وضعت آخر شيء في الفرن وهي تزفر براحة. أخيرًا، انتهت من إعداد الطعام الذي طلبه منها رب عملها لمجيء بعض الضيوف. مسحت يديها وهي تتجه إلى الخارج لمساعدة أختها في ترتيب الطاولة. همست وهي تقترب منها وتصب تركيزها على تلك الطاولة لترى إن كان ينقصها شيء: _خلصتي؟ وزعت أختها "سما" نظراتها على الطاولة في تأكيد: _أيوه خلصت. توقفت تعدل بعض الأطباق الخاصة بالطعام وكل تركيزها بما في يديها. اقتربت منها أختها تهمس في خبث:
_بصي يا بت العمده بيبصلك ازي. رفعت أهدابها ببطء وهي ترى ذلك العاشق الجالس على بعد منها يرتدي جلبابه وعمامته التي لا يتخلى عنها أبدًا. ينظر إليها في صمت، لطالما رأت حبه في تلك الخلسات التي يلتقطها دون علمها. أدار وجهه إلى الجهة الأخرى عندما لاحظ كشفها لنظراته العاشقة. عادت من جديد تنظر لعملها وهي تهمس لأختها: _ركزي في شغلك وملكيش دعوه، وبعدين هو مش هيبص لخدامه. لوت "سما" فمها وهي تهتف في سخرية: _موكوسه.
أكملت وهي تتجه إلى الخارج: _أنا رايحه الشغل، عندي شغل. هزت رأسها مودعة أختها الصغرى: _معَ السلامه. رفعت بصرها مجددًا لتراه يتقدم منها. ارتاعت أوصالها وهي تراه يقف من مكانه متجهًا إليها في ثبات، قبل أن يهتف في صوت رجولي ولكنه صعيدية متقنة: _خشي جوة علشان الناس وصلتك. هزت رأسها في صمت متجهة إلى المطبخ.
غافلة عن الواقف خلفها مؤنبًا نفسه، فهي تخرجه عن عادته وتقاليده المعروفة وهي عدم النظر لأي امرأة غير حلاله. أغمض عينيه وهو يعض على باطن شفته محاولًا كبح غضبه: _الله يخربيت الحب وسنينه. همس بها قبل أن يتجه للخارج لاستقبال ضيوفه. *** خرج من غرفة العمليات يلحقه عدد كبير من الممرضات، منهم من تأخذ التعليمات بشأن المريض ومنهم من تساعده في خلع ملابسه الخاصة بالعمل. وقف يملي أوامره بعملية شديدة:
_بعد ساعتين بالظبط المريض هيفوق من البنج، المريض ميتسابش خالص الساعتين دول لأن ممكن تحصل مضاعفات. هزت الممرضة رأسها مجيبة: _حاضر يا دكتور. أما عنها، فتقف خلفه لتحل تلك العقدة ليستطيع التخلص من ملابسه. اللعنة عليه وعلى تلك الممرضة، هي تعلم أنها لم تسمع شيئًا من تعليماته ولم تفعل شيئًا سوى التحديق به. تفتت إليها في ضيق عندما شعر بالاختناق بسبب شدها العنيف للعقدة. عقد حاجبيه وهتف في ضيق: _ما براحه يا سمر. ردت في عملية
شديدة دون النظر إليه: _أسفه يا دكتورة. تخلص من القفازات ملقيًا إياها في سلة المهملات، ثم ملابسه العلوية متجهًا إلى مكتبه: _تعاليلي المكتب يا سما عايزك. نفخت وجنتيها في ضيق، لطالما كرهت تواجدها معه في مكان واحد. فهي تكره تلك الأسئلة التي لم تتغير منذ عملها هنا. رفعت يدها وهي تلوي فمها مقلدة إياه: _عطيتي ستي الدوا، ضيوف عمي يونس جو ولا لسه؟ ثم أكملت في غضب:
_أنا مالي ومال عمك يونس، متولعوا. والله لو عليا أنا لا عايزة أبوي يتشغل عندكم ولا أختي أصلاً المرتب بتاعي يكفينا وزيادة. عضت على شفتها وهي تهتف في قهر: _آه يا أبويا، كل مكلمة يقولي هم السبب إنك وصلتي لهنا. _إيه يا حلو بتكلمي نفسك ليه؟ ألقت إليه نظرة حادة ثم غادرت. لقد سئمت منه ومن صده، تجاهله أصبح أنسب حل مع ذلك الزميل البغيض. *** أغلق الكتاب ناهيًا الدرس اليومي. يبدو أن أحد طلابه غير منتبه لشرحه. صرف الطلاب محدقًا
بها: _الدرس خلص يا ولاد. لملمت أشياءها وكادت أن تغادر لولا صوته الذي أوقفها: _استني يا منه علشان عايزك. عادت من جديد تنظر في ترقب لمعرفة سبب وجوده هنا. أغمض عينيه يستمد بعض الطاقة لبدء الحديث، ثم سألها في قلق وحنان يحاول جاهدًا أن يخفيه: _مالك يا منه؟ أجابته في توتر: _مفيش. _لا يا منه فيه. بقالك فترة مش مركزة خالص ومستواكي نزل. وبعد كده أنا مش هسكت وهقول لعمي عبده. ردت تمنعه في سرعة: _لا متقولش لبوي.
هدأت ملامحه قليلًا: _طيب فيه؟ عقدت أصابعها معًا في حيرة، هي حتى لم تخبر أحدًا من أخواتها. أنتابه القلق عندما لاحظ ترددها وقلقها هاتفهًا بصوت محذر: _منه. خرجت الكلمات متلاحقة في سرعة قبل أن تتراجع عن إخباره: _في ولد جاب رقمي معرفش منين معاه صور ليا وقلي لو مكلمتوش هيوري الصور دي لبوي هيعملي فضيحة في البلد. انهارت في البكاء مكملة: _أنا والله معرفوش ولا أعرف جاب رقمي وصوري منين. التف من خلف الطاولة واقفًا بجوارها هاتقًا
بطمئنان: _اهدي وهاتي التليفون وأنا هتصرف. أخرجت هاتفهًا من حقيبة المدرسة الخاصة بها ثم ألغت رمز الحماية وعطته الهاتف وهي تشير إلى أحد المحادثات الإلكترونية: _أهو ده، بس ونبي متقول لبوي. ***
يقف في منتصف المطبخ حاملًا عدد كبير من الأطباق على شيء مسطح كبير أو كما تدعاه "الصينية". أما هي فكانت تملأ الأطباق بالطعام المختلف وتضعه على ما يحمله بين يديه. تعمل بنشغال حتى أنها لم تلاحظ نظراته إلا عندما رفعت عيونها لتسأله عن عدد الحاضرين. خرج منها السؤال في ارتباك وهي تعود بنظرها إلى الأطباق مرة أخرى: _أحط النوأيب على صحن الأرز ولا أحطهم في صحن لوحدهم؟ حرك يده على مؤخرة رأسه في حرج، يجب عليه إيجاد حل لتلك
النظرات فيبدو أنه يربكها: _لا حطي لكل واحد نايبه على طبق الرز علشان لو حد اتكسف يمد إيده. هزت رأسها وأخرجت قطع اللحم من الوعاء ثم تضعه في منتصف أطباق الأرز: _حطي صحن طبيخ تاني. "ماشي." أهدابها الطويلة دائمًا ما تؤثر فيه، ناهيك عن تلك الأعين بلونها الحالك. أين شاطئ تلك السوداوان؟ لم يراها قط بقطرة من مساحيق التجميل. هل بشرتها بالنعومة التي يتخيلها؟ يريد فقط لمس وجنتيها للتأكد.
وأكثر ما يحبه عندما تعض على شفتيها وهي تهرب من نظراته كما تفعل الآن: _أنا خلصت. يبدو أنه حدق بها أكثر من اللازم حتى تصبح وجنتيها بهذا الاحمرار. نهر نفسه بشدة، متى كانت هذه أخلاقه؟ يجب عليه احترام ذلك الرجل الذي يثق به ويرسل فتياته الثلاثة للعمل في منزله. يجب أن يتخذ خطوة لإنهاء الأمر وسيتخذها قريبًا. حمل ثم اتجه بها إلى الخارج وهو يهتف بصرامة استغربتها، لقد كان على ما يرام منذ قليل: _حطي برا شاي عقبال ما يخلصوا أكل.
تجاهلت أسلوبه الجاف ثم أمسكت ذلك الإبريق لصنع الشاي كما أمر. ثم هتفت بقهر وهي تضع ذلك الغلاي على النار: _آه يعني يوم ما تحبي، تحبيه عمده وأكبر منك. *** يقف مستندًا على باب سيارته منتظرًا خروجها من المستشفى. حرك أصابعه على الجزء الزجاجي من السيارة وهو يهمس لنفسه بتأنيب: _ملقتش غير دي تحبها يا نوح. _مستني حد يا نوح؟
أغمض عينيه متمنيًا أن تظل تلك الألحان عالقة في ذهنه، فهي نادرًا ما تناديه باسمه وبعد كل مرة تناديه به يكون هناك شجار طويل يعكر صفو مزاجه. رفع رأسه ثم نظر لها: _أيوه مستنيكي علشان نروح. هزت رأسها برفض: _لا أنا هشوف أي توكتوك أروح بيه. أخذ نفس طويل لتهدأ نفسه، لا يريد أن ينهي يومه بشجار معها. يريد لو لمرة أن ينهيه ببعض الكلمات اللطيفة منها، وهو على يقين أن هذا لن يحدث. فيكفي أن ينهيه على رؤية وجهها:
_الوقت اتأخر وأنا قايل لعمي عبده وهو قلي عادي أوصلك. هتفت بتردد وهي تلتف لتجلس بجواره: _خلاص ماشي، بس علشان الوقت اتأخر. جلس هو الآخر في مكانه أمام المقود محركًا مفاتيح سيارته لتبدأ رحلة الصمت بينهم. حرك يده على المقود بتوتر قبل أن يهتف: _الزفت اللي اسمه نادر كلمك تاني؟ كادت أن تجيبه بتلقائية أن هذا الزميل البغيض ما زال يزعجها إلا أنها تراجعت عند تذكرها لأحد المشاجرات بينهم وكاد ذلك الزميل أن يصيبه
بأحد الأسلحة البيضاء: _لأ. _سما طول ما انتي معايا في المستشفى مسؤولة مني ومش هحس إني راجل خالص لو حد ضايقك وأنا موجود لمجرد إنك خايفة من أبوكي. أجابته في خوف: _ما يعني لو حصلت مشكلة ليك بسببي أبويا هيتخانق معايا وحتمال ميخلنيش أروح الشغل تاني. _والمرة اللي فاتت لولا قلتيله إنتِ بلسانك أنا ما كنتش هقوله. فلو ضايقك تاني تعالي وقليلي. _حاضر. *** _مستر.
هتفت بها منه في تردد وخوف، فهي تجلس منذ الظهيرة معه لوحدهما في مكان مغلق. رفع وجهه المنصب على شاشة الهاتف مجيبًا: _نعم. _الوقت اتأخر ويعني بابا هيقلق عليا. عاد لما كان بين يديه مجيبًا: _لا متخفيش أنا مفهم عمي عبده إنك معايا وعندك درس متأخر. هزت رأسها بنزعاج، يبدو أنه لا يفهمها. رفع وجهه مجددًا وتحتل محيا وجهه تلك الابتسامة الجذابة: _ولا أنتِ خايفة تقعدي لوحدك معايا؟ هزت رأسها بخجل: _أيوه.
تزحزح من مكانه قليلًا وهو يشير لها أن تجلس لجواره على ذلك المقعد الذي يحمل ثلاثة أشخاص تقريبًا: _تعالي يا منه. تأكد أنه يزيد الأمر سوء. وقفت من على مقعدها في توتر وخجل لتجلس بجواره: _بصي يا منه لو أنتِ خايفة من قعدتنا لوحدينا أظن دي مش أول مرة نقعد لوحدينا. ولو علشان الدنيا ليل فا برضوا أظن ياما بتي عندنا في البيت وحاجة تانية كمان أنتِ زي أختي الصغيرة فمتخفيش. _بس برضو الشيطان شاطر.
إنفلتت منه ضحكة وسيمة، متى كبرت تلك الصغيرة لتعرف أن تنطق بتلك الجمل؟ _على العموم يا ستي أحنا خلصنا وموبايلك أهو. أجابت في دهشة: _إيه ده كدا من غير ما تروح تتخانق مع الواد وتضربه؟ _يخربيت الأفلام اللي بوظت دماغكم. ده عيل خيخا أصلاً ميفهمش في الهكر. نظرت إلى شاشة الهاتف بانتباه: _طيب أنت عملت إيه؟ أجاب وهو يحرك مفاتيح سيارته بين يديه: _عادي خت الرقم بتاعه وهكرت موبايله وجبت كل الصور اللي عليه ومسحت صور.
هتفت منه بحماس: _الله! أنت بتفهم في الهكر؟ _شويه… يلا علشان اتأخرنا. وقفت مكانها تلملم أشياءها ومن ثم تحركت أمامه: _بس أنت طلعت جامد يا مستر وبتفهم في الهكر برضه. ضحك وهو يفتح باب السيارة: _أنتِ ليه منبهرة كدا؟ _أصلاً أنا نفسي أتعلم الصراحة. حرك المفاتيح داخل المكان المخصص له لتخرج السيارة صوت يدل على بداية انطلاقها: _حاضر هعلمك… نظر لها ليلاحظ نظراتها المبهورة بالسيارة:
_حاجة تانية كمان ليه كل مرة بتركبي معايا العربية بحسك مبهورة بيها؟ أجابت وهي تحرك يدها على الجزء الأمامي من السيارة: _نفسي أجيب واحدة زيها… صحيح يا مستر أنت جايبتها من فلوسك ولا من فلوس عمك يونس؟ دائما ما يكره ذلك الاستهتار بعيون الناس لكونه معلم وأخيها من أنجح الأطباء الجراحين وعمه العمده. هتف بضيق: _فلوسي يا منه. _أصلاً يعني عمك عمده وأخوك دكتور لكن أنت مدرس عادي فـقلت يمكن عمك اللي جايبه. رد بنفعال: _ليه؟
وأنا صغير؟ وبعدين أنا بعمل ماجستير وهبقى دكتور جامعة بس مستنى لما حضرتك تخلصي السنة اللي قاعدالك وأنا أصلاً باخد فلوس من الدروس أكتر من اللي بياخدها نوح أخويا. _أنت زعلت؟ رد باقتضاب واضح: _وهزعل على إيه؟ *** _بالشفاء يا أم يونس. قالتها شهد بابتسامة لتلك العجوز الجالسة أمامها. ابتسمت السيدة العجوز وهي تحرك يدها بطول ذراعها:
_ربنا يخليكي يا شهد. تعرفي طول عمري نفسي في بنت بس الحمدلله ربنا رزقني بيونس وأبو نوح وأنتِ وخواتك البنات. أمسكت شهد بيد العجوز تقبله: _ويخليكي لينا ويديكي الصحة والعافية يا ستي. أما بالخارج… حمحم قبل دخوله للغرفة تحسبًا لأي وضع لجلوسه مع جدته. ردت السيدة العجوز: _ادخل يا يونس يا ابني. دخل يونس ونظراته مصوبة للأسفل، ثم جلس على ركبتيه أسفل والدته مقبلًا يدها: _كيفك يما اليوم؟ ربتت السيدة على كتفه:
_بخير يا ابني طول ما أنت بخير. _أنا جيته. هتفت السيدة بفرحة عند دخول حفيدها الأكبر: _تعالى يا قلب ستك تعال. تقدم منها بابتسامة وسرعة ومن ثم نام على أقدامها: _والله ما في حاجة بتريح الواحد عن تعب اليوم كله غير حضنك يا ست الكل. ضحكت جدته وهي تمازحه: _بكرة تيجي هي وحضنها يبقى أحلى من حضني. وقفت شهد من مكانها بخجل: _همشي أنا يا ستي. _ما تخليكي بايته معايا النهاردة يا شهد.
_معلش يا ستي هروح علشان سما كانت في المستشفى ومنه في دروسها وأبويا محدش عمله يتعشى. _ماشي يا حبيبتي. غادرت الغرفة مغلقة الباب خلفها. أما عن ذالك العاشق، لقد نسي ذالك الوعد الذي قاطعه على نفسه صباحًا وهو يحدق بها. ابتسم نوح بخبث وهو ينظر لعمه: _حالتك صعبة يا عمي الصراحة. عاد يونس لوقاره مجددًا مجيبًا ابن أخيه: _شكلك عاجبك موضوع تبقى دكتور ملو هدومه وتضرب من عمك. أعتدل نوح في جلسته: _على قلبي زي العسل على فكرة.
وقف يونس من مكانه متجها صوب الباب: _أنا هقوم قبل ما أمد إيدي عليك.. توقف للحظة ومن ثم عاد ينظر لابن أخيه: _أمال فين أخوك مشفتهوش النهارده؟ رد نوح وهو يمط شفتيه: _معرفش بس عربيته مركونة برا. _تمام. *** أما بالخارج في الحديقة الخاصة بالمنزل: _بتعملي إيه؟ وقفت شهد منتفضة من مكانها: _خضيتني يا يونس بيه. نظر لها بتفحص شديد بداية من وجهها الخالي من المساحيق مرورًا بملابسها التي يبدو أنها بدلتها إلى ملابس أضيق قليلاً.
نكست رأسها إلى الأسفل ومن ثم مدت يدها بتلقائية لجذب جلبابها الطويل إلى الأسفل. نظراته جعلتها تشك بنفسها إنها لا ترتدي شيئًا. _سلامتك من الخضة. ردت بصوت مهزوز: _عايز حاجة يا بيه؟ _أبوكي فين؟ _في البيت. جلس على المقعد ناظرًا لها: _اناديه ليا واعمليلنا اتنين شاي. أجابت في استغراب ماذا يريد من ولدها في هذا الوقت: _حاضر… دخلت إلى ذلك المنزل الصغير الملحق بقصر العائلة، لتجد أباها يشاهد التلفاز: _يونس بيه عايز إيه؟
رد والدها بحاجبين مقعدين: _متعرفش عايز إيه؟ هزت رأسها دلالة على عدم معرفتها. أوقف والدها عن مقعده متجهًا إلى الخارج: _طيب اعمليلنا اتنين شاي يا شهد وهاتيهم على برا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!