الجارحي" بغضب من طريقة يقظته ليرمي "الجارحي" صورة "عادل" في وجهه وقال بحدة وكبرياء:
- مش أنا وصلت للنجس اللي ضرب عليا نار؟
نظر "عماد" على الصورة ورأى وجه صديقه فشعر بتوتر سافر ليضحك "الجارحي" بسخرية ثم قال:
- آخر حاجة كنت ممكن أتخيلها إنك توصل للدرجة دي من الانحطاط، تحضر على قتل أخوك. لا أخوك إيه أنت فصيلتك فصيلة زبالة متعرفش الأخوة.
اتسعت عيني "خديجة" على مصراعيها بصدمة ألجمتها وقالت بضيق متلعلثمة:
- أنت عملت كده؟
صمت "عماد" بغيظ ولا يملك جوابًا على أخاه. كان كالبركان الصامت بسبب غباء "عادل" الذي ظهر وجهه بغباء منه. أجابها "الجارحي" والدته بهدوء:
- يا سلام، ما هو عملها سبق قصاد الكل. بس افتكري إن صمتي مش ضعف ولا خوف منه. أنا اللي سكتني لحد دلوقتي عشان اللي هعمله هيقهر قلبك إنتِ. متلومنيش على أي حاجة هعملها من دلوقتي.
غادر الغرفة لتناديه "خديجة" بخوف من تهور ابنها قائلة:
- جارحي، يا جارحي...
لم يُجيب عليها فأستدار إلى "عماد" وأشمئزت من تصرفاته ثم قالت بغضب:
- إنت فعلًا عملت كده؟
عاد للنوم ولا يبالي بشيء لتصرخ بانفعال في وجهه:
- رد عليا؟ إنت عملت كده؟ إنت اللي بعت ناس يضربوا نار على أخوك؟
تأفف بضيق من والدتها وقال بخنق:
- أخوك أخوك... إنتِ زنانة.
غادر الغرفة ووالدته تركض خلفه فرأى والده أمامه يحدق به بوجه عابس غاضب. ظن تنحنح بضيق وقال:
- متردتش على أمك، إنت اللي عملت كده في أخوك؟
- لا، ومش هنقعد نعيد ونزيد في نفس الحوار. اطلع من نفوخي أنت ومراتك.
قالها بضيق ليُصدم بصفعة من والده على وجهه ثم دفعه نحو باب الشقة وهو يقول:
- ده آخر تربيتي وتعبي فيك. غور برا بيتي يا واطي يا زبالة، امشي غور روح الخرابة اللي بتقعد فيها مع المجرمين وقاتلين القتلة اللي تعرفهم.
ظل يدفعه بقوة حتى أخرجه من الشقة وأغلق الباب في وجهه وسط بكاء وحزن "خديجة" ليصرخ في وجهها بضيق:
- إياك أسمع حسك، أنا من النهاردة ابني مات وإياك يدخل البيت ولا رجله تعتب باب الشقة إنتِ فاهمة.
دلف إلى غرفته بضيق غاضب.
***
في الإسكندرية
خرج "فتحي" من غرفته في التاسعة صباحًا مرتديًا قميصًا أبيض به خطوط سوداء وبنطلون أسود. تحدثت "ياسمين" بقلق شديد قائلة:
- خدني معاك يا فتحي.
تحدث زوجها بضيق وتعجل وابنته لم تعود حتى الآن قائلًا:
- آخدك معايا فين هو أنا رايح أتفسح؟ أنا مش عارف حتى أنا هروح أدور على بنتك فين في القاهرة. لتكوني فاكرة القاهرة دي وشارع وحارة.
سارت خلفه بضيق تحاول أن تقنعه بالذهاب معه والقلق محتلها بسبب غياب ابنتها فهتفت بضيق:
- لا مش شارع وحارة بس هكون معاك وأطمن على بنتي. أنا كلمتها امبارح وهي قالت هتتعشى وتركب.
التف إليها بانفعال شديد وتحدث بنبرة قوية خشنة:
- مش يمكن كلامك معاها وحدتك هم اللي خلوها متجيش؟ ادخلي يا ياسمين وأنا لما أوصلها هكلمك وأخليها تكلمك تطمنك.
غادر الشقة بضيق تاركًا خلفه زوجته في حالة قلقها بسبب اختفاء ابنتها ولم تستطيع الوصول لها.
***
استيقظت "ليان" بتعب صباحًا لتمط جسدها بتكاسل شديد فشعرت وهي تمدد جسدها بحجم الفراش الكبير وملمسه الناعم. فتحت عينيها وكانت تتوسط فراش كبير الحجم لم ترى سرير في حجمه من قبل. للحظة فزعت من مكانها وانتفضت من السرير وعينيها تتجول حولها وكانت الغرفة بحجم شقتها. بيضاء اللون والأثاث أبيض وأمام السرير أريكة وشاشة تلفاز فأستدارت بذعر من فخامة المكان لتفزع حين رأت خلف السرير حائط زجاجي شفاف يظهر المرحاض والجاكوزي لتركض بذعر خارج الغرفة ولا تعرف كيف جاءت إلى هنا. للحظة شعرت بأنها في منام جميل انتشلها من حي الإسكندرية إلى الثراء الفاحش. وجدت نفسها أمام درابزين دائري ويحيطه الكثير من الأبواب للغرفة فأقترب منه تنظر بالأسفل ورأت نافورة من المياه التي تتغير ألوانها. سارت مع الدرابزين حتى وصلت للدرج وترجلت وبدأت تسمع أصوات من الأسفل كلما اقتربت حتى سمعت بوضوح صوت رجل يقول:
- مفيش الكلام ده، اللي غلط لازم يتحاسب.
أقتربت "ليان" من الصوت ووقفت خلف العمود الرخامي الذي يتوسط البهو ونظرت خلسًا. رأت "جلال" يجلس على السفرة وقد أنهى فطاره وبجواره خادمة تقدم القهوة له ساخنة بينما هو يوجه حديثه إلى "كريم" وهناك رجل جاثيًا على ركبتيه أمام "جلال" يطلب العفو منه بخوف. سمع جملة "جلال" ثم قال بفزع:
- ارجوك يا جلال بيه، أديني فرصة وأنا هعمل كل اللي تطلبه مني أنا لحم كتافي من خيرك.
التف "جلال" إليه ثم وقف عن مقعده ووضع يديه في جيوب بنطلونه الأسود بغرور ثم وضع قدمه على ركبة الرجل يضغط عليها بإذلال ثم قال بحزم ونبرة مرعبة:
- كان لازم تحسبها صح. يوم ما انضممت للمنظمة بتاعتي كانت قواعدي واضحة وصريحة للجميع اللي يخون يموت. دي القاعدة الأولى والوحيدة في منظمة الصياد وأنت خالفتها تحمل بقى.
انحنى الرجل بفزع يقبل حذاءه ليدفعه "جلال" بعيدًا بازدراء ثم قال بغضب:
- كريم.
كانت "ليان" تراقب الوضع أمام عينيها ونبرته وإذلاله للرجل جعل قلبها وجسدها يقشعر من الخوف والفزع لتخرج منها صرخة قوية حين أخرج "كريم" خنجرًا من خلف ظهره ونحر وجه الرجل ببرود تام. كانت صرختها كفيلة بأن تجعل الجميع ينتبه لوجوده. التف "جلال" نحو الصوت وأقتربت الخادمة بهدوء رغم ارتجاف يديها منه وقدمت القهوة له فأخذها وعينيه على "ليان" التي ما زالت تختبي منه بسبب خوفها وأرتشف القليل وتقدم خطوة فأخرى حتى ابتعد عن السفرة لتغلق الخادمة بابها الجرار حتى تنظف الغرفة. تحدث بنبرة جادة هادئة جدًا:
- هتفضلي مستخبية كتير يا دكتورة؟
ابتلعت لعابها بهدوء تجمع شجاعتها وتخفي خلفها الخوف وتحاول أن تسيطر على رعشة جسدها ثم ظهرت أمامه ورمقته بغرور فأرتشف رشفة من قهوته مجددًا وعينيه تحملق بهذه الصغيرة التي تشبه عقلة الإصبع أمامه وتسير نحوه حتى وصلت أمامه وقالت بجدية:
- أحم، أنا جيت هنا إزاي؟ أنت خطفتني صح؟
تبسم بخباثة على فكرتها التي وصلت إليها بعقلها الصغير ثم قال ببرود شديد:
- فيكِ إيه مهم بالنسبة ليا عشان أخطفك يا دكتورة؟
تنحنحت بإحراج من بروده وإهانته لها. سار نحو الأريكة ثم جلس عليها وقال:
- اللي مستغربه بجد إزاي دكتورة زيك تقع الوقعة المنيلة اللي وقعتيها.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بكبرياء وقالت بأشمئزاز:
- صحيح، وقعة منيلة. يوم ما أقع أقع مع قاتل ومجرم.
ضحك بسخرية على حديثها وقال بمكر:
- القاتل والمجرم ده لولا وجوده كان زمانك دلوقتي مفضوح ويا عالم خسرتي إيه؟
لم تفهم حديثه ليقف من مكانه بعد أن ترك فنجان القهوة على الطاولة وسار نحوها حتى وصل إليها ثم قال بحدة:
- مسألتيش نفسك أنا جبتك منين يا دكتورة؟ لا دكتورة إيه بقى؟ ده إنتِ طلعتي بتجيبي من شقق.
لم تتمالك أعصابها من كلمته الأخرى فرفعت يدها لتصفعه وهي تصرخ به قائلة:
- اخرس يا حيوان.
مسك يدها قبل أن تلمس وجهه بدهشة من جراءتها خصوصًا بعد أن رأته منذ قليل يقتل رجلًا بدم بارد. تقابلت عيونهما في نظرة طويلة منها تحمل الغضب بسبب إهانته وحديثه السيء عنها ومنه تحمل بركان ناري ولأول مرة تجرأ فتاة على رفع يدها عليه فحتى الرجال يخشون وجوده واسمه. ضغط على معصمها بقوة وقال بنبرة مرعبة:
- إياكِ، لأنك لحد دلوقتي متعرفيش إنتِ واقفة قصاد مين.
- مجرم وقاتل.
قالتها بعناد وتحدٍ، تكز على أسنانها بحدة حتى سمع صرير أسنانها فدفعها بقوة للخلف حتى ارتطمت ظهرها بالعمود الرخامي بقوة لتشعر برجفة قوية في عضلات صدرها الداخلية. نظرت إليه بغضب مستمعة لحديثه:
- المجرم والقاتل ده ميخطفش بنت. روحي اسألي صحابك كانوا واخدينك الشقة ليه ولا اطلعي على أي مستشفى وحللي لجسمك بما إنكِ دكتورة وشوفي المخدرات دخلت جسمك إزاي؟
صرخت بانفعال شديد في وجهه قائلة:
- أنت كذاب.
توقفت عن الحديث وهي تضع يدها على صدرها بألم شديد بينما التف "جلال" يعطيها ظهره بغرور غاضب من سذاجتها وهي تعانده وتتحداه. شعر برجفة بداخله أمامها ولأول مرة يعرف كيف تكون الرجفة بفضل هذه الصغيرة. ربما لجراءتها ولكونها الأولى التي تتحداه؟ سمع صوت ارتطام قوي فألتف ليصدم عندما رآها على الأرض فاقدة للوعي. هرع نحوه بدهشة ليرى وجهها شاحبًا ويديها منتفخة ومتورمة ليُصدم من هيئتها. رفع رأسها عن الأرض وحاول أن يضرب وجهها بلطف قائلًا:
- ليان... ليـــان... كريم.
دلف "كريم" بسرعة ليُصدم من هيئة الفتاة فصرخ "جلال" به بفزع:
- هات العربية بسرعة.
أخذوها إلى المستشفى وبعد ثلاث ساعات تقريبًا من الفحوصات خرج الطبيب إليه. وقف "جلال" من مكانه ببرود شديد قائلًا:
- عاملة إيه دلوقتي؟
- للأسف تحليل الدم بتاعها أثبت إن عندها لوكيميا.
- لوكيميا!!
قالها بصدمة ألجمته ليتابع الطبيب بهدوء:
- آه سرطان في الدم وهتحتاج لعلاج كيميائي.
نظر "كريم" إلى رئيسه وقال بجدية:
- تحب أديها رقم باباها ييجي؟
هز "جلال" رأسه بنعم ثم قال بحزم:
- روح شوف هتعمل إيه وخلي المستشفى تكلم باباها عشان ييجي.
***
خرجت "قُدس" من العيادة وكان "الجارحي" ينتظرها حتى أنهت الفحص مع الطبيبة. أخذ من يدها ورقة العلاج وقال بهدوء:
- تعالي أروحك عشان عندي شغل.
تحدثت بهدوء قائلة:
- روح شغلك ويزيد هايروحني.
أومأ إليها بنعم وجعلها تعود للمنزل مع "يزيد" وذهب إلى العمل. وصلت "قُدس" على البيت وسمعت صوت شجار قوي من شقة "مديحة" وكانت "وصيفة" تقف على باب شقتها فسألت "قُدس" بقلق:
- فيه إيه؟
- عمك فؤاد طرد عماد من الشقة ونزل عند ديحة ولما جدك كان خارج نادهت عليه ومن ساعتها صوتهم علي ومش عارفة ليه؟
وقفت "مديحة" أمام "حمدي" بغضب وقالت بانفعال شديد:
- أنا حرة في مال أبويا يا حمدي، وأديه للي على مزاجي، وأنا بقى قررت أدي المحل ومصنع القماش لعماد، أنا حرة في مالي.
ضرب "حمدي" الأرض بعكازه من الغضب ثم قال بحدة صارمة:
- عماد مين اللي تديله المصنع والمحل؟ المحل ده أبوكِ أدهولك لما خسر والزباين بقوا يتعاملوا معايا فرمهولك عشان إنتِ تجري عليا وأشغلهولك وأكبره وكبرته وجهزت المصنع بمكن جديد من بلاد برا وجبت عمال شباب يطفحوا الدم فيه عشان أعرف أوقفه على رجله من تاني. جاية دلوقتي بعد ثلاثين سنة تقولي مال أبويا وأدي للي عايزاه. وبعدين عماد مين السُكّري بتاع النسوان والشمام ده اللي أديله مالي وتعبي. أي عايزاه يروح يشم بيهم.
- يا جدي أنا.
قالها "عماد" بغضب من حديث جده، ليقاطعه "حمدي" حين رفع عكازه في وجهه بغضب ونظر إليه نظرة مرعبة يقول:
- إنت تخرس خالص، إنت زرع شيطاني في البيت ده.
تحدثت "مديحة" بضيق شديد قائلة:
- برضو هاخد مالي من حبابي عينيك وهكتبه باسم عماد غصب عن عين التخين. ولو مخدتش مالي منك بمزاجك هاخده بالمحكمة.
أقترب خطوة منها بانفعال من عنادها وهى ترفع صوتها أمامه بجراءة ثم قال بمكر:
- اللي تعرفي تعمليه أعمليه، ومش هتطولي حاجة من مالي يا مديحة لا إنتِ ولا النجس ده وطول ما أنا عايش على وش الدنيا مش هتشمي مني جنيه. مالكيش عندي غير الحسنة اللي هيرميهالك كل شهر.
- هحجر عليك يا حمدي وهقول إنك اتجننت وعقلك خف.
قالتها بعناد أكبر لتُصدم من رد فعله عندما صفعها على وجهها بقوة وخرج من الشقة. نظرت "وصيفة" له بخوف فتنهدت بضيق وترجل الدرجات حتى خرج من العمارة وبعد ثواني معدودة سمع الجميع صوت "رجب" وزوجته "سنية" يصرخان باسمه بفزع:
- يا حـــــج... يا ست وصيفة يا فؤاد بيه... الحقوا الحـــــج.
وللحكاية بقية، يُتبع.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورا عبد العزيز
عبر "فتحي" بوابة القاهرة بسيارته وفي يده الهاتف يحاول الاتصال بابنته لكن لا جدوى من المحاولة وهي لا تستجيب للرد. تأفف بضيق، جاهلًا عن مكان ابنته وإلى أين يجب أن يذهب.
حتى قاطعه رنين الهاتف من رقم مجهول، فأجاب على الهاتف بنبرة باردة ضائقة.
"السلام عليكم."
أتاه صوت فتاة هادئة ونبرتها ثابتة وواثقة تقول بلطف: "حضرتك أستاذ فتحي محفوظ والد الآنسة ليان؟"
شعر بالتوتر بعد ذكر اسم ابنته ليُجيب بخفة: "أيوه أنا، مين حضرتك؟"
"مع حضرتك مستشفى الصفوة الخاصة، بنت حضرتك تعبت شوية ونقلوها على المستشفى، يا ريت لو حضرتك تشرفنا."
انقبض قلبه ذعرًا على حال صغيرته وأخذ العنوان بالكامل من الممرضة، وانطلق في ضواحي القاهرة يشق طريقه إلى المستشفى من الخوف.
ذهب "كريم" إلى الحسابات ليدفع جزءًا من المبلغ بعد رفض المستشفى لاستلام "ليان" قبل الدفع. وقف "جلال" أمام فراشها ينظر إلى وجهها الملائكي كأنه يحفظ ملامحها جيدًا. تنحنح بحرج من طريقة التأمل الذي يحلق بها هكذا، ثم التف لكي يغادر.
لكن استوقفه يدها الصغيرة التي تشبثت بيده بضعف، فالتف لينظر إليها ورآها تفتح عينيها بتعب، ثم قالت: "ماتممشيش."
رفع حاجبه الأيسر بدهشة من طلبها، ثم قال بحدة: "غريبة، واحدة زيك بعد اللي شافته مني ما هتصدق إني أمشي وأسيبها في حالي."
جلست في الفراش ويدها ما زالت تمسكه بإحكام حتى لا يهرب منها، وتحدثت ببرود ونبرة قوية: "عشان قاتل ومجرم."
نفض يده من قبضتها بقوة، وكأنه يخبرها أنها لن تستطيع السيطرة عليه وأن يدها الصغيرة لن تقيده سوى برغبته. تحدثت بنبرة جادة: "شكلك عايز لسانك يتقص."
تنهدت بهدوء ثم وقفت بضعف أمامه، ثم أخرجت لسانها بتحدٍ وقالت: "لو تعرف تقصه، اتفضل."
تنحنح بحرج من قُربها الشديد منه وعنادها المستمر، ليقول بارتباك: "عايزة إيه؟"
"خرجني من هنا زي ما دخلتني، وبعدين أنا دكتورة مش أول ما أدّوخ شوية توديني المستشفى، فين بريستيجي ومكانتي؟" قالتها بتذمر.
ليقول بحدة ولا يبالي بأثر كلماته: "بريستيجك إيه ودكتورة إيه، إنتِ أولى طب يا حضرة، يعني متعرفيش تعالجي شوية برد؟ وبعدين دول مش شوية دوخة، الدكاترة بيقولوا إن عندك لوكيميا."
اتسعت عينيها على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وكيف يخبرها بمرض كهذا بهذا البرود. سقطت على الفراش من هول الصدمة، ليرمقها "جلال" بهدوء، ثم قال: "إنتِ كويسة؟"
"إنت جلف أوي." قالتها بضيق من تحجره.
ليهش من سبها له، وكز على أسنانه بغيظ من جراءتها معه، ليقول بغيظ: "احترمي نفسك."
ضربته بقوة في خصره، وتحديدًا مكان الطعنة التي تلقاها سابقًا، تعاقبه على بروده معه. فمسك يدها بإحكام وقال بعناد: "أنا صابر عليكِ عشان مقدر حالتك دي، وإنه مش مرض سهل، لكن لصبري حدود."
ألقى ببطاقة عمله على الفراش بجوارها وقال بحدة: "دا رقمي لو احتجتي حاجة ابقي كلمني، وأتمنى متحتاجيش."
غادر الغرفة تاركًا إياها خلفه بحزنها وغضبها.
***
وصل "الجارحي" على المستشفى بعد أن تلقى خبر مرض جده، وكان الجميع في الاستراحة ينتظرون الأطباء. سأل بقلق: "حصل إيه؟"
لم يجبه أحد، والجميع التزم الصمت. في حين أن "وصيفة" تبكي بانهيار من الخوف، و"قُدس" تجلس جوارها ماسكة بيدها. أما "مديحة" فجالسة بهدوء تنتظر خروج الأطباء، ولا تهتم بكونها سبب مرضه.
خرج الطبيب، فأسرع له الجميع ليسأل "هادي" بقلق واضح: "خير يا دكتور، طمني أبويا عامل إيه دلوقتي؟"
تحدث رئيس الأطباء بلهجة هاديدة: "للأسف يا هادي بيه، الحاج عنده أزمة قلبية وهيفضل في العناية المركزة لحد ما يفوق من الغيبوبة."
سألت "وصيفة" بنبرة مبحوحة من البكاء: "هيفوق إمتى؟"
تحدث الطبيب بحزن وأسف: "للأسف دي حاجة بعلم الله، إحنا هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا، تقدروا تروحوا دلوقتي وأدعوله."
تحدثت "وصيفة" بحزن شديد وقالت: "لا، أنا مش هروح ولا همشي من هنا غير وهو معايا."
أجابها الطبيب بهدوء مراعيًا حالتها: "مفيش داعي لكل ده يا حجة، كده كده ممنوع الزيارة ومحدش هيدخله، انتوا ممكن تمشوا وتيجوا في مواعيد الزيارة الرسمية تبصوا عليه، لكن وجودكم هنا زي عدمه."
أومأ "فؤاد" بنعم وأخذ "وصيفة" معه برفق يقول: "تعالى يا صفصف وأدعيله يقوم بالسلامة."
غادر الجميع بحزن خيم على قلوبهم. أخذ "الجارحي" زوجته في يده إلى سيارته لتحكي له في الطريق ما حدث عندما عادت للمنزل وشجارها مع "مديحة" عن الفلوس و"عماد". شعر "الجارحي" بغضب شديد من حديثها، وقد تمادى "عماد" في أفعاله ووجب الآن أن ينال جزءًا من أعماله. فنظر في المرآة الأمامية إلى "يزيد" الذي يقود السيارة بهم وأشار بنعم ليفهم "يزيد" ما يريده وهز رأسه أيضًا بالموافقة.
عادوا للمنزل والكل ذهب إلى شقته بداخلهم جزء من الحزن والقلق على كبيرهم. دلف "الجارحي" إلى الغرفة بعد أن طرق الباب ورأى "قُدس" جالسة أمام المرآة تضع الكريم الموضعي على كدماتها. ليقترب منها ثم وضع ملفًا أزرق أمامها وقال: "من النهار ده إنتِ طالبة في الجامعة البريطانية، ودا كارنيه الدخول بتاعك، وكمان دفعت لك اشتراك في المكتبة هناك عشان لو حبيتي تدخليها."
نظرت إلى الأوراق بدهشة من سلطة زوجها، وقال بأندهاش وإعجاب واضح في ملامحها بقوته: "بجد؟ يعني قبلوني؟"
"أكيد." قالها بحدة، ثم التف ليغادر الغرفة. لكن تجمدت قدمه في محلها حين شعر بأناملها الصغيرة تلمس يده، والتف ينظر إليها، فقالت بهدوء: "أنا آسفة."
رفع حاجبه ببرود شديد، ثم قال: "على إيه؟"
تنحنحت بحرج وارتباك، ثم قالت بهدوء: "على أي حاجة عملتها ضايقت أو زعلتك مني."
تنهد بهدوء وعينيه تتفحص صغيرته الحزينة وتوترها واضح حتى في لمسة يدها المرتعشة في يده. فقال بحدة: "متشغليش بالك، أنا عند وعدي ليكي، أول ما تولدي هطلقك، ولحد اليوم ده إنتِ مراتي وأنا هعاملك بما يرضي الله."
تركت يده بحزن من حدته معه، ثم قالت بجدية غاضبة من طريقته: "أنا عارفة إنك بتحبنيش ولا عمرك حبتني للحظة، بس على الأقل متحسسنيش إني ماليش لازمة ومجرد أرنبة هتولد لحضرتك ابنك وترميها، أنا مش وحشة أوي كده يا جارحي."
صمتت للحظة عاجزًا عن الرد أمامها، بأي حق تتحدث عنه هكذا. ربما لم يحبها كما تريد، لكنه لم يراها للحظة أنها مجرد رحم سيلد له الطفل. هذه الصغيرة ستقتله يومًا بغموضها.
ليقاطع شروده قبلة رقيقة منها وضعتها على وجنته التي سقطت عليه كدلو من الثلج يقشعر بدنه. حدق بها بصدمة متجمدًا كالصنم أمامها من فعلها، لتقول بهدوء: "شكرًا على تقديم ورقي للجامعة."
مرت من أمامه تسير نحو الفراش، ليفوق من صدمته الجميلة حين مسك ذراعها يمنعها من الرحيل وجذبها إليه، فأرتطمت بصدره من قوته، وقالت: "جارحي."
طوقها بذراعيه يحاصرها في صدره، ثم سأل بجدية وعينيه تنظر بعينيها هائمًا: "إنتِ من إمتى بطلتي تقولي له يا أبيه؟"
حاولت الفرار من قبضته وهي تقول بتذمر: "مالكش دعوة، ابعد عني يا جارحي."
غضب من ردها الحاد وتذمر، فترك أسرها لتبتعد بسرعة عنه، ونظر الاثنان إلى بعضهما، ليقاطع نظرتهم صوت طرق الباب، فغادر "الجارحي" ليفتح الباب، وكان "يزيد".
أخذه ودخله إلى غرفة المكتب، ليفتح "يزيد" اللابتوب على تسجيلات الكاميرا، وصُدم "الجارحي" عندما رأى وجه "ليان" في الكاميرا، ليتحدث "يزيد" بجدية: "الصور حقيقية ومش مزورة."
"يعني قُدس عملت كده فعلًا؟ لا مستحيل، أنا مصدقش ده حتى لو شايفه بعيني." قالها بصدمة ألجمته ولا يستوعب ما يراه الآن.
فمد "يزيد" يده وفتح فيديو آخر على كاميرات الجامعة بنفس التاريخ والتوقيت وقال: "وفي نفس الوقت كاميرات الجامعة كان فيها أنا ومدام قُدس... لو حضرتك بصيت على التوقيت هتلاقيه هو هو في الكاميرتين."
عاد "الجارحي" بظهره للخلف بحيرة وعجز عن فهم ما يدور، ثم قال بتمتمة حائر: "إزاي؟ لو حد شبهها هو في حد يكون بالشبه بالدرجة دي كأنهم واحد."
التف "يزيد" يجلس على المقعد أمام المكتب بحيرة أصابته هو الآخر وقال بعجز: "معرفش، أنا كمان مكنتش مصدق ولحد دلوقتي مش مستوعب."
هز "الجارحي" رأسه بهدوء وقال بينما يحك لحيته بيده من العجز: "حاجة ميصدقهاش عقل."
***
وقع خبر مرض "ليان" على "فتحي" بصدمة قاتلة، ليسقط على المقعد أمام مكتب الطبيب وقلبه على وشك التوقف، ليقول: "لوكيميا."
"المشكلة إنها في مرحلة متأخرة، يعني لازم تبدأ علاج فورًا." قالها الطبيب بهدوء شديد.
فرفع "فتحي" نظره إلى الطبيب بحزن وخيم، وشعر أن مرض ابنته الوحيدة كسر عظامه وظهره حتى شاخ. تحدث بلهفة خائفًا على ابنته: "نبدأ يا دكتور، شوف المطلوب إيه وميهمكش الفلوس من جنيه لمليون فداها."
تحدث الطبيب ويده تدون الكثير في الورق ثم قال: "مش مهم الفلوس، إحنا هنبدأ بالعلاج الكيميائي ولو مستجابش هنضطر نلجأ لزراعة النخاع."
اتسعت أعين "فتحي" على مصراعيها بصدمة قاتلة ألجمته وشل لسانه في فمه. قدم الطبيب الورقة إلى "فتحي" وقال: "دي بعض التحاليل والأشعة، يا ترى أختها أو أخوها يعملوها لأن بنسبة 80% هنلجأ لزراعة النخاع."
تمتم "فتحي" بصوت مبحوح قائلًا: "هي معندهاش أخوات."
"في الحالة دي هناخذ النخاع من حضرتك أو الأم، لأن هيكون التطابق اللي موجود 50%، عشان كده أنا قلت الإخوة لأن نسبة التطابق بينهم بتكون 100%، بس مش مشكلة." قالها الطبيب بهدوء على عكس "فتحي" الذي وقع الحديث على قلبه بصدمة قاتلة وابنته الآن تصارع الموت.
ابتلع لعابه بتوتر شديد وعينيه ترمق الطبيب في حيرة من أمره، ثم هتف بصوت خافت: "طب لو ليان بنتي يتيمة وأنا متبنيها، في الحالة دي إيه الإجراءات اللي لازم آخدها؟"
"للأسف إحنا أملنا كله في الحالة المتأخرة دي هي زراعة النخاع."
هَمهم "فتحي" بصعوبة ثم وقف من مكانه ليغادر المكتب، ووصل إلى غرفة صغيرته التي كانت منهارة من البكاء بسبب خبر مرضها. اقترب منها لترى وجهه، وأول رد فعل صدر منها عناقها لوالدها بحزن ويأس. تشبثت به بضعف وهي تقول: "بابا."
ربت على ظهرها بلطف منه وبداخله بركان ناري يقاتله من الماضي الذي فتح أبوابه بمرض ابنته.
***
استيقظ "عماد" على صوت هاتفه، وكان "عادل" يتصل به مرارًا وتكرارًا بسبب. فأجاب بتذمر ونبرة خشنة: "نعم يا سي زفت."
أتاه صوت "عادل" يقول بفزع: "الحق يا عماد، النايت اللي اشتريت الشهر اللي فات بيولع."
اتسعت عينا "عماد" على مصراعيها وقفز من فراشه بصدمة ألجمته، صارخًا بصديقه: "الله يخرب بيتك يا شيخ، ومتصل بيا بدل ما تتصل بالمطافي، غور اتصل بالمطافي لحد ما أجيلك."
أغلق الخط معه وارتدى ملابسه بسرعة البرق دون استحمام، ثم خرج من الغرفة، وكانت "مديحة" جالسة مهمومة وهو لا يبالي، ليغادر مسرعًا.
حتى وصل إلى مكان الملهى الليلي، وكان قد تفحم نهائيًا وأصبح رمادًا، ليُصدم مما حدث ووقف أمامه مصدومًا، ليقول "عادل": "والله حاولت أعمل اللي أقدر عليه."
مسكه "عماد" من لياقته بقوة غاضبًا، ثم قال بضيق من هول الكارثة التي حلت به: "انت عارف أنا دافع فيه كام؟ 10 مليون جنيه، كله اللي حيلتي، هعمل إيه دلوقتي وهجيب فلوس منين؟"
دفعه بقوة بعيدًا ليقول "عادل" بتمتمة: "أيوه بس ده حريق بفعل فاعل يا عماد."
ركله "عماد" في قدمه بقوة حتى سقط "عادل" على الأرض وفقد توازنه. تحدث بخنق: "محدش يعرف إن المكان ده بتاعي أصلًا، فلو بفعل فاعل بجد يبقى إنت، لأن محدش غيرك يعرف إنه بتاعي."
التف لكي يصعد بسيارته يغادر المكان، فوقعت عيناه على سيارة "يزيد" الذي انطلق مبتسمًا من الطريق بعد أن رأى الحريق التهم كل شيء، فأدرك أن الفاعل هو أخاه الذي بدأ انتقامه.
***
(في الإسكندرية)
دلفت "ليان" إلى غرفتها حزينة وهادئة، فسألت "ياسمين" بقلق: "هو في إيه؟"
تنهد "فتحي" بحزن شديد، ثم قال بنبرة واهنة: "تعالي نتكلم جوه عشان ليان متسمعش."
دلف إلى غرفته وخلفه زوجته التي ضرب القلق صدرها بقوة، وقص لها "فتحي" ما حدث، لتفزع والدموع في عينيها قائلة: "يعني إيه؟"
تنهد بحزن أكبر، تنهيدة مُعبأة بالكثير من الخذلان والضعف، ثم قال بتهكم: "يعني بنتك بتموت من السرطان وعلاجها الوحيد في النخاع من أهلها الحقيقيين."
مسحت وجهها بضعف وعجز، ثم قالت بنبرة خافتة: "بس الممرضة اللي جابت لينا ليان قالت إنها يتيمة وأهلها ماتوا في حادثة."
تأفف بضيق أكبر، ثم وقف من مكانه يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا ليقول: "مش يمكن عندها أخوات حقيقيين من أهلها اللي ماتوا."
رفعت رأسها له بحزن، ثم قالت: "قصدك إيه؟"
لم يجيب عليها، وفتح باب الدولاب، ثم الدرج الموجود بداخله كالخزينة السرية. فتحه بالمفتاح المعلق في رقبته وأخرجه ليبحث في الأوراق، لتسأله "ياسمين" بحيرة: "بتعمل إيه؟"
"هكون بعمل إيه، أنا كنت شايل اسم الممرضة هنا، هروح أدور عليها وأسألها يمكن تعرف طريق لأهلها." قالها بجدية، لتفزع "ياسمين" وتجلس أمامه وقالت بخوف شديد: "إزاي؟ وهتقول لليان إيه؟ إننا مش أهلها وخطفناها من عائلتها؟ وحتى لو قولنالها إن أمها وأبوها ماتوا في حادثة، أكيد عندها أعمام وعمات وخالات وعائلة كاملة. ولو طلع عندها أخوات فعلًا هنقولها إيه إننا حرمناها من أخواتها؟"
رفع رأسه إلى زوجته بدهشة قاتلة، ثم قال بإعجاب مذهولًا من تفكيرها: "يعني أسيبها تموت عشان خايف تعرف الحقيقة؟ أنا مقدرش أشوف بنتي بتموت."
فركت "ياسمين" يديها بضعف وتساقطت دموعها بقهرة وحسرة، ثم قالت: "ولا أنا أقدر أشوف بنتي بتموت، دور عليهم يا فتحي، دور عليهم واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين، الحمد لله على كل حال."
خرجت من الغرفة باكية بحسرة تعتصر قلبها وهي على وشك خسارة ابنتها ومرضها. الصدمات المتتالية تتساقط عليها، والآن عليها بخوض الحرب ومقاومة القدر.
***
(في المستشفى)
كان "قُدس" جالسة على المقعد بجوار "حمدي" تمسك يده بين راحتي يديها، ثم قالت بلطف: "جدو مش هتقوم بقى، أنا اتفقت مع جارحي إننا هنفضل مع بعض لحد ما أولد بس، أوعدك إن لحد ما يجي اليوم هخلي الجارحي يحبني بجد ويعرف قيمة وجودي معايا."
مسحت يده بالمنشفة المبللة، ثم قالت: "بصراحة مش فاهمة إنت إزاي بتتعامل معاه بدماغه الناشفة دي، بس منكرش إنه كاريزما وجذاب، حفيدك مطلع عيني معاه يا حمدي، يلا فوق بقى عشان بطني هتبدأ تبان وخايفة أقولهم عشان إنت قلت مقولش لحد... أقولك أنا قررت لو كان ولد هسميه حمدي بس إنت تفوق."
قبلت جبينه بلطف بعد أن أخبرته بفضفضة اليوم، ثم غادرت الغرفة، وكان "يزيد" ينتظرها بالخارج و"آسيا" و"مديحة" و"وصيفة". فقالت "قُدس" بنبرة خافتة: "أنا هسبقك يا صفصف على البيت عشان متأخرش."
أومأت إليها بنعم، فذهبت مع "يزيد" إلى الرواق مغادرة، لتقول بهمس: "خلينا نروح للدكتورة قبل ما نروح يا يزيد."
أومأ إليها بنعم، وكان يسير خلفها بخطوة. وقفت أمام المصعد تنتظره، وعينيها تنظر في الهاتف، حتى فتح المصعد وخرجت "ليل" مع "عمران". فرمقتهما "قُدس" بضيق واشمئزاز، وقبل أن تدخل، مسكت "ليل" يدها بلطف وقالت بحرج: "قُدس."
نفضت "قُدس" يدها من يد "ليل" بضيق وتأفف بغضب، ثم قالت: "عايزة مني إيه؟ مش كفاية لحد اللي عملتيه فيا لحد كده، ولا لسه في تهمة تانية عايزة ترميني بها؟"
تحدث "عمران" بلطف ونبرة خافتة قائلًا: "يا قُدس أنا اللي شوفتك وواثق إني شوفتك ومش تخيل."
رفعت نظرها به باشمئزاز وقالت بغيظ شديد: "أنا كلامي مش معاك، لأن واحد واطي زيك ومقضيها مش هيمشي كلامه عليا."
"مقضيها!! قصدك إيه؟" قالتها "ليل" بتساؤل وفضول.
فرمقتها "قُدس" بسخرية، ثم قالت بمكر: "مفيش، بكرة الزمن يثبت لك مين هو النجس فينا، واللي حصل كسر كتير بينا يا ليل، وما دام اخترتي تصدقي الواطي اللي واقف جنبك اللي عرفتيه من يومين على إنك تصدقني أنا صاحبة عمرك وأختك، يبقى أشبعي بيه."
غادرت غاضبة لتقف في المصعد غاضبة وتشتعل من الكره والحقد بعد ما تعرضت له على يدي هذا الثنائي، فتمتمت بضيق: "أنا لو طلبت منك طلب ينفع يكون سر بينا ولا هتنقله لجارحي زي ما بتنقل كل أخباري وتحركاتي؟"
أجابها "يزيد" وهو يقف أمامها يعطيها ظهره بنبرة جادة: "كوني واثقة يا مدام قُدس إن أنا هنا لحمايتك وسرك أكيد في بير ما دام ميخصش حمايتك، لأن دي أمر من المعلم الجارحي، لكن في أمر تاني من المعلم الجارحي وهو تنفذ أي أمر منكِ مهما كانت صعوبته. أمورك تتنفذ بالحرف ومن غير جدال."
تنهد بضيق، ثم قالت بخباثة ونار الانتقام تشتعل بداخلها: "أنا عايزة أعرف قذارة عمران وبالدليل، عايزة دليل ملموس أوريه لخطيبته لأن وش البراءة اللي لابسه مش جاي على هوايا."
"أمرك يا مدام قُدس." قالها بجدية، ثم خرجوا من المصعد في الطابق الأول. ذهبوا إلى عيادة طبيبة النسا والتوليد لفحصها الشهري.
***
وصل "عماد" إلى محل القماش، ومع دخوله أخذ المقعد الخشبي من الطريق حتى وصل إلى مكتب "الجارحي" وضرب الزجاج بالكرسي بقوة ليتناثر الزجاج أرضًا. حدق "الجارحي" بالمكتب بضيق ووقف من مقعده. أقترب بعض العمال لمنعه، فأشار "الجارحي" لهم بالذهاب وظل مكانه، ثم جلس من جديد على المقعد ببرود ولم يرتجف له جفن مما فعله أخيه.
أقترب "عماد" بغضب بركاني من برود "الجارحي" الذي أثر غضبه أكثر، ودلف للمكتب وهو يدهس الزجاج بقدمه، ومسك "الجارحي" من قميصه بقوة وأوقفه من مكانه وهو يقول: "إنت قد اللي عملته؟"
حدق "الجارحي" به باشمئزاز، ثم قال: "لا، إنت اللي قد اللي عملته، وهريحك ما دام عملت كده يبقى قده وإلا ما كنتش هقدر أعمله."
رفع يده ليلكم وجه "الجارحي"، فأوقفه "الجارحي" حين مسك يده وقال بغضب وعينيه تتطاير منها الشر: "لا، أنا تاخدني على خونة وغدر أه، لكن في وشي متقدرش."
دفعه بقوة ليترطم أخاه بالحائط، فتابع "الجارحي" الحديث بنبرة قوية وازدراء قائلًا: "إيه فاكر إنك هترفع سلاحك عليا؟ مرة واتنين عادي كده وهعديهالك، ده ليه إن شاء الله ركبي بتخبط في بعض لما بشوفك، فوق كده يا عم الشمام أنت واقف قصاد الجارحي أبو النور، لا أنت ولا ألف من أمثالك يجرأ إنه يتنفس في وجودي."
أقترب "عماد" من أخاه ثم قال بضيق: "معاك أسبوع يا جارحي يا تجيبلي 10 مليون جنيه تمن اللي حرقته، يا متلومنيش على اللي جاي، وافتكر يا ابن أبويا إنك إنت اللي قلت إنك لما تعمل لازم تكون قد العمل ده."
ربت على كتفه بسخرية وغادر المكان بضيق، فتبسم "الجارحي" وجلس مكانه على المقعد يقول: "عبد العظيم... هات حد يلم الإزاز ده من هنا."
***
(عمارة أبو النور)
كانت "مديحة" جالسة في الصالون مع المحامي وقالت: "يعني إيه بقى إن شاء الله؟"
"يعني حضرتك من ثلاثين سنة كتبتي المصنع والمحل باسم الحاج حمدي، ولحد ما هو اللي يقرر يرجعهم باسمك تاني مقدرش أعمل حاجة." قالها المحامي بجدية.
فأففت بضيق شديد وقالت: "يعني دلوقتي حمدي في غيبوبة ويا عالم هيقوم منها ولا لأ، كده بقى فلوسي ومالي هتتوزع مع التركة على الكل؟"
تحدث المحامي بهدوء قائلًا: "بالظبط يا أم هو يفوق ويرجع يكتبهم باسم حضرتك، يا أما هيفضلوا من الأصول باسمه. وأحب أوضح لحضرتك إن الورثة الشرعيين للحج هم إنتِ والست وصيفة وأولادكم، لا الجارحي ولا عماد ولا ليل ولا قُدس يخصهم شيء في الملك كله، إلا لو هو اللي كتب شيء باسم أي حد فيهم مسبقًا."
رمقت المحامي بخباثة، ثم قالت بمكر: "يعني عايز تفهمني إنك متعرفش هو كاتب لهم حاجة ولا لأ؟"
وقف المحامي من مكانه بهدوء وأغلق زر سترته، ثم قال بمكر: "آسف يا حجة، دي أسرار شغل، عن إذنك."
غادر من الشقة ليتركها تشتعل من الغضب والخوف تملكه من مرض "حمدي" وهي على وشك خسارة أملاكها.
***
وصل "فتحي" إلى منزل قديم وصعد إلى شقة الطابق الآخر ودق الباب. فتحت له فتاة بعمر ابنته وقالت: "نعم."
تحدث بهدوء وعينيه تحدق بالفتاة: "الست ملكة موجودة؟"
أومأت إليه بنعم، مندهشة ولأول مرة من سنين طويلة يأتي أحد يسأل عن والدتها. أشارت له بالدخول، ودلفت للداخل تحضر والدتها، وخرجت وهي تدفع مقعدًا متحركًا وعليه سيدة في منتصف السن والمرض التهم جسدها. رأته السيدة لتُصدم قائلة: "فتحي بيه."
دهش "فتحي" من ذاكرتها وهكذا حالتها المرضية. تركتهم الفتاة ودلفت تحضر المشروب، فسألها "فتحي" بقلق: "فاكراني؟"
تبسمت "ملكة" بعفوية وقالت بضعف: "طبعًا، إزاي أنساك وأنت اللي سترتني أنا وعيالي، إزاي أنساك وبسببك عرفت أجيب الشقة دي تلمني أنا وبناتي."
تبسم "فتحي" بعفوية، ثم قال بلطف: "كلنا أسباب في حياة بعض، أنا كنت سبب في الشقة دي وإنتِ كنتِ السبب في إني أكون أب وأسمع كلمة بابا."
تبسمت السيدة بضعف وبدأت تسعل جدًا بتعب. سألها "فتحي" بخفوت: "أنا مستعد أديكي اللي تعوزيه من تاني وأمن مستقبل بناتك زي ما تحبي وبالطريقة اللي تعجبك، بس تدليني على أهل البنت اللي جبتهالي من 19 سنة."
دُهشت "ملكة" من سؤاله وقالت بحزم: "إيه؟ ما أنا قلتلك إن ملهاش أهل."
أقترب "فتحي" من مقعدها وقال بتوتر والخوف يتملكه لأجل طفلته: "لازم يكون لها أهل، بنتي عندها سرطان في الدم وعلاجها الوحيد في النخاع، أنا لازم أوصل لأهلها، عرفيني أي طرف خيط وأنا همشي وراءه. أنا عارف إن ملهاش أب وأم، بس ممكن يكون عندها أخوات أكبر منها ويكونوا سبيل نجاتها من الموت."
تنحنحت "ملكة" بتوتر شديد وقالت: "نخاع، هي عندها أخت توأم."
اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة ألجمته، وقال بغضب: "هي كانت توأم؟ طب ليه مقلتليش؟ كنت خدتهم الاتنين بدل ما تفرقي بينهم وهم من غير أهل."
فركت "ملكة" يدها ببعضها بحزن شديد مما فعلته وقالت: "بصراحة لا، هي أبوها عايش وأنا سرقتها من الحضانة وقلتلهم إنها ماتت عشان كنت محتاجة فلوسك أوي."
وقف من مكانه مصدومًا من هذا الخبر ولم يصدق أنها سرقت طفلة من أهلها، وهو طلب أن تجد له طفلة يتيمة. فقال بصراخ: "يعني إيه؟ أنا قلتلك تشوفي طفل في ملجأ رضيع أربيه، ولما جبتيها من المستشفى قلت معلش ما هي يتيمة وهتروح لملجأ... لكن مقلتلكيش تحرمي أب من بنته وتشيلني ذنبها عمري."
صمتت "ملكة" بحزن شديد، فتأفف بضيق غاضبًا من هذا الموقف وابنته لن تصدق حقيقة الأمر. تحدث بضيق صارخًا بها: "وأبوها دا فين؟ ولا اسمه إيه؟"
"صدقني معرفش، لكن أنا أعرف واحد شغال في أرشيف المستشفى ممكن يجبلك بيانات الست اللي دخلت المستشفى يومها وولدت، هي الوحيدة اللي ولدت من الحادثة اللي جت."
أخرجت هاتفها لتعطيه رقم الرجل، فنقله وغادر غاضبًا من تصرفها.
***
في الساعة الخامسة مساءً، انطلق الجميع إلى غرفة العناية المركزة بعد أن أطلقت الأجهزة صافرتها. دلف الأطباء وكان قلب "حمدي" توقف تمامًا عن النبض، وبعد محاولات كثيرة من الإنعاش، تحدث الطبيب بهدوء قائلًا: "اتصلوا بأهل المريض وبلغوهم بالوفاة."
بنفس اللحظة التي كان "فتحي" واقفًا أمام موظف الأرشيف الرجل العجوز ويضع نظارة نظر ضخمة على عينيه ويقرأ له اسم الزوج من سجل دخول المستشفى قائلًا: "اسم الزوج: هادي حمدي أبو النور."
وللحكاية بقية. يُتبع.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نورا عبد العزيز
صوت الموسيقى الهادئة وأغنية وردة تملأ المطعم.
وكل طاولة تحمل الكثير من الحكايات والأسرار بين أشخاصها المؤقتين الذين يتغيرون بين ساعة وأخرى.
كانت "هدير" جالسة على طاولة فى زاوية المكان بجوار الحائط الزجاجي وتنظر لمياه النيل بجانبها صامتة بضيق واضح فى ملامحها العابسة.
فتنهد "مصطفى" الجالس مقابلها وأخذ رشفته من القهوة ثم وضع الفنجان الأبيض أمامه فى صمت وعينيه تراقبها.
ثم هندم نظارة نظره المستطيلة وقال بنبرة أكثر هدوءٍ:
"أنا مُقدر جدًا فترة تعب والدكِ يا هدير، لكن أنا إجازتي بتخلص ودى مش بأيدي. الأول مينفعش دلوقت عشان خطوبة ليل وبعدها مشاكل قُدس وقرار طلاقها ومن ثم محاولة قتل الجارحي. أنا قدرت وأستنيت كثير لو مش واخدة بالكِ"
أدرت رأسها إليه تحملق به ثم تحدثت بنبرة قوية غليظة:
"أعمل أي أتخطب وأبويا فى المستشفى، يعنى خلاص هموت على الجواز لدرجة انى مهتمش بمرض أبويا. كل اللى فات كوم ومرض أبويا كوم يا مصطفى"
تنهد بهدوء شديد وهو يريدها بحق ومُقيدٍ بفترة وجوده داخل مصر ثم قال بعجز:
"طيب أى الحل اللى عندك ليا. أنا لازم أرجع أنجلترا أخر الشهر. أنا كل اللى أقدر عليه أستنى وأنا بتمني أن والدك يفوق ويسترد صحته خلال الثلاث أسابيع الباقين وأنا راضي وموافق يا ست البنات أخطبك وأنا حتى فى المطار وأروح أظبط أموري هناك وأستنى إجازة قريبة وأحاول أقنع المستشفى والمركز اللى انا متعاقد معه وأنزل أتجوزك لما يسمحولى. أنا راضي بأبسط الأمور لأنك أغلى من أى تفاصيل وطقوس للخطوبة. لكن هل إنتِ مستعدة بقى لو بعد الشر باباكِ مفاقش خلال الثلاثة شهور دول أخطبك وأنا حتى فى المطار ولا هيكون نفس موقفك دا أن مش هتعملى حاجة ولا هتأخدي خطوة غير لما تطمني عليه"
صمتت بعجز عن الرد لينزع نظارته عن عينيه بحزن من استسلامها ثم قال بجدية:
"فكري فى اللى ناوية عليه وأنا معاكِ وشارياكِ يا هدير لأخر لحظة. أنا كل اللى فارق معايا ومهتم به أنى أرجع أنجلترا فى بينا حاجة رسمي عشان قلبى يطمن إنكِ له"
"بس أنا مش هتجوز من غير أبويا يا مصطفى وسميها أنانية، سميها أنى بايعة زى ما تحب، انا أبويا أولًا"
قالتها بضيق شديد ليهز رأسه بنعم وقد وصله الجواب.
فأخرج محفظته ووضع النقود على الطاولة ثم غادر أولًا.
نظرت عليه وهو يسير بعيدًا بحزن شديد.
ثم رن هاتفها وكانت "قُدس" تبكي بذعر وأنهيار تنقل لها خبر وفاة "حمدي" فسقط الكأس من يدها أرضًا من هول الصدمة وأستدار الجميع من بينهم "مصطفى" على صوت الزجاج فذعر عليها وذهب نحوها بخوف.
***
(فى الإسكندرية)
كان "فتحى" جالسًا مهمومًا بعد ما علمه من "ملكة".
فجاءت إليه "ياسمين" وقدمت له كوب الشاي الساخن ثم قالت بحزن:
"يعنى أهلها عايشين؟"
"وعندها أخت توأم، يعنى علاجها موجود 100 %"
قالها "فتحى" بيأس سيطر على نبرته كملامحه وقد أدرك أن علاج ابنته سيكون ثمنه الحقيقي خسارته لها.
تنهدت "ياسمين" بضعف وقالت بنبرة واهنة:
"يعنى ليان كدة خلاص، هتسبني"
نظر إلى زوجته بحزن وأخذ يدها بين راحتي يديه يربت عليها بحنان ثم قال:
"نصيب يا ياسمين، نصيبنا لازم نقول الحمد لله. متبقيش ضعيفة كدة على الأقل لحد ما نعرف هنوصلها الخبر أزاي وهنوصل لأهلها أزاي وبعد كدة ربنا يرحمنا ويصبرنا"
دمعت عيني زوجته بقهرة وقالت بعبوس:
"بس أنا ربتها زى بنتي كأنها قطعة من روحي. أه أنا مولدتهاش بس دى جيتلي طفلة يوم واحد يعني ربيتها من ساعة ما شرفت الدنيا. أتقيت ربنا فيها وعاملتها أحسن من أي أم. ليه أتحرم منها يا فتحي. ليان بنتي أنا وأهلها اللى بتكلم عنهم دول ميعرفوش عنها حاجة وجاي دلوقت تقول أنك هتأخدها ليهم"
كاد أن يتحدث لكن قاطعه صوت "ليان" التى سمعت الحديث تقول بصدمة:
"أى"
ألتف الأثنين نحو الصوت وكانت "ليان" تقف محلها مصدومة وكأنها تقف على حافة الهاوية.
وقفت "ياسمين" بحزن مصدومة مما حدث وقالت بضعف:
"ليان"
دفعتها "ليان" بقوة بعيدًا عنها وقالت بصراخ تحاول أستيعاب ما سمعت:
"يعني أي مولدتنيش، ولا إنتِ تعرفي ليان تانية، يعني أي؟"
صرخت بقوة وعينيها تتساقط منها الدموع.
فأقترب "فتحى" منها بهدوء وقال بنبرة لطيفة محاولاً إخماد نيرانها:
"أهدئي يا ليان وأنا هشرحلك"
ألتفت إليه بانفعال شديد وقالت بصوت قوي هز جدران المكان كاملًا:
"تشرحلي أي؟ تشرحلي أنكم خدعتوني 19 سنة وحرمتوني من أهلي 19 سنة، تشرحلي أني عشت عمري كله مخدوعة ومصدقة شوية كدابين"
مسكتها امها من ذراعها بغضب وجعلتها تنظر لها بأنفعال ثم قالت بحدة صارمة:
"أخرسي، إنتِ بنتي أنا، أنا اللي ربيت وتعبت وشيلت وغيرت وكبرت. أنا اللي سهرت ليالي في المستشفيات بيكي وجريت على المدارس وأترجيت وأعتذرت. أنا وبس محدش تاني. أنا أمك مهما تعملي ومهما تقولي"
ضحكت "ليان" بسخرية وصوت عالى ثم قالت بتهكم:
"بأمارة أي؟ بأمارة إنكِ سرقاني من أهلي"
جذبتها "ياسمين" بحنان ومسحت دموعها بلطف ثم قالت بحسرة وحزن:
"والله أبدًا، ربنا شاهد عليا وعلى أبوكِ. إحنا أتقلنا أن أهلك ماتوا في حادثة. أنا ربيتك وصونتك لأن أتقللي أنك هتترمي في ملجأ. قُلت يمكن ربنا حرمني من الخلفة عشان يبعتك ليا وأرضي بيكي. أنا مسرقتكيش، والله يا ليان"
أنهارت "ليان" من البكاء بقوة لتضمها "ياسمين" إليها.
فتشبثت الطفلة بها وهى تصرخ وتجهش بكل طاقتها من الأنهيار.
ليقترب "فتحى" منهما ويضمهما بحنان ثم قبل جبين ابنته وقال:
"سامحيني يا بنتي، بس أنا هعوضك وهقلب الدنيا على أهلك وأرجعك ليهم"
"وهتسبني"
قالتها بضعف وهى بين ذراعيهما ومازالت هذه الصغيرة تعتبرهما أهلها الحقيقيين.
كل ذرة حب زرعوها بداخلها ما زالت تنبت بدفئهم ولطفهم.
مسح على رأسها بحنان ثم قال ببسمة خافتة:
"وقتها القرار يبقى ليكي، بس لازم تعرفي أننا حبناكِ بعمرنا كله ولسه بنحبك"
لتنهمر الدموع من عينيه هو الآخر وبدأ الليل المظلم بجراحه على الأسرة الصغيرة يتوارى على قلوبهم وينهش في عقولهم.
***
صوت القرآن يعم المكان وشقة "وصيفة" و"مديحة" تحولت لأستقبال النساء في عزاء "حمدي" واللون الأسود عم المكان وملأ قلوبهم الحزن ووجع الفراق.
الدموع لم تجف من عيون الجميع وخبر وفاة الجد "حمدي" نزل على الجميع كالصاعقة.
جميع الأقارب والأغراب والمعارف في حالة من الحزن الشديد بسبب سيرته الطيبة.
رحل الجميع وأقتربت "هدير" من والدتها بحزن تربت على يدها وقالت:
"قومي يا ماما ارتاحي وأدعيله"
أجابتها بكلمات متقطعة وسط بكاءها الشديد وحسرة قلبها:
"ربنا يصبر قلوبنا يا بنتي، فراقه صعب أوي"
جهشت "هدير" في البكاء من جديد بقهرة.
لتقترب "آسيا" منها وكانت أكثر تماسكًا وصلابة وربتت على كتف أختها بحنان ثم قالت:
"وحدي الله يا هدير، بابا في مكان أحسن دلوقتي، أدعيله واقرأله قرآن يا حبيبتي"
"لا إله إلا الله"
قالتها بحزن وهي تمسح أنفها بالمنديل.
ثم نظرت حولها وقد تذكرت الصغيرة المنسية وسألت بقلق:
"فين قُدس؟"
تذكر الجميع أنها مُختفية وبدأوا يبحثوا عن الصغيرة.
وخرجت "أسيا" مع "هدير" للخارج لترى "هادي" و"الجارحي" يقفوا أمام باب العمارة مع "مصطفى" و"فؤاد".
لسألت بفزع:
"هادي مشوفتش قُدس؟"
نظر الجميع على سؤالها فتحدثت "أسيا" بقلق:
"أنا دورت عليها في كل مكان ومش جوا، مخرجتش قصادكم"
فزع الجميع على أختفاء الفتاة وخصيصاً زوجها الذي أقترب بذعر قائلاً:
"يعني إيه فين قُدس، هي مش معاكم جوا"
هزوا رأسهم بلا.
ركض للداخل بخوف على زوجته وبدأ الجميع البحث عنها.
صعد إلى شقته ربما صعدت هناك وحدها وبحث في كل مكان عنها ثم خرج من الغرفة وهو يقول:
"من هنا؟"
صرخت "هدير" بقلق:
"يعني إيه مش هنا؟"
ركضت للأسفل مع "هادي" الذي شعر بالخوف على ابنته رغم الخصام القائم بينهما.
وبدأ كل شخص يبحث في مكان.
رن "الجارحي" على هاتفها وهو ينزل الدرج لكنه سمع صوت ضعيف يأتي من الأعلى.
أستدار وهو يتبع الصوت حتى وصل إلى السطح.
توقفت قدمه بخوف ودائماً ما يمنعهم "حمدي" من تخطي الدرجة الأخيرة للسطح وهكذا المكان لحفيدته المدللة وحدها.
تجرأ في التخطي وولج للسطح ليراها جالسة على الأريكة منكمشة في ذاتها وتضم قدميها إلى صدرها وتبكي بانهيار دون صوت مرتدية فستانها الأسود الطويل بأكمام وشعرها منسدل على الجانبين يخفي دموعها عن الأنظار.
أقترب بحزن حتى وصل أمامها وجلس بجانبها في صمت.
وهي تتبع البكاء وشهقاتها تمزق صدره حتى شعر بغصة في قلبه لأجلها.
فرفع ذراعه ووضعه خلفها جاذبًا إياها إلى صدره لتتشبث بسترته بأناملها الصغيرة وتجهش أكثر في البكاء.
وبدأت تتمتم بضعف وصوت مبحوح:
"سبني لوحدي ومشي... هو وعدني أنه هيكون معايا وهيشيل ابني، بس هو سبني ومشي"
رفع ذراعه الأخرى وربت على ظهرها بلطف ثم قال بصوت دافئ:
"ادعيله يا قُدس، ادعيله وإحنا هنا معاكِ وأنا معاكِ أهو"
ظلت تبكي بانهيار في صمت والتعب ظهر عليها.
ليخرج هاتفه وأرسل إلى "هادي" رسالة قصيرة يخبره بأنها وجودها ثم ترك الهاتف.
مسح على رأسها بحنان وقال:
"كفاياكي بكاء يا قُدس"
أومأت إليه بنعم ثم وقف وهو يمد يده إليها لتنظر مطولاً إلى يده ثم إليه.
فهز رأسه بنعم.
وضعت يدها في يده ليساعدها في الوقوف وسارت معه خطوات بطيئة وضعيفة ويده الأخرى خلف ظهرها.
شهقت بضعف وهي تقاوم الحزن الذي أفقدها وعيها.
وقبل أن تسقط تشبث بها بأحكام.
ظل ينظر إلى وجهها وهي بين ذراعيه فاقدة للوعي ورأسها مائلة للخلف.
ورغم الحزن الذي يجتاحه من فراق جده إلا أنه شعر بغصة مميتة مؤلمة في قلبه لأجلها.
فأنحني قليلاً يحملها على ذراعيه ونزل بها إلى شقته.
وضعها بالفراش برفق شديد ثم وقف أمامها ووضع يديه في جيوبه بهدوء يتأملها.
ثم همهم بكلمات واهنة:
"عملتي في قلبي أي يا قُدس؟ أنا مش حمل وجع القلب يا بنت عمي"
غادر الغرفة حزينًا والحزن يكاد يقتله من فراق جده وقلقه على صغيرته.
أخذ حمام دافئ وخرج من المرحاض يجفف شعره المبلل بالمنشفة.
ليفزع عندما دلف إلى غرفته ورأى "قُدس" جالسة في فراشه.
فتنحنح بحرج وقال:
"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
تحدثت بنبرة خافتة وعيونها تملأها الدموع قائلة:
"ممكن أنام هنا النهار ده"
أبتلع لعابه بتوتر وترك المنشفة على المقعد المجاور بينما يقول بحرج:
"ما تنامي في سريرك حتى هو أكبر من ده وهتنامي براحتك"
"ارجوكي مش عايزة أنام لوحدي النهار ده"
قالتها بحزن ليؤمأ إليها بنعم.
ثم أقترب من الجهة الأخرى من السرير وصعد به مُحرجاً جداً من سريره الصغير.
أعطاها ظهره بهدوء وألتزم بحافة السرير تاركاً لها المساحة الباقية للنوم بأريحية.
لكنه تجمد محله وتشنجت أطرافه عندما لفت ذراعيها حول خصره ووضعت رأسها على ظهره تحتضنه من الخلف.
وعادت للبكاء الصامت وأنينها يصل لأذانه ودموعها الحارة بللت تي شيرته من الخلف.
فأستدار إليها ورأى وجهها الحزين تدفنه للأسفل ليطوقها بحنان ويعز عليه أن يراها منكسرة هكذا.
ربت على ظهرها بلطف حتى استسلمت للنوم وسط بكاءها.
فجففت دموعها بأبهامه ووضع قبلة على جبينها.
ثم وضع ذقنه فوق رأسها وغاص في نومه هو الأخرى لتكن ليلتهما الحزينة هي الأكثر قرباً بينهما.
***
جلست "مديحة" في غرفتها حزينة والدموع تنهمر على وجنتها من الفراق.
فتحت "آسيا" باب الغرفة وهي تقول:
"تعالي يا ماما أنا عملت فطار خفيفة عشان نقدر نقف على رجلينا اليوم ده كمان"
لم تُجيب والدتها ورفعت يدها تجفف دموعها.
أقتربت "آسيا" بدهشة ثم جلست بجوار والدتها وقالت:
"إنتِ بتعيطي يا ماما؟"
"أمال يا بنتي، ده عشرة عمري كله وراح"
قالتها بحزن ونبرة واهنة مُنكسرة.
ربتت "آسيا" على ظهرها بلطف وقالت:
"ربنا يصبركِ ويصبرنا، قومي كُلي لقمة عشان تقدري تقعدي مع الناس اللي جاية"
خرجت مع ابنتها بحزن تتكأ بيدها على ابنتها لتجد "هدير" و"وصيفة" على السفرة في شقتها.
وهكذا "ليل" و"خديجة".
جلست معهم في صمت.
جلست "آسيا" تضع الطعام أمام ابنتها والجميع صامتون لتقول:
"كُلي يا ليل يا حبيبتي... كُلوا يا جماعة، الصوم ده مش هيرجع اللي راح وأنتم ناس مؤمنة وكلنا رايحين"
تساقطت الدموع من عيون الجميع.
فهتفت "آسيا" بلطف:
"كُلي يا خديجة ده إنتِ جواز أمام جامعة وابنك أزهري ومؤمنة. متصعبيهاش علينا، مدوا أيدكم بسندوتش واحد حتى، يلا يا ليل يا حبيبتي وحدي الله وكلي سندوتش واحد مش هغصب عليكي بأكتر، متتعبيش قلبي معاكي كفاية اللي أنا فيه"
بدأ الجميع في تناول الطعام بصعوبة والحلق يرفض بلع اللقمة من الحزن والجوف يخاصم اللذة من غصة الفراق.
وبدأ يومهما الثلاث في العزاء وبدأت السيدات يحضرن والرجال وصوت القرآن يعلو ويملأ الشارع بأكمله.
جلس "عماد" على مقعده في صمت بعد أن ظهر في اليوم الثلاث وبعد أن أنتهي العزاء ورحل الجميع.
تحدث "عماد" بنبرة قوية يقول:
"بقولك إيه يا حج؟"
نظر "فؤاد" إلى ابنه بضيق.
وكانت "هدير" و"آسيا" يجهزون العشاء مع "سنية" و"وصيفة" منكمشة في مكانها بحزن ودموعها لم تتوقف.
وتجلس "قُدس" بجوارها حزينة وشاحبة.
تحدث "عماد" بعد أن نظر "فؤاد" له ولم يُجيب قائلاً:
"بما أن الثلاث خلص والحياة خلاص هترجع لأصولها وهننزل أشغالنا والمحلات هتتفتح"
رفع "فؤاد" نظره إلى ابنته وتوقفت "آسيا" عن ترتيب السفرة ووقفت تستمع باهتمام.
وهكذا "هادي" الذي ترك كوب الشاي من يده وانتبه.
تحدث "عماد" بجدية قائلاً:
"عايزين نكلم المحامي ونعمل إعلان وراثة وكل واحد ياخد حقه"
دهش الجميع من حديثه وانتبه البقية إلى الكلام الحادة التي ألقاها هذا الحفيد.
فتحدث "هادي" بنبرة غليظة يقول:
"كل واحد ياخد حقه، إيه الثقة اللي بتكلم فيها دي. ليكن لك حق ولا حاجة يا شمام"
أبتلع "عماد" لعابه بضيق ثم قال بنبرة حادة وتحدٍ:
"لا بس أبويا له وإنت عارف أبويا مالهوش في التجارة. لإانا هشيل أبويا"
"أخرس يا زبالة يا شمام، دلوقتي بقيت أبوك وعايز تورثني"
قالها "فؤاد" بحدة ثم تابع بغيظ شديد:
"ما تروح تدفني مع أبويا كمان يا واطي يا قليل الأصل"
تحدثت "آسيا" بغضب سافر من تفكير "عماد" قائلة:
"قاعد كدة وبتتشرط وبتقول إيه اللي هيتعمل وهتاخد إيه وأنت مالكش جنيه فيها. ما تظبط نفسك كدة يا حيلة أمك"
كز على أسنانه وبدأ يحك لحيته بهدوء غاضبة من رفض الجميع والإهانة التي يتعرض لها على يديهما.
ثم قال:
"أنا بدور على مصلحتكم، بكرة المحلات هتتفتح والشغل هيرجع. مسألتوش نفسكم يا عمتي مين اللي هيدير وهيأمر وينهي في كل حاجة. أجاوبك من غير ما تسألي الجارحي. يا ترى بقى الجارحي من الورثة الشرعيين ولا له جنيه؟"
صمت الجميع بعد كلماته الأخيرة.
فتبسم بخباثة على إسكات الجميع حتى أتاه صوت "الجارحي" من الخلف يقول بحدة صارمة:
"أه"
ألتف إلى الجميع ليقترب بخطوات ثابتة منهم حتى وقف أمام "عماد" مباشرة وقال:
"أه هيدير وهأمر وهنهي.. مالي وأنا حر فيه. ليك شوق فحاجة؟"
تنحنحت "آسيا" بضيق ثم قالت بعدم فهم:
"مالك اللي هو إزاي؟ المال ده مالي أنا وأخواتي يا جارحي"
نظر إليها بحدة وكبرياء ثم تحدث بنبرة غليظة قوية أرعبت الجميع:
"لا يا عمتي، كان مالكم قبل ما جدي الله يرحمه يكتبلي كل حاجة بيع وشراء"
أنتفض الجميع من هول الصدمة ووقف "هادي" من مكانه مصدوماً و"مديحة" توقفت عن البكاء.
ونظر إلى "الجارحي" فتحدث "عماد" بنبرة خافتة مُتلعثمة:
"إنت كذاب"
ضحك "الجارحي" بسخرية ثم قال بغرور استِفزازي:
"ده اللي بتتمنيه يا ابن أبويا، المحامي عندكم هيبلغكم بالوصية"
تحدثت "مديحة" بنبرة غليظة صارخة به:
"والوصية دي أنت عرفتها إزاي؟"
"أمال هوثق عقود البيع والشراء إزاي يا ديحة مش لازم أمضي، كل حاجة ملكي حتى حتة الجبنة اللي على السفرة دي ملكي وأنتوا هنا قاعدين في ملكي وبتاكلوا من مالي فأهدي على نفسك"
قالها بحدة صارمة ثم تابع الحديث:
"لحد ما تقعدوا مع المحامي بقي كل الأمور هتمشي زي ما هي واللى قاعد في شقة هيفضل فيها واللى له شهرية هتوصله وقبل ميعادها"
صمت الجميع ليحدق "الجارحي" بوجه أخيه.
وأقترب منه يهمس في أذنه:
"ده ضريبة العشرة مليون اللي طلبتهم مني. أديك مش هتطلع بعشرة جنيه"
نظر الجميع لبعضهم في صمت.
ليقاطع صمتهم وصدمتهم الكارثة الأخرى حين سمعوا صوت رجل من الخلف يقول:
"السلام عليكم"
ألتف "الجارحي" والجميع وكان "فتحى" يقف أمام باب الشقة.
فسأل "الجارحي" بهدوء:
"وعليكم السلام، مين حضرتك؟"
"مش ده بيت الأستاذ هادي حمدي أبو النور"
قالها بهدوء لينظر "هادي" إلى الرجل بدهشة وهو لا يعرفه.
بينما وقع نظر "فتحى" على "قُدس" التي وقفت من مكانها وأقتربت من زوجها تهمس في أذنه بلطف:
"جارحي أنا تعبانة خلينا نطلع"
أومأ إليها بنعم وقبل أن يتحدث رأى "فتحى" يقترب من "قُدس" ووضع يده على وجنتها قائلاً:
"سبحان الخالق"
مسك "الجارحي" يده بقوة غاضبٍ بسرعة البرق يمنعه من لمس زوجته وهو يقول بحدة:
"يا عم الحج أنت مجنون"
تنحنح "فتحى" بأحراج مما فعله وقال بأسف:
"أنا آسف يا ابني بس مصدقتش نفسي"
قاطعه "هادي" بحدة صارمة يكفي الكارثة التي حلت عليهم يقول:
"أنت مين وعايز إيه؟ أنا هادي"
تنهد "فتحى" بلطف وقال برجاء ونبرة رسمية مرتبة:
"أنا اسمي فتحى محفوظ صاحب شركة أدوات منزلية وجايلك فطلب وفى نفس الوقت عندي ليك أمانة ولازم أرد حافظت عليها 19 سنة"
لم يفهم أحد شيء.
فجلس "فتحى" ولم يهتم "الجارحي" بهذا الرجل وأخذ يد "قُدس" ليغادر.
فأستوقفه "فتحى" بلطف يقول:
"يا أستاذ ممكن لحظة وتحتضرنا أنت والأنسة"
"مدام"
قالها "الجارحي" بحدة وجلس هو الأخرى وبجواره "قُدس".
فبدأ "فتحى" الحديث قائلاً:
"أنا زي ما قلت لحضرتك أسمي فتحى محفوظ صاحب شركة أدوات منزلية. عندي اتجوزت وأنا عندي 19 سنة وربنا مقسمليش الخلفة ورضيت بقسمة ربنا 20 سنة لحد ما ربنا بعتلي هدية من عنده طفلة زي القمر وربيت بالحُب والخير وبما يرضي الله. لكن بعد 19 سنة أراد ربنا يختبرني وابتلاها بمرض مالهوش علاج"
قاطعه "هادي" بحدة وهو الآن به ما يكفي من القصص قائلاً:
"أنا دخلي إيه؟"
"إنتِ اسمك يا ست البنات"
قالها وعينيه تحدق بـ "قُدس" بإعجاب.
فتنحنحت بحرج وتشبثت بذراع زوجها.
ليقول "الجارحي" بحدة صارمة:
"ما تخليك في حالك يا حج، أنا صبري له حدود"
"يا ابني أنا مش بعاكسها، أنا عندي زيها"
قالها بلطف ثم رفع نبرته أكثر وهو يقول:
"ليـــــــان"
نظر الجميع نحو الباب ليروا فتاة تدخل من باب الشقة نسخة طبق الأصل من "قُدس".
وكان ظهورها أمام الجميع كافي لتتجمد ألسنتهم وعقولهم.
حدق الجميع بها وكانت فتاة بنفس حجم الصغيرة، ضئيلة ونحيفة وتحمل عينيها الخضراء وبشرتها البيضاء مرتدية بنطلون جينز وتي شيرت أبيض بحذاء رياضي أبيض اللون.
وقف "هادي" مذهولاً من مكانه.
بينما "قُدس" حدقت بها بفزع وأقتربت منها بخطوات هادئة وتشعر بانها تقف أمام المرآة.
لتضع يدها على وجنتها بخوف لتصرخ بفزع وهي تقول:
"اااااه دي حقيقية"
سخرت "ليان" وعينيها تحدق بـ "قُدس" قائلة:
"أمال عروسة بلاستيك"
"تعالي يا ليان"
قالها "فتحى" لتقترب الفتاة منه وتجلس جواره بهدوء والجميع يحدقون بها.
فقالت بتذمر من عيونهما:
"براحة عينيكم هتخرم"
تنحنح "فتحى" بهدوء ثم نظر إلى "هادي" وقال:
"أنا من 20 سنة طلبت من دور الأيتام أني اتبنى طفل أربي أنا ومراتي بما أن ربنا مقسملناش الخلفة والكلام اتنقل من مكان لمكان وفضلت سنة مستني لحد ما في يوم مراتي اتحجزت في المستشفى ودردشت مع ممرضة هناك وساعتها الممرضة عرضت أنها تجبلها طفلة من المستشفى من اللي بتيجي في الحوادث وأنا رفضت لحد ما في يوم الممرضة قالت أن في طفلة اتولدت وامها وابوها ماتوا في حادثة اتوبيس وأنا خدت الطفلة"
كان "هادي" يستمع للحديث وعينيه تنظر على "ليان".
بينما فهم "الجارحي" ما حدث جيداً وخصيصاً أن الجميع كان يعرف بأن زوجة "هادي" كانت حامل بتوأم.
فتحدث بنبرة جادة:
"الخلاصة أن الممرضة دي سرقت التوأم من الولادة وجابتهالك وحضرتك جاي النهار ده ترجعها"
تنحنح "فتحى" بحزن وشعر بإذلال وإهانة من حديث "الجارحي".
لتُجيبه "ليان" بنبرة قوية مُشمئزة من حديثه:
"عشان أفهم بس أنت مين في القعدة الحلوة دي"
رمقها "الجارحي" بهدوء ثم قال بجدية:
"إنتِ كنتِ هنا في المهندسين من ثلاثة أسابيع"
"وإنت مالك"
قالتها ببرود وكأنها الآن مع ظهور النسخة الأخرى فهم سبب وجود "قُدس" في مكانين في نفس اللحظة.
أدركت "قُدس" سبب حقيقة الصور وأتهام الجميع لها فقط لأن هناك من تشبهها بهذا القدر.
تحدث "فؤاد" بهدوء قائلاً:
"أنا فهمت إزاي بنت أختي وصلت لك، لكن مفهمتش سبب رجوعك تقول أنها بنتنا، يعني ليه قررت تضحي وتتنزل عن بنتك اللي ربيتها"
دمعت عيني "فتحى" بحزن.
لتتحدث "ليان" بجراءة وأشمئزاز:
"عشان عندي لوكيميا وفي مرحلة أخيرة وعلاجي الوحيد نخاع من دي"
قالتها ببرود شديد وهي تشير بيدها على "قُدس" توأم الوحيد والذي تحمل النخاع المتطابق بنسبة 100 %.
مما أصدم الجميع ووقف "الجارحي" غاضباً من مكانه وهي تتحدث عن حياة زوجته.
وقال بعناد صارخ:
"نجوم السماء أقربلك.. قوم يا قُدس"
وقفت "قُدس" من مكانها وعينيها تحدق بوجه أختها وشعرت بحنان وشيء يجذبها إلى أختها.
لتقول "ليان" ببرود:
"قوم يا بابا خلينا نمشي من هنا، أنت فاكر كل الناس بطيبة قلبك"
وقفت من مكانها وغادرت أولى.
لتضرب "الجارحي" في كتفه أثناء مرورها.
لكن لسوء حظها الذي لم يحالفها أمامهم فقدت وعيها بسرعة البرق أمام باب الشقة.
رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نورا عبد العزيز
كان الجميع فى المنزل تحتلهم صدمة الورث الذي ذهب هباءً على سهو لأجل "الجارحي"، حتى أبناء الرجال حرمهم "حمدي" من الورث لصالح حفيده المقرب، لم يتحرك ساكنٌ لأحدهم سوى "هادي" الذي ركض مع "ليان" و"فتحي" إلى المستشفى.
وقف بالخارج ينتظر فحص الطبيب بقلق، ولا يعلم إن كان يملك فتاة أخرى الآن وسُرقت منه رضيعة.
جاءت "قُدس" ركضًا مع زوجها حزينة، وفكرة أنها تملك توأم ظهر فجأة مُرعبة.
سألت بقلق وعيني دامعة:
_ بابا هي كويسة؟
نظر في وجه "قُدس" بحزن وعتاب يمزق ضلوعه. تذكر الضرب المبرح الذي عرض أبنته الجميلة له، وكيف مرت ثلاثة أسابيع عليها تعالج الكدمات والجروح الذي سببها لها لأجل صورة خطأ، وقد أدرك حقيقتها الآن. شعر بغصة تؤلمه وعينيه تنظر في عيني "قُدس" بأسف نادمٍ على ما فعله سابقًا بها وعدم ثقته بها.
وضع يده خلف رأسها ثم قبل جبينها بأسف. فنظر "الجارحي" إلى زوجته بعفوية وقد فهم سبب فعل والدها الآن.
تحدث "هادي" بأسف شديد قائلاً:
_ حقك عليا يا قُدس.
هزت رأسها بلا وقالت بضعف:
_ لا يا بابا متعتذرش. أنا مش زعلانة منك وأنت من حقك تعمل أي حاجة. أنت مهما كان بابا وأنا هفضل بنتك.
تنهد بهدوء. فنظرت إلى "فتحي" بهدوء وقالت:
_ هي اسمها إيه؟
_ ليان.
قالها بأنكسار وحزين يمزقه من حالة ابنته. فنظر إلى "الجارحي" بضعف بعد أن رفض العلاج ثم قال:
_ أنا آسف على الدربكة اللي عملناها، بس أنا أب بيشوف بنته بتموت بالبطيء. ولما عرفت أن في أمل وعلاج مترددتش لحظة، مع أني واثقة أنها هتتأخد مني.
صمت الجميع. حتى خرج الطبيب ووضح بحديثه من جديد:
_ للأسف الحالة بتتأخر أكتر والعلاج الكيميائي ضعيف، ولازمها زراعة النخاع في أقرب فرصة.
تنهد "فتحي" بحزن وشعر بدن "قُدس" بضعف خوفًا على أختها. فتشبثت بيد "الجارحي" بيأس وقالت:
_ جارحي، اتصرف.
نظر إلى صغيرته بجدية صارمة. وفي هذه اللحظة العاطفة لن تأتي بالخير لها هي وجنينها.
رفضت "ليان" البقاء في المستشفى وأصرت على الخروج رغم معارضة الجميع. ثم قالت:
_ روحوني لماما.
نظر "فتحي" إليها بعيني باكية ثم قال بيأس:
_ حاضر يا نن عيني.
ضغطت "قُدس" على يد زوجها برجاء. ليقول بهدوء ونبرة قوية:
_ الشقة اللي في الثالث عندنا فاضية، ممكن تنورنا فيها.
نظر "هادي" إلى "الجارحي" بضيق وهو يتحكم في كل شيء، لكنه الآن في كارثة أكبر من المال. نظر إلى "فتحي" وطفلته الأخرى ثم قال:
_ ياريت على الأقل ليان تتعرف على أهلها.
_ أنا ماليش أهل وأهلي اللي ربوني وكبرت معاهم، مش اللي أتخلوا عني.
قالتها بحزم شديد. ثم نظرت إلى "فتحي" الذي قال بحدة:
_ ليان عيب كده من امتى وإنتِ قليلة الذوق مع الناس كده.
تنحنح "هادي" بلطف ثم قال بحنان:
_ أنا متخلتش عنكِ، إنتِ اتسرقتي مني من غير ما أعرف بوجودك، ولازم تكوني فاهمة ده.
أقتربت "ليان" خطوة منه وعقدت ذراعيها أمام صدرها بغرور وقالت:
_ حضرتك أنا دكتورة، عايز تفهمني إن مراتك دخلت تولد وإنت متعرفش اللي في بطنها واحد ولا اتنين؟ مسألتش على التاني ليه؟
أقترب "فتحي" من ابنته ومسك كتفيها بحنان ثم قال بنبرة خافتة:
_ خلاص يا ليان مش هنقلب في الماضي هنا، خلينا نروح عشان ترتاحي وبعيد نقعد ونتكلم براحتك...
***
تحدثت "آسيا" بانفعال شديد قائلة:
_ يعني إيه؟ يعني خلاص كده كله راح؟ لا دا أكيد أبويا اتجنن رسمي.
_ احترمي نفسك وإنتِ بتتكلمي عن أبوكِ.
قالها "فؤاد" بحدة صارمة. فنظرت "هدير" إليه وهكذا "مديحة" التي تحدثت بطريقة هجومية قوية:
_ اخرس خالص، أبوك مش بس اتجنن يا ابن بطني دا اتلحس في دماغك، أكلك كله راح بحزمة المعلم للجارحي ابنك. راجل التقوي والأزهر وهو قبل عادي مالكم ومالنا.
وقف "فؤاد" من مكانه بضيق من طريقة حديث والدته ثم قال:
_ أنا ابني مش حرامي، وأبويا حر في ماله، مش مالنا دا اللي كنتِ عايزة تديه للحيلة عماد ننوس عين سته وجبتي أجل الراجل بسببه. لتكوني فاكرة أنني منعرفش أنك السبب وفلوسك هي السبب أهي راحت. أشبعي يا ديحة.
تمتمت "هدير" بصدمة وعدم استيعاب للأمر قائلة:
_ بس الجارحي ميعملش كده، الجارحي عمره ما قبل بحاجة مش له.
قهقه "عماد" بسخرية على حديثها ثم قال بضيق:
_ إنتِ يا عمتي لسه مقتنعة باللي بتقوليه ده؟ الجارحي طول عمره حرامي وبيأخد اللي مش له. وهنروح بعيد له ما هو خد قُدس. مين يا أبا اللي جالك الأول فين وقالك إنه رايد قُدس وعايز يتجوزها؟
صمت "فؤاد" بضيق شديد. ليصرخ "عماد" بغضب سافر قائلاً:
_ مين يا أما اللي جالك وقالك إنه عايز قُدس في الحلال ورايدها يمكن يتصلح حاله على إيدها عشان حبها عشش في قلبه.
صمتت "خديجة" هي الأخرى. ليتابع "عماد" بقهرة تحتله من فقد فتاته وقال:
_ الجارحي طول عمره بأخد اللي مش له. ولو على الأزهر اللي هو متخبي جواه فدا مجرد قناع لبسه عشان يغفلنا كلنا. كلكم كارهني عشان أنا راجل صريح بعمل اللي عايزه في النور، لكن عاشقين الجارحي وبتقولوا فيه أشعار عشان مخادع.
_ أشجيني وأي كمان يا ابن أبويا.
أتاه صوت "الجارحي" من الخلف. فالتف الجميع على صوته ونظروا إلى "الجارحي" بغضب وكره شديد. بينما "عماد" نظر إلى "ليان" التي تحملق بهم ببرود وكانت نسخة طبق الأصل من "قُدس" لكن ملامحها تملأها الجراءة والقوة على عكس "قُدس" التي تحتل ملامحها البراءة والعفوية.
تحدث "الجارحي" بغرور قائلاً:
_ إيه الصدمة طيرت النوم من عينكم ولا بتخططوا تخلصوا مني إزاي؟ ما أنا عارفكم يا عائلة أبو النور. لا وما شاء الله زعيم العصابة عماد بيه.
تأفف الجميع بصمت. فتحدثت "مديحة" بنبرة جادة تقول:
_ اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل يا جارحي وثمنه كبير قوي.
_ خافي يا ديحة بعد ما تخلصي مني تلاقيني بايع الأملاك لجميعات الخيرية.
قالها بسخرية من حديثها. لتتابع "آسيا" تهديد والدتها قائلة:
_ أنت قبلت مالنا بس ورحمة أبويا اللي ركبك علينا يا جارحي ما هتتهني به يوم واحد.
سمع الجميع صوت "ليان" تقول بسخرية إلى أختها بأشمئزاز:
_ هي دي عائلتك؟ دي عائلة زبالة قوي.
نظر الجميع إليها بدهشة من وقاحتها. فرفعت يدها ببرود وقالت بلا مبالاة:
_ هاي أنا دكتورة ليان بيقولوا توأمها.
قالتها وهي تشير على "قُدس". لم يرحب أحد بها. بينما تحدث "عماد" بنبرة هادئة:
_ ليــــــــــــــــــان.
نظر "الجارحي" له نظرة ثاقبة وقال بتهديد صريح وواضح قائلاً:
_ إياك تفكر تقرب منها. كلامي واضح.
أستدار إلى باب الشقة وأشار على شقة "وصيفة" المقابلة ثم قال بهدوء:
_ دي شقة الحاجة وصيفة جدتك، وأعتقد دي الشقة الوحيدة اللي هترحب بوجودك في العائلة دي.
صعدوا للأعلى حتى وصلوا إلى الشقة الموجودة في الطابق الثالث. وأعطاهم "الجارحي" المفتاح ثم قال:
_ يزيد زمانه على وصول يكون جاب والدتك من الفندق، ودا المفتاح. الشقة اللي قصادك بتاعت والدك أستاذ "هادي"، أما فوق شقتي.
دلفت "ليان" دون ان تعبر عن أي شيء. فنظر "فتحي" بحرج إلى "الجارحي" وزوجته التي تقف تتمنى أن تتحدث أختها قليلاً، لكن "ليان" حادة جداً. فقال بحرج:
_ معلش هي مصدومة من ساعة ما عرفت أن ليها أهل غيرنا، ومن ساعتها وهي شرسة كده حتى معايا أنا ووالدتها.
تحدث "الجارحي" بهدوء ويده تحيط كتف زوجته:
_ مفيش أعذار بينا، يكفي أنها أخت قُدس ودا كافي أني أرحب بها وأشيلها فوق دماغي. وخدوا راحتكم في الشقة، أعتقد هنا وسط أهلها أفضل من الفندق اللي كنت حاجز فيه.
أومأ إليه بنعم. بينما سألت "قُدس" بلهفة وعفوية تغمرها قائلة:
_ هو أنا ممكن أتكلم معاها شوية الصبح لما تهدأ؟
تبسم "فتحي" بعفوية وقال بنبرة دافئة:
_ أكيد طبعًا دي اختك.
أومأت إليه بنعم. ثم صعدت إلى الشقة مع زوجها الذي دلف إلى غرفته في صمت. ذهبت خلفه وفتحت الباب لتراه ينزع قميصه. ليغضب من فعلها ووضع القميص من جديد على صدره قائلاً:
_ مش تخبطي قبل ما تدخلي يا قُدس.
تذمرت على حديثه وعقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق وقالت بحدة:
_ أنا مراتك.
_ شوف إزاي ومن امتى إن شاء الله.
قالها بسخرية وهو يقترب منها بخطوات ثابتة وقميصه مفتوح يظهر عضلات صدره. فقالت بعناد أكثر:
_ جارحي مش وقت خالص التريقة دي، أنا لازم أتكلم معاك.
تنحنح بضيق بعد أن وصل أمامها ورأى وجنتيها أحمرت من الخجل وأنفها الباردة تلامس صدره العاري من شدة قربه. وهو يحاصرها في الباب وأنفاسها تضرب عضلات بطنه القوية. لتقول بتلعثم:
_ أحم.. جارحي لو سمحت في كلام كتير لازم.. يعني قصدى في حاجات حصلت النهاردة لازم نتتكلم فيها سوا.
رفع يده إلى خصرها يداعبه بنعومة وعينيه تحملق بعينيها الخضراء التي تتحاشي النظر له. فمسك ذقنها بيده الأخرى ورفع رأسها حتى تتقابل هذه العيون الهاربة معه. تحدثت بنبرة خافتة:
_ حلوة كلمة سوا منك.
أبتلعت لعابها بحرج مرتبكة وقشعريرة كهربائية تضرب جسدها من لمساته وعينيه التي تسحرها. ودقات قلبها تتصارع منذ نعومة أظافرها وحبه أحتل قلبها الصغيرة ببراءته وسيطر عليه. والآن هذا الأحمق المعشوق يذيبها بهواه دون أن يبالي بحال قلبها. شعر بخفقان قلبه من جمالها وأنفاسها التي تضرب صدره كخنجر العشق الذي شق صدره حتى يصل لقلبه الصلب. لأول مرة يشعر بدفء ونعومة هذا الشعور العذاب في حياته. وكأن صغيرته الجميلة أسرته الآن بين قبضان عشقها وجعلته سجينًا لهذا العشق. رغم الكوارث التي حلت بهم وأحداث اليوم العصيبة، لكنه لا يبالي بشيء سوى بإعجابه الواضح بدقات قلبه لأجلها. فقال بخفوت:
_ قُدس أنا..
لم يتمالك أعصابه أكثر أمامها، فانحنى ليضع قبلة على وجنتها الحمراء، كانت ساخنة كاللهب من خجلها. يده تعتصر خصرها بحنان، وبدأت قبلاته تتسلل إلى عنقها، لتقاطعه "قدس" بنبرة حادة رغم سعادتها لهذا القرب بينهما، تقول:
_ أنت مش موافق ليه على علاج ليان؟
أبتعد بذعر وكأنها صعقته بالكهرباء، لينتفض جسده بعيداً عنها، وحدق بعينيها ثم قال بسخرية:
_ إنت بجد مش عارفة؟
نظر إليه مندهشة من نفضته وكأن حديثها أغضبه، لدرجة أن تتحول ملامحه من الحب والدفء إلى الغضب، وعينيه تحولت للخنق ويتطاير منها الغضب. سألته بضيق:
_ بس إنت سمعت الدكاترة قالوا إن مفيش علاج ليها غيري.
_ واللى فى بطنك يا قدس.
سألها بنبرة قاسية وصوت مرتفع أرعبها، لتقول:
_ إحنا حتى مسألناش ينفع ولا لأ. إحنا المفروض على الأقل نأخد برأي الدكاترة، وأكيد لو قالوا إن مينفعش مش هخترع الذرة أنا وأقول إن ينفع. بس على الأقل بيني وبين نفسي أبقى حاولت عشان لو جرالها حاجة ميعيش عمري كله حاسة بالذنب تجاهها.
أستدار يعطيها ظهره ويمسح على رأسها بضيق، وأصابعه تتخلل بين خصلات شعره الناعم. أقتربت أكثر منه ومسكت يده بحنان وأدارته إليه، فنظر إلى وجهها بصمت، لتقول:
_ خلينا بكرة نحاول محاولة وأروح معاك للدكتور ونسأله، حتى من وراء الكل مش لازم نقول لحد، وبعدها نقرر مع بعض هنعمل إيه.
_ مش هجازف 1% بحياتك يا قدس.
قالها بحزم، فتأففت بضيق شديد، ثم قالت بنفاد صبر وغيظ:
_ متبقاش عنيد يا جارحي. أنت بترهن كده بحياة أختي.
ضرب كفاً بكف من الغيظ وقال ساخراً:
_ هتقولي أختي؟ قدس إنت متعرفهاش.
_ مش هتقدر تنكر إنها أختي.
قالتها بضيق، ثم تابعت بغضب وعقدت ذراعيها أمام صدرها:
_ هو الورث باسمك كله؟
رفع حاجبه بضيق ثم قال بكبرياء:
_ آه.
أخذته من يده بلطف وجعلته يجلس على السرير بحنان، وجلست قربه وهو يراقبها عن كثب من تصرفها، وقالت:
_ ممكن ترجع الورث ليهم؟ أنا خايفة عليك.
نظر إلى وجهها بدهشة وعينيها على وشك البكاء، ثم قال بذهول:
_ خايفة عليا بجد؟
_ هيأذوك يا جارحي. إنت ناسي عملوا فيك إيه قبل كده.
قالتها بحزن والخوف يحتل ملامحها لأجله. رفع يده إلى وجهها يلمس وجنتها، لتنظر إليه بحنان، فقال بنبرة خافتة:
_ متخافيش يا ملاكي. جوزك أسد.
تساقطت دموعها من الخوف، ليجفف هذه الدموع بحنان وقال بلهفة:
_ تؤ تؤ متعيطيش يا قدس. حاضر هعملك اللي عايزاه وهرجع لهم الفلوس. متعيطيش بس عشان دموعك دي غالية أوي.
تبسمت بسعادة لأستجابته لحديثها، وأنتفضت من مكانها تعانقه وتشبثت بعنقه بفرحة تغمرها. تبسم بعفوية على فعلها وطوقها بحنانها، ليشعر بسلام وأمان لم يشعر بهما من قبل. انتبهت لفعلتها وحاولت الأبتعاد عنه، لكن لم تقوى على الإفلات من يديه، وشعرت بأنفاسه تضرب عنقها، وتشبث بها كطفل صغير، فظلت بين ذراعيه بخجل، حتى انتفض جسدها بقشعريرة من قبلته التي طبعها على عنقه، وتوالت القبلة لأخرى، فأغمضت عينيها بأستسلام وتكفى عن عنادها معه الليلة، بعد أن تنازل هو الأخرى عن كبريائه وغطرسته معها.
***
تفحصت "ياسمين" الشقة بدهشة ثم قالت:
_ معقول دي عائلتها؟
تحدث "فتحي" بأحراج قائلاً:
_ آه، بس مش ده المهم. المهم إن جوز أختها رافض إن مراته تتبرع بالنخاع لأن اللي فهمته إنها حامل.
دهشت "ياسمين" وجلست قرب زوجها وقالت بتلعثم:
_ هي أختها متجوزة في السن الصغيرة دي وكمان حامل؟
هز رأسه بنعم ثم قال بقلق احتل قلبه مما رآه اليوم:
_ أنا قلبي مش مطمن للعائلة دي. كانوا بيأكلوا بعض في الكلام والحالة مش مطمئنة خالص.
نظرت "ياسمين" إلى "ليان" التي تجلس على الأريكة بعيداً عنهم وتنظر في هاتفها بلا مبالاة وقالت:
_ وليان؟
نظر إلى ابنته وقال بضيق شديد:
_ مقربتش حتى من أبوه ولا أختها. مشوفتش في عينيها أي حنية أو لهفة لأختها أو أبوها، بالعكس شرسة جداً معاهم وعنيدة. كنت حاسس إنها مجبورة عليهم، أو يمكن هي مش عايزة تحسسهم إنها هتموت عليهم، أو كبرياؤها مانعها تطلب منهم يتبرعوا بالنخاع ليها، حتى لو هتموت مش هتترجى حد.
تنهدت "ياسمين" بضيق وقلق على ابنتها. بينما "ليان" كانت تمسك هاتفها وبطاقة عمل "جلال" ودونت رقمه في الهاتف مترددة في الاتصال به، ليقاطع حيرتها رنين الهاتف باسم صديقتها، فأجابت عليها بضيق قائلة:
_ أيوه.
_ عرفتي اللي حصل؟
قالتها صديقتها بفزع يحتل نبرة صوتها، فسألت "ليان" ببرود وعدم اهتمام:
_ إيه اللي حصل يا نشرة الأخبار؟
_ أيمن اتقتل.
قالتها صديقتها لتفزع "ليان" من مكانها وقالت بصراخ:
_ إيه؟
_ والله زي ما بقولك لاقوه مقتول في حمام الجيم اللي بيروحه.
قالتها صديقتها لتفزع "ليان" وتذكرت فوراً حديث "جلال" عن إنقاذه لها من أصدقائها، وحين رأته يقتل الرجل بدم بارد، فأغلقت الخط في وجه صديقتها بدون كلمة واتصلت على "جلال".
***
( شركة الجوكر للحراسات الأمنية )
كان "جلال" جالساً في مكتبه يباشر عمله، حتى قاطعه رنين هاتفه برقم مجهول، فأجاب ببرود قائلاً:
_ الو.
_ أنا عايزة أشوفك.
قالتها "ليان" بحدة صارمة، فترك القلم من يده بلهفة أصابته من سماع صوتها، أخيراً الصغيرة المتمردة تنازلت عن كبريائها واتصلت به بعد 3 أسابيع، فتبسم بكبرياء وقال بغرور مصطنع:
_ اشمعنى؟
صرخت "ليان" في الهاتف حتى أوشكت على اقتلاع أذنه من الصراخ قائلة:
_ أنا قلت عايزة أشوفك.
أعطاها عنوان الشركة ثم قال بهدوء:
_ معاك ساعة و.....
أغلقت الهاتف معه دون سابق إنذار، ليكز على أسنانه بضيق شديد من تصرفاتها الوقحة، وتنهد بهدوء.
***
خرجت "ليان" من الشقة بضيق وهي تفكر في شيء واحد، قتل "أيمن"، وإذا كان توقعها صحيح، فلماذا فعل "جلال" ذلك؟ تقابلت مع "قدس" في المصعد، فلما لا تبالي بأختها، التي تبسمت بلطف لأجلها وقالت:
_ صباح الخير.
_ أهلا.
قالتها "ليان" ببرود. تنحنحت "قدس" ببراءة وقالت ببسمة مشرقة تنير وجهها:
_ إنتِ خارجة؟
تأففت "ليان" إليها والتفت نحوها ثم قالت بضيق:
_ يكون في علمك أنا معنديش أي مشاعر تجاهك، وجوا الأخوة اللي جواكِ دا له وقته، ويومين ثلاثة كده والموضوع هيروح لحاله، اهدئي على نفسك.
شعرت "قدس" بأحراج من أختها وخيبة أمل أصابتها، فألتزمت الصمت. خرجوا الإثنين من المصعد، وأبتلعت "قدس" لعابها بتوتر عندما رأوا "عماد"، لكن "ليان" لم تبالي ومرت، بينما "عماد" أستوقف "قدس" حين مسك معصمها بضيق وقال:
_ قدس.
حاولت إفلات يدها منه وقالت بضيق:
_ سيب أيدي. سيبني أنا مش عايز أسمع منك حاجة.
_ عقلي جوزك يا قدس وقوليله يرجع اللي سرقه.
قالها بعناد وغضب ويده تضغط على معصمها بقوة، فتألمت بضيق شديد وقالت بغيظ:
_ أبعد عني. وبعدين متحسسنيش إن اللي معاه بتاعك، وجوزي مش حرامي. أبعد كده.
لم يتركها وأستشاط غيظاً من دفاعها عن "الجارحي"، ليصدم عندما تلقي ضربة على رأسه بقوة من الخلف جعلته يفلت "قدس". فنظر الإثنين، وكانت "ليان"، فشعرت "قدس" بالخوف على أختها، بينما "ليان" قالت بضيق وغضب:
_ لما أقولك أبعد عني يبقى تبعد عنها.
نظر "عماد" بدهشة إلى "ليان" وكاد أن يتحدث، لتصدم بركلة قوية في ركبته أسقطته أرضاً، وتابعت تهديدها بوضوح:
_ مش رجولة إنك تستقوي عليها في غياب جوزها. وإنت غبية بتأخدي وتدي معاه في الكلام، اديله على دماغه على طول بجزمتك.
أستغل "عماد" حديثها إلى "قدس" ووقف غاضباً من ضربها له، ورفع يده يحاول رد الضربة له، لتصدمه بقلم سحبته من جيبه ووضعته على عنقه بتهديد واضح وقالت:
_ 3 سم كمان وهنترحم عليك. أنا دكتورة وممكن أترحّم عليك قضاء وقدر عادي جداً، لأني دكتورة جراحة معنديش ضمير. جرب تقرب منها تاني وأنا هفرجك مهارتي اللي صرف أبويا عليها فلوسه.
أخذت "قدس" في يدها وخرجت بها من العمارة، و"قدس" مندهشة جداً من جراءة أختها وقوتها، لتصفق لها بسعادة وقالت بإنهيار:
_ ووووااااووو إنتِ شاطرة جداً.
ممكن تعلميني؟
رفعت "ليان" حاجبها بغرور ثم نظرت للجهة الأخرى بضيق وتمتمت بعبوس:
_ لسه فى حد ببراءتك وطيبتك فى الزمن دا.
تبسمت "قدس" عليها بعد أن سمعتها ثم قالت برحب وسعادة تغمرها جاعلة قلبها يرفرف بسعادة:
_ لو طلعت بنت هسميها ليان.
ألتفت "ليان" لها تنظر فرأتها تمسح على بطنها الصغيرة بحنان وتقصد طفلتها لتشعر بفرحة بداخلها أخفتها بمكر ثم غادرت فتبسمت "قدس" بعفوية وصعدت بسيارتها مع "يزيد". أنطلق بها فقاطعت الصمت السائد بينهما:
_ عملت إيه فى اللى طلبته؟
_ أديني يومين كمان بس ورا مصيبة هعرفها وأقولك.
قالها بجدية فأومأت بنعم ثم قالت:
_ على راحتك متستعجلش. أنا مش فاضية لليل دلوقتي.
***
وصل المحامي إلى مكتب "الجارحي" وكان جالسًا معه هو "فؤاد" و"هادي" ثم قال بجدية:
_ معلم جارحي أنت متأكد من اللي بتعمله دلوقتي؟ الورق دا أول ما توقع عليه وتسجله في الشهر العقاري مش هتبقى تملك شيء في الثروة كلها.
_ آه. عارف بس زي ما اتفقنا الورث هتقسم بالنص بين عمي هادي وأبويا. أما عماتي بقي فنصيبهم مع إخواتهم هم أحرار.
قالها بجدية صارمة. نظر إلى "فؤاد" بضيق ثم قال:
_ جدي رفض يكتب لك جنيه عشان عماد هيأخده منك لو مكنش بالرضا هيبقى بالقوة وعمل كل دا عشان الورث والمال ميضعوش.
_ دا الصح يا جارحي.
قالها "هادي" بهدوء ونظر إلى المحامي الذي يسجل البيانات بالبطاقات الشخصية على الأوراق فنظر إلى الورق وقال بهدوء:
_ مش باقي غير إمضيتك يا معلم جارحي.
سأله "هادي" بهدوء متعجبًا من تنازله عن كل شيء:
_ ليه يا جارحي؟ إيه اللي غير رأيك؟
وقع الورقة الأولى وهو يتمتم بجدية مجيبًا على سؤاله:
_ عشان قدس.....
***
كانت "قدس" نائمة على السرير في غرفة الطبيبة وتنظر إلى صغيرها بسعادة في الشاشة وقد بدأ يكبر حقًا وسمعت صوت نبضاته فسألت "قدس" بسعادة:
_ هي بنت ولا ولد؟
أجابتها الطبيبة بعفوية قائلة:
_ لسه بدري يا مدام قدس وبعدين دول توأم.
أتسعت عيني "قدس" بدهشة أذهلتها وقالت بتلعثم:
_ توأم!!
ضحكت الطبيبة على رد فعلها وقالت بعفوية:
_ معقول متعرفيش دا أول حاجة بتظهر.
هزت رأسها بلا ونظر للشاشة بسعادة أكبر وتذكرت أختها التوأم لتكبر بسمتها أكثر. دق الباب فأستئذنت الطبيبة بلطف قائلة:
_ عن إذنك ثواني وهرجع لك.
خرجت الطبيبة وكان هناك سيدة على وشك الولادة تصرخ من الألم وتتلوى في الأرض فبدأت الطبيبة تفحصها ونقلتها للغرفة المجاورة. تبسمت "قدس" بسعادة ومسكت هاتفها تتصل بوالدها الذي كان يجلس أمام "الجارحي" فأجاب بجدية يقول:
_ خمسة يا قدس وهكلمك.
أجابته بسعادة وهى تقول بحماس يغمرها:
_ أنا حامل في توأم يا بابا.
تبسم والدها بسعادة وعينيه على "الجارحي" الذي يوقع الأوراق. قاطعها صوت باب الغرفة يفتح لتصدم عندما ظهر سيدتين فقالت بتوتر:
_ أنتوا مين؟
سحبتها سيدة من فوق الفراش بقوة لتصرخ بألم حتى وصلت صرختها إلى والدها الذي وقف من مكانه وهو يقول:
_ قدس... في إيه؟
رفع "الجارحي" رأسه بعد أن سمع صوت والدها ينادي بأسمها. مسكتها واحدة من ذراعيها للخلف والأخرى أظهرت حجر ضخم من ملابسها لتفزع "قدس" وهى تصرخ تقول:
_ إنتِ هتعملي إيه.....
وضعت السيدة يدها على فمها تمنعها من الصراخ وبدأت تضرب بطنها بقوة والصرخات سجينة بين جوفها والألم يمزقها لتتساقط الدموع منها كلما تلقت ضربة وصدمة تسيطر عليها وهى تفقد أطفالها الآن وأتسعت عينيها من الألم مع كل ضربة. سحب "الجارحي" الهاتف من يد والدها وقال:
_ قدس..
صدم عندما سمع صوت صرخة مكتومة متألمة. رفعت السيدة يدها عن فمها عندما رأت الدماء تسيل من بين قدميها وتركوها على الأرض تنازع الموت من فقد أطفالها لتقول أحدهما بجدية:
_ دا جزاء اللي يأخد حاجة مش بتاعته.
سمعها "الجارحي" ليكز على أسنانه بغضب ناري أنفجر بداخله ليمزق كل الأوراق بقوة أمام المحامي وخرج من المحل كالثور الهائج ويتصل بـ "يزيد" الذي ينتظر أمام العمارة فركض كالمجنون إلى الأعلى وعندما دلف رغم معارضة الممرضة صدم عندما رآها على الأرض غارقة في دمائها وصرخت الممرضة بذعر وركضت تنادي الطبيبة. رفع "يزيد" رأسها للأعلى بفزع ويقول:
_ مدام قدس.
تمتمت بصوت مبحوح:
_ ولادي!!
فقدت الوعي على ذراعه مما أفزعه ودلفت الطبيبة إليها فصدمت من حالتها وبدأت تفحصها وأخرجت "يزيد" للخارج الذي تلقى ركلة قوية في قدمه من "الجارحي" فور وصوله وقال:
_ قدس لو جرالها حاجة مش هيكفيها رأسك.
كان "يزيد" مصدومًا ويشعر بالندم لأنه تركها وحدها وبسبب تقصيره وصلت إلى هذه الحالة. فتح "الجارحي" الباب ودلف غاضبًا والخوف يحتله فرأى الطبيبة تعلق لها المحلول ومحبوبته فاقدة للوعي ليتمتم بصوت مبحوح مرعوبًا عليها:
_ قدس.
ألتفت الطبيبة لها بحزن يحتل وجهها وقالت بندم:
_ أنا آسفة جدًا. للأسف الجنين نزل.
تساقطت دمعة من عينيه بحزن شديد وهو يرمق صغيرته فسأل بلهجة واهنة:
_ وقُدس.
_ هتكون كويسة إن شاء الله.
قالتها بحزن مشفقة على حالة الصغيرة التي تحولت فرحتها إلى فراق. أقترب من زوجته ووضع المحلول على بطنها ثم حملها على ذراعيه وخرج من الغرفة ليرى "فؤاد" و"هادي" وصلوا وراءه ليفزعوا من حالة الصغيرة فأقترب "هادي" منها يلمس وجهها بصدمة ومنذ قليل كانت تحدثه بحماس وفرحة فأبعدها "الجارحي" عنه قبل أن يلمسها وقال بعيني ثاقبة كالصقر ووجهه يحمل غضب العالم كله:
_ العين بالعين والسن بالسن. وروح قصاد روح... لا دول روحين واللي عملها أنا هاخده روحه حتى لو كان أبويا.
كان تهديده هذه المرة حقيقة والغضب قد أعمى عقله وقلبه فأخذ زوجته على ذراعه وغادر المكان يتواعد بالأنتقام من العائلة وحرقهم جميعًا وقد تمادوا في الأذي إلى أطفال لم يخلقوا بعد.....
رواية حرب سقطت راءها الفصل السادس عشر 16 - بقلم نورا عبد العزيز
وصلت "ليان" أمام شركة الجوكر للحراسات الأمنية ونظرت إلى مبنى الشركة الزجاجي على شكل هرم الموجود في القرية الذكية.
أمام المبنى ممر مياه يزيدها رقي وفخامة.
أنبهرت من جمال المكان وأقتربت من المبنى فأوقفها الأمن يقول:
- نعم، إنتِ رايحة فين يا بت؟
دهشت من طريقة الأمن في شركته وقالت بسخرية:
- بت!! دكتورة ليان.
قالها "كريم" من الخلف فأفسح رجل الأمن الطريق بسرعة بعد سماع صوت "كريم".
لتمر "ليان" بتهكم وعينيها ترمق الرجل بازدراء، لكنها عادت خطوتين تنظر إلى شارة اسمه وقالت بتهديد:
- اسمك إيه؟
فزع الرجل من حفظها لاسمه وأدرك إنه وقع في مشكلة الآن، وخصوصًا أن "كريم" نائب المدير جاء ليستقبلها نفسه، وهذا يعني أنها شخصية مهمة لرئيسه.
ذهبت مع "كريم" إلى الدرج حتى تصعد للطابق الثاني حيث مكتب "جلال".
وعندما وصلت رأته يقف أمام الزجاج ينظر في الخارج على المارة وينفث دخان سيجارته.
التفت إليها وهو يقول:
- متأخرتيش.
لم تتمالك أعصابها وذهبت نحوه بخطوات سريعة جدًا ثم ركلت قدمه فجأة بقدمها غاضبة فأندهش من فعلها وقال:
- إنتِ مجنونة؟ قتلته ليه؟ محدش يعملها غيرك.
قالتها بانفعال وغضب يحتلها حتى أحرقت نيران غضبها صدرها وعقلها بالكامل.
فهم ما تقصده ويبدو أن جثة "أيمن" ظهرت الآن ليقول بحدة متكبر:
- عشان أذاكي.
اتسعت عينيها على مصراعيها من جراءته وهو يعترف بفعله دون خوف ولم ينكر الأمر.
رمقته بذهول تام وقالت بتلعثم:
- يعني قتلته فعلاً؟!!
أقترب خطوة منها يتطلع بعينيها الخضراء الجميلة وعبوس وجهها الحاد ثم قال بجدية صارمة متحجر:
- أه.
أبتلعت لعابها بخوف من وقوفها أمام مجرم مثله يقتل ولا يبالي بشيء.
قتل الروح عنده سهلًا كسهولة شرب كأس ماء.
تلعثمت في الحديث هاتفة:
- ليه؟ عملك إيه؟
كرر جملته التي يبدو من الصدمة لم تقع على أذنيها وعقلها قائلًا:
- عشان أذاكي.
ضربته في صدره بقوة تبعده عنها أكثر بانفعال وجن جنونها من هذا المختل الأحمق وقالت:
- إنت مختل، لا أنا متخرف ومين سمح لك تأذيه ولا تدخل في حياتي، مين اللي أداك المساحة دي في حياتي.
مسك ذراعها بقوة من الغضب وعينيه يتطاير منها الشر ونار غضبه التي يكبحها بداخله من جراءتها الزائدة معه وقال بتهديد:
- متطوليش لسانك أكتر من كده؟ أنا صابر عليكِ بهوايا مش ضعف ولا عجز مني وإنتِ شوفتي أنا أقدر أعمل إيه؟
لم تبالي بتهديده وحدقت بعينيه بتحدٍ وعناد أكثر ثم قالت بغضب سافر يلتهم ضلوعها قائلة:
- متهددنيش لأني مبخافش، أنا لو بخاف مش هتصل بيك ولا هجيلك لحد هنا بعد ما شوفتك بتقتل راجل...
توقفت عن الحديث عندما شعرت بدوران في رأسها بسبب الانفعال وبدون وعي تشبثت بذراعيه بضعف وأغمضت عينيها.
تشبث بها بإحكام وهو يعرف بمرضها، سألها بقلق:
- إنتِ كويسة؟
أهتز جسدها الضعيف يجيب على سؤاله بخموله عوضًا عن لسانها السليط ليفزع عندما رأى الدماء تسيل من أنفها ليحملها على ذراعيه بسرعة البرق من الخوف.
فاتسعت عيني "ليان" بدهشة من فعله وكادت أن تصرخ به لكنه أنزلها بسرعة على الأريكة وسحب المناديل يضعها على أنفها بقلق.
ظلت ترمقه في صمت مندهشة من لطفه وقلقه الواضح في ملامحه وعينيه عليها.
تحدث "جلال" بنبرة هادئة على عكس المعتاد منه وقال:
- أرفعي رأسك لفوق وأنا هطلب لكِ الدكتور، هجبلك أسطورة الدكاترة لحد عندك.
مسكت "ليان" يده بإحكام تمنعه من الذهاب.
نظر إلى يدها الصغيرة الناعمة وهي تعانق يده القوية الباردة بإحكام وهمست له بهدوء:
- مفيش داعي، شوية دوخة وهيروح.
أخلعت حقيبتها الصغيرة الموجودة خلف ظهرها وأخرجت منها المسكن الذي أصبح يلازمها كالهواء فأحضر "جلال" كوب من الماء لأجلها لتأخذ علاجها.
ظل جوارها يراقبها بهدوء وهي مسترخية منتظرة أن يسكن العلاج تعبها.
تنهد بهدوء ونظر في هاتفه وكتب اسم مرضها في محرك البحث يبحث عن علاج لها.
هذه الفتاة الصغيرة التي اقتحمت حياته كحورية هبطت على أرضه في ليلة معتمة لتقلب حياته رأسًا على عقب.
شعر بشيء خفيف يسقط على كتفه فحرك رأسه بخفة وكانت رأسها الصغيرة تستكين على كتفه وشعرها أخفى وجهها.
رفع يده إلى وجهها يبعد خصلات شعرها عنه ليرى ملامحه، أخذ برطمان الحبوب من يدها وكتب اسمه على الهاتف ليعلم أنه يسبب النعاس فتنهد بأريحية وزحزح جسده للأسفل قليلًا حتى تستريح رأسها على كتفه بسبب طول قامته.
صعد "كريم" يتحدث في الهاتف قائلًا:
- خمسة طيب وهوصل التليفون لجلال بيه...
صُدم عندما وجد "جلال" رئيسه المتعجرف البارد جالسًا والصغيرة تنام على كتفه و"جلال" يشير به بحدة بأن يصمت ولا يسبب لها إزعاجًا ويقظتها.
فتحدث بنبرة خافتة:
- المعلم...
قاطعه دون أن يسمع شيئًا عندما رفع يده في وجه "كريم" يحذره من لفظ كلمة واحدة أخرى فأبتلع "كريم" كلماته سريعًا بخوف من رئيسه والتفت ينزل الدرج كما صعد دون أن يتفوه بكلمة.
بحث "جلال" عن مرضها أكثر وكان العلاج المقترح هو زراعة النخاع فتنهد بهدوء ونظر إلى وجه "ليان" بإعجاب واضح في نظرته اللامعة وعينيه التي تتلألأ ببريق ناعم ودافئ.
لا يدرك سبب تحمله لغلاظتها وجراءتها الوقحة معه لكنه شعر لأول مرة في حياته بالأمان في وجودها.
هذه الصغيرة حين تأملها في المرة الأولى وهي تنام بفراشه كانت كملاك صغير زين غرفته ومنزله في ليلتها ليعود بذاكرته لتلك الليلة التي أنقذها من "أيمن" وأخذها إلى قصره الصغير.
كان يجلس على حافة الفراش ينظر إلى "ليان" وهي نائمة من تأثير المخدر وتتقلب في السرير بحركة مفرطة.
التفت ليجلس جوارها يتأمل ملامح وجهها عن قرب ليصدم عندما التفتت تجاهه ووضعت رأسها على قدمه ويديها تعانق خصره بدفء فتشنج جسده ببروده في محله وشعر بتجمده في أرضه من قربها هكذا.
لأول مرة تهزه فتاة رغم كرهه الشديد للنساء وأشمئزازه من وجودهن بقربه.
نظر عليه بتوتر ملحوظ وكانت تتعرق جدًا من كمية المخدرات التي تسير في عروقها لأول مرة فسحب منديلًا يجفف حبيبات العرق لتمسك يده وهي تهلوس بخمول:
- بتعمل إيه؟
نظر إلى عينيها الخضراء التي تفتحها بصعوبة وجلست أمامه خاملة وتهتز بقوة ثم مسك وجنته بسعادة وبسمتها تنير وجهها ليبتلع لعابه بتوتر وقال:
- إنتِ عارفة أنا مين؟
ضحكت بعفوية وهي تجلس على قدمه وتقترب منه أكثر وعينيها تفتحهم تارة وتغلقهم تارة وأنفاسها تعلو شيئًا فشيئًا.
أنتفض جسده من القشعريرة حين جلست على قدميه وأصبحت بهذا القرب وأنفاسها تضرب وجهه فقال:
- أنا شوفتك في فيلم قبل كده... تؤ تؤ في مصارعة... صح؟
خرجت منه ضحكة خافتة نادرًا ما تظهر على وجهه العبوسي وكادت الصغيرة أن تسقط من فوق قدمه على الأرض بسبب جلوسه على حافة الفراش ليتشبث بخصرها بلطف فوضعت رأسها على صدره ويديها تحيط خصره لتغوص في نوم عميق وقد هزمها المخدر نهائيًا.
فظلت بحضنه بين ذراعيه لساعات طويلة نائمة بعد أن سرقت منه النوم وجعلت عقله متجمدًا لساعات طويلة بفضل قربها منه.
أشرقت الشمس وهي ما زالت تنام على صدره كطفلته الرضيعة فوقف من مكانه حاملًا إياها ثم وضعها بالفراش بلطف وتسلل خارج الغرفة بعد أن نجحت ولأول مرة يسرقه أحد النوم في حياته.
عاد من ذكرياته لتلك الليلة التي نشبت بها شعور دافئ بداخله تجاهها، تلك الليلة التي هُزم فيها لأول مرة على يد صغيرة بحجم عقلة الأصبع.
ورجال العالم بأكلمه وكل المجرمين بعالمهم المميت والخطر الذي يحيط حياته يُهزم ويجتاحه هذه الإنكاسة التي ذاق شعورها على يد فتاة ناعمة.
فاق من تلك الليلة على صوت هاتفها يدق لتفتح عينيها بتعب من صوت الهاتف ودهشت عندما وجدت نفسها نائمة بقربه فابتعدت بسرعة البرق وهي تفتح حقيبتها تخرج الهاتف وكان والدها يقول:
- إنتِ فين يا ليان؟
وقفت من جواره بعيدًا ويدها تبعد المناديل عن أنفها، هاتفة بجدية:
- جاية يا بابا؟
- طيب بسرعة عشان أختك هنا تعبانة في ناس طلعوا عليها وسقطوها.
قالها بجدية لتدهش "ليان" مما تسمعه وتذكرت حديث "قدس" صباحًا وأنها اختارت اسمها لطفلتها فقالت بدهشة:
- إنت بتقول إيه يا بابا؟ سقطوها إزاي؟ ... أقولك أنا جاية على طول.
أغلقت الهاتف والتفتت لترى "جلال" يقف من مكانه ويخلع قميصه لتفزع من تصرفه وقالت:
- إنت بتعمل إيه؟
تحدث بجدية ويده تفك الزر الأخير من القميص قائلًا:
- إنتِ مش قلتيلي بكلمة دكتورة، أنا عايز تغيريلي على الجرح.
أخذت حقيبتها بلا مبالاة وقالت بحدة:
- إنت راجل فاضي، أنا لازم أمشي عشان أختي في ناس طلعوا عليها وسقطوها.
دهشت عندما أخذ سترته من فوق الأريكة وقال بجدية مصمم على رأيه:
- يبقى تغيريلي على الجرح في الطريق.
لم تصدق جنونه ونزلت الدرج هاربة منه لتصدم عندما وجدت سيارته تقف أمامها وبداخلها "كريم" فتأففت بضيق واستسلام لعناده وصعدت معه.
نزع قميصه في السيارة لتذهل من كم الندبات الموجودة في صدره وقالت بتلعثم:
- إيه كل دا؟
- إنتِ فاكرة حياة المجرمين سهلة؟
قالها ببرود لترفع نظرها إلى وجهه وكانت ملامحه باردة كأنه اعتاد على هذه الجروح والحياة الخطرة فنظرت على الجرح وكان قد شفي تمامًا لتقول:
- أنا الغبية اللي صدقت أن جرح بقاله 3 أسابيع وأكتر هيحتاج غيار وعلاج.
نظر إلى وجهها بحزم وهي لا تفهم تصرفات هذا الرجل تجاهها، فقالت بمكر شديد:
- إنت معجب بيا؟
رفع حاجبه بدهشة من سؤالها وقال بسخرية:
- هااا والله مفاجأة، أنا هعجب بيكي إنتِ!! عجبت لك يا زمن، ليان إنت محدش يعجب بيكي بلسانك اللي عايز قصة ورجلك اللي بتضرب أكتر ما بتمشي.
تنهدت بأريحية وعقدت ذراعيها أمام صدرها ثم قالت بغرور:
- كويس طمنتني، نصيحة مني لك متعجبش بيا عشان قلبك تتوجع أنا واحدة مش باقيلي كثير يا حضرة.
شعر بغصة في قلبه من كلمتها الأخيرة ونظر من النافذة في صمت شديد سائد السيارة بينهم حتى أوصلها إلى منزل "أبو النور".
فتحدث قبل ما أن تغادر السيارة بجدية:
- تصدقي أنا اكتشفت حاجة مهم جدًا.
أدار نظره إليها منتظر بقية الحديث دون أن يتفوه بكلمة واحدة فقالت:
- أنت مناسب جدًا أطلع غضبي فيك، بعد كده لما أتصل بيك رد عليا عشان أجي أتخانق معاك وأخرج طاقتي السلبية فيك.
- حاضر.
قالها بهدوء فدهش "كريم" من رده ونظر في مرآة السيارة على رئيسه الذي يوافق على حديثها دون جدال ولأول مرة أحد يأمر رئيسه ويستجيب بشيء غير قطع الرأس.
تمتمت بعفوية:
- بس متخليش بتوع الأمن بتوعك يقفوا قصادي تاني.. باي.
ترجلت من السيارة فسأل بحدة مخيفة:
- مين من الأمن اللي وقفها؟
تنحنح "كريم" بخوف ثم تحدث مدافعًا عن موظفهم:
- مكنش يعرفها وأتبع الأمر اللي حضرتك حاططها.
هز رأسه بنعم ونظر من النافذة بغرور ثم قال بنبرة قوية ولهجة مخيفة:
- أفصله من الشغل.
لم يتسوعب "كريم" تصرف رئيسه لكنه لم يملك الجرأة الكافية للاعتراض وانطلق بالسيارة بعيدًا.
كان "الجارحي" جالسًا بفراشه وصغيرته منهارة من البكاء وتدفن رأسها في صدره ولا تصدق أنها فقدت طفليها الصغار على سهو.
عضلات بطنها تؤلمه بشدة من قوة الضرب وأحشائها تمزقها وجعًا من خسارة أطفالها فربت على كتفها بدفء وقال بحنان وعينيه تملك غضبًا بركانيًا:
- أهدئي يا قدس، ورحمة الغالي لأدفعهم تمن اللي عمله من دمهم.
- أنا مأذتش حد يا جارحي عشان يأذوني ويأذوا ولادي كده.
قالتها بانهيار وشهقاتها تملأ المكان، تنتفض بوجع وحسرة تمزقها من الداخل تفتك بها فظلم يضمها ويربت عليها حتى بدأ المهدئ مفعوله وغاصت في نومها.
تركها في الفراش وغادر الشقة وكان "يزيد" يقف أمام الشقة حتى ظهر "الجارحي" وقال:
- كلهم في شقة الحجة مديحة.
نزل للأسفل وكان الجميع جالسين في الصالون وقد جمع "يزيد" ورجاله العائلة بأكملها تحت تهديد السلاح بالقوة.
دلف "الجارحي" لتتحدث "مديحة" بغضب سافر قائلة:
- إيه اللي بتعمله دا يا جارحي إنت اتجننت.
رفع مسدسه في وجوههم جميعًا مما جعل الجميع يصرخون بذعر فقال بتهديد:
- مين اللي عملها؟
سألته "وصيفة" بقلق من غضبه وحالة الذعر التي وضعهم بها قائلة:
- هي إيه؟
- مين اللي سقط قدس؟ مين اللي عقله جابوه يقتل عيال في بطن أمهم لسه؟
قالها بغضب سافر ورجاله يقفوا مع "يزيد" ويصبوا أسلحتهم على الجميع ليدب الرعب في قلوبهم جميعًا.
سألت "مديحة" بدهشة أحتلتها من حديثه:
- هى قُدس كانت حامل؟
- حامل؟
قالتها "آسيا" بذهول أصابها وجعل الدم يتجمد فى عروقها، ولم تصدق أن الصغيرة كانت تحمل فى أحشائها صغارًا.
فضحك بسخرية منهم قائلًا:
- والله، كلكم دلوقت أتفاجئتوا أنها حامل، يبقى أنا اللى بعت ناس يسقطوها؟
- مش يمكن قضاء وقدر؟
قالتها "خديجة" بذهول أصابها هى الأخرى، ليصرخ بهما بانفعال جنون جعلهم ينتفضوا من أماكنهم أكثر:
- هو أنا بقولكم وقعت من على السلم يا أما؟ مراتى طلع عليها ناس وضربوها لحد ما سقطوها ودا فعل فاعل، وأنا بقى مش هخرجكم من هنا غير لما أجيب الفاعل وأقتله بأيدى وروح قصاد روح.
تحدث "فؤاد" بهدوء شديد وقال:
- وإحنا نعرف منين أن مراتك حامل عشان حد فينا يخطط وينفذ يسقطها؟ شوف مين اللى كان يعرف بحملها إذا كان أنا أبوك وأمك نفسنا منعرفش أنها حامل.
نظر "الجارحي" تجاه "عماد" الذى يلعب فى هاتفه ولم يُدهش بما سماعه عن حمل "قُدس" أو إجهاضها.
أقترب "الجارحي" من أخيه ليراه ينظر إلى حساب "ليان" على الأنستجرام وكأنه أصبح يملك فريسة جديدة، ووضع المسدس فى رأسه لتفزع "خديجة" من مكانها وهى تقول:
- جارحي، أخوك معملش حاجة.
وقف "عماد" بضيق من تصرف أخيه ثم نظر إلى والدته التى فزعت وقال:
- أنا وإنت يا جارحي عارفين أن معركتى معاك وقُدس برا دا، مفيش واحد بيأذى اللى بيحبها وأنا لو ناوى على ولادك مش هجازف بحياة حبيبتى وهستنى لما يخرجوا من بطنها.
ضربه "الجارحي" بكعب مسدسه بقوة من حديثه عن "قُدس" وقال بضيق:
- دى مراتى!!
صرخت "خديجة" بذعر وذهبت إلى أولادها تقف بالمنتصف بينهم وقالت:
- ملعون قُدس اللى تخليكم تأكلوا فى بعض، أى هتموتوا بعض عشان حتة عيلة لا راحت ولا جت، أسمع يا جارحي أنا مقدرة أنك محروق على مراتك وولادك زى ما بتقول لكن إياك تفكر تقرب من ابنى طول ما إنت معندكش دليل أنه عملها، مش هسمح لك...
نظر "الجارحي" إلى أمه بذهول ودافعها عن "عماد" ووضع مسدسه فى بنطلونه وقال بسخرية:
- وأنا كمان كنت ابنك لما أضرب عليا نار ولما المحروس رفع ضرب عليا نار يوم صباحيتى قصاد عينيكم كلكم... بس معلش بما أنه ابنك فمن النهار دا واللحظة دى أنسى أن ليكِ ابن أسمه الجارحي.
نظر للجميع بغضب جنونى ثم قال:
- أنا مش ظالم، عمرى ما ظلمت حد ولو على الورث على يدك يا عمى هادى إنت وأبويا أنا كنت هرجعلكم كل حاجة بس الغدر والمكر اللى عملتوا ورب الكعبة اللى حطيت أيدى عليها ما هطلبوا منى جنيه وحق مراتى وابنى أنا هأخده حتى لو كان من أبويا وأفتكروا أن روح قصاد روح.
غادر المكان غاضبًا بعد أن أمر رجاله بسحب كل البطاقات البنكية من الجميع ومفاتيح السيارات وأعلن حربه عليهم.
خرج من الشقة ليرى "ليان" أمامه تأتى من الخارج فقالت بضيق:
- صحيح اللى بابا قاله، فى حد طلع على مراتك وسقطها؟
لم يُجيب عليها فتنحنحت بضيق من غلاظته وضغطت على زر المصعد لتصعد إلى والدها، ورأت الجميع يخرجون من الشقة غاضبون من سيطرة "الجارحي" عليهم.
نظر "عماد" لها بدهشة وهو يتذكر شجار الصباح ثم قال:
- أهلا يا دكتورة سم.
قالتها بضيق ودلفت للمصعد فأقترب ليدخل فقالت بتهديد واضح:
- لو ركبت هكسرلك رجلك.
حدق بعينيها الخضراء التى يتطاير منها الشر والكره لتغلق باب المصعد وهو مذهولًا من تحديها له بكل جرأة.
وصلت إلى الشقة لترى "ياسمين" تحمل صينية صغيرة عليها بعض الأطباق فسألت بدهشة:
- أى دا؟ إنتِ رايحة فين بالأكل دا؟
قالتها وهى تتذوق بعض الطعام فتحدثت "ياسمين" بعبوس من شراهة ابنتها:
- هطلع الأكل لأختك عشان تأكل وتأخد العلاج؟
رفعت "ليان" حاجبها بذهول ونظرت إلى أمها التى تراعى "قُدس" كأنها والدتها هى الأخرى رغم أن "ياسمين" لم ترى "قُدس" حتى الآن.
فتحدث "فتحى" من الداخل قائلًا:
- تعالى يا ياسمين.
أعطت "ياسمين" الطعام إلى "ليان" بتعجل وقالت بعفوية:
- خدى طلعى الأكل لأختك على ما أشوف أبوكِ.
شعرت "ليان" بالضغط من والدتها عليها لتتقرب أكثر من أختها، وقد فهمت خطة والديها لتقريب "ليان" من عائلتها وخصيصًا أختها.
ركضت "ياسمين" للداخل تاركة "ليان" فى حيرتها فتأففت بضيق وصعدت للطابق الأخرى، وكان "يزيد" يقف أمام الباب وسمح لها بدخول الشقة.
كانت "ليان" مبهورة بجمال الشقة ورقيها، بحثت عن أختها فى الغرف حتى رأتها نائمة فى فراش كبير وجميل جدًا يليق بعفويتها ونعومتها.
رأت "قُدس" تحتضن وسادتها وهى تبكي فى صمت على خسارة أطفالها فقالت بحدة:
- أنا جبتلك الأكل.
- مش جعانة.
قالتها "قُدس" بنبرة خافتة وصوت مبحوح يكاد يخرج بصعوبة من حنجرتها، لتضع "ليان" الطعام على الطاولة وقالت ببرود شديد:
- إنتِ حرة.
التفتت لتغادر الغرفة لكن أوقفتها بكاء "قُدس" التى جهشت بحدة أكثر وألم يمزقها، فتأففت "ليان" بغلاظة وقالت متمتمة:
- هم بيدبسونى.
استدارت إلى أختها وأخذت الطعام إلى الفراش ثم قالت بهدوء تحاول التحكم فى برودها واستفزازها المعتاد:
- قومى كُلى؟
لم تُجيب عليها "قُدس" وظلت تبكي لتسحبها "ليان" من ذراعها بقوة وتجعلها تجلس ثم قالت بحدة صارمة تحاول مساندة أختها قدر الإمكان دون أن تجرحها فى ندبتها:
- كُلى عشان تقدرى تقفى على رجلك، العياط والصيام مش هيرجعوا اللى راح.
جهشت "قُدس" فى البكاء بانهيار وفتحت قلبها إلى أختها لتطلق العنان لوجعها فى البوح والخروج إلى أختها:
- اللى راح!! إنتِ عارفة أنهم كانوا السبب اللى هفضل بيه مع الجارحى لحد ما يحبنى، طيب عارفة أن اللى عمل فىّ كدة حد من أهلى؟ الحقائق والواقع كله بيوجع، أنا أهلى قتلوا ولادى قبل ما يخرجوا للنور وجوزى اللى بحبه ممكن يسيبنى فى أى لحظة لأن خلاص مبقاش فى حاجة تربطنا بعض، أنا حياتى دائمًا مدمرة وأنا دائمًا راضية وبقول الحمد لله وبرضى بقضاء ربنا، بس أنا تعبت من الوجع وقسوة الحياة معايا.
صمتت "ليان" وهى لا تعرف كيف تتحدث مع أختها، حقيقة أن أقرب الناس لها هم من قتلوا أولادها مرعبة، ورغم ذلك صمت "ليان" وعدم فهمهم للكثير من حديث "قُدس" كان السبب فى أن تبوح "قُدس" أكثر لأختها عما يؤلمها.
بدأت تحكى لها عن حُبها الشديد لـ"الجارحى" وكيف تزوجت به بالإكراه و"ليل" صديقتها الوحيدة التى اتهمتها بالسوء بفضل خطيبها، وهنا فهمت "ليان" سبب سؤال "الجارحى" عن وجودها فى المهندسين لتقول بدهشة:
- يعنى هم شافونى وفكروا أن أنا إنتِ وأتاذيتى؟
- بابا قتلنى من الضرب وخاصمنى لحد ما إنتِ ظهرتى وأتأكد أن فى حد شبهى ومش أنا اللى كنت هناك.
قالتها بحزن يملأ عينيها ودموعها لم تجف من الوجع.
تنهدت "ليان" بإشفاق على حال أختها وبدأت "قُدس" تحكى لها عن "عماد" وحُبه المريض بها ومحاولاته الكثيرة فى التخلص من "الجارحى" لتزوجها بعد موت أخيه.
هزت "ليان" رأسها باستماع واستغلت فرصة البوح من أختها ومدت يدها إلى الطعام تتناول منه القليل وقالت:
- كُلى معايا أهو يبقى عيش وملح بين الأخوات.
بدأت "قُدس" تتناول القليل بصعوبة لكنها فرحت بقبول أختها لها وكأن القدر يربت على روحها المجروحة بظهور "ليان" معها.
تحدث "ليان" أثناء الطعام متعمدة لتجعل أختها تأكل أكثر دون وعى:
- بس من اللى شوفته تحت أمبارح لما جوزك رفض من غير تفكير التبرع ودلوقت وهو بيهددهم بالسلاح أن فعلا جارحى بيحبك، دا تصرفات واحد بيحب ولو مطلعش بيحبك يبقى بحق ومن كلام فعلا يمكن الحمل كان سبب فى أنه يفضل معاكِ بس سبب له يعلق عليه رغبته بوجودك لأنه متكبر ورافض يعترف بالحب دا ويمكن اللى حصل دا سبب يخليه يتمسك بيكِ أكثر ويعترف بحبه.
وقفت اللقمة فى حلق "قُدس" بدهشة وتوقفت دموعها الحارة فى جفنيها لتتلعثم فى الحديث قائلة:
- تفتكرى بيحبنى بجد؟
هزت "ليان" رأسها بنعم وقالت:
- أصلكم عايشين فى بيت واحد هتفرق معاه يطلقك دلوقت ولا بعد ما تولدى فأى ما هو كدة معاه فى عمارة واحدة، هو بيتلكك عشان تفضلى على ذمته.
تبسمت "قُدس" بلطف من حديثها وشعرت أن الأمل دب فى قلبها من البقاء معه، لطالما كان "الجارحى" حلمها الوحيد مُنذ نعومة أظافرها وعشقه يحتلها بحنان.
دُهشت "ليان" من بسمة أختها وقالت بجدية:
- عجبت لك يا زمن، أى البسمة اللى من الودن للودن دى، إنتِ بتحبيه أوى كدة؟
- دا أنا يجرالى حاجة لو بعد عنى.
قالتها بعفوية كالبلهاء فضحكت "ليان" بسخرية على أختها وما زالت لا تُصدق أن بلهاء مثلها هى توأمها وشخصيتهما لا تتقارب بـ1% حتى، لا تُصدق الاختلاف بينهما ورغم أن الشبه بينهما لا يمكن لأحد التفرق بينه.
وقفت "ليان" تبعد الطعام عن السرير وقالت:
- أنا هعمل حاجة أشربها أعملك؟
- عصير برتقال.
قالتها "قُدس" فدلفت "ليان" للمطبخ.
أتكأت "قُدس" على الحائط وخرجت للبهو بصعوبة فى خطواتها وجلست على الأريكة ليُفتح باب الشقة ويدلف "الجارحى" فدُهش من حركة زوجته وقال:
- أى اللى قومك من السرير؟
تطلعت "قُدس" فى عينيه بحُب وهى تتذكر حديث أختها فتعجب من نظراتها وقال بقلق:
- ما لك؟
- أنا بحبك يا جارحى.
قالتها بعفوية لتخرج منه ضحكة خافتة على كلمتها وهى دائمًا تلفظ بتلك الكلمة فى الحالات الحرجة والمواقف المتوترة.
مسح على رأسها بحنان وقال:
- أنا هقوم أجبلك حاجة تأكليه.
تبسمت بلطف وقالت ببراءة:
- أكلت مع ليان، مش هتصدق أنها طيبة خالص وقعدت تكلم معايا كتير وكمان جبلتى الأكل من تحت و...
قاطعها بأندهاش يحتله من قُرب أختها منها بهذه الطريق ليفهم أنها تفعل ذلك من أجل التبرع وقال:
- كل دا عشان تتبرعى، قُدس متبقيش غبية.
عقدت حاجبيها بغضب من اتهام زوجها السيء لأختها وحديثه الذى مزق فرحتها بقرب أختها منها وقالت بحدة:
- جارحى متتكلمش عنها كدة، المفروض تشكرها أنها وقفت جنبى فى اليوم الصعب دا، ولا دا ميفرقش معاك وطبعًا كل اللى فارق معاك هو ولادك وأنا ولا ليا أى لازم فى حياتى ولا يفرق معاك أنا حاسة بأيه ولا وجعى عامل أزاى؟
اتسعت عينيه على مصراعيهما بصدمة أحتلته من صرامة "قُدس" معه وقال بدهشة:
- إنتِ بتقولى أى؟
- بقول الحقيقة أنا كلى على بعضى مفرقش معاك، أنتِ طول الوقت تقولى هطلقك لما تولدى ودلوقت خلاص مبقاش فيه ولاد.
قالتها بغضب سافر فتنهد بهدوء ومسك يدها بحب وأبتلع لعابه بتوتر ثم قال:
- قُدس ممكن نأجل الكلام دا دلوقت، أنا مقدر حالتكِ وزعلكِ بس بعد أذنك ممكن نأجل أى كلام دلوقت.
صمتت ولم تعقب على كلماته حتى سمع الإثنان صوت ارتطام شىء بالداخل ففزع "الجارحى" من الصوت وصرخت "قُدس" بقلق قائلة:
- ليـــــــــــــــــــــــان!!
ركض للداخل وهكذا "قُدس" رغم تعبها الجسدى وصُدموا عندما وجدا "ليان" على الأرض فاقدة للوعى ودماء تسيل من أنفها.
__________________________
فى زاوية داخل زقاق كان "عمران" يقف مع السيدتين وقدم لهم ظرف من المال وهو يقول:
- تسلم أيدكم.
تحدثت واحدة منهم بحماس بعد أن رأت المال:
- إحنا تحت أمرك يا باشمهندس، سقوط وخطف تشويه أى حاجة.
هز رأسه بنعم ثم قال بتعجرف:
- لا كفاية علينا سقوط قُدس، حركة معلمة بجد عجبتنى.
ضحكت الأخرى وهى تقول بحماس:
- لولا أنى كنت أعرف واحدة حامل عشان ترمى الطعم وتسحب الدكتورة والممرضة مكنتش هتطلع بالمعلمة دى، بس نقول أى القدر رتبهالنا.
تحدث "عمران" بكبرياء قائلًا:
- تسلم الأيادى والله، تأخدوا الفلوس دى وترجعوا على الصعيد عشان جارحى مش هيرتاح غير لما يجيبكم، هو بس هيأخد شوية وقت على ما يدور وراء أهله لأنهم أول فريسة هيدور وراءهم.
هزت النساء رأسهم بنعم وغادروا ليخرج "عمران" من الزقاق وركب سيارته يغادر كأنه لم يفعل شىء.
رواية حرب سقطت راءها الفصل السابع عشر 17 - بقلم نورا عبد العزيز
وقف "الجارحي" مع "هادي" في رواق المستشفى. نظر إلى "ياسمين" جالسة على الأرض تبكي بحسرة وألم على مرض ابنتها، ولا تملك شيئًا تفعله لإنقاذ حياتها. خرج الطبيب، ليسرع "فتحي" نحوه مع "هادي" ليقولا الاثنان معًا:
خير يا دكتور؟
للأسف الحالة بتسوق أكثر، والعلاج اللي ماشية عليه ما هو إلا مسكنات.
قالها الطبيب في صمت، لتجهش "ياسمين" في البكاء بحزن شديد. فتحدث "هادي" بنبرة خافتة والقلق دب في قلبه على صغيرته:
ينفع أنا أتبرع لها، أنا أبوها لو ينفع، أنا مستعد نعمل العملية وقتي.
نظر الجميع إليه، فتحدث الطبيب بهدوء شديد هاتفًا:
نعمل التحاليل وهي اللي تقول ينفع ولا لأ.
ربت "هادي" على كتف "فتحي" بلطف، يطمئنه أنه سينقذ ابنتهما مهما كلفه الأمر.
***
في عمارة أبو النور.
كانت "ليل" تجلس مع "عمران" في الحديقة، مرتدية فستانًا أسود بسيط وتلف حجابها الأسود. أمامهما كأسين من العصير وطبق الفاكهة، ويتحدثان بعفوية. ليسأل "عمران" بجدية مصدومًا مما سمعه وأن خطيبته ووالدتها لم يعد لديهما شيء:
يعني جدك كتب كل حاجة للجارحي؟
أومأت إليه بنعم، يائسة من تصرف جدها الذي جعل العائلة في حالة حرب والنار تلتهم الجميع. رأت الكره والغل ينشب بين قلوبهم لأجل المال، وكانت البداية تعرض "قدس" للهجوم وقتل أطفالها.
قالت بتهكّم متعبة من التوتر القائم في المنزل هذه الفترة:
من بعد موت جدي والبيت بقى صعب أوي يا عمران، وكله ضغوطات وتوتر والمصايب نازلة على دماغنا.
ترك كوب العصير على الطاولة، وعيناه تحملق بفتاته يحاول أن يعلم ما حدث بخبث. فقال بدهشة فضولي لمعرفة ما يجهله:
ليه حصل حاجة تانية أكتر من إن جارحي كلكم؟
هزت رأسها بنعم، ويدها تهندم حاجبها بتعب وتحملق بوجه خطيبها بعبوس، ثم قالت بذهول:
تخيل إن البنت اللي شوفتها في المهندسين واتخانقنا عشان بتقول إنها قدس، طلعت مش قدس فعلًا، وطلع إن فيه بنت شبهها توأم قدس واتخطفت من المستشفى يوم الولادة.
بصق ما في فمه من عصير من هول الصدمة، فأخذ منديلًا سريعًا يمسح فمه ويجيب بذهول:
إنتِ بتقولي إيه؟
دا غير إن فيه ناس طلعوا على قدس امبارح وسقطوها.
قالتها بحزن شديد يحتلها لأجل "قدس" وخسارة أطفالها. فسأل "عمران" بدهشة مصطنعة المفاجأة:
سقطوها، هي أصلًا كانت حامل؟
هزت رأسها بنعم، فتنحنح بتوتر وقال:
وعلى كده الجارحي عرف مين اللي عملها؟
أجابته "ليل" بينما تقطع الفاكهة بعفوية:
لأ خالص، انشغل في مرض ليان توأم قدس من امبارح، وهم في المستشفى بيها ولسه مرجعوش.
أي كل الحوارات الكثيرة اللي حصلت دي؟
قالها بعبوس ومسك هاتفه يلهو به ببسمة خبيثة، وخطيبته البلهاء هي من تنقل الأخبار كاملة له، ربما لأنها وثقت بقلبها البريء. خرج "عمران" من العمارة بعد أن رن هاتفه، ووقفت "ليل" من مكانها تأخذ الأطباق في يدها والتفت لتصعد الدرج، فأرتطمت بـ "يزيد" الذي كان يخرج من المبنى بتعجل، فوقعت الأطباق من يدها وأنكسرت لأشلاء. مسك "يزيد" معصمها من فوق كم فستانها قبل أن تسقط وتفقد توازنها كاملًا، وقال بتعجل:
متأسف.
على إيه؟ أنا اللي لازم أبص قدام.
قالتها بعفوية، فساندها بحذر حتى صعدت على درجة السلم بعيدًا عن الزجاج المنثور، وأنحني ليجمع البقايا الحادة. أخذ هاتفها من فوق الأرض ومد يده إليها بها، ثم قال:
اتفضلي إنتِ وأنا هخلي سنية تلم الإزاز دا.
أومأت إليه بنعم وصعدت إلى شقتها. خرج من العمارة بتعجل وبحث عن "عمران"، لكنه كان قد اختفى تمامًا، مما أزعج "يزيد" أكثر.
أما في الطابق الرابع، كانت "قدس" تقف أمام السفرة بتعب، وأخذت العلاج الذي وصفته الطبيبة لها بعد الإجهاض، ثم وضعت كأس الماء جانبًا. كانت قلقة جدًا على أختها، ومن الأمس لم يعودوا من المستشفى. واتصلت كثيرًا على "الجارحي"، لكنه لم يجب عليها. تأففت بضيق وجلست على الأريكة بعد أن أحضرت أدوات الرسم والورق، وبدأت ترسم حتى يمر الوقت. انتهى قلمها الرصاص، فوقفت بتعب خافت ودلفت إلى مغرفة "الجارحي"، وهي تتذكر أنها رأت أقلام رسم على مكتبه سابقًا. أخذت القلم والتفت لتغادر، لكن وقع نظرها على شيء أعادها للمكتب. ورفعت الملف الموجود على المكتب، لتُدهش عندما رأت صورته التي رسمتها في الماضي، وكانت سبب ضرب "هدير" لها لأول مرة. تسارعت نبضات قلبها بعفوية وهو يحتفظ بالرسمة طوال هذه المدة. وتذكرت حديث "ليان" عنه، وأنه حتمًا يحبها، وتصرفاته تعني الحب فقط. سمعت صوت باب الشقة، لتضع كل شيء مكانه وخرجت بسرعة، فرأت "الجارحي" يقف أمامها. لتسأل بقلق واضح:
اتصلت بيك كتير، عملتوا إيه؟ وليان عاملة إيه؟
محجوزة في المستشفى، وباباكي قرر يتبرع وعملنا التحاليل، بس نتيجتها هتظهر بعد يومين.
قالها بهدوء وعيناه تتفحصها بعد أن رآها تخرج من غرفته. تنهدت بقلق شديد، ثم قالت بعبوس:
اتحجزت؟ يعني أكيد حالتها صعبة.
نظر إليها بهدوء ودلف إلى غرفته متمتمًا بضيق:
أختها عندها سرطان يا قدس، مش شوية برد. أكيد حالتها صعبة وتعبانة، بس اللي بتفكري فيه مش هيحصل.
دمعت عينيها بحزن شديد من عناده، واستدارت له غاضبة، ثم قالت بضيق أكبر:
إنت ليه مصمم توجعني وخلاص؟ أنا فيا اللي مكفيني، مش يمكن اللي حصل دا يكون سبب عشان أعالج أختي؟
اتسعت عيناه بصدمة ألجمته، وانقبض قلبه وجعًا بسبب زوجته وهي تستغل ما حدث لها وقتل أطفالهما لصالح أختها، وكأنها لا تهتم لما حدث. ألتف إلى "قدس" بذهول وقال بدهشة:
دا بس اللي فارق معاكِ، إن دا حصل عشان يكون سبب تنقذي أختك؟ وولادنا اللي ماتوا وحياتك اللي كانت هتروح فيها مفرقوش معاكِ؟
وصرخ في وجهها بغضب سافر. فتنهدت بهدوء رغم صراخه الذي أفزعها، وقالت بنبرة جادة صارمة:
أنا أكتر واحدة اتوجعت في اللي حصل، أنا وبس اللي كنت بين الحياة والموت بين أيدهم. ومع ذلك بصبر نفسي على وجعي وبقول ظهور ليان في الوقت ده عشان يصبرني على اللي حصل. لكن لو هنفكر فيها بطريقتك يبقى لازم تسأل نفسك عن السبب؟
عقد حاجبيه بخنق ويرمقه بعيني ثاقبة يتطاير منها الوجع والحسرة، ولسانه يسألها ببرود مما فهمه وترمي له زوجته:
قصدك إيه يا قدس؟
قصدي لازم تسأل نفسك مين السبب في خسارة ولادي. لازم تسأل نفسك أنا ليه حصل فيا اللي حصل، وهتعرف إن لو في سبب لكل الوجع اللي أنا عايشاه، هيكون هو انتقامها.
بغضب وعينيها تذرف منها الدموع الحارة تعبر عن وجعها الذي تكبحه بداخلها ولم تبوح به، والصمود الذي تحلت به سقط الآن بعد أن ضرب "الجارحي" بحديثه قلبها الصغير في الحائط ولا يبالي. تابعت الحديث بحسرة أكبر صارخة:
إنت السبب. حتى لو كانوا أهلي وحد من البيت ده هو اللي عملها، فهو عملها بسببك لأنك قبلت مالهم. لو في حد اتأذى بجد فهو أنا، لأن أنا دفعت ثمن خطاياه أنا مرتكبتهاش.
صمت "الجارحي" تمامًا مذهولًا من حديث محبوبته الصغيرة. أقترب بخطواته البطيئة والدهشة تحتل عينيه العسليتين، لا يستوعب حدثها وهي تضع بكلماتها الحادة قتل أطفاله على كاهله وكونه السبب في خسارة حياة أبنائها. مسك ذراعها بحدة وجذبها بقوة نحوه، ثم قال بدهشة وعينيه تلتهمها بنار الغضب:
إنتِ بتتهمني بإيه؟ بوصية ميت؟ دي وصية جدك وأنا روحت أديهم حقهم، بس هم شياطين. بتشيلني إيه دلوقتي؟
لم تعقب على حديثه، وانتفض جسدها ذعرًا من قبضته وعينيه التي يتطاير منها الشر. دفعها للخلف بضيق، تاركًا ذراعيها. فدمعت عينيها بوجعها وتطلعت به بقهرة. لم تكن تعلم أن الزواج من حبيبها سيكون شاقًا هكذا. اعتقدت أنها بلطفها وبراءتها ستجعله يحبها كما تحبه، ولو قليل. لكن منذ أن تزوجته والحياة عسيرة جدًا بينهم، ولم تنعم بليلة واحدة في هدوء وحب. تأفف "الجارحي" بغيظ مما يشعر به بداخله، وغصات قوية تمزق صدره. والفراق احتل كيانه بألمه، بدءًا من سرقته لحياة جده والآن أطفاله.
مسكها من معصمها بعنف وسحبها إلى صدره، يطوقها بحنان رغم المناوشات القائمة بينهما. لكن بداخله شيء قوي يجذبه إليها، يجعله يرفض أن يتركها بحزنها وحيدة. تشبثت به بضعف وجاءت في البكاء. فرغم كل ما تمر به، لكنها لا تملك سوى حبه بداخلها. هذا الحب هو الشيء الوحيد الذي يجعلها تتنفس بارتياح وتسعدها في حياتها التعيسة. سمعت أنينه لتفزع من هول الصدمة وهي تحرك رأسها على صدره وتنظر للأعلى، فرأت الدموع تسيل من عينيه. زوجها القوي الذي يقف أمام الجميع، وهكذا الموت والمخاطر بدون رجفة جفن، الآن يبكي مع صغيرته. رفعت يدها إلى وجهه بحزن تجفف دموعه بلطف وحنية تغمر الصغيرة. رمقها بألم وقال:
بالله عليكِ يا قدس متصعبيش الحياة عليا أكتر. أنا حربي مع أهلي ومع أخويا وخسرت ولادي وجدي.
ذرفت الدموع من عينيها بحزن أكبر عليه، ويديها تمسح لحيته الكثيفة التي بللتها الدموع، ثم قالت بصوت دافئ:
أنا هنا ومش هسيبك يا جارحي. مش هسيبك إلا لو قلت لي أمشي. إنت عارف إني بحبك.
صمت لسانه، تاركًا لعينيه هذه اللحظة ليتطلع بـ "قدس" فتاة صغيرة ستكمل التاسعة عشر من عمرها بعد أيام، ورغم ذلك تحمل له الكثير من الحب ودائمًا تفضله على حالها. يبدو أن كل شيء صالح فعله في حياته، كأن هديته هذا الحب الكامن بقلب هذه الفتاة. ضمته إليها رغم قصرها الشديد أمامه، ليبكي في صمت بين ذراعيها دون أن يخجل من وجودها. الوجع يحتل قلوبهما ويمزق أحشاءهما، لكن كلاهما لا يملكان شيئًا يربت على بعضهما. انتهت نوبة البكاء بينهم حين أخذها إلى المرحاض وتوضأ أمامها، ووقف يراقبها هي تفعل المثل. ثم خرجوا ليفتح دولابه الصغير وأخرج منه صندوق هدايا أزرق اللون وأعطاه لها. ففتحت الصندوق، وكان بداخله إسدال صلاة باللون الأزرق الداكن، ومصحف ملون قطيفة من الخارج باللون الأزرق، ومعهم سبحة للتسبيح مصنوعة من الكريستال اللامعة باللون الأزرق المفضل لها. نظرت إليه ليقول بنبرة خافتة:
أنا جبتهالك هدية جواز، بس مجتش فرصة أن أديهالك.
أومأت إليه بنعم، ورُسمت بسمة على شفتيها من الفرحة، وارتدت الإسدال فوق بيجامتها بسعادة تغمرها، ويكفي أن حبيبها جلب لها هدية لأول مرة. تبسمت بعفوية بسمة مشرقة وقالت:
شكله حلو!
أقترب خطوة منها بسعادة ولف لها حجاب الإسدال بلطف، وتتطلع بوجهه بذهول من جمالها في الحجاب، واللون الأزرق جعل بشرتها البيضاء تتلألأ أكثر وينيرها. فقال بهمس معجب بجمال زوجته:
سبحان الخالق، وكأن الجمال كله اتخلق فيكِ يا قدس.
نظرت في المرآة على شكلها وضحكت بلطف، ولأول مرة منذ أن ولدت ترى نفسها في الحجاب، فتمتمت بحب:
شكلي حلو.
أومأ إليها بسعادة، ثم أخذها من يدها وخرجوا إلى غرفة مجاورة لغرفة مكتبه، وبابها يطل على صالة الشقة خارج الرواق الضيق. فتحها بمفتاح يحمله في جيبه ودلف يفتح الضوء، لتُدهش من جمال الغرفة. وكانت الغرفة مقسمة إلى نصفين بحاجز خشبي جميل. الأول مرسم صغير لمحبوبته التي تعشق الرسم، وهناك مكتب أعلاه مكتبة مليئة بالكتب، والمكتب سطحه ملأ بالألوان، جميع الألوان والخامات والأنواع الموجودة في العالم. أما النصف الأخرى من الغرفة، فكان عبارة عن ركن للصلاة، وبالأرض سجادتين للصلاة، واحدة سوداء تخصه، وبعدها بخطوتين الأخرى باللون الأزرق لأجل محبوبته، محفور عليها اسم "قدس" بخيوط من الذهب. فنظرت إلى "الجارحي" بذهول مما تراه، ومتى جهز كل شيء يحمل اسمها؟ إذا كان مرغمًا على الزواج بها، متى نقش اسم "قدس" على كل شيء؟ سألته بتلعثم من هول الدهشة التي أصابتها:
كل ده عشاني؟ بس إزاي وإمتى؟ وليه؟ أنا جوايا ألف سؤال وحيرة كبيرة حطتتني فيها.
تبسم بلطف إلى صغيرته وقال:
لما سافرتي يا قدس، جمعولي عرايس كتير، بس بعد اللي حصل أنا كنت حاسم أمري إني مش هتجوز حد غيرك. ثلاث سنين بصبر نفسي بقول أكيد هترجع، مش هتفضل هربانة العمر كله. جهزت أوضتك وكل ركن في الشقة عشانك، وحاولت أعمل أي حاجة أعرفها أو تيجي في بالي تسعدك. بحثت على النت إزاي تجهز شقتك للجواز وأي الحاجات اللي أي بنت تحبها تكون في بيتها. حاولت أفهم دماغ البنات شوية عشان أرضيكي، عشان كنت عارف إنك مش هتكوني سعيدة في جوازة بالإجبار، فحاولت أعمل أي حاجة تسعدك لما تيجي بيتي.
تنهدت بحرج من حديثه، وخصوصًا أنه يعرف الآن أنها خدعته في الزواج، ولم يؤذها بالقدر الكافي لتجبره على الزواج بها. فتمتمت بضيق:
الشعور بالذنب صعب أوي كده؟
هز رأسه بنعم، ثم رفع يده يمسك وجهها بين راحتي يده، وعيناه تغرق في عينيها الخضراء الساحرة بجمالها، وقال:
أنا كنت فاكر إنه شعور بالذنب وتأنيب ضمير، لكن اكتشفت إنه....
تلجم لسانه، ووقفت الكلمات في حلقه بصعوبة، ولم يقوى على لفظ شيء أكثر من ذلك. فسألت "قدس" بعفوية منتظرة بقية الحديث، وأنه يكن لها المشاعر مثلها تمامًا:
لكن إيه؟
مفيش.
قالها بخفوت، ومرة أخرى منعه كبرياؤه العنيد من الاعتراف بدوامة المشاعر التي يعيش بها. فهزت "قدس" رأسها بلطف رغم حزنها من مقاطعة حديثه، وقالت ببراءة:
ماشي، عمومًا شكرًا على الحاجات الجميلة دي كلها. أنا عمري ما تخيلت حتى إنك تجيب لي هدية، وإنت النهارده جبت كتير أوي. شكرًا يا جارحي.
تبسم بحرج، وعبوس يتحل ملامحه من تجمد لسانه بعد أن رتب كثيرًا لهذا الاعتراف، خائفًا أن تتركه بعد فقد أطفالها كما خططت من البداية، لكنه فشل بسبب كبريائه اللعين. وقف أمامها وبدأ قيلم الصلاة معها، وهي خلفه بخطوتين، لتكن أمنيته الأولى في الزواج أن يصلي بزوجته قد تحققت مع هذه الصغيرة. أنهى الصلاة وجلس يقرأ القرآن بصوته العذب، ووضعت "قدس" رأسها على قدميه مستمعة للقرآن بصوت زوجها الجميلة. ووضع يده على رأسها أثناء قراءته، حتى شعر بثقل رأسها حين غاصت في نومها. فتوقف عن قراءة القرآن وتطلع بها. كانت جميلة جدًا، فرفع يده الثانية للأعلى وقال برجاء:
يارب أصلحني ليها وأصلحها ليا. اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جلبتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جلبتها عليه. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. يارب لا تفرق بيني وبينها، فأنت من وضعت حبها في قلبي وتعلم إن سعادتي لا تكتمل إلا بقربها، فاللهم احفظها لي ولا تكتب عليها حزنٍ ولا مرضٍ.
كان لأول مرة يعترف بحبها الذي زرع في قلبه في دعائه لها. ذرفت من عينيه دمعة أثناء الدعاء، فمسحها سريعًا بخجل بعد أن سمعها تقول:
اللهم آمين.
نظر نحوها ليراها تجيب على دعائه وهي مغمضة العينين، وقد سمعت كل كلمة تفوه بها، وخصوصًا اعترافه بحبها. ظل يحلق بها، بينما هي لم تفتح عينيها لتحرجه أكثر أمامها.
***
( فيلا مدينتي )
سار "كريم" في البهو متجهًا إلى غرفة زجاجية تعلو الأرضية بأربعة درجات. صعد الأربعة درجات الرخامية وفتح الباب الزجاجي وولج. كان "جلال" منغمسًا في شروده بهذه الفتاة التي ظهرت في أرضه فجأة، مغمض العينين داخل حمام السباحة، ومتكئًا بظهره وذراعيه على الحافة الرخامية، وبين شفتيه سيجارة ينفث دخانها ببرود. تنحنح "كريم" بهدوء، ليفتح "جلال" عينيه ورفع سيجارته عن فمه ويقول:
قول اللي عندك.
اللي عندي بخصوص الدكتورة.
وضع "جلال" السيجارة بعيدًا وخرج من حمام السباحة، يقول بجدية:
هات اللي عندك يا كريم كاش، مش هتقسط الكلام بالتنقيط.
تنحنح "كريم" بقلق وعيناه تراقب "جلال" عن كثب وهو يجفف صدره وشعره بالمشفة، ثم جمع شجاعته في الحديث وهتف قائلًا:
دخلت المستشفى من يومين واتحجزت هناك لأن حالتها في خطرة.
اتسعت عينا "جلال" على مصراعيها وانقبض قلبه بصدمة ألجمته، وخصوصًا من الكلمة الأخيرة ومرضها الخطير. تحدث بانفعال شديد وقدميه تطوي الأرض طيًا:
جهز العربية.
اندهش "كريم" من طلب رئيسه وتمتم بتلعثم من هول الصدمة التي سقطت على عقله الآن:
حضرتك هتروح لها؟
مسكه من قميصه بغضبه وعيناه يتطاير منها الشر ويكاد يلتهم أي شخص الآن، وقال بتهديد:
نفذ اللي بقولك عليه يا كريم من غير سؤال. من امتى وأنا بتسأل رايح فين وجاي مين؟ ولا يكش هاخد الإذن منك؟
دفعه في الحائط وخرج من غرفة حمام السباحة وصعد إلى غرفته يرتدي ملابسه حتى يذهب إليها، ولم يبالي بالتوقيت. وصل إلى المستشفى وكانت الساعة الرابعة فجرًا، فمنع الأمن من الدخول وقال:
ممنوع يا فندم، في ميعاد للزيارة ممكن تيجي فيه؟
سحبه "جلال" من ملابسه بقوة غاضبًا، وكيف تجرأ أحد على منعه، ليدفعه إلى "كريم" الذي أخرج مسدسه، وهكذا رجاله الذين خرجوا من سيارتهم وأخرجوا أسلحتهم ليدخل المستشفى بالقوة تحت تهديد السلاح. وصعد إلى غرفتها، بينما "كريم" وقف مع مدير المستشفى يمنعه من تقديم بلاغ للشرطة ودفع مبلغ مليون جنيه كتبرع للمستشفى. فتح باب الغرفة ودلف ليرى "الأضواء خافتة و"ليان" نائمة في فراشها. فأقترب بهدوء حتى لا يوقظها ووقف يتطلع بوجهها الشاحب، وظهر عليها أعراض المرض وذبلت صغيرته المتمردة. أنحنى وهو لا يصدق أن الحياة أعطته فتاة كفرصة تبدل حياته الباهتة وسرقتها في نفس اللحظة. مسح على رأسها بحنان، ففتحت "ليان" عينيها ورأته يقف أمامها، فدهشت وهي تبعد يده بعيدًا عنها قائلة:
إنت إيه اللي جابلك؟
اعتدلت في الجلوس ليجلس أمامها وقال بجدية:
متصلتيش بيا ليه؟ مش حذرتني مردش على اتصالك، متصلتيش ليه؟
نظرت تجاه النافذة وقالت بجدية:
واتصل ليه؟ إنت فاكر نفسك إيه؟
تأفف بضيق من تصرفها البارد، وكز على أسنانه من الغيظ. لا يصدق أنه جاء إليها في هذا التوقيت وهجم على المستشفى حتى يدخل لها، وهي تعامله بهذا البرود. وقف بكبرياء جُرح على يد الصغيرة والتف لكي يغادر، لكن استوقفته "ليان" تقول:
اقعد.
نظر إليها بدهشة، فقالت بغيظ من حياتها المؤقتة:
اقعد، أحيانًا بيكون الناس العابرة في حياتنا ليهم فايدة، على الأقل تقدر تسمعني لأني مش لاقية حد يسمعني.
جلس من جديد وعينيه ترمقها بغيظ من جلفها في الحديث وقال:
بعض النظر عن لسانك ودبشك، بس هسمعك.
نظرت له بفضول وقالت بدهشة:
صحيح، إنت دخلت إزاي؟
أنا مفيش مكان معرفش أدخله، دخلت بالسلاح.
قالها بغرور، فرئيس عصابة مثله ومجرم، مما سيخف. سألته بعفوية معجبة بجراءته:
بجد، طب تعرف تخرجني من هنا أشم هواء وأرجع؟
هز رأسه بنعم بغرور وفخر من سلطته وقوته. أخذها معه وهي تتكأ بذراعه وتمسك الحامل المعدني الخاص بالمحلول وتدفعه معها. نزلوا للأسفل، وبدأت تخبره عن خيباتها وحياتها التي قلبت رأسًا على عقب. فتحدث بدهشة:
يعني أهلك طلعوا مش أهلك!!
أومأت إليه بنعم وتابعت ببرود قائلة:
آه، ميزة وعيب؟
نزع سترته الجلدية ووضعها على أكتاف الفتاة يحميها من البرد، خائفًا أن تمرض أكثر من هواء الفجر. وسألها بدهشة من حديثها قائلًا:
إزاي؟
تنهدت بحيرة تغمرها وعينيها تحملق بوجه "جلال" بيأس:
عيب، لأن لما أموت هيتعذب العائلتين على موت بنتهم. كان كفاية أوي عليا هم أمي وأبوبا عشان يظهر عائلة كاملة أب وأخت وعم وعمة ونيلة خالص.
ضحك بخفة على حديثها، لتتابع الحديث وهي تضع ذراعها في ذراعه بعفوية تتكأ عليه، بينما حركتها جعلت القشعريرة تسير في جسده:
وميزة، لأن الدكاترة بيقولوا إن كده في نسبة كبيرة إني أخف بعد ظهور أخت توأم ليا وهي المتبرع الأساسي ليا.
فزع من كلمتها بسعادة ووقف أمامها ليسقط ذراعها جانبًا. نظرت على لهفته وحدقت به، بينما يقول "جلال" بحماس:
طب ده خبر كويس، حددتوا ميعاد العملية؟
سحبته من ذراعه من جديد، وتباطأت ذراعه بيأس، وقالت بجدية:
مش بالسهولة دي. أختي حالتها صعبة وجوزها رافض تمامًا العملية، لأنها كانت حامل ودلوقتي طلع عليها ناس من أسبوع وسقطوها وجسمها ضعيف.
جوزها!!
قالها بغضب شديد احتل ملامحه، وكز على أسنانه بنار اشتعلت بداخله، ثم سألها بحدة عازمًا أمره على أن ينقذ حياتها مهما كلفه الأمر، حتى لو أجبر أختها على دخول غرفة العمليات تحت تهديد السلاح:
مين جوزها؟
رفعت "ليان" حجابها بضيق، وقد فهمت ما يفكر به، لتقول بتهديد وهي ترفع سبابتها في وجهه:
إياك تفكر في حاجة تأذيهم.
أخلصي، مين جوزها؟ أنا هتصرف، مالكيش دعوة.
قالها بحدة، فرفضت أن تحدثه عن هوية عائلتها خائفة عليهم منه. فمسك "جلال" يدها بقوة يمنعها من الحركة من أمامه، وقال بضيق:
مش هاذيهم، بس على الأقل هوصل لحل وسط معاه. مش قولتي إجهاضت، يعني مفيش أذية ليها. هتكلم معاه.
صمتت للحظة ولم تجب عليه، وقالت متجاهلة الحديث:
أنا تعبت، رجعني أوضتي.
تأفف بضيق شديد من عنادها، فأنحني قليلًا وحملها على ذراعيه وسار في الحديقة حتى وصل إلى باب المستشفى ودلف بها في صمت. وضعت رأسها بتعب على كتفه، ليشعر بحرارة أنفاسها الدافئة تضرب عنقه، فقشعر جسده بعفوية، وهذه الفتاة ستجعله يهدم العالم لأجلها. وصل إلى غرفتها ووضعها على الفراش، فتمتمت بتعب وصوت خافت:
إياك يا جلال تأذيهم.
أومأ إليها بنعم، وانحنى ليضع قبلة على جبينها بدفء، مما جعلها مصدومة، واتسعت عينيها على مصراعيها بذهول من تصرفه. أبتعد عنها ونظر بعينيها يقول:
مش هتأخر عليكي، هرجعلك تاني.
خرج من الغرفة، وكانت الساعة السادسة صباحًا. نزل إلى الأسفل، وكان "كريم" ينتظر مع رجاله، فقال بحزم شديد:
اعرفيلي مين أهل ليان، وأختها التوأم هات لي كل المعلومات عنها هي وجوزها قبل الظهر.
تمتم "كريم" بذهول يقول:
أهل مين وتوأم إيه؟
أهلها الحقيقيين غير فتحي محفوظ. هات لي كل البيانات عنهم ضروري.
قالها، ثم صعد إلى سيارته لينطلق إلى منزله، وبدأ "كريم" البحث عن أهل "ليان".
***
كان "الجارحي" جالسًا في مكتبه داخل المصنع، فدلف السكرتير يقول بهدوء:
في واحد برا عايز يقابلك.
مين؟
قالها ببرود شديد، فأتاه صوت "جلال" يقول:
جلال الصياد.
التف "الجارحي" وهكذا السكرتير تجاه الباب، فولج "جلال" بغرور، وعيني "الجارحي" تتفحصه، رجل يرتدي بدلة سوداء، فنفس عمره تقريبًا، وعيناه حازمة وباردة. أشار "الجارحي" له بأن يجلس، ثم قال:
هات قهوة للأستاذ، لما نشوف مين البيه.
سادة.
قالها "جلال" بسخرية، وغادر السكرتير، ليعود "الجارحي" بظهره للخلف بغرور، ثم قال بحزم:
أفندم.
أنا راجل دوغري وماليش في اللف والدوران. الأول أنا اسمي جلال الصياد، رئيس عصابة الصياد، كل أنواع الإجرام هتلاقي.
قالها بفخر ودون أن يخشي شيئًا، فضحك "الجارحي" بسخرية من هذا الحديث، ومال برأسه قليلًا، ثم قال بجدية:
المفروض بعد المقدمة دي أخف وأكش.
أنا بقدم للعملاء بتوعي كل الخدمات اللي يحبوها: قتل، خطف، سرقة، بيع مخدرات، سلاح، آثار، انتقام. أنا كمان بقدم خدمة التنقيب عن شوية غجر سقطوا المدام.
قال جملته الأخيرة بنظرة ثاقبة لملامح "الجارحي" التي تبدلت مع عرضه الأخير، واعتدل في جلسته يقول بدهشة:
نعم!!
تبسم "جلال" بتكبر وقال بسخرية من دهشة "الجارحي":
بس أكيد مش مجانًا.
وقف "الجارحي" من مكانه وألتف حول المكتب بغضب يحتله، وقال:
اطلع في النور وكلمني بصراحة، إنت عايز إيه؟
وضع "جلال" قدمه على الأخرى بغرور وهتف بصوت هادئ جدًا رغم حدته:
النخاع.
جلس "الجارحي" على المقعد المقابل لـ "جلال"، وعلامات الدهشة ظهرت في ملامحه، وانقبض قلبه من هذه الكلمة، وقال بغضب يكبح قدر الإمكان قبل أن يضرب هذا الرجل:
مش فاهم.
أجبلك عرضي بصراحة، أنا هجبلك اللي سقطوا مراتك لحد عندك، ولو عايزين انتقم لك منهم بدل ما توسخ إيدك، ما عنديش مانع هعمل كدة فور فري لأجل عيون الغالية. وفي المقابل تديني نخاع قدس.
كان يتحدث بهدوء شديد ليرى الدهشة تزداد على وجه "الجارحي" الذي تشنج جسده وتجمد محله من هول الصدمة. وقف "جلال" من مكانه وأغلق زر سترته كي يغادر، ثم قال بجدية:
خلي بالك يا جارحي بيه، عرضي مش ساري لمدة طويلة. وكمان متنساش إني قُلت لك من ضمن خدمتي خطف وقتل، يعني أعرف آخده بالقوة.
وقف "الجارحي" من مكانه بغضب من تهديده له بحياة "قدس"، ولكمه بقوة في وجهه وعينيه يتطاير منها الشر والمكر، ثم قال بتهديد:
جرب تقرب من قدس، وأنا أوريك بقى الخدمات اللي أنا بقدمها.
سقط "جلال" على المقعد من قوة لكمته، وانكسر الكوب على الأرض. مسك "جلال" ذقنه بغضب من فعل "الجارحي"، وكانت المواجهة بين أسدين، كلاهما قوة وشرس بطريقته. دلف "كريم" وهكذا "يزيد" من صوت تكسير الزجاج، وحين رآه الاثنان، أخرج كلا منهما مسدسه وصوبه على الطرف الآخر. فهتف "جلال" بهدوء:
خلاص يا كريم. بالمناسبة، عدوك مش من عيلتك. دي معلومة مجانية للإغراء. معاك لبكرة الساعة 12 الظهر، وبعدها متلومنيش.
غادر "جلال" تاركًا "الجارحي" في صدمته، وسقط على المقعد مذهولًا من هذا الرجل الذي ظهر من العدم ويعرض له عدوه وقاتل أطفاله مقابل إجراء "قدس" للجراحة. معلومته الأخرى كانت مرعبة، فإن لم يكن العدو من داخل بيته، فمن يكن؟
رواية حرب سقطت راءها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورا عبد العزيز
وقف "كريم" مع موظف المستشفى ثم قدم له سيجارة فتحدث الموظف بجدية وعينيه تحملق بالكمبيوتر الموجود أمامه:
- هادى حمدى أبو النور، دا الوالد اللى سجل لتجهيزات التبرع.
تبسم "كريم" بخفوت ثم أقترب على المكتب بحزم وقال:
- تعرفلي عنوانه بقى؟
تنهد الموظف وعينيه لم تغادر جهاز الكمبيوتر وبدأ يبحث عن سجل "هادى" ووجد صورة من البطاقة الشخصية فأعطها إلى "كريم" الذي غادر المكتب بحماس وأرسل صورة البطاقة إلى أحد أتباع منظمتهم وقال برسالة صوتية:
- ساعات وتجبلي كل المعلومات عن الرجل دا من ساعة ما أتولد وعن بنته.
وضع الهاتف فى جيب سترته عندما وصل إلى سيارته التى صعد بها وأنطلق ينفذ أمر "جلال".
***
خرجت "هدير" من بناية الجريدة التى تعمل بها ورأت "مصطفى" يقف أمام سيارتها فتنهدت بهدوء وأقتربت منه فى صمت ليقول بحزم:
- ممكن نقعد فى مكان نتكلم؟
أومأت إليه بنعم وعبروا الطريق معًا للجهة الأخري وجلسوا فى المطعم المقابل لمكان عملها، طلب "مصطفى" الغداء وعيني "هدير" تتهرب منه فى توتر ملحوظ، ذهب النادل رغم مراقبة "مصطفى" لها عن كثب ثم قال:
- أنا طيارتي يوم 19 فى الشهر يعنى بعد 8 أيام.
أتسعت عينيها على مصراعيها وأنقبض قلبها بحزن من قرار مغادرته لتُتمتم بعجز ونبرة واهنة:
- هتسافر!
وضع يديه على الطاولة مُتشابكين ببعضهم بجدية ونظر إلى عيني "هدير" المُتسعة من الصدمة التى وقعت عليها من قرار مغادرته وظهر الحزن عليها ليقول بحدة:
- أه، أنا شغلي وحياتي هناك يا هدير، أعتقد أنك عارفة كويس أن حياتي كلها فى أنجلترا ووجودي هنا الظاهر أن ملهوش لازمة من الأساس.
أبتلعت لعابها بصمت من الحسرة التى وقعت عليها ثم تنهدت بضيق وقالت:
- توصل بالسلامة يا دكتور مصطفى، عن أذنك.
وقفت من أمامه قبل أن تتناول الطعام وغادرت بضيق شديد فضرب "مصطفى" الطاولة بيده بحزن ثم قال:
- مفيش فايدة.
وصلت إلى سيارتها وجلست بمقعد السائق أمام المقودة لتنهار من البكاء وصوت شهقاتها تعلو فى كل مكان من الوجع والقهرة.
***
لم يترك الألم قلوبهم ليحتل قلب "هادى" حين وصل تقرير تحاليله وسمع الطبيب يقول:
- للأسف حضرتك مينفعش تتبرع، حضرتك عندك تليف كبدي وصعب تتبرع لأن حالتك الصحية لا تسمح بكدا.
صمت "هادى" وهو ياخذ تقارير التحاليل فى يده وينظر لها بحزن شديد وكان هو الأمل الأخير لأبنته "ليان" حتى ينقذ حياتها، أخذ التحاليل وذهب إلى غرفة "ليان" بحزن لينظر عليها ويبدأ يستعد لخسارتها، دلف للغرفة بيأس وكانت "ليان" جالسة مع "ياسمين" تتناول الطعام فرفعت نظرها إلى الباب حين فُتح ورأت "هادى"، تنحنحت "ياسمين" بحرج ووقفت بخفة وقالت:
- طيب أنا هروح أجيب عصير من الكافتيريا.
خرجت لتترك المجال للأب وابنته، جلس "هادى" بهدوء والحزن يملأ وجهه والدموع تتلألأ فى عيونه، نظرت "ليان" له ببرود ثم جمعت شجاعتها وتحلت بالصلابة تبدأ بالحديث قائلة:
- ما لك؟ لو الدكتور قالك أني هموت مش هتدخل مكشر كدة.
- أكيد لا، بعد الشر عنك.
قالها بهدوء شديد فتنهدت "ليان" ونظرت بهاتفها بملل وعيني "هادى" تراقبها ويغلق قبضته بأحكام شديد على الأوراق ثم قال:
- أنا متخلتش عنك يا ليان، أني أتقالي أن الجنين التاني نزل ميت وصدمة موت والدتك لحظتها وانهيار أهلها وخناق بين أنهم يأخد الطفلة اللي عاشت مني، كل دا كانت ظروف صعبة وقتها، يمكن يومها من قهرتي وخسارتي لمراتي اللي بحبها وأم ولادي كان كاسر قلبي خلاني سهوت عن الطفلة اللي ماتت.
كانت تنظر فى الهاتف بملل من وجود هذا الرجل أمامها، سمعته يبدأ بالحديث عن ليلة فقدها لتقلب الهاتف بيدها ورفعت نظرها إليه وبدأت تستمع بأهتمام وحديثه عن الوجع والفراق الذي أصابه يومها جعل الدموع تذرف من عينيه مما جعل "ليان" تقشعر وشعرت برجفة فى صدرها ولأول مرة تلين أمام والدها، تابع حديثه رغم دموعه التى تتساقط على وجنته أمام صغيرته دون خجل أو أحراج:
- أنا اتحديت العالم كله عشان أهل أمك ميأخدوش قُدس مني ويسافروا بيها تركيا لأن مامتك كانت تركية، أنا مبفرطش في لحمي ولو كنت عرفت أنك عايشة حتى لو اتخديتي مني كنت هقلب مصر كلها لأخر نفس فيا عشان أرجعك.
تأففت بضيق من حديثه عن الحرب التي خاضها لأجل أختها في حين أنها كانت طفلته مثلها تمامًا فتحدث بغضب سافر وقد تلقت منه "قُدس" كل الاهتمام:
- أنت بتقولي كل دا ليه دلوقتي؟
رفع يده اليمني وفتح قبضته المغلقة مُقرب إياها من يد أبنته لتنظر "ليان" على تصرفه لكنه عجز عن لمس يدها بخوف من غضبها وعادت يده إلى ركبته كما أقتربت وقال بحزن ولهجة واهنة:
- أنا أسف أني سهوت عنك زمان، أسف أن حسرتي على موت حبيبتي نساني حتة منها، سامحيني يا ليان، سامحيني على جهلي وإهمالي لحاجة كان لأزم أهتم بها بروحي.
ذرفت الدموع أكثر مع اعتذاره فتجمعت الدموع في عيني "ليان" رغمًا عنها تقتل هذا الصمود والصلابة التي تعيش بهما، دموع والدها وطلبه للسماح منها جعلوها تشعر ببرودة في حرارة جسدها الذي أصابه القشعريرة فرفعت يدها هي هذه المرة وفتحت راحة يدها وقالت:
- حصل خير، يمكن دا حصل عشان أقدر أسعد بابا وماما بوجودي.
ينظر إلى يدها الممدودة إليه وتساقطت الدموع بغزارة أكبر ومسك يد "ليان" لأول مرة وقال بضعف:
- سامحيني يا بنتي.
هزت رأسها إليه بنعم ورفعت يدها الأخرى تمسح دموعه بحنان ليُفتح باب الغرفة ودلف "فتحى" مع "ياسمين" وحين رآوا "ليان" تمسح دموع والدها تبسموا بلطف على ابنتهم التي تخلت عن عنادها وغرورها أخيرًا، مسح دموعه سريعًا مع دخولهما بحرج ووقف بحزم وقد عزم أمره على أجبار "قُدس" لخضوع الجراحة من أجل أختها:
- أنا لازم أمشي دلوقتي.
سار للخارج يغادر الغرفة وصُدم عندما رأى "عماد" يأتي في الرواق تجاه الغرفة ويحمل في يده باقة من الورود، رأى "عماد" عمه فتنحنح بحرج وقال:
- أزيك يا عمي، ليان عاملة إيه دلوقتي؟
- إيه اللي جابك يا عماد.
قالها "هادى" بغضب شديد وعينيه تحملق بـ "عماد" الذي فهم سبب تصرفه، تحدث "عماد" بحرج قائلاً:
- هكون جاي ليه؟ جاي أطمن على ليان.
وضع "هادى" يده في جيب بنطلون والأخر تحمل الأوراق وتضرب على كتف "عماد" بالأوراق بتهديد مع كلمات "هادى" الحادة:
- اللي بتعمله دا اسمه عك، ولو قربت من بنتي هتزعل، مش قُدس رفضتك زمان واتجوزت أخوك هتجي دلوقتي لأختها، دا عك وأنا كلامي واضح بناتي مش ليك ولو مش عارف ليه روح بص لروحك في المرايا يمكن تعرف ليه.
غادر من أمامه بضيق بينما تأفف "عماد" بغيظ من حديث عمه ودلف إلى الغرفة بعد أن استأذن بدق الباب، نظر "فتحى" له بينما "ليان" رفعت حاجبها وتذكرت حديث "قُدس" عنه، تبسم "عماد" بخفة وقال بلطف:
- أنا جيت أطمئن على ليان.
أجابته بنبرة قوية حادة وعينيها تكاد تفتك به:
- دكتورة ليان، مفهمتش أنا مين اللي سمح لك ترفع الألقاب بيننا.
تنحنح بحرج من رد "ليان" الصارم معه أمام أهلها فأقترب منها مُحرج وقدم لها باقة الورود ببسمة خافتة وقال:
- إن شاء الله تقومي بالسلامة يا دكتورة.
نظرت للورود بأشمئزاز وعقلها شاردًا في حديث "قُدس" عن مكره وفخه الذي فعله ليتزوجها بالأكراه ولولا "الجارحي" لكانت الآن في قبضة هذا الوغد، تذكرت حديثها عن محاولات "عماد" لقتل "الجارحي" ومضايقة "قُدس"، فاقت من شرودها ونظرها للورود فأخذت الباقة وألقت بها سلة القمامة الموجودة بجوار فراشها ثم قالت بنبرة غليظة باردة:
- مبحبش الورد.
نظر لباقة الورد في سلة القمامة وأشتعلت نيران الغضب بداخله من تصرفها وأغلق قبضته بأحكام يكبح غضبه قدر الإمكان بسبب فعلتها أمام والديها، أحتدت عينيه بغيظ وقال بضيق ونبرة حادة:
- معلش، أنا برضو عملت بأصلي.
غادر الغرفة وبداخله بركان من الغضب على وشك الانفجار من هذه الفتاة الحادة المتمردة، فتاة شرسة وجريئة لا تخشى شيء أبدًا ربما تملك وجه "قُدس" لكنها لم تكن بنفس الشخصية نهائيًا، وصل إلى سيارته وضرب إطارها بقدمه من شدة الغضب الكامن بداخله.
***
وصل "كريم" بسيارة "جلال" أمام مصنع "الجارحي" بعد البحث الشديد عن "هادي" فتحدث بهدوء:
- الجارحي أبو النور موجود دلوقت جوه، هو الوحيد اللي له سلطة على مراته توأم دكتورة ليان، ورغم حادثة الإجهاض لكنه مانع برضو أنها تتبرع بالنخاع مع أنه في الأول كان رافض دا بسبب الجنين، هو الوحيد اللي في إيده يدخل مراته المستشفى، ما دام حضرتك رافض فكرة أننا ندخلها المستشفى بالإكراه.
نظر "جلال" إلى المصنع من الخارج مُستمع لحديث "كريم" ثم قال:
- دخولها بالإكراه سواء خطف أو تهديد هخلي ليان تعاند وهي محذراني أن أذي أهلها.
ألتف "كريم" في مقعده لرئيسه بدهشة وقال بعبوس متذمرٍ:
- محذرك!
نظر "جلال" إلى مساعده نظرة خبيثة وحادة جعلته يبتلع لعابه بتوتر وخوف ثم نظر إلى الأمام خائفٍ، ترجل "جلال" من سيارته وأغلق زر سترته وقال بتمتمة:
- هو معندوش حل غير أنه يوافق ما دام بيدور على اللي قتل ابنه زي ما قلت.
أومأ "كريم" إليه بنعم متأكدًا من المعلومات التي وصل إليها عن العائلة بأكملها، دلف "جلال" للقاء "الجارحي"، هذا اللقاء المُرعوب بين اثنين يحتلهما الكبرياء ولن يتنازل أي منهما والخوف على المحبوبة وحمايتها من الخطر كان هدفهما الأول، لقاء الجبابرة كلاهما متشابهين في الهدف والشراسة والتهديد لن يصلح بينهما.
***
جلست "قُدس" مع "وصيفة" بشقتها ومعها "هادى" و"هدير" فنظرت إلى والدها الذي يخبرها برفض الطبيب لتبرعه، تحدثت "قُدس" بعفوية قائلة:
- متقلقش يا بابا أنا مش هسيب أختي، وهتكلم مع الجارحي ولو رفض أنا هجي معاك من وراؤه لأني مش هخسر أختي زي ما خسرت ولادي.
تنهد "هادى" بعجز وخوف من رفض "الجارحي" فقالت "وصيفة" بلطف:
- لا يا بنتي، متعمليش حاجة من وراء جوزك، اتكلمي معه وجارحي مش قاسي ومش هيرفض أنك تساعدي في علاج اختك خصوصًا أن مبقاش في خطر على حياتك.
نظر "هادى" إلى "هدير" وكانت شاردة وصامتة، حزينة جدًا بعد قرار "مصطفى" بالسفر فسال بهدوء:
- ما لك يا هدير؟
نظرت "وصيفة" تجاه ابنتها الصامتة ثم قالت:
- مفيش.
تحدثت "وصيفة" بنبرة خافتة والحزن يحتل نبرتها الضعيفة:
- العريس اللي كان متقدم لها هيسافر، أنت عارف إحنا أجلنا الاتفاق والفاتحة كتير وبعد موت الحج الله يرحمه بقى صعب الأسبوعين دول وأبوك ممرش على وفاته أسبوع واحد حتى.
دمعت عيني "وصيفة" من الحزن وقلب الأم يمزقها من جهة لأجل ابنتها وقلب الحبيبة يفتك بها وجعًا وقهرًا من فراق زوجها، أقترب "هادى" من والدته وجث على ركبتيه أمام أمه وأخذ يديها في يده وقبلها بحنان وبدأ يربت على ظهرها بدفء وقال:
- متعيطيش يا أمي، أدعيله بالرحمة ولو على هدير أخوها في ضهرها متخافيش.
ظلت تبكي بحزن وفراق "حمدى" أكثر ما يلتهم قلبها، ذكريات العمر بأكمله لم تفارقها مُنذ رحيله فمسحت على رأس ابنها ووقفت تعود غلى غرفته مُنهكة من الحديث وكأن فراق "حمدى" سلبها روحها معه فباتت ضعيفة وحزينة ولا تبالي بشيء في هذا العالم سوى البكاء على وفاة محبوبه، نظر "هادى" إلى "هدير" بيأس فوقفت "قُدٍس" من مكانها بهدوء وقالت:
- أنا طالعة أتكلم مع جارحي.
خرجت من الشقة لترى "ليل" جالسة على الدرج مع "عمران" تأكل معه كيك وتتحدث بعفوية وتضحك قائلة:
- أستنى بس والله مش دا اللون اللي عجبني.
توقفت عن الحديث حين رأت "قُدس" ونظر "عمران" إلى "قُدس" بهدوء بينما نظرت له في صمت نظرة ماكرة ومُشمئزة من رؤيته لكنها تحلت بالصبر حتى تمسك الدليل كما أخبرها "يزيد" وصعدت بغرور من جانبهما فتحدثت "ليل" بنبرة هادئة تستوقفها بالكلمات الباردة:
- هتفضلي مقاطعاني كده حتى بعد ما عرفتي أن عمران مكنش بيكذب وأن كان في واحدة نسخة منكِ وطبيعي أنه يفكر أن دي إنتِ.
ألتفت "قُدس" لها وهي تعلاهما بدرجات السلم ورمقته بأزدراء ثم قالت بغرور:
- ما هو النجس فاكر كل الناس أنجاس زيه.
ضحكت بسخرية وعينيها ترمق "عمران" من الرأس لأخمص القدم بأحتقار وصعدت مما جعله يستشيط غيظًا من غرورها وحديثها المهين له فتمتم بصوت خافت:
- مبترحمشي، كبريائها مبيتكسرش.
سألته "ليل" بعفوية وهى لم تفهم كلماته الخافتة ولم تسمعها بوضوح:
- بتقول حاجة؟
وقف من مكانه بغضب شديد وقال بغيظ:
- أنا ماشي، هو أنا كل ما أجي هنا أتهزق، دا أي القرف ده.
تركها وخرج من العمارة لتركض خلفه بحزن من رحيل وقالت:
- عمران أستنى.
لم يبالي بصراخها ليغادر، كان "يزيد" جالسًا على المقعد الرخامية الموجود بجوار البواب مع "رجب" ويشرب كوب الشاي الساخن وفي يده الأخرى سيجارته المُشتعلة بين السبابة والوسطى، أنتبه لصوت صراخها فرأى "عمران" يخرج من العمارة وهي تركض خلفه تصرخ فأخذ رشفة من كوبه وقال بسخرية:
- هانت وهتبكي كتير في اللي جاي.
سأله "رجب" باستفهام:
- بتقول إيه؟
- لا، مفيش.
قالها ووقف من مكانه وترك كوب الشاي ووضع سيجارته بين شفتيه المُمتلئتين يأخذ جرعته الأخيرة منها وقدميه تسير نحو "ليل" وألقى بالسيجارة قبل أن يصل أمامها ودهس سيجارته بحذائه وينفث دخانه بضيق وقال:
- أساعدك في حاجة يا آنسة ليل؟
- هي ناقصك أنت كمان على ليل.
قالتها بعبوس وعادت للداخل فألتف ينظر على باب العمارة وتبسم بخبث وقالت بتمتمة:
- ده إنتِ ليلك هيطول الليالي.
***
الجارحي على هاتف "الجارحي" لكنه لم يُجيب، نظر "الجارحي" على شاشة هاتفه بعد أن سمع الصوت وكان اسم "يزيد" فلم يُجيب، أغمض عينيه من جديد وشاردٍ بجنون في عرض "جلال" وعقله يحاول أن يستوعب أو يفكر في عدوه؟، فتح باب الغرفة ودلفت "قُدس" رأته جالسًا في مقعده خلف المكتب ومُتكئ بظهره على المقعد شبه نائمٍ وعينيه مُغمضتين والهاتف مُضئ يرن ولكنه على وضع الصامت، تنحنحت برقة وقدميها تسير نحو زوجها وألتفت حول المكتب لتقف أمامه فتح عينيه بخمول بعد أن سمع صوتها وشم رائحتها، رمق صغيرته بعيني شبه مغلقتين، تحدثت "قُدس" بنبرة هادئة جدًا تقول:
- ممكن أتكلم معاك شوية؟
أغمض عينيه من جديد رافضٍ الحديث في صمت، مُدركٌ أن سبب رغبتها في الحديث هو مرض أختها، مسكت "قُدس" يده في راحة يدها الصغيرة مما جعله يفتح عينيه من جديد ونظر ليديهما المُتشابكة فتحدثت بنبرة خافتة:
- تحاليل بابا طلعت والدكتور رفض أنه يتبرع وكده.
تحدث بتعب مُنهكٍ من إصرارها:
- وكده معندهمش غيركِ، مش ده اللي هتقوليه؟
تنحنحت بلطف متوترة من ذكائهِ وفهمه لما تنوي قوله، همهمت بخفوت:
- أنا مش عايزة أخسر أختي، أنا خسرت ناس غالية على قلبي كتير الفترة دي مش حمل خسارة تانية.
أجابها بنبرة دافئة:
- وأنا مش حمل خسارة برضه.
تطلعت بوجهها ليرتبك بنظراتها ووقف من مقعده يأخذ الهاتف مُتحدث بتلعثم:
- أنا هروح أرد على يزيد.
وقفت أمامه تمنعه من المغادرة والهروب منها، نظر إلى زوجته البريئة التي مسك يده الأخرى بتشبث وقالت بضعف:
- أرجوك يا جارحي، ده أول مرة أطلب منك حاجة، أنا بس عايزة إذنك وموافقتك لأن مش عايزة أعمل حاجة من وراك ومش عايزة أسيب أختي.
مسك فك وجهها بقوة بعد أن سحب يده من يدها بانفعال وقال بتهديد واضح:
- إنتِ متعرفيش تعملي حاجة من ورايا.
صمتت ورأسها في قبضته وعينيها تتطلع به، شعر برجفة في صدره من النظر بعينيها وهذه الفتاة الصغيرة احتلت صدره بأكمله وصراعه الآن الذي يقتله من الداخل بسبب هذا الحب الذي يضعفه ويتحكم به على عكس عادته، ترك وجهها بضيق وحاول أن يمر من جانبها هاربًا من ضعفه وشعور العجز أمامها وهو لا يقوى على مقاومتها فتحدثت الصغيرة بلطف:
- أعتبر الطلب ده هدية عيد ميلادي.
ألتف إليها بصدمة وتذكر عيد ميلادها التاسع عشر وتبقى أسبوع واحد لتبلغ التاسعة عشر من عمرها، صُدم من طلبها وهديتها التي ترغب بها فقال بتلعثم:
- هديتكِ!
هزت رأسها بنعم ثم قالت بعناد أكبر وتحدٍ:
- أنا اتفقت معاك أننا هنطلق أول ما أولد ودلوقتي خلاص مفيش حمل ومفيش سبب يخليني مطلقش منك ولا أقعد معاك، لكن لو وافقت تخلي أنقذ ليان هقعد معاك ومش هطلق إلا لو أنت اللي حبيت تطلقني، أعتبر موافقتك دي مش بس هدية عيد ميلادي ده مهرى وشبكتي.
أتسعت عينيه على مصراعيها من هول الصدمة في إصرار زوجته العنيدة، تقيد زواجها به وبقاءها معه بمجازفته بحياتها، سارت بغضب يحتل ملامحها لتخرج من الغرفة لكنه مسك معصمها حين مرت من جواره فنظر الأثنين لبعضهما فسأل بحيرةٍ مُرتبكٍ:
- لو وافقت هتفضلي معايا؟
تحمست لسؤاله بعفوية ومعنى سؤاله أنه يرغب بوجودها جواره لكنها كبحت الحماس والفرحة بداخلها وظلت على عنادها وإصرارها فقالت بجدية ووجه عابس جدًا:
- العمر كله، لو وافقت يا جارحي هفضل معاك العمر كله.
تركته وغادرت ليفكر في عرضها هي الأخرى، إذا رفض سيخسر زوجته وقاتل أبناءه أما بموافقته سيكسب عرض "جلال" ويقبض على قاتل أطفاله وعدوه وسيكسب عرض "قُدس" ببقائها بجواره، وينقذ زواجه ورغم كل الإغراءات في العروض لكن فكرة أن "قُدس" ستدخل للعمليات وتجازف بحياتها مُرعبة جدًا.
***
أستيقظت "ليان" صباحًا على صوت دقات باب غرفتها فنظرت تجاه الباب بتعب لترى "قُدس" تدخل بهدوء مع "وصيفة"، أعتدلت "ليان" في جلستها بتعب وكل ليلة تمر عليها تنتظر نهاية مرضها تكون أشد ألمًا، جلست "قُدس" مع أختها وهكذا جدتهما فسألت "وصيفة" بنبرة خافتة:
- عاملة إيه دلوقتي؟
- دي صفصف، تيتا بس مبتحبش كلمة تيتا أبداً قوليلها يا صفصف.
قالتها "قُدس" بعفوية وبسمة تنير وجهها رغم حدة "ليان" وصمتها البارد فلم تُجيب على "وصيفة" لتنهد "قُدس" بلطف ثم قال:
- كمان جارحي جه معايا يطمن عليكِ بس هو بيركن العربية تحت وجاي.
- تعبتوا نفسكم والله.
قالتها "ليان" بسخرية ما جعل "قُدس" تشعر بحرج وتركت "وصيفة" مع "ليان" وخرجت تقف أمام الغرفة واتصلت على زوجها لكنه لم يُجيب.
***
ترجل "الجارحي" من سيارته بعد أن صفها في مرآب السيارات وكان هاتفه يرن باسم "صغيرته" كاد أن يُجيب لكن مانعه ظهور "جلال" أمامه فحدق الأثنين ببعضهم بغرور وكبرياء لا يقل أحد عن الأخر، وضع "الجارحي" يديه في جيوبه بغرور وقال:
- أنت بايت في الجراج.
تبسم "جلال" على سخريته في الحديث وقال بسخرية أكبر:
- وأنت فاكر إن مقدرش أسحبها للعمليات.
كز "الجارحي" على أسنانه بغيظ ومسك لياقة قميصه بغضب ثم قال:
- طب جرب تقرب لها؟
فك "جلال" يده بقوة وأبعده عنه بعيني ثاقبة كاد أن يلتهم "الجارحي" بعينيه وقال بحزم:
- لتكون فاكر أني خايف منك، أنا اللي مانعني وعدي لليان أني ما أذي أختها لكن لو هتسوق العوج وهخسرها هدوس على وعدي عادي المهم أنها تعيش فمتختبرش صبري كتير لأني مش خايف منك.
حك "الجارحي" لحيته بحيرة ثم قال بحزم:
- متعرفش تعمل حاجة، أخرك فاضي، الجارحي أبو النور متخلقش اللي يهدده ومفيش جنس مخلوق يقدر يقرب من مراتي.
يضحك "جلال" بسخرية وقهقهته المُستفزة كادت أن تفقد "الجارحي" أعصابه فتحدث بسخرية وسط:
- معلش بس والله ضحكتني، أمال مين اللي سقطها القدر، من ناحية أن يقدر يقرب من مراتك ففي، وقدر وخطط وقرب وقتل عيالك ومراتك كانت هتروح فين يا معلم الجارحي أبو النور.
أقترب "جلال" منه أكثر وربت على سترته يمسح على كتفه بسخرية وقال بنبرة خافتة:
- ولو عرفت هو مين هتنبهر أن صعلوك زي دا عرف يعمل كل دا، وحقيقي أنا لما عرفت هو مين استغربت أن حشرة تداس بالجزمة زي دا يعرف يعلم على المعلم الجارحي.
حديثه عن عدوه جعل نار الفضول تشتعل بداخل عقل "الجارحي" وتأكل خلايا عقله وتفكيره، تحدث "جلال" بتهديد واضح:
- باقيلك من مهلة عرضي 19 دقيقة.
قالها وعينيه تنظر في ساعة يده ليُجيب "الجارحي" بغرور سافر ونبرة باردة جعلت "جلال" ينفجر غضبًا:
- عرضك ميلزمنيش ولو على العملية أنا مراتي فوق بتعمل التحاليل والدكاترة لو قالوا أن مفيش خطر عليها هتعمل العملية مش خوف منك لكن لأن وعدي لمراتي أهم بكثير من واحد زيك وعرضك.
تركه وسار بعيدًا مما جعل "جلال" يستشيط غضبًا من برود هذا الرجل لكن بداخله فرحة تغمره لموافقة "قُدس" على الخضوع للجراحة فتمتم "جلال" بنبرة خافتة مُرعبة:
- تقارير الدكاترة تطلع بالموافقة حتى لو قُدس هتموت، واضح؟
أومأ "كريم" بنعم وأشار إلى أحد الرجال الذي ذهب مُسرعًا يلبي أمر رئيسه وجلس "جلال" في سيارته ينتظر الرد، ذهبت "قُدس" إلى غرفة الفحوصات وكان "الجارحي" و "وصيفة" يراقبوا الوضع معهم واستمر الوضع لساعات طويلة حتى خرج الطبيب إلى "الجارحي" وقال:
- إحنا هنحجز المدام هنا عشان نجهزها للعملية؟
نظر "الجارحي" إلى زوجته التي خرجت خلف الطبيب وشعر برجفة خوف بداخله من حديث الطبيب، أقتربت "قُدس" ووقفت بجواره ومسك يده كطفلته الصغيرة وبدأت التجهيزات رغم معارضته لكنه يحاول أن يدفع مهرها الذي طلبته لتبقى معه للأبد، وصلوا إلى غرفة "ليان" وجهزت الممرضة السرير المجاور لها وجلست "قُدس" به مما أدهش "ليان" التي قالت بحدة:
- هو في إيه؟
تبسمت "قُدس" بعفوية لأجل أختها وتمدد على الفراش فتحدثت "وصيفة" بنبرة خافتة:
- أنا هجيلك الصبح، قصدي هاجيلكم.
أومأت "قُدس" بنعم بينما "ليان" نظرت للجهة الأخرى بضيق، وقف "الجارحي" بجوار زوجته ومسح على رأسها بحنان وهمس إليها بجدية:
- أنا هبعتلك كل حاجة مع يزيد وهخليه يستناكِ برا لو احتجتي أي حاجة إنتِ عارفة هو هيعملك كل اللي عايزاه.
هزت رأسها بنعم وبسمة مُشرقة تنير وجهها البريء، عينيه تحتضنها بنظراته خائفٍ من المغادرة وتركها وحيدة في المستشفى وقلب لا يقوى على المغادرة وترك صغيرته خلف ظهره فتبسمت " قُدس" كالبلهاء وقالت:
- متخافش أنا كويسة.
هز رأسه بنعم وغادر في هدوء لينزل إلى سيارته الموجودة في المرأب وقرر أن ينام بها حتى الصبح مغلوبًا على أمره وقلبه رافضًا العودة للمنزل بدونها فأغمض عينيه بأستسلام ولم يفتحهما سوى على صوت هاتفه وكان "يزيد" لكن عندما وضع الهاتف على أذنه أتسعت عينيه على مصراعيها من الخوف وفتح باب سيارته ليركض خارجها بعد ما سمعه من "يزيد" وركض حيث غرفة زوجته ليُصدم عندما وجد التوأم يصارعان الموت و"قُدس" على فراشها فاقدة للوعي والدماء تخرج من أنفها و"ليان" غارقة في بركة من الدماء تسيل من أنفها وفمها بغزارة فيضانية بسبب مرضها، لا تُصدق المنظر الذي رآه والأطباء في حالة من الذعر ولا تعرف أحد ما أصاب الفتاتين فحاول الأطباء إنقاذهما بقدر المستطاع حتى وصل رئيس الأطباء في اللحظة التي توقف بها قلب "قُدس" عن النبض وأصدر الجهاز إنذاره يعلن عن توقف القلب وبعد محاولات لأنعاش القلب وباتت كله بالفشل عاد النبض ضعيفًا جدًا يكاد ينقطع مجددًا فصرخ "رئيس الأطباء" بفريقه الطبي:
- بسرعة على أوضة العمليات.
رواية حرب سقطت راءها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نورا عبد العزيز
كانت الفوضى تعم غرفة العمليات، والجميع في هلع يحاولون إنقاذ التوأم. بدأ طبيب التخدير في تخديرهما، والممرضات يحاولن السيطرة على نبضات القلب الضعيفة مع الطبيب المساعد. وضع الأكسجين على أنف "قُدس"، في حين أن الخطر كان يحيط بحياة "ليان" أكثر بسبب ضعف جسدها ومضاعفات مرضها. وضع الأطباء في الجراحة التي استغرقت الليل بأكمله.
***
دلف "كريم" على غرفة نوم "جلال" يوقظه من نومه بذعر يحتل ملامحه. فهمس بقرب الفراش:
- جلال بيه.
التفت "جلال" بأرهاق يحتضن وسادة بتذمر من يقظته في الصباح، متمتمًا بنبرة خانقة:
- بعدين يا كريم.
أكمل نومه ويديه تحتضن الوسادة، حتى قاطع هدوء نومه جملة "كريم" الذي تفوه بها بنبرة متحجرة وخوف جعله صوته مبحوح:
- دكتورة ليان دخلت العمليات.
فتح "جلال" عينيه بدهشة ونظر في الساعة الموجودة بجوار الفراش، وكانت السادسة والنصف صباحًا. شعر بغصة من القلق تقتحم قلبه، فقال بتمتمة:
- دلوقت؟
تنحنح "كريم" بجدية يجمع قوة صوته ليخرج بوضوح من الخوف، ثم قال بحزم:
- حالتها ساءت جدًا بالليل هي وأختها ودخلوا العمليات، وحالتهم الاثنين في خطر والدكاترة مش مبشرين بالخير أبدًا.
انتفض من مكانه بذعر من كلمات "كريم"، وقال بفزع يحتله:
- ليه؟
سار نحو غرفة تبديل الملابس وارتدى ثيابه، مستمعًا لحديث "كريم" من الخارج يقول:
- الدكاترة دخلوا الأوضة بالليل، كانت حالتهم سيئة جدًا وقلب أختها قُدس كان وقف عن النبض، واللي وصلني من تحت إن الدكاترة شاكين إن في حد حاول يأذيهم لأن حالتهم مكانتش طبيعية، بس هيتأكد شكوكهم من التحاليل.
خرج "جلال" بفزع وغضب أحتله يفوق قلقه بعد ما سمعه، وكان القميص في يده وصدره عالي، ليتحدث بنبرة غاضبة:
- شكوكهم وهيتأكدوا، أمال البهايم اللي سايبهم هناك لازمتهم إيه؟ وأنت واقف قصادي هنا بتعمل إيه؟
أقترب خطوة من "كريم" الذي تحاشى النظر إليه من الخوف وطأطأ رأسه. فمسك "جلال" ذقنه بقبضته ورفع رأسه إليه بغضب أكبر، وقال بتهديد وعينيه يتطاير منها الشر:
- تتأكد قبل الدكاترة، ولو حصل وكان في حد أذى ليان، عرف البهايم اللي مشغلهم إني هدفنها في أرضهم لو حصل.
دفع رأس "كريم" بقوة جعلت "كريم" يفقد توازنه ويعود خطوة للخلف من شدة الدفع. مر "جلال" من جواره غاضبًا وقدميه تطوي الأرض طيًا ليذهب إليها. وصل للمستشفى وتحديدًا أمام باب غرفة العمليات، وكان "هادي" يجلس منهارًا ووجهه شاحب ويديه ترتجف، وبناته الاثنتين بالداخل يصارعان الموت. جالسًا يرتجف وبجواره "وصيفة" تربت على كتفه تحاول تهدئة خوفه وقلقه، وجوارها "هدير". أما "ياسمين" منهارة من البكاء و"فتحي" يضم يديها ويربت عليها بعينيه الدامعة لكنه يحاول تمالك أعصابه. و"الجارحي" يقف بعيدًا متكئًا على باب غرفة العمليات ويسند بذراعه على الحامل الحديدي لا يقوى على الوقوف، ويفكر في صغيرته والحالة التي وجدها بها. لا يصدق أنه رأى قلبها توقف عن النبض أمام عينيه. شريط ذكرياته معها يمر أمام عينيه منذ نعومة أظافرها، وكل مرة تبتسم في وجهه وعنادها وحنانها. سقطت دمعة من عينيه أمام الجميع تشق طريقها على وجنته الباردة من القلق. تحدث "جلال" بغضب وعينيه تشتعل كالجمر من الغضب ويكز على أسنانه:
- غور شوف دا حصل إزاي؟
ذهب "كريم" بعيدًا ليرى ماذا حدث وكيف. سمع "الجارحي" صوته فرفع رأسه ليتطاير منه الغضب، فأسـرع نحوه بخطوات قوية وبمجرد وصله لكم "جلال" في وجهه بقوة كاد أن يفقده توازنه وهو يصرخ:
- قُدس لو حصلها حاجة مش هيكفيني فيها روحك أنت واللي بلدك كله.
نظر الجميع نحوه بدهشة. مسك "جلال" وجهه بغضب. من البداية وهو يحمل فيضان من الغضب ليكمله ضرب "الجارحي" الآن ليرد اللكمة لاثنين، فضربه "الجارحي" أكثر والأثنين بنفس الكفاءة والقوة، فأبعدهما "فتحي" و"هادي" الذي صرخ بقوة بهم:
- أنا فيا اللي مكفيني مش ناقصكم انتوا الجوز؟
صرخ "الجارحي" بينما "فتحي" يمسكه من خصره بإحكام قائلًا:
- ورب العرش لو مراتي جرالها حاجة لأقتلك ليان بإيدي، كله بسببكم.
لم يتحمل "جلال" تهديده بقتل "ليان" فكاد أن يقترب ليمسكه "هادي" بقوة، فقال بتهديد واضح وعينيه تلتهم "الجارحي" ولو كانت النظرات تقتل لـسقط الجارحي قتيلًا الآن من نظرته الحادة المرعبة:
- جرب ترفع عينيك فيها وأنا همحيك من وجه الأرض أنت وعائلتك وكل اللي ساندك.
دفع "الجارحي" "فتحي" بعيدًا وأنقض عليه يلكمه بقوة أكثر، وهكذا "جلال" وكأن الاثنين اتخذوا هذه المعركة لتفريغ الخوف والقلق الذي استحوذ على قلبهما من فقد محبوبتهما. تحدثت "وصيفة" بفزع:
- قُدس.
توقف الاثنان عن الحرب القائمة حين سمعا صوتها. التفتوا ليروا باب غرفة العمليات فُتح وخرج التروالي الأولى، فركض الجميع نحوه وكانت "قُدس" به فاقدة للوعي. تحدث "الجارحي" بذعر وعينيه لا تصدق حالة صغيرته:
- قُدس.
- عن إذنكم.
قالتها الممرضة بتعجل وأخذت التروالي بسرعة تدفعه مع زميل لها إلى العناية المركزة، فسأل "جلال" عن صغيرته العنيدة قائلًا:
- ليان فين؟
- لسه العملية شغالة.
قالتها الممرضة وركضت بعيدًا لتعود بأكياس دماء راكضة بتوتر ودلفت من جديد إلى غرفة العمليات. طعن خنجر القلق قلبه بعمق أكثر من حديث الممرضة. جاء الطبيب إلى غرفة العمليات فسأل "هادي" بذعر:
- طمني يا دكتور على بناتي؟
تنهد الطبيب بهدوء ثم قال:
- نخلص بس ونتكلم.
صرخ "جلال" به بأنفعال يقول:
- هو إحنا بنقولك خرجها، إحنا بنقول طمننا عليها؟
تنهد الطبيب بهدوء يلتقط أنفاسه بقلق وهو يتذكر "جلال" جيدًا وكيف اقتحم المستشفى فجرًا برجاله وأسلحته، فقال بتوتر:
- للأسف تحليل الدم أثبت إن في سم دخل جسمهم وحاليًا بنحاول نعرف السم دا دخل إزاي وده عرضهم لحالة التسمم اللي كانوا فيها. بالنسبة للمتبرعة حالتها خطيرة لأن نسبة السم كبيرة في دمها، أما آنسة ليان السم أثر على أعراض مرضها.
مسكه "جلال" من البالطو الأبيض ودفعه بقوة في الحائط من الغضب وقال:
- تسمم! ليان لو جرالها حاجة أنا ههد المستشفى على رؤوسكم كلكم.
لم يصدق "هادي" ما سمعه وأن أحدهم حاول قتل بناته وظل مصدومًا، بينما الطبيب فر من يدي "جلال" بصعوبة ليدخل إلى غرفة العمليات. كان "الجارحي" واقفًا أمام غرفة "قُدس" وبجواره "وصيفة" و"هدير". ظل يرمق صغيرته والطبيبة تضعها على الأجهزة ليرفع يده ووضعها على الزجاج يتمنى لو يمكنه لمس وجهها الآن، فتمتم بضعف وصوت مبحوح:
- اجمدي يا قُدس.
ربتت "هدير" على ظهره بلطف وقالت:
- إن شاء الله تقوم لك بالسلامة يا جارحي.
هز رأسه بنعم وخمول في جسده من التعب، وكل ما يسيطر على عقله الآن أن لا تخذله الصغيرة وتغادر هذا العالم. تمنى لو أخبرها بحقيقة مشاعره قبل أن تصارع الموت. مسكت "وصيفة" يده بحنان وقالت:
- وحد الله يا ابني وادعي لها تقوم بالسلامة يا جارحي.
- يارب.
قالها بنبرة خافتة ولهجة واهنة. رأى التروالي الآخر يأتي وعليه "ليان" وحالتها لا تقل شيء عن صغيرته، فأخذه إلى غرفة أخرى للحجر الصحي وبجوارها "هادي" ووالديها و"جلال"، فتنهد بتعب وأغمض عينيه. لا يستوعب ما حدث بين ليلة وضحاها. فنظر "هادي" على الغرفتين المجاورتين وبناته بداخلهم، كلا منهما تصارع الموت بطريقة مختلفة. نظر على وجه "الجارحي" بعقل شارد يفكر في الفاعل؟ من المجرم الذي قرر قتل بناته؟ كان يحملق بوجه "الجارحي" رغم الكدمات التي تملأ وجهه من الصراع الذي دخله مع "جلال" وتورم شفتيه، وتساءل إن كان السبب؟ لكن إذا كان المنتقم يرغب بجرح "الجارحي" والانتقام منه لأجل الورث، فلما "ليان" طالها نار الانتقام؟ أصبح عقله شاردًا وعالقًا بين أفكاره المخيفة.
***
خرجت "مديحة" من غرفتها مرتدية عباءة سوداء من الحرير وتضع حجابها الأسود حول رأسها وتزين بذهبها الذي يملأ ذراعيها بأسوارها العريضة والكثيرة، وثلاثة سلاسل تحيط عنقها وصدرها. فرمقتها "آسيا" بدهشة وقالت:
- انتِ خارجة يا ديحة؟
- أه يا عيون ديحة؟ رايحة للمحامي أشوف مالي اللي أبوكِ سرقوه مني وراح رماه في بطن جارحي.
قالتها بضيق شديد. فوقفت "آسيا" أمامها وعقدت ذراعيها أمام صدرها تتفحص والدتها من الرأس لأخمص القدم وقالت بحدة متعجبة هيئتها:
- هتخرجي بذهبك وإنتِ متزينة به كده وجوزك لسه ما اتدفنش حتى يا ديحة؟
تحدثت "مديحة" ببرود وقهرة تغمرها من الداخل قائلة:
- ما اتدفنش!! أبوكِ ده يا آسيا ما يتزعلش عليه، وبعدين ما أنا متنيلة لألبس أسود أهو، وبعدين الحرامية اللي زي أبوكِ ما بيتزعلش عليهم.
تأففت "آسيا" بضيق من حديث "مديحة" وقالت بعناد ووحدة:
- جرا إيه يا ديحة هى هتهب منك على آخر الزمن؟ اهدئي كده واعقلي وكني في بيتك للأربعين ومتفرجيش الناس علينا، الورث مش هيطير.
ربتت "مديحة" على كتف ابنتها بضيق وقالت بسخرية:
- ومقولتيش البوقين دول لحرمته المصون ست وصيفة ليه؟
ضربت "آسيا" كفيها ببعضهما من الغضب وتعجيز والدتها في المقارنة حتى بعد وفاة زوجهما تضع المقارنة بينهما، ثم قالت بغيظ:
- إنتِ عايزة تجنني، هي وصيفة خارجة بمزاجها دا ظرف طارئ رايحة لحفيدتها اللي بتموت في المستشفى ومعها ابنها راجلها، أمشي خشي جوه يا أما متفرجيش علينا الناس. لا ناس إيه دا شرع ربنا، خشي الورث مش هيطير وجارحي مش فاضيلك دلوقتي.
- طبعًا هو إنتِ هتجيبيه من برا، ما إنتِ بنته الحرامي ابن الحرامية.
قالتها بغيظ شديد وعادت لغرفتها غاضبة، فتأففت "آسيا" بضيق من تصرفات والدتها ثم التفت لتذهب نحو غرفة ابنتها "ليل" وفتحت الباب لتسمع "ليل" تقول:
- يا عمران ما قلت لك جارحي ورث كل حاجة وكلنا بقينا لا نملك شيء.
وقفت "آسيا" محلها قبل أن تفتح الباب بأكمله تسترق السمع لهذا الحديث، فتابعت "ليل" الحديث قائلة:
- أيوة يعني أعمل إيه دلوقتي ما أنا اللي في إيدي عملته وبدلت الشبكة عشان تقدر تجيب الشقة، جاي دلوقتي تقول لي أجل الجوازة عشان مفيش شقة.
حكت "آسيا" ذقنها بتركيز وهي لا تستمع لحديث "عمران"، لكن رد ابنتها جعلها تتوقع ما يلفظ به "عمران". تأففت "ليل" بضيق وقالت:
- لا إنت مجنون بجد، عايزني أروح لجارحي وأقوله يديني شقة في العمارة أسكن فيها، دا لو ناوي يعملها بعد المشكلة اللي عملتها وحطت قُدس فيها مش هيقبل لو وقفت على راسي.
صرخت بانفعال غاضبة جدًا من حدة "عمران" وقالت:
- يوووه أعمل اللي تعمله بقى أنا زهقت، تتجوز تأجل الجوازة أنت حر، دي بقت حاجة تقرف.
فتحت "آسيا" الباب وهي لا تتحمل التجسس أكثر من هذا وقالت بغضب:
- ليل!
أغلقت "ليل" الهاتف والتفتت إلى والدتها التي قالت بحدة:
- مش دا اللي أنا قلته، المحروس عايزكِ تجيبله الشقة، ما نأخذه بشنطة هدومه بالمرة.
تنهدت "ليل" بحزن وحرج من حديث والدتها ثم قالت بتوتر:
- لا يا ماما مش كده هو بس الراجل اللي اشتري منه الشقة نصب عليه وطلع بايع الشقة لحد تاني.
قهقهت "آسيا" بسخرية وعينيها ترمق صغيرتها التي تنكمش في ذاتها على الفراش وطأطأت رأسها للأسفل وشعرها مسدول على الجانبين يخفي ملامح وجهها. تحدثت "آسيا" بنبرة غليظة:
- دا بيضحك عليكِ يا حبيبتي وبيستغفلكِ، الواد دا داخل على طمع وبكرة تقولي أمي قالت.
تأففت "ليل" بضيق من حديث والدتها وهي تضغط عليها بهذا الحديث أكثر وقالت بحدة:
- يوووه أنا فيا اللي مكفيني يا ماما.
- آخره قومي نروح نزور قُدس في المستشفى ويبقى لنا كلام تاني في الموضوع ده.
قالتها بجدية صارمة فأومأت "ليل" لها بنعم ووقفت من مكانها لتبدل ملابسها.
***
في غرفة العناية المركزة كان "الجارحي" جالسًا مع زوجته ويمسك يدها الصغيرة في قبضة يده والحزن احتل ملامحه ليقول بخفوت شديد:
- اجمدي يا قُدس وقومي لي بالسلامة، إنتِ وعدتيني لو وافقت هتفضلي معايا.
انحنى ليضع قبلة على يدها فسقطت دمعته على أناملها الصغيرة وقال بهمس:
- أنا بحبك يا قُدس، بحبك أوي وما عرفتش كده غير لما خوفت عليكِ وحسيت إن ممكن أخسرك، أرجوكِ متسبنيش لأن ماليش غيرك، أوعي تسيبني وتمشي قبل ما أقولك إني بحبك وأسعدك، أوعي تخلفي وعدك معايا لأن مش هسامحك عمري كله لازم تكوني قد الوعد.
تشبث بيديها بإحكام خائفًا من خسارتها، فخرج منها زفير قوي جعل صدرها ينتفض مما أفزعه ووقف بذعر ينادي للطبيب، لكن قبل أن يتحرك توقف محله بدهشة عندما شعر بيدها تضغط على يده وتلفظ اسمه بصوت خافت وحروفها متلثمة جدًا:
- جـ ـا ر حـ ـى.
دمعت عينيه من الفرحة بيقظتها وجلس محله مرة أخرى ويده تتشبث بيدها بقوة. فتحت عينيها ببطء وظهرت خضراويتيها الجميلتين تحملق في العدم باحثة بعينيها الساحرتين عن رجلها وتنادي عليه مرة أخرى:
- جا ر حي.
- أنا هنا.
قالها بخفة لتُدير رأسها بتعب نحوه وحملقت به لترى دموعه وكدمات وجهه فقالت بصوت واهن:
- خوفت عليا؟
رفع يده الأخرى ليعانق يديها بإحكام أكثر وقرب يدها ليضع قبلة فوقها بحنان وعينيه على محبوبته لا تفارقها وتساقطت دموعه فتمتمت بضعف وصدرها يصعد ويهبط بقوة من التعب:
- متخافش أنا كويسة.
هز رأسه بنعم فأغمضت عينيها من جديد من التعب وتبتلع لعابها بصعوبة والحديث يؤلمها. سألت بقلق:
- ليان.. ليان عاملة إيه؟
- كويسة.
قالها بخفوت ولا يهتم لهذه الأخت، فتنهدت "قُدس" بأريحية وعادت لنومها العميق ويدها تحتضن يده ليغادر الغرفة بعد أن تسلل منها ليحضر الطبيب يفحصها وجاء معه "هادي" بسرعة البرق. وقف ينتظر الطبيب بأريحية بعد أن اطمئن على زوجته لكن سعادته وأريحيه لم تدوم كثيرًا حين قاطعه الطبيب الذي خرج من الغرفة وقال:
- الحمد لله جسمها استعاد صحته وتخلصت من كل السموم.
اندهش "الجارحي" من كلمته الأخيرة وقال بتعجب:
- سموم!
هز الطبيب رأسه بنعم وأخبره بما حدث ويجهل "الجارحي" عنه. حديثه كان كالرصاصة التي جاءت في مقتل له لما تعرضت له زوجته. خرج من هناك كالمجنون وذهب إلى حيث "جلال" وكان يراجع كاميرات المراقبة الخاصة بالرواق الذي به غرفة "ليان" ولم يجد أي شخص غريب يدخل الغرفة وحتى طعام المستشفى لم يأتي قبلها. تنهد "جلال" حين فُتح الباب ورأى "الجارحي" يدخل الغرفة كالمجنون فصرخ بـ "كريم" غاضبًا يقول:
- أنجز يا كريم، السم دا دخل إزاي؟
تنحنح "كريم" بتوتر وضغط على زر اللاب بينما تراجع "الجارحي" عن خطواته السريعة بعد أن سمع جملة "جلال" يبحث عن الفاعل. تحدث "كريم" بتوتر:
- محدش دخل غير الممرضة دي وللأسف سألت موظفين المستشفى وقالوا إنهم أول مرة يشوفها ومبتشتغلش معاهم.
قذف "جلال" اللاب بغضب أكبر عن المكتب ليسقط تحت قدم "الجارحي" وصرخ برجاله الواقفين أمامه في صمت:
- عشان أنا مشغل معايا شوية بهايم، أي حد داخل يسيبوه يدخل كده عادي.
- يا جلال بيه مفيش دبانة دخلت أو خرجت من المكان إلا بأمرك، والبنت دي وريتنا الكارنيه بتاعها وعليه ختم المستشفى في حاجة غلط وحضرتك ممكن تراجع الكاميرات هتلاقي معاها كارنيه، أكيد في حاجة غلط.
كز على أسنانه في صمت قاتل ليُشير "كريم" للرجال بأن يرحلوا قبل أن يقتلهم الآن. جلس "الجارحي" في المقعد المقابل لـ "جلال" الذي رمقه بحدة صارمة قاتلة وقال:
- والله جايز ليه لا؟
تنهد "الجارحي" بهدوء ثم قال بغيظ مستشيط غضبًا من هذا الرجل:
- هو إيه؟
- إن يكون اللي عاملها اللي حاول يقتل مراتك وسقطها، ليه لا.
قالها بحدة صارمة فأجابه "الجارحي" بغضب أكبر كارهًا وجوده أمام هذا الرجل:
- والله وقال ياخذ ليان فوق البيعة من باب المتعة يعني.
- بغض النظر عن ظرافتك وتقل دمك، بس لا، ليه متقولش إنه معرفش مين فيهم قُدس عشان يميزها فخد الاتنين يضمن موتها بدل ما يختار واحدة وتطلع ليان وبكده يبقى خسر هدفه.
قالها بضيق فصمت "الجارحي" قليلًا يفكر في حديثه وربما هذا ما حدث وخصوصًا أن "ليان" طبق الأصل من "قُدس" فتابع "جلال" بنبرة حادة:
- أصلاً مين اللي هيفكر يأذي ليان، ودي مالهاش أعداء، لكن إنت ومراتك حصل بدل المرة ألف من أول محاولة قتلك لسقوط مراتك، الخطر بيحوم حواليكم.
رفع "الجارحي" ذراعه على المكتب بثقة وقال بحدة:
- بسيطة، ما دام دا الاحتمال الأمثل اللي وصلتله وحسب اتفاقنا قُدس أتبرعت لأختها، سلمني اللي عمل كدة في مراتى مش دا اتفقنا.
هز "جلال" رأسه بنعم وعاد بظهره للخلف يسترخي ويضع يديه جانبًا على مقعده ثم قال بخفة:
- هتلاقيه في شنطة عربيتك.
غادر "الجارحي" المكتب بتعجل شديد ليعرف ماهية الفاعل الذي قتل أطفاله والآن ربما وضع جريمة أخرى في دفتره وهي تسمم زوجته. ركض إلى مرآب السيارات ووقف أمام سيارته يحملق في صندوقها بتوتر خائفًا من معرفة القاتل؟ فتح صندوق السيارة وصُدم عندما رأى ما لم يتوقعه أبدًا.
رواية حرب سقطت راءها الفصل العشرون 20 - بقلم نورا عبد العزيز
وقف أمام سيارته يحملق في صندوقها بتوتر، خائفًا من معرفة القاتل؟ فتح صندوق السيارة وصُدم عندما رأى ما لم يتوقعه أبدًا. كانت امرأة مكمم فمها ومقيدة يديها خلف ظهرها وقدميها. فظل يحملق بها بصدمة وذهول تام، لا يُصدق أن سيدة بمنتصف الخمسينات هي من فعلت بزوجته مدللتها هذا الشيء.
رفع اللاصقة عن فمها لتصرخ بألم، فأقترب بحدة غاضبًا. أتلت إليه الأمور مع زوجته وفقد طفله لم يكفيهم، بل حاولوا قتلها بالسم داخل المستشفى. سأل بحدة كالسيف وعيناه كالصقر الذي على وشك التهامه السيدة:
- ليه؟ مين اللي حرضك على قتل مراتي وابني؟
كانت المرأة ترتجف من الخوف بعد التعذيب الذي تعرضت له من رجال "جلال"، وخنقها مقيدة داخل صندوق سيارة. رأت الرعب في الأرض وكانت أنفاسها تُعد عليها، فتمتمت بضعف:
- أنا...
صرخ بجنون وصوته هز جدران المرأب ويتكرر كثير من قوته:
- ميـــــــــــــــــــــن؟
- أبوس أيدك يا بيه أرحمني، والله ما عملت حاجة.
مسكها من عباءتها بغضب شديد ثم قال بتهديد صريح:
- متخلنيش أرتكب فيكي جناية، أنا كله كوم واللي يقرب لمراتي كوم تاني خالص. لا شرع ولا دين ولا قانون بيقول إنكم تقتلوا روح لسه بتتخلق في بطن أمه. لا شرع ولا دين ولا قانون يا كفار يا ولاد الكلب بيقول إنكم تسمموا مراتي عشان تقتلوا بعد ما نجت بأعجوبة من رب الكون في سقوطها. عيلة لسه مكملتش عشرين سنة في عز شبابها تخلوها تعيش في جحيم ورعب وتشوف الموت كل يوم بسببكم. أنا كمان معاكم، مش هعرف شرع ولا قانون وحق مراتي هاخده من كبدكم. مين... مين اللي حرضك تقتلي مراتي وتأذيها ها؟
ابتلعت السيدة لعابها بخوف من نظراته المرعبة. وكل ما رأته مع رجال "جلال" شيء، وما تراه في عيون هذا الأسد الجريح شيء آخر من الرعب. جعل الدم تتجلط في عروقها وتشل أطرافها من الذعر، فتمتمت بذعر:
- واحد جالنا البلد في المولد وخدني أنا واتنين ستات من الغجر معاه. وأدينا صورة للبنت اللي سقطناها وقال إنها أخته وحملت في الحرام. واللي عمل كده هرب وهو عايز يخلص من العيل ده عشان أخته تعرف تعيش. ودفع لكل واحدة فينا 5000 جنيه.
دمعت عيناه من القهرة وحسرته على خسارة الطفل الذي سيربطه بصغيرته. وبه كان سيجبرها بالعيش معه لشهور حتى تعرف كم يحبها وتقرر البقاء معه برغبتها. تنهدت بحسرة وقال بألم يمزق نبرته:
- ابن الجارحي أبو النور يساوي 30000 جنيه يا عالم نجسة. هو مين؟ اسمه إيه اللي عملها؟ شكله إيه؟
أخرج هاتفه كالمجنون على صورة "عماد الدين" وسأل بخوف:
- هو ده؟
هزت رأسها بلا وهي تنظر إلى الصورة بثقة. أعطاها صورة "عادل" شريك أخاه في محاولة قتله لتهز رأسها من جديد بلا. وجعلت الحيرة تسير في عقله وتسيطر عليه، فقالت بخوف:
- اسمه عمـــــــــ...
لم تكمل اسم "عمران" حين قاطعها دراجة نارية مرت من جوارهم كالصاروخ، ونحرت عنق السيدة بالسكين من سائقها. اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها من هول الصدمة التي وقعت عليه الآن ووجهه الذي لوث بالدماء من السيدة وقميصه. ليفوق من شروده سريعًا وركض خلف الدراجة بسرعة جنونية، فحتماً هذا هو القاتل الخفي الذي يحوم حوله.
أخرج هاتفه وهو يركض وراء الدراجة وأتصل على "جلال" صاحب المبنى، فصرخ بجنون فور استقبال الاتصال:
- القاتل في الشركة، أقفل بوابة الجراج.
كان يلهث كالمجنون من الركض. فهم "جلال" بسرعة يضغط على زر الطوارئ وأغلق جميع الأبواب، لكن السائق كان محترف ليعبر البوابة الحديدية في الثانية الأخيرة قبل أن تُغلق. فسقط "الجارحي" على الأرض يلهث بشدة من قوة الركض.
عاد لسيارته وكان "جلال" وصل مع "كريم" ورجاله، فأخرج السيدة من السيارة بغضب يجتاحه من هروب القاتل منه وقال بضيق:
- الجثة دي تلزمك أنت.
أخذ سيارته وذهب إلى مغسلة السيارة وأدخل سيارته للغسيل. وهو بداخلها يفكر في آخر حروف لفظت بها السيدة "عمـــ". إذا كان "عماد" فكيف لم تتعرف على صورته وأكدت أنه ليس القاتل. ظل يعتصر عقله وذكرياته في التفكير داخل أعماق الماضي، ربما يحصل على شيء. ظل هكذا حتى أنتهت جولة غسيل السيارة وانطلق للمستشفى حيث محبوبته.
***
خرجت "ليل" من المصعد في المستشفى متجهة إلى غرفة "قُدس" لترى "يزيد" جالسًا أمام بابها يحرسها بنفسه بعد محاولة التسمم التي تعرضت لها. وقفت أمام باب غرفة "قُدس" ومسكت مقبض الباب ليوقفها "يزيد" وهو يقف أمامها يمنع طريقها من الدخول وقال:
- آسف يا آنسة ليل، المعلم جارحي مانع أي زيارة لمدام قُدس حتى لو كنتِ أنتِ.
اتسعت عينا "ليل" على مصراعيها من هول الدهشة التي أصابتها، و"الجارحي" يمنعها من رؤية صديقة طفولتها وتؤام عمرها. تمتمت بسخرية قائلة:
- أنت شارب حاجة على المسا يا يزيد؟
- أنا ليل.
- شارب سيجارة.
قالها بسخرية مقابل سخريتها ورفع حاجبه بتهكم أكثر وقال بجدية:
- ممنوع!!
كزت على أسنانها بغيظ شديد حتى سمع صوت صرير الأسنان من مكانه، فقال بخفوت:
- إنتِ كويسة؟
تبدلت تعابير وجهها من الصدمة لدهشة أكبر من سؤاله. ولأول مرة يتجرأ على سؤالها عن حالها بجراءة هكذا، فأبتلعت لعابها بارتباك شديد وقالت بحدة:
- وإنت مالك؟ حادة غريبة والله، هتأخد وتدي معايا كمان.
سمعت "قُدس" حديثهما من الخارج وخصوصًا صوت "ليل" العالي، فتحركت من مكانها بصعوبة تغادر الفراش وهي تتكأ على الحائط حتى وصلت للباب وفتحته وهي تسمع جملة "يزيد" يقول:
- متأسف لو تخطيت حدودي يا آنسة، وكمان متأسف لأن تعليمات المعلم الجارحي مش هخالفها.
- ليل!!
قالتها "قُدس" بهدوء. فنظرت "ليل" لها بحزن وهي قد ابتعدت كثيراً بعد خطبتها على "عمران" والمشاكل التي ارتكبها في حق "قُدس". اقتربت "ليل" خطوة منها وقالت بعبوس ونبرة دافئة:
- أنا جيت أطمن عليكي يا قُدس، كمان وحشتيني أوي ومحتاجة لكِ.
تنهدت "قُدس" بتعب متجاهلة كل الضغوطات والتفكير الآن، فقالت بهدوء:
- وديني لليان؟ أنا عايزة أشوف أختي.
هز "يزيد" رأسه بنعم. وأخذت "ليل" يد "قُدس" وساروا في الرواق معا حتى وصلوا لنهايته حيث غرفة "ليان". فتح "يزيد" الباب ودلفوا. وكان "هادي" بالداخل مع "فتحي" و"ياسمين". رأى صغيرته تتحرك، فأسرع نحوه يأخذها بقلق قائلًا:
- أي اللي قومك بس يا قُدس؟
تحملت على كتف والدها حتى وصلت إلى أختها. نظر الاثنتين لبعضهما وتبسمت "قُدس" بلطف ثم قالت:
- إنتِ كويسة؟
أومأت إليها بنعم وسألت "ليان" بقلق على الصغيرة وهي تبدو أضعف بكثير منها بوجهها الشاحب وضعف قدميها اللتين ترتجفان من حركتها. ورغم ذلك تحملت لتأتي لأختها:
- إنتِ شكلك تعبانة أوي؟ اقعدي.
تبسمت "قُدس" بعفوية رغم المرض الظاهر عليها وقالت:
- لا، أنا كويسة متقلقيش عليا خالص.
دلف "الجارحي" ومعه "هدير" يقول بقلق:
- إنتِ إي اللي قومك من مكانك؟
نظر الجميع على لهفته على صغيرته وقالت:
- أنا كويسة أوي متقلقش.
اقترب منها بجنون مترعباً من حركتها وحملها على ذراعيه، لكن استوقفته "هدير" وهي تقول:
- خليها يا جارحي، خلينا نحتفل بعيد ميلادها هي وأختها مع بعض.
فتحت علبة الكعك التي جلبتها معها بمناسبة عيد ميلاد الفتيات، ووضعت بها شمعتين لهما وبدأ الجميع يغنون معاً أغنية عيد الميلاد. نظر "ليان" لهما بفضول من هذه العائلة ظهرت لها من العدم والآن تشاركهم تفاصيل حياتها. بارك الجميع لهم عامهم الجديد.
أخرج "هادي" من جيبه علبة قطيفة وردية اللون مستطيلة وفتحها كان بها قلادتين على شكل قلب مقسومة لنصفين بكل قلادة نصف وأعطى الجزء الأول لـ "قُدس" والأخر لـ "ليان" وقال بحنان ودفء:
- كل سنة وأنتوا طيبين يا حبايب قلبي والعمر كله ليكم.
- عقبال مليون سنة يا قُدس أنتِ وليان.
قالتها "هدير" وهي تقدم هديتها للفتاتان وكانت عبارة عن دفتر وردي وقلم مصنوع من الذهب به ريشة من الأعلى بشكل ناعم. تبسمت "قُدس" على جمال الهدية وبارك "فتحي" لـ "ليان" وقدم لها مفتاح سيارة من ماركة كيا كهدية لعيد ميلادها مما جعلها تبتسم برقة. تحدث بنبرة هادئة:
- كل سنة وإنتِ طيبة وبخير وبصحة يا حبيبة قلبي.
- وحضرتك طيب يا بابا.
قالتها "ليان" بهدوء وبسمة تنير وجهها وسعادة تغمرها من عيد ميلادها الأول مع هذه العائلة واهتمامهم بها كـ "قُدس" تماماً.
***
تبسم "عماد الدين" وهو يقف أمام باقة من الزهور الحمراء بسعادة. فجاءت له الموظفة فأشار على فترينة المجوهرات وقال بحماس:
- عايز العقد ده لو سمحتي.
تبسمت الموظفة بدورها وقالت برحب:
- تحت أمرك يا فندم.
أخرجت العقد له ووضعت في علبة قطيفة مربعة زرقاء اللون ودفع ثمنه نقداً بعد أن جمد "الجارحي" أرصدتهم جميعاً. أخذه وغادر المكان ليذهب إلى المستشفى حيث "ليان".
وصل إلى غرفتها وكانت الساعة الواحدة صباحاً ليُصدم عندما وجد الغرفة فارغة. فسأل الممرضة بقلق:
- لو سمحتي هي آنسة ليان فين؟
أجابته الممرضة بدهشة:
- هي مش في أوضتها؟
تحدثت الأخرى صديقتها قائلة:
- لسه خارجة من شوية ومشيت في اتجاه الأسانسير مع واحد، الراجل اللي كان معاهم طول العملية وهدد بسلاح الدكتور.
أومأ "عماد الدين" بنعم وقد فهم أن أحداً غيره سبقه ليغادر المكان.
وصلت "ليان" للسطح مع "كريم" وتركها على بابه وحدها لتسير في الداخل باحثة عن "جلال" لتُصدم عندما رأته يجلس على الأريكة الخشبية الموجودة وحوله ورود مزينة الأرضية وطاولة عليها شموع وكعكة عيد الميلاد. اقتربت أكثر منه لتُصدم من هذا المشهد الرومانسي وتُتمتم بعفوية:
- أي كل دا؟
أخذ يدها بحنان ليساعدها في السير وأقتربت نحوه حتى وصلت للطاولة وكانت مزينة بطريقة رومانسية ناعمة. أحضر صندوق كبير كان موجود على المقعد ووضعه فوق الطاولة وقال:
- كل سنة وإنتِ طيبة وبخير ومعايا.
رفعت رأسها بسرعة من كلمته الأخيرة وحدقت بوجهه بدهشة كبيرة وعيناها ترمش بسرعة أكثر من الدهشة. رفع يده إلى وجهها الجميل ووضع يده على وجنتيها الناعمة يحتضنها بإعجاب شديد واضح. نظرت له بارتباك أكثر وعيناهما تحترق من نيران قلوبهما التي نشبت بداخلهما في هذه الوهلة.
تحدث "جلال" بنبرة خافتة هامساً إلى طبيبته الجميلة:
- أنا بحبك يا ليان.
ظلت تحملق به مصدومة من جملته ليكمل مفاجأته دون سابق إنذار حين أقترب أكثر يتذوق شفتيها الباردة ويديه تسلل لخصرها النحيلة وهي تحت تأثير الصدمة ولا تصدق أن رجلاً عصابات مثله يقتل بدم بارد يعرف شيئاً عن الحب ووقع بغرامها.
على الجهة الأخرى، سقطت باقة الورود من يد "عماد الدين" على الأرض من هول الصدمة التي أصابته حين رأى رجلاً يقبلها وسط الورود والشموع وهي بين ذراعيه مستسلمة تماماً. فكز على أسنانه وهو يغلق قبضته بإحكام قبل أن يفقد أعصابه الآن وقد خذل قلبه مرة أخرى من هذا التوأم وطعن من جديد حتى أحرقته نار العشق وبات العشق جحيمه القائم. غادر المكان مسرعاً قبل أن يسحب مسدسه ويقتل "جلال" في الحال.
أبعدته "ليان" بسرعة عنها فنظر "جلال" لها بدهشة من رفضها له. ظلت ترمق عينيه اللامعة ببريق مشاعره ودفئه، فقالت بتلعثم شديد:
- أنت إزاي تعمل كده؟
- ليان، أنا بقولك بحبك... مش منتظر منك محاضرة أخلاق في لحظة زي دي، أنا منتظر...
صرخت به بانفعال شديد وكاد عقلها يقتلها من فعلته الوقحة وسرقته لقلبتها الأولى بخباثة:
- منتظر إيه؟ إنّي أترمي في حضنك وأنا بقولك بموت فيك ومستنيش وحياتك. دي وقاحة.
تماسك أعصابه ولأول مرة أحد يهينه هكذا وتهزمه امرأة. والآن بعد أن هُزم يتعرض للإهانة منها حتى دهست كبرياءه وغروره وضربت برجولته عرض الحائط. التفت لكي يغادر من أمامها فلم تمنعه وظلت محلها حتى سمعت صوت باب السطح يغلق بقوة. انتفض جسدها من قوة ضرب الباب.
وقف "جلال" وراء الباب بصدمة ألجمته يحاول ترميم كبريائه ورجولته. نظرت للطاولة بحزن وهذا الصندوق لتفتحه وكان بداخله بالطو أبيض جديد حفر عليه اسمها بخيط من الذهب يليف بطبيبة مثلها، وصندوق مجوهرات كامل وفستان أسود جميل وخاتم زفاف معه بطاقة كُتب بها: (لطالما كنت رجل عنيد متكبر ومتحجر القلب لم تهزمي امرأة من قبل مهما كانت تملك جمال، لكن هذا الرجل متحجر القلب قد هزمته طبيبته الجميلة "ليان" وقد ختمت على قلبه بعينيها الساحرة فلا شيء يداوي هذا المريض سوى بقاء طبيبته معه للأبد... تتجوزني يا ليان؟)
دمعت عينيها الخضراء بحزن من حدتها معه فركضت نحو باب السطح رغم جسدها المريض لكن هذا الرجل فعل المستحيل أجله ولأجل إنقاذ حياتها لا يستحق هذه المعاملة القاسية منها. فتحت باب السطح وهي تركض على الدرج وتنادي عليه بتعب:
- جلال... جلال...
سمع صوت صغيرته من الأعلى وكانت تلهث بقوة فصعد كالمجنون لأجلها وكيف تركض وهي مريضة هكذا. الخوف عليها هو من حركه وهزمه مرة أخرى أمامها. نزلت بسرعة لتلحق به قبل أن تفقده لتتعثر قدميها من ضعف جسدها والدوران الذي أصابها من الحركة المفرطة وكادت أن تسقط عن الدرج لكن لحسن حظها وصوله فسقطت بين ذراعيه ليتشبث بها بإحكام وقوة وهو يقول:
- ليــــان...
شعر بضربات قلبها وانفاسها العالية التي أوشكت أن تنقطع. تنهد بلطف وانحنى بظهره بخفة ليحملها على ذراعيه فسكنت رأسها على كتفه وعاد بها إلى الغرفة ليضعها في الفراش بحنان فتشبثت بعنقه وهي تقول:
- أنا آسفة، متزعلش من عصبيتي.
أومأ إليها بنعم ومسح على رأسها بحنان. همس إليها بلطف وقال:
- ارتاحي يا دكتورة ليان، ارتاحي وبعدين نتكلم.
رمقته بصمت شديد من تلقيبه لها بطبيبة مما يعني أنه يحمل بداخله الغضب والحزن منها. لكن قلبه المتحجر يملك من الحب ما يكفي للهفة والخوف عليها رغم حدتها وتصرفها العاق معه.
***
وقف "هادي" من مقعده على السفرة وقال بهدوء:
- مش عاوزة حاجة مني يا صفصف قبل ما أطلع.
نظرت والدته إليه وتنحنحت "وصيفة" بتوتر وقالت بهدوء:
- والنبي يا هادي تطل على أختك لأحسن شكلها وهي راجعة من الشغل النهاردة مكنش مريحني خالص.
عقد "هادي" حاجبيه بدهشة من قلق والدته وسأل بلطف:
- ليه؟ حصل حاجة معاها؟
تنهدت "وصيفة" بحزن من تعاسة ابنتها ثم قالت بهدوء شديد:
- معرفش يا هادي بس تقريباً كده الدكتور مصطفى سافر النهاردة، تقريباً ده تخمين.
هز رأسه بنعم ثم قال بهدوء:
- متشغليش بالك يا صفصف.
أنهى جملته واتجه نحو غرفة "هدير" ليسمع صوت شهقاتها المبحوحة من الداخل وأنين بكاءها المكتوم من هذا الحزن. طرق باب الغرفة وقلبه مفطور على أخته الصغيرة. دلف للغرفة ليراها تمسح دموعها بسرعة جنونية خائفة أن يرى أحد دموعها وقالت بهدوء:
- في حاجة يا هادي؟
تحدث "هادي" بنبرة خافتة محاولاً عدم إحراج أخته الصغيرة قائلاً:
- لا يا حبيبتي، سلامتك كنت جاي أطمن عليكِ، ممكن أدخل.
أومأت إليه بنعم فتبسم ثم دلف إلى غرفتها وجلس أمامها على الأريكة وقال بلطف:
- محدش بيهرب من المقسوم يا هدير، ولا النصيب بيتهرب منه يا ضي عيني.
هزت رأسها بنعم موافقة الرأي معه ثم قالت بهدوء شديد:
- عندك حق، بس أنت بتقول ده ليه؟
- أبداً جم على لساني قلت أفضفض بيهم وياكِ، يمكن من الأحداث اللي بتحصل حواليا والمصائب اللي نازلة على قُدس برضو. كل دي حاجات خلتني أفكر إن محدش بيهرب من المقسوم ونصيبك هيصيبك مهما يعمل البشر. مثلاً شوف جارحي محاوط على قُدس إزاي وبرضو نصيبها صابها ومعرفتش تهرب منه.
أومأت إليه بنعم مقتنعة بحديثه، لكن الحزن واليأس يحتلان ملامحها الهادئة واختفاء "مصطفى" بعد وفاة والدها جعل الخيبة والخذلان يصابان قلبها البريء. وقف "هادي" من مكانه وقبل رأسها ثم غادر في صمت ولا يعرف كيف يتصل برجل يخبره أن يأتي ليتقدم لخطبة أخته؟ أليس من المفترض أن يعززها ويأتي "مصطفى" ركضاً لطلبها؟!!
***
كانت "قُدس" جالسة في الفراش بغرفتها الجديدة في المستشفى مع "ليان" في غرفة واحدة وتتحدث في الهاتف مع "مصطفى" قائلة بضيق:
- يعني طيارتك النهاردة الساعة تسعة، مستغربة إنك مجتش تتطمن عليا ولا تزورني حتى يا دكتور مصطفى.
فتح باب الغرفة ودلف "الجارحي" ومعه وجبة صغيرته المفضلة من الدجاج المقرمشة. سمعها تقول بجدية:
- لا، دودو مش عندي وبعدين أنت هتفضل تهرب منها لحد إمتى؟ أنا بكلمك بصفتك دكتوري النفسي اللي بستشيره وبفضفض معاه وبدفع ثمن ده، لكن خلي بالك يا دكتور إن دودو دي أغلى حد عندي ولو إنت مش عايزها مش هنجبرك عليها ولا أنا مثلاً هحاول أوقف راسين في الحلال غصب.
جلس "الجارحي" أمامها مندهشة من حديث زوجته مع رجل آخر ورفع حاجبه بعد أن عقد ذراعيه أمام صدرها فقالت بجدية أكثر:
- حيرتني معاك يا دكتور، عايزها وسايبها وماشي... مرة دكتور قال لي اللي يحب يمسك في حبه بإيده وأسنانه لأن الحب فرصة ونعمة ربنا بيكرمنا بيها مرة واحدة في الحياة كلها ولو راحت عمرها ما بترجع.
كانت تذكره بحديثه معها سابقاً عن حبها لـ "الجارحي" وأنهت الحوار بحزم تقول:
- معرفش، ومش من حقك تسألني عن أحوال هدير لأنها متخصكش، ثم إن هدير محتاجة رجل بجد يحارب الدنيا والظروف عشانها مش جبان بيهرب من أول مطب في الطريق.
أنهت الحديث بإغلاق الهاتف في وجهه دون أن تتركه له مجال للرد أو الجدال معها. نظرت "قُدس" إلى زوجها الغاضب من حديثها مع "مصطفى" لتتابع حدتها معه وقالت:
- أتصرف.
اندهش من طريقتها وأمرها الغريب له وسأل بفضول:
- أتصرف في إيه؟ عملتي مصيبة جديدة؟
هزت رأسها بلا وهي غاضبة ومزاجيتها حادة جداً اليوم بسبب الشجار بينها وبين "مصطفى" فقالت بتمرد:
- بغض النظر عن ظرافتك المتناهية، لكن لا، دكتور مصطفى مسافر الساعة 9 وهدير مموت نفسها من العياط والقهرة وبصريح العبارة كده بتحبه وهو اتقدم أكتر من مرة وكل مرة تتأجل منكم، أتصرف وحل الموضوع ده النهاردة عشان هدير متستاهلش كسرة القلب دي.
- وأنا هعمل إيه؟ هروح أجيبه من قفاه وأقوله اتجوزها غصب، أديكِ قلتي مسافر يعني أتخلى عنها.
قالها ببرود شديد فقاطعتهما "ليان" وهي تقول بهدوء:
- بصرف النظر عن تريقتك بس أه، روح هاته من قفاه من قلب المطار وجوزهاله، لأن الفرصة مبتجيش كتير ولأن الحب مبيتعوضش، يعني مثلاً لو صحيت الصبح وقالوا لك قُدس مسافر وهتسيبك للأبد هتخاف وقتها على كبريائك وغرورك ولا هترجع تمنعها وتمسك فيها عشان متسبكش.
نظر "الجارحي" إلى "ليان" في حديثها الجنوني حتى ذكرت اسم زوجته فأدار رأسه تجاهها وتذكر هروبها سابقاً منه لبلاد الخارج وكيف عاش سنوات من العذاب في هجرها له وسرقت النوم من عينيه والبسمة من شفتيه. تنهد بهدوء وهو يحاول أن يستوعب أن "هدير" عمته المدللة طيبة القلب ستعيش ما عاشه في الهجر الآن ليقول بهدوء:
- حاضر هتصرف... يــــزيــد.
فتح باب الغرفة ودلف "يزيد" فتبسمت "قُدس" على زوجها المتحكم والمسيطر.
***
في مطعم على النيل كانت "ليل" جالسة مع "عمران" يتناولان الطعام في هدوء. ليري الممرضة التي دلفت إلى غرفة "ليان" و"قُدس" من بعيد تشير له فوقف بتعجل وهو يقول:
- عن إذنك يا روحي خمسة وراجعالك.
أومأت إليه بنعم ثم غادر ليسير بعيداً حتى ذهب إلى الممرضة وسحبها معه تجاه المرحاض فقالت بدلال وهي تضع يديها على صدره:
- وحشتني.
أبعد يديها عنه بقلق من أن يراهما أحد وقال بتوتر:
- إيه اللي جابك هنا يا تمارا مش قولنا لينا شقة نتقابل فيها؟
تبسمت "تمارا" بدلال مفرط ورفعت يديها تحيط عنقه بإثارة وقالت:
- اتصلوا بيا في المطعم يأكدوا عليا الحجز وعرفت إن حاجز للسنيورة بتاعتك في مكاننا المفضل، قلت لازم أجي أشوف ست الحسن والجمال اللي فضلت تخطبها في العلن عني وأنا اتجوزتني عرفي وفي السر.
أبعد "عمران" يدها عنه وقال بقلق:
- اعقلي وبلاش جنان ومتهديش كل اللي بخطط له من سنين، علن إيه وسر إيه ما دام في الآخر عارفة إن قلبي كله ملكك لوحدك.
رفعت عينيها الزرقاء نحوه تتطلع بملامحه وشعرها الذهبي المموج مسدول على الجانبين يحيط بوجهها الحليبي ذو البشرة البيضاء، فقالت بإثارة ونبرة دافئة:
- لو فعلاً لوحدي اللي في قلبك سيبها دلوقتي وتعالى معايا.
تنهنح بحرج من عينيها السحرية وهي تلقي عليه تعويذتها الملعونة التي سرقت قلبه وجعلته يذوب بمشاعرها، فشعرت بيديه تتسلل إلى خصرها بعد أن كان يدفعها لتبتسم بخباثة ودفعت باب المرحاض وهي تدفع هذا الرجل معها.
أنهت "ليل" تناول طعامها وتعجبت لتأخره وهي تنظر حولها بتوتر من التأخير. فرن هاتفه لتنظر إليه بتردد وألتقطت الهاتف بحيرة وخوف من فكرة التجسس عليه وفتحت الهاتف وهي تعرف الرمز السري حين رأته سابقاً دون أن يدري "عمران". رأت رسالة على الواتس أب من قلب أحمر دون تسمية، ففتحت المحادثة بينهم لتُصدم عندما رأت الحديث القائم بين الطرفين عن تسمم "قُدس" و"ليان" عمداً وتحريض على قتل التوأم ورسائل أخرى غرامية وفتاة ترسل له صور لها بملابس فاضحة لتدمع عينيها بصدمة قاتلة وتركت الهاتف من يدها سريعاً بعد أن محت أي أثر لتجسسها عليه.
دفعت تكلفة الطعام وغادرت تاركة له رسالة على الواتس أب محتواها: (أنت سبتني ومشيت روحت فين، أنا مروحة). فرت هاربة قبل أن يراها ويُدرك أنها رأت شيئاً في هاتفه. لكن لسوء الحظ أن "عمران" عاد ليراها تغادر المكان فشعر بشيء مخيف وأخذ أشياءه وغادر.
ناداها بقلق من الخلف:
- ليل... ليل...
كانت منهارة تماماً وبعد أن سمعت صوته ارتعتبت من الخوف أكثر. هذا الرجل قادر على قتل التوأم فماذا سيفعل بها؟ حاولت إيقاف سيارة أجرة قبل أن يصل لها لكن لا جدوى. فرأت سيارة "يزيد" وهي تعرفها جيداً فركضت نحوها وفتحت الباب ليُصدم "يزيد" الذي كان يحلق في هاتفه وفزع من فتح باب سيارته ليرى الفتاة منهارة من البكاء فمسكت يده بسرعة وهي ترى "عمران" يقترب وقالت:
- أمشي بسرعة من هنا.
اتسعت عيناه على مصراعيها بجنون وقال:
- عملك حاجة؟
- أنزله.
- أمشي.
صرخت بجنون منهارة من البكاء ليضغط على زر التشغيل وتنطلق السيارة بسرعة جنونية في اللحظة التي وصل بها "عمران" لمقبض الباب وفتحه.
وللحكـــــــــــــــــــــايـــة بقيـــــــــــــــــــــــــــــــــة، يُتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع...