الفصل 31 | من 39 فصل

رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
21
كلمة
6,690
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

بصوت باكي يقطعه شهقاتها التي تحاول السيطرة عليهم أردفت: _تعالى نتجوز! تفاجئ يوسف من طلبها، فكان مريباً بالنسبة له. عقد حاجبيه وردد دون فهم: _طيب ما إحنا متجوزين أصلاً يا حبيبي. ابتلعت ريقها وطالعت عيناه قبل أن توضح: _أقصد نتجوز، يعني نكون في بيت لوحدنا. ضاق يوسف بعينيه عليها، فلم يستشف بعد سبب طلبها، وحالتها التي باتت عليها. حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع وتساءل بهدوء:

_طب ممكن أفهم إيه السبب اللي يخليكي في الحالة دي، وكمان تطلبي طلب زي دا فجأة كدا. زمت شفتيها محاولة السيطرة على بكائها، أخفضت بصرها. لم تكن بتلك الشجاعة حتى تواجه عينيه وهي تخبره: _علي شاف الصور اللي بعتهالك. تفاجئ يوسف مما وقع على أذنيه. ساد صمت لبرهة قبل أن يعود متسائلاً: _شافهم إزاي؟

رفعت كتفيها بمعنى أنها تجهل ذلك. عاد يوسف بذاكرته عندما أخذ منه الهاتف لكي يقوم بالإتصال على هاتفه. أوصد عينيه لاعناً غباءه، فكان الهاتف مغلقاً على محادثته معها، حتماً رآها حينما فتح الهاتف. أخرج يوسف تنهيدة، وقد علم الآن سبب تحوله المفاجئ. عاد بأنظاره إلى لينة وتساءل: _قالك إيه؟ تذكرت هي بشاعة كلماته ثم جهشت باكية وهي تردد بحزن شديد: _قال كلام وحش أوي، وقال إني مش محترمة.

ازداد نحيبها فضمها يوسف مرةً أخرى إلى صدره. ربت على ظهرها بحنو، ثم ردد: _ملوش حق يقولك كدا. تراجعت للخلف واستنكرت كلماته وصاحت منفعلة: _ملوش حق إزاي؟ الصور مش كويسة، ومكنش ينفع أبعتها، مكنش ينفع أسمع كلام شهد من الأول أصلاً. لم يعِ يوسف ما علاقة شهد بالأمر وردد باسمها: _شهد؟ أومأت وهي توضح مقصدها: _أيوة هي اللي قالتلي أبعت لك الصور لما حكيت لها إنك زعلان مني، هي اللي قالتلي هيصالحك بالطريقة دي.

كز يوسف أسنانه بضيق بالغ، فلم يعجبه الأمر. وعزم على محادثتها في ذاك الموضوع لكن ليس الآن، عليه أولاً أن يهدئ من روعها. حاول ضبط حنجرته رغم ذلك خرجت خشنة: _أنتِ تطلبي طلب زي اللي طلبتيه دا لما أكون واحد من الشارع بقابلك من ورا أهلك، لكن أنا جوزك، ولا أنتِ عملتي حاجة حرام ولا عيب، ولو على "علي" فسبيه عليا أنا هتكلم معاه. أسرعت لينة في رفض الأمر متوسلة إياه: _لا لا متتكلمش معاه في حاجة، مش عايزة مشاكل يا يوسف.

"مشاكل إيه؟ أنا هقوله زي ما قولتلك كدا، عشان هو الظاهر عليه لسه صغير ومش مستوعب يعني إيه كتب كتاب." هتف يوسف بحسم. أخرج زفيراً وواصل مسترسلاً: _هديتي؟ نفت بحركة من رأسها ثم قالت بخفوت: _كل ما بفتكر كلامه بتخنق أوي. أمسكت بيد يوسف وتوسلته في طلبها: _ينفع تخليك معايا شوية. ابتسم لها وبصدر رحب أردف: _بس كدا تؤمر. نظر إلى حالته ثم هتف مازحاً: _هروح ألبس هدومي الأول قبل ما حد يشوفني كدا وتبقى فضيحة بجد.

نجح يوسف في إضحاكها، نهض عن الفراش وقبل أن يغادر التفت إليها وسألها بخبث: _ولا تحبي أقعد معاكي كدا؟ أسرعت هي برفض وجوده على تلك الحالة: _لا روح البس هدومك. غمز لها وصاح مشاكساً: _ولا أقعد؟

انفجرت هي ضاحكة بينما هو شعر بالرضاء لتلك الإبتسامة التي كان سبباً في رسمها. خرج من الغرفة وذهب ليرتدي ثيابه ثم عاد إليها. جلس على الفراش واستند على جداره بينما توسطت هي صدره محاوطة خصره بذراعيها، حتى شعرت بالسكينة حينها وغفت سريعاً. بزغ الفجر، فصدح رنين هاتف يوسف. قلق على اهتزازته، سحبه من جيبه وأغلق المنبه، ثم تفقد تلك النائمة على صدره. فرك عينيه ثم ملس على وجنتها بخفة: _ليـنة، قومي. لم تنتبه له فأعاد

تكرار ندائه بنبرة أعلى: _يا لي لي، يا حبيبتي اصحي. شعرت بيده التي تتحسس وجهها فرفعت عينيها للأعلى ناظرة إليه. تشكلت بسمة رقيقة فانحنى هو برأسها مقبلاً ثغرها قبل أن يردف: _قومي يلا الفجر أذن. اعتدلت في جلستها، بينما نهض هو وردد بخفوت: _هخرج أنا قبل ما حد يصحى. سار نحو الباب فتبعته هي بنعاس. التفت إليها وحدجها بنظرة ثاقبة قبل أن يتساءل: _أنتِ راحة فين؟ بتلعثم أجابته: _خارجة. أشار عليها بإصبعه وهو يردد: _بشعرك؟

تفقدت لينة نفسها ثم هدرت ببسمة سمجة: _مختش بالي. بدلها يوسف بسمة سمجة مقلداً أسلوبها وقال: _لا أبقي خدي بالك. أدار مقبض الباب بحذر، ثم تفقد الخارج فلم يجد أحدهم. خرج مسرعاً وأغلق الباب خلفه. خطى بضعة خطوات وقبل أن يصل إلى غرفته انتبه لخروج والدته فتجمد مكانه، فتسائلت هي: _صحيت يا حبيبي؟ حمحم وتصنع النعاس قبل أن يجيبها: _آه لسه صاحي، كنت جاي أصحيكي.

تثاءبت هي ثم توجهت إلى المرحاض لكي تتوضأ وكذلك فعل هو بعد أن أيقظ البقية. كان اليوم إمامهم في الصلاة. انتهى منها ثم عاد إلى غرفته وكذلك فعل الآخرين وفي غضون ثوانٍ كان الجميع نيام. أشرقت شمس اليوم، استيقظ يوسف باكراً، ثم توجه إلى الفندق الكائن به علي. أعطى موظف الإستقبال خبراً بقدوم ضيف له، فأمر علي بتركه للصعود إليه.

رحب به علي لكن كان ترحيبه محدود كما أنه لم يسعد بلقائه. تفهم يوسف أمره ولم يعقب على أسلوبه، بل ولج الغرفة وجلس على أقرب أريكة قابلته ثم أردف بصوته الأجش: _تعالى أقعد يا علي عايزك في موضوع. امتثل الآخر لأمره وجلس مقابله، بينما سحب يوسف وسادة مربعة الشكل ووضعها على قدميه ثم نظر إليه بنظرة ثاقبة وسأله بجدية: _أنت شايفني إزاي يا علي؟ تعجب الآخر من سؤاله، فلم يكن هناك داعٍ له. حمحم وهتف دون استيعاب: _مش فاهم.

أعاد يوسف وضع الوسادة في مكانها ومال بجسده للأمام، ثم شبك يديه وهدر: _من حوالي ٨سنين قولتلك أنت شايفني واحد ميعتمدش عليه وميقدرش يشيل مسؤولية عشان تخاف على أختك معايا؟ أنت وقتها رديت عليا بإيه؟ نكس علي رأسه بخجل شديد انعكس على نبرته التي خرجت متلعثمة: _قولتلك إنك الوحيد اللي ساعدتنا! تابع يوسف ما يريد إيصاله إليه: _حلو، يمكن أنت غبت ٨سنين ومقدرتش تعرف فيهم شخصيتي كويس، بس أنت وقت ما رجعت لقيت إيه؟

لقيت مثلاً أختك مرمية في الشارع؟ مخلتيهاش تكمل تعليمها؟ سبتها دايرة على حل شعرها؟ متقتش ربنا فيها؟ معاملتهاش معاملة الأخت قبل ما أعرف مشاعري نحيتها؟ دا أنا اتغضيت عن مشاعري مقابل إني أحلل قعدتها معانا عشان ميمسهاش كلمة كدا ولا كدا! قولي أنت وقت ما وصلت، أختك اتحامت في مين؟ في زياد اللي المفروض كان كتب كتابه عليها خلاص، ولا فيك؟ في أخوها تؤامها؟ رد وقولي اتحامت في مين من مين يا علي؟ ابتلع علي ريقه وبخفوت أجابه بخذي:

_فيك. صاح يوسف متابعاً لاسترساله: _ودا عشان سواد عيوني؟ ولا عشان راعيتها واتقيت ربنا فيها؟! حسستها بالأمان وإن ليها ضهر تتسند عليه، حميتها حتى من نفسي، عاملتها بما يرضي الله ويرضي أحمد الله يرحمه اللي وصاني عليكم. رفع علي نظره في عيناي يوسف وسأله بارتباك حرج: _أنت ليه بتقولي كل دا؟ أجابه يوسف دون تفكير: _عشان عرفت إنك زعلتها لمجرد إنك شوفت صورتين على موبايلي! الأن قد فهم الأمر، تجهمت تقاسيمه وبحدة باغته هلل:

_وأنت شايف أن دول مجرد صورتين عاديين؟ "آه عاديين." أردفهم يوسف بثقة وواصل بجدية: _أنا مش مرافق أختك ولا ماشي معاها لامؤاخذة عشان ميبقوش عاديين، أنا متجوزها على سنة الله ورسوله، أختك دي مراتي يا علي، فاهم يعني إيه مراتي؟

يعني يحل لي كل حاجة معاها، وإحنا معملناش كتب كتاب بينا كدا وخلاص، لا إحنا عملنا إشهار، يعني أنا لو شقتي جاهزة كنت أخدها عليها على طول، أنا مقدر إنك أخوها ويمكن الوضع معجبكش، بس ملكش حق أبداً تغلط فيها وتقولها أنها مش محترمة لأنها لا عملت حاجة لا عيب ولا حرام! أخذ يوسف نفساً ليستطيع مواصلة حديثه معه وقال بصوته الأجش:

_وأنت لو بتخاف عليها قيراط فأنا بخاف عليها ١٠٠ مش ٢٤، يعني إهدى كدا وطمن قلبك خالص، مش أنا يا حبيبي اللي تخاف منه على أختك! وإلا مكنتش صونتها طول مدة غيابك واستغليت إنها لوحدها وملهاش غيري، تمام يا علي؟ كان يصغي لكلماته وهي منكس الرأس، لا يقدر على مواجهته، فلم يتفوه بخطأ يمكنه مسك ثغرة منه عليه. حمحم وبخذي شديد أردف: _أنا أسف. استنكر يوسف اعتذاره وقال:

_لا أسف دي تتقال لأختك مش ليا، تروح تراضيها ومتزعلهاش تاني، عشان زعلها عندي غالي ولو عديت مرة مش هعرف إذا كنت هعدي التانية ولا لأ. لم يكن من علي إلا أنه أومأ برأسه والخذي واضح عليه. عاد يوسف بظهره للخلف مستنداً على الأريكة وبنبرة أهدى أمره: _قوم يلا ألبس حاجة شيك عشان الإفتتاح، وطبعاً قبل منه نروح لـ لينة. "ماشي."

هدر بها علي بطاعة ثم نهض ليبدل ثيابه. مرت دقائق وعاد إلى يوسف الذي حدج قميصه الأبيض وبنطاله الجينز بعدم إعجاب. حمحم وقال: _لا أنا كان قصدي بدلة يعني مش كاجوال. تصدق علي بفمه بحرج شديد قبل أن يخبره قائلاً: _بصراحة مش عندي بدل. لم يطيل يوسف حتى لا يزيد من خجله وهتف وهو ينهض: _مفيش مشكلة، شكلك حلو برده. اقترب منه ثم أحاط كتفيه بذراعه وهتف: _يلا يا علوة يا مطلع عيني أنت واختك.

قهقه علي ورافقه للخارج ومن ثم إلى السيارة التي استقلاها وغادرا المكان عائدين إلى منطقة يوسف. "حاضر." قالتها وهي تركض نحو الباب، وضعت حجابها سريعاً وفتحت الباب ثم تفاجئت بشقيقها يقف أمامها. خفق قلبها برعب معانق للخجل، نكست رأسها فلم تستطيع مواجهته، وكذلك علي لم يكن أقل منها حرجاً. دفعه يوسف للداخل مردداً بحنق: _أدخل يا عم بدل ما أنت قافل الباب كدا. تفاجئت لينة بوجود يوسف الذي أوضح لها: _علي جاي عشان يقولك حاجة.

انضمت لهم السيدة ميمي التي رحبت بـ علي ترحيب حار: _نورت البيت يا علي، عامل إيه. بهدوء يشوبه الخجل أجابها: _منور بيكم يا آبلة ميمي، أنا الحمدلله كويس. اقترب يوسف من والدته وهمس لها: _تعالي معايا يا أمي جوا. استدار حيث يقفان التوأم وصاح: _خدوا راحتكم. ولج برفقة والدته المطبخ وسرعان ما انهالت عليه متسائلة: _في إيه؟ دخلتني المطبخ ليه؟ أجابها وهو يلتقط تفاحة من طبق الفاكهة:

_علي ولينة زعلانين مع بعض فجبتوا عشان يصالحها، فأكيد يعني مش هنقعد معاهم. ضاقت بعينها عليه وباستفسار سألته: _زعلانين ليه؟ إيه اللي حصل؟ ضاقت هو الآخر مقلداً نبرتها العفوية: _حصل اللي حصل يا ميمي، مش لازم نقعد على التفاصيل يعني. لكزته في ذراعه وصاحت بحُنق: _يوه يواد، كنت عايزة أطمن بس. غمز إليها بمشاكسة وقال: _أطمني يا أمي أطمني.

لم تمنع ابتسامتها المستاءة بينما جلس هو على الكرسي يقلب في هاتفه لحين انتهاء الآخرين من حوارهم معاً. في الخارج، جلست لينة على استحياء شديد، فلم تتحلى بالقوة لتواجهه وترفع عينيها في عينيه. جلس علي على الأريكة المقابلة لها، فرك يده بعنف ثم بدأ حديثه بتلعثم: _أنا كنت قليل الذوق، بس دا ميمنعش إني مقتنع إنه تصرف غلط، أه هو مش حرام بس برده المفروض أخلاقنا اللي اتربينا عليها متخليكيش تعملي حاجة زي دي.

لم تتماسك أكثر من ذلك، انسدلت عبراتها بغزارة، حاولت مسحهم مراراً لكنهم يسقطون بقوة أكبر كلما تذكرت إهانته. اقترب منها علي وضمها إليه ثم ردد بندم: _أنا آسف على كل اللي قولته، كان وقت اندفاع مش أكتر وأكيد كنت بهذي يعني، متزعليش يا لولو. رفعت بصرها وأشارت على ذاتها بنبرة مرتجفة إثر بكائها: _أنا مش محترمة يا علي؟ قالت جملتها ثم جهشت باكية فأسرع هو في نفي ما قاله:

_والله العظيم مكنش قصدي، كنت مضايق وبقول أي كلام من غير ما أفكر فيه، أنا واثق فيكي يا لينة وفي أخلاقك، وبعدين يا عبيطة أنا لو شوفت حاجة زي دي ومضايقتش كنتي تزعلي، لأني انفعالي دا من غيرتي عليكي، غيرتي على عرضي، ما إحنا في الآخر صعايدة ودمنا حامي. أراد مزاحها فهتف مواصلاً بلهجة صعيدية: _كويس إن مطارش فيها رجاب ديي. تفاجئت لينه من حديثه وحدقته بأعين جاحظة فنفى علي جدية حديثه: _بهزر يا هبلة، متزعليش عشان خاطري.

اقترب منها وقبل جبينها متسائلاً باهتمام: _لسه زعلانة؟ نفت هي بحركة من رأسها فأعاد هو قبلته مرة أخرى. في تلك الأثناء خرج يوسف من المطبخ ووقع على عينيه تلك القبلة التي اخترقت جبين فتاته، فلم يصمت وصاح رافضاً للأمر: _لا لا إحنا اتفقنا تصالحها مش أكتر من كدا. اقترب منهم ثم سحب لينة من بين يدي علي وضمها إلى صدره ثم وجه حديثه لها: _وأنتِ عادي سيباه يبوسك؟ خجلت لينة ولم تجيبه فهتف هو: _ماشي، حسابنا بعدين.

قهقهت لينة وكذلك علي، ثم تساءل يوسف بفضول: _ها اتصافيتو؟ "أيوة." أردفتها لينة وهي تمسح على عينيها، بينما سحب يوسف مفتاح سيارته من جيب بنطاله ثم ألقاه لعلي الذي لَقِفه قبل أن يسقط أرضاً وأمره: _أنزل سخن العربية عشان هنروح مشوار وأنا نازل وراك أهو. أومأ علي بقبول وغادر المنزل ليلبي أمر يوسف. على جانب آخر انتهز يوسف فرصة انفرادهما وحادثها في أمراً لم يتقبله إلى الآن:

_بما إنكم اتصالحتوا فياريت متكرريش العاملة دي تاني، مش بحب صور زي تكون على الموبايل ولو ياستي عايزة توريني حاجة ابقي وريني على الطبيعة. غمز لها فتفاجئت هي بقوله ولكزته في صدره بخفة. بينما واصل يوسف ما يريد قوله: _امبارح محبتش أكلمك عشان كنتي زعلانة ومحبتش أضغط عليكي. أرغمت لينة جميع حواسها على الانتباه لما سيقوله فتابع يوسف حريصاً على عدم التطاول في الحديث:

_حوار إن شهد تبقى عارفة موضوع الصور اللي اتبعتت لي دي مضايقني. قاطعته هي مبررة أمرهما: _هي والله اقترحت عليا لما لقيتني مضايقة إنك زعلان مني. تنهد يوسف قبل أن يردف مستاءً: _وهي ليه تعرف أصلاً إننا زعلانين؟ أنا فاهم إنها صاحبتك وأقرب واحدة ليكي، بس اللي بينا المفروض محدش تالت يعرفه، إحنا لينا خصوصية مينفعش خالص حد يكون عارفها، لا هي ولا غيرها، اللي بينا يفضل بينا يا لينة. أخذ نفساً عميق ليواصل حديثه:

_هل مثلاً أنتِ جيتي في مرة حكتيلي حاجة تخصكم؟ نفت ذلك بقولها: _لأ. تساءل يوسف بجدية: _ودا ليه؟ أجابته لينة بخذي: _لأنه مينفعش أحكي لك حاجة عن صاحبتي. "بالظبط، إحنا نفس الوضع، مينفعش صاحبتك تعرف حاجة خصوصاً عني ومعاكي، تمام يا لينة؟ أومأت بالايجاب فأسرع هو في أخذ قبلة بينما تراجعت هي للخلف سريعاً متفحصة المكان من خلفها ثم عاتبته: _بطل بقى حد يشوفنا. غمز إليه وردد ممازحاً: _جت سليمة.

نهض وودعها ثم غادر برفقة علي قاصداً مكان بعينه. تململت في الفراش ثم شعرت بظل حجب الضوء أمامها ففتحت عينيها ببطئ. كان يقف أمامها يبتسم بعذوبة، بادلته ابتسامة رقيقة قبل أن تقول: _صباح الخير. "صباح النور، يلا قومي عشان نفطر." قالها بلال فانتبهت إيمان إلى تلك الصينية التي يمسك بها. اعتدلت من نومتها، بينما اقترب هو من الفراش وجاورها، ازدادت ابتسامتها وهي تجوب الفطور بسعادة. رفعت نظرها عليه وتساءلت برقة: _دا عشاني؟ أماء

ثم قبل وجنتها قبل أن يردف: _يلا كلي بسرعة عشان اليوم طويل النهاردة. تساءلت هي بفضول: _ليه ورانا إيه؟ أخبرها هو مختصراً: _هو طويل عليا أنا، لسه هروح للحلاق وهروح على المعرض عشان أتأكد إن كل حاجة تمام، وأرجع ألبس وأنتِ كمان تلبسي ونروح مع بعض. بحماس تساءلت: _إيه دا أنت هتاخدني معاك؟ بإسيتاء واضح هلل: _طبعاً، لما مرات بلال والي متحضرش افتتاح معرضه الجديد مين اللي يحضر؟ "ممم، أنت أخدني واجهة ليك يعني.."

قالتها إيمان وهي تأخذ شريحة من الخيار ثم قضمتها في انتظار إجابته. تفاجئ بلال بقولها ونفى ظنها: _أكيد لأ، أنا عايزك معايا، وبرده ميمنعش إني عايز أقول للناس كلها إن دي مراتي حبيبتي اللي حلمت بيها سنين وأخيراً بقت معايا. تقوس ثغرها ببسمة سعيدة، أشارت إليه بالإقتراب فلم يمانع واقترب منها، فطبعت هي قبلة على وجنته ورددت: _بحبك. "مش أكتر مني."

قالها وهي يُقبل ثغرها الذي صرح بحبه، ثم بدأ في تناول الفطور، حتى صدح رنين الجرس فهم بلال ليعلم من الطارق، فتح الباب وإذا بعامل المكواه قد حضر ومعه حلة بلال. أخذها منه بلال ثم أعطاه مالاً وشكره. عاد إلى إيمان التي صاحت متسائلة: _مين؟ أجابها وهو يعلق حلته في غرفة الثياب: _دا المكوجي جاب البدلة اللي هلبسها. ثم ارتدى ثيابه وودعها حتى يفعل ما عزم عليه قبل موعد الإفتتاح.

صف سيارته أمام إحدى المولات التجارية، ومنه إلى مكان يبيع الحُلل الرجالي. ولج برفقة علي فرحب به العامل بذوق، اقترب منه يوسف وهمس له ببعض الكلمات في أذنه. لبى الآخر طلباته وتركهما ثم عاد بعد دقائق معدودة حاملاً بعض الحُلل في يديه ووجه حديثه إلى علي: _اتفضل معايا عشان تقيس البدل. تفاجئ علي، ووقف يستوعب ما قيل للتو، مرر أنظاره بين العامل ويوسف وردد سؤاله بعدم استيعاب بعد: _هو فيه إيه يا يوسف؟ همس له يوسف بمشاكسة:

_مينفعش واحد من فريق العمل مع يوسف الراوي يحضر افتتاح بجينز يا علوة. دفعه يوسف للأمام وحثه على السير: _يلا عشان مش عندنا وقت كتير. أبدى علي رفضه بحرج: _بس يوسف. قاطعه الآخر حاسماً للأمر: _مبسش، يلا بقى بقول معندناش وقت. بادله علي إبتسامة ممتنة ثم رافق العامل، أخذ يرتدي حتى أعجب بإحداهم وشعر بأنها متناسقة مع جسده اليافع وكذلك كان رأي يوسف الذي ما أن انتهى من شراء الحُلة، أوصى بإحضار واحدة أخرى ناهياً حديثه قائلاً:

_أه تعتبر نفس المقاس، وياريت تتبعت على العنوان دا في أسرع وقت. ترك ورقة لهم بعد أن دون بها العنوان المقصود ثم غادرا المكان، وتوجها إلى الحلاق الخاص بيوسف. التقى ببلال هناك فصافحه ثم جلس ينتظر دوره وكذلك علي. بعد مدة، قام بالإتصال على شقيقه الذي أجاب من بين أنفاسه اللاهثة: _إيه يا يوسف؟ بنبرة هادئة حتى لا يزعج من هم حوله حادثه: _أنت فين؟ بفتورٍ قال: _طالع على السلم، أنا مسحول في ورق الجيش دا. قهقه يوسف بسخرية وأردف:

_طب أنجز يلا والبس وتعالالي على المعرض، متتأخرش. قرع زياد الباب أولاً قبل دخوله وأجاب أخيه بنبرة متعبة: _تمام، أومال أنت فين؟ "كنت بشتري بدلة لعلي وبعدين روحنا للحلاق." أردفهم يوسف فصاح الآخر بتهكم: _بتفكر في علي وناسي أخوك، شكراً يا برو. أخلى يوسف مسؤوليته عن شيئاً يخصه بقوله: _لا معتش ليا دعوة بيك يا شق، أنت نسيت إن دا كان طلبك ولا إيه. تأفف زياد بضجر وصاح بتجهم: _مكانتش كلمة اتقالت.

"مليش فيه بقى، أعتمد على نفسك يا حبيبي، يلا سلام عشان دوري جه." أنهى يوسف المكالمة سريعاً بينما عاد زياد إلى الباب عندما سمع قرع الجرس. عقد حاجبيه بغرابة عندما رأى أحد الشباب الذي يجهل هويته وقال: _اتفضل. بعملية هتف الشاب وهو يقرأ الإسم المدون على الورقة التي بيده: _دا بيت زياد الرواي؟ أومأ زياد قبل أن يعرف عن هويته: _أيوة أنا زياد، أؤمر؟ ناوله الشاب حاملاً من القماش ثم أعطاه دفتراً وقلماً وقال بعملية:

_لو سمحت امضيلي هنا بالإستلام. مضى زياد بإسمه ثم أغلق الباب ونظر إلى ذاك الحامل بغرابة. قام بفتحه وتفاجئ بتلك الحُلة التي بداخله، ابتسم بسعادة فحتماً لن ينساه أخيه. أسرع داخل غرفته ليرتديها ويرى ما أن كانت بحاجة إلى شيء أم لأ.

حل المساء، تممَ بلال ويوسف وعلي وجميع العمال على كافة التحضيرات. انتبه الجميع على سيارة شرطة هائلة قد وقفت أمام المكان، توجه الجميع نحوها وقد شاهدوا رجال الشرطة التي تترجل من السيارة في صفوف متساوية ثم صدح صوت قائدهم من المقدمة: _انتشروا في المكان، مش عايز متر مفيش فيه عسكري. بصوت اهتزت له الأرض صاحوا: _تمام يا فندم. بدأ الجميع يتفرق في زوايا قريبة وأخرى بعيدة. اقترب يوسف من القائد وهتف ممتناً له:

_شكراً لوجودك يا مراد بيه. هربت مراد على كتف يوسف وردد بعملية: _على إيه يا يوسف دا واجبنا، وبعدين طلاما المجرمين دول هربانين لغاية دلوقتي يبقى مش بعيد عليهم يعيدوا اللي حصل تاني. "ربنا يستر." رددها يوسف ثم انضم إليهما السيد سمير وخلفه بلال. حمحم يوسف وأوضح ما يحدث للسيد سمير: _مراد بيه المسؤول عن أمن المكان، لما طلبت منه قوة للتأمين مترددش أبداً. تصافحا سمير ومراد ثم دعاه للداخل:

_اتفضل جوا يا فندم، اتشرفنا بوجودك ووجود رجالتك. رافق مراد السيد سمير للداخل بينما لكز بلال يوسف في ذراعه ممازحاً إياه: _دا مبقاش افتتاح، دا بقى فيلم كود ٣٦. قلب يوسف عينيه مستاءً قبل أن يردف بعبوس: _أنت متعديش حاجة إلا لما تتريق عليها، يا ساتر. تركه وعاد للداخل، تبعه بلال محاولاً اللحاق بخطواته السريعة. كان المكان يضم الكثير من رجال الأعمال الذين يتعاملون مع السيد سمير، وأيضاً بعض رجال ذوات النفوذ المرموقة.

وأخيراً بعض الجيران الأقارب والمشترين. كانت هناك في الخلفية موسيقى هادئة، تتمايل معها لينة حتى أجبرها يوسف على التوقف بقوله: _اتلمي بقى وبطلي هز. رمقته بنظرات مشتعلة قبل أن تردد بملل: _الجو ملل أوي، هو الافتتاح كدا بس؟ مالت عليه لتكون قريبة من أذنه وهمست: _مفيش آكل؟ فين العشا أنا جوعت! حرك يوسف رأسه مستنكراً تصرفاتها الخرقاء وصاح عالياً: _إحنا مجوعينك يابنتي في إيه؟ تأففت هي ثم تحسست معدتها وأردفت بنبرة ناعمة:

_جعانة يا سوفي. أمسك يدها وهتف: _تعالي معايا. "على فين؟ تساءلت بفضول فأجابها وهو يجوب المكان بنظراته: _مش جعانة تعالي وأنا أكلك. سارت بجواره بعد أن استأذنت ممن ترافقهم الطاولة. كانت تسير بعدم استقامة، فكانت تكره ارتداء الكعوب لعدم راحتها فيهم. وقعت نظراتها على تلك الفتاة مرة أخرى، نعم هي تلك المُدللة التي سبق ونتفت لها خصلاتها، تقترب منهم برفقة والدها.

استقامت لينة في سيرها متناسية ألم قدميها، تسللت بيدها حتى احتضنت ذراعه من الأعلى فقام يوسف بإحاطة يدها تلقائياً بذراعه. اقتربت منهم الفتاة برفقة والدها الذي رحب بيوسف بحفاوة: _الف مبروك يا جو على المكان ربنا يجعله فتحة خير عليكم. قابله يوسف بإبتسامة ودودة ورد عليه بلطف: _يارب، شكراً لذوق حضرتك. تدخلت يُمنى مرحبة به وهي تطالع لينة بغيظ شديد: _مبروك يا جو. "الله يبارك فيكي." قالها يوسف مختصراً الحديث معها، بينما

بدأ يعرف هوية لينة لهما: _أعرفكم لينة، مراتي. وجه السيد سليمان نظره إليها تلقائياً ومد يده ليصافحها قائلاً: _أهلاً وسهلاً بيكي. أسرع يوسف في مصافحته موضحاً بحرج: _معلش يا سليمان بيه إحنا مبنسلمش. "ولا يهمك يا جو." قالها بلطف بينما لم تمرق يُمنى الأمر دون وضع بصمة ساخرة: _وعلى كدا مش بتسلمي على بني آدمين خالص؟ سحبت لينة يدها من ذراع يوسف ومدت يدها لها مرددة بهدوء بالغ: _لا إزاي، بسلم طبعاً.

مدت لها يُمنى يدها بحتقار شديد، لم تلمس يدها بعد وكادت أن تتراجع مستهزئة بها لكن لينة لم تعطي لها الفرصة في فعل ما يحلو لها، بل شدت على يدها بكل ما أوتيت بقوة فآنت الأخرى بألم، تقوس ثغر لينة ببسمة ساخرة ورددت بتهكم: _إيه مالك سلامتك، إيدك مش متعودة على سلام البني آدمين ولا إيه؟ اغتاظت الأخرى من تصرفها وأسلوبها الوقح ثم هدرت وهي تبتعد عنهم: _يلا يا دادي.

تعجب سليمان من تصرف ابنته واستأذن من يوسف ثم تبعها، لم يكن يوسف أقل غرابة منه، فما حدث أمامه لم يكن عادياً. نظر إلى لينة التي تتابع هرولة الأخرى والإنتصار واضحاً على ثغرها الذي يبتسم ببلاهة وتساءل مستفسراً: _هو إيه اللي حصل دا؟ بلا مبالاة أجابته: _سيبك منها دي منفسنا مني. فغر يوسف فاهه بذهول وردد بتهكم: _ودي هتنفسن منك ليه؟ رفعت لينة حاجبيها الأيسر وبلهجة مستاءة سألته: _أنت تقصد إيه؟ بتلقائية قال:

_لا بجد بسأل عادي، هتنفسن منك ليه؟ أنتوا تعرفوا بعض أصلاً؟ أجابته بعجرفة: _أصل علمت عليها قبل كدا، ويلا بقى عشان جعانة. أدارت له ظهرها وأسبقت بعدة خطوات هاربة منه لكنه لحق بها وأعادها إليه وهو يردد آخر ما قالته: _علمتي عليها؟ إزاي يعني؟ عضت على شفتيها لكنها تحلت بالشجاعة وأخبرته عما فعلته سابقاً: _يوم ما شوفتها معاك هناك كان بتتمايع وتتدلع وأنا مقدرتش أتفرج وأنا ساكتة، دخلت وراها الحمام وجبتها من شعرها.

فغر يوسف فاهه بصدمة هاتفاً بعدم تصديق: _جبتيها من شعرها!! أكدت هي فعلتها بإيماءة من رأسها وتابعت: _وقولتلها لو مخرجتش خلصت بسرعة هطلعه في إيدي. هتفت وهي تكز أسنانها بغيرة واضحة، بينما وضع يوسف يده على فمه مذهولاً، ظل يحرك رأسه باستنكار وتذكر جيداً تحول يُمنى المفاجئ حينها وتعجبه من مغادرتها سريعاً وهتف متسائلاً: _أنتِ بجد عملتي كدا؟ اقتربت منه وبغيره أردفت: _أعمل كدا وأكتر كمان لو واحدة بصت لك بس، أكلها بسناني!

لم يمنع يوسف ابتسامته التي تشكلت عفوياً على شفتيه، حقاً لا يصدق أنها فعلت ذلك. شاركته لينة الضحك براحة حينما لم تشعر بضجره، دفعها يوسف للأمام بخفة وأردف ممازحاً: _طب يلا قدامي. اصطحبها يوسف إلى مكان الطعام، وقف أمام الطاولة المستطيلة التي يعلوها أصنافاً عديدة من الأطعمة المختلفة والشهية، أمرهما يوسف برفع الغطاء حتى يسهل على فتاته اختيار ما تريد تناوله.

أخذت طبقاً وانتقت من الطعام ما تحبه وتشتهيه ثم أخذها يوسف إلى مكانٍ بعيد عن الجميع لتكن على راحتها، بعد مدة نهض يوسف بعد انتهائها من الطعام وعاد إلى الجميع ثم أمروا بتقديم الطعام للجميع حينما حان وقته. وفي النهاية، وقف السيد سمير برفقة بلال ويوسف في المقدمة وفريق عمله الجديد في الخلفية أمام المعرض ليلتقط أحد الصحافة صوراً ويطبعها على أوراق المجلات الإقتصادية. اقترب يوسف من لينة وهمس لها سؤاله: _تيجي نروح بيتنا؟

تكتشف قصده ورددت بعدم فهم: _بيتنا! ، ما إحنا كدا كدا رايحين. أوضح لها ما يقصده: _قصدي بيتي أنا وأنتِ، نشوفه مع بعض. تحمست لينة للغاية وهتفت بقبول: _موافقة طبعاً. طلب يوسف سيارة لذهاب والدته وأخيه إلى منطقتهم بينما اصطحب لينة في طريقهم إلى عُشهم الجديد. خطت بقدميها للداخل وكان هو تابعاً لها، واضع يديه على عينيها ثم أزاحهما حينما دلفا المنزل. اتسعت عيني لينة بذهول شديد، طالعت المكان من حولها بإعجاب واضح وهللت بسعادة:

_الله، المكان واسع أوي. التفتت إليه وطاعته بعينان لامعتين قبل أن تتسائل وهي تشير على ذاتها: _كل دا بتاعي لوحدي؟ أماء لها مؤكداً مع رسمه لبسمة عذبة، فأدارت له ظهرها تتفقد تلك المساحة الهائلة، بينما اقترب منها يوسف وأمسك بيدها قبل أن يردد بحماس: _تعالي أفرجك بقية المكان. لم تمانع بل سارت بجواره وهي تشاهد كل ثغرة به، حتى انتهت حركتهم إلى أحد الغرف التي تعمد يوسف تركها للنهاية. قام بعناق لينته من ظهرها مستنداً

بذقنه على كتفها وأردف: _دي بقى أوضتنا أنا وأنتِ وبس! أدارها بيديه وطالع عينيها بحب قبل أن يسألها: _ها، عجبتك؟ "جداً، أحلى حاجة إن المكان واسع والمطبخ مساحته تحفة هقدر أعمل فيه اللي رسمت له، والأحلى من كل دا إن دا بيتنا لوحدنا." هتفت بحماس، ثم تشبثت في عنقه وبدلال قالت: _ما تيجي نتجوز بجد يا يوسف. رفع يوسف عينيه للأعلى وردد قائلاً: _مش خلصنا من الموضوع دا الصبح يا لي لي؟! تنهدت هي وأخبرته عما يجول في خاطرها:

_مش قصدي على علي، فيه أسباب تانية كتيرة تخليني أطلب منك كدا. ملس على وجنتها بنعومة وقال وهو يتابع حركة شفتيها: _إيه هما؟ ابتلعت ريقها وبدأت تقص عليه أسبابها: _نفسي أقلع الطرحة يا يوسف، مش معقول لبساها برا البيت وجوا كمان. تراجعت للخلف وجابت المكان من حولها راسمًة مواقف عديدة لها بدون حجاب:

_نفسي أمشي في البيت وأنا سايبة شعري، مش عايزة أكون مرتبطة بيه طول الوقت، وخايفة أقلعه عشان محدش يجي فجأة، كفاية ٨سنين أوي مخبياه ورا الطرحة، نفسي أحرره بقى. اقترب يوسف منها وأحاط خصرها بذراعيها ثم قال بصوت خافت: _طب دا سبب إيه الأسباب التانية؟ عضت لينة على شفاها بخجل قبل أن تخبره السبب الثاني:

_مش بعرف أخد راحتي معاك هناك، دايماً حاسة إني محاصرة ومتراقبة ومش من حقي حتى أتكلم معاك بحرية، صدقني طول ما أنا وأنت هناك مش هقدر أخليك تحس إني مراتك ولا حتى بنت ماشي معاها، أنا بتحرج يا يوسف من ماما ميمي أوي لما أنت بتقرب لي حتى لو بهزار، وبضايق من نظرات زياد اللي بتحسسني إني واقفة قدامه من غير هدوم. قطب يوسف جبينه وردد بعدم فهم: _نظرات زياد! أسرعت هي في توضيح الأمر:

_متفهمش غلط، بس أنت عارفه كويس وإنه مش بيسيب فرصة وإلا ولازم يعلق على وجودنا مع بعض، وأنا بتحرج أوي، وبعدين مش لطيف يعني كل لما يرجع لإما يلاقيك خارج من أوضتي أو أنا اللي خارجة من أوضتك، الموضوع بايخ أوي يا يوسف. أخرج يوسف تنهيدة حارة قبل أن يهتف: _بس المشوار لسه قدامك كتير أوي يا لينة عشان ناخد خطوة زي دي، دا أنتِ لسه مدخلتيش الجامعة! حاولت إقناعه بأسلوبها المدلل: _وإيه يعني؟ أكمل وإحنا مع بعض في بيتنا، فين المشكلة؟

ابتعد عنها وهو يخبرها أين المشكلة بالتحديد: _فيها كتير يا لينة، جامعة ومذاكرة وكورسات وحاجات لسه متعرفيش عنها حاجة متنفعش مع جواز ومسؤولية. التفت إليها وبنبرة ماكرة هدر: _وفوق كل دول حقوقي. غمز إليها قبل أن يتابع: _وأنا ممكن أسامح في كله إلا دي، آه. أسرعت في الرد عليه بلهفة: _والله ما هقصر معاك، هحاول أعمل كل اللي في إيدي عشان أوفق بين دراستي وبين. قاطعها يوسف برفض تام: _وليه؟ ليه تضغطي نفسك وتحمليها فوق طاقتها؟

نكس لينة رأسها بحزن، فلم تجد ما تقوله، على ما يبدو أنه لا يريد الزواج منها. استشف يوسف ما يدور في عقلها، اقترب منها ورفع وجهها بإصبعه فتقابلت نظراتهم معاً ثم قال هو: _تفتكري مثلاً إني مش نفسي أخد الخطوة دي؟ بإقتضاب هدرت: _كلامك بيقول كدا. لم يعير ردها الساذج اهتمام بل هتف هو بنبرة رخيمة:

_لو فكرتي شوية، هتلاقي إني سني مش صغير، والحمدلله مادياً كويس، شقتي موجودة ومش ناقصني أي حاجة على إني أخد خطوة الجواز دي، يعني أنا بتكلم عشان مصلحتك، أنا مش حابب أحملك فوق طاقتك، وتفضلي طول الوقت في صراع إنك مقصرة في حاجة لإما في دراسة أو مسؤولية، وبعدين أنا لا يفرق معايا لا طبيخ ولا حقوقي ولا أي حاجة غيرك، أنا بفكر فيكي أكتر ما أنتِ بتفكري في نفسك. طالعته بامتنان ورددت برقة:

_وعشان كدا أنا مش خايفة إني بطلب طلب كبير زي دا، كان ممكن أخاف لو مكنتش هكون معاك، بس أنا عارفة إنك هتقف جنبي وتدعمني ولو قصرت مش هتعاتب بالعكس هتحاول تسد أنت النقص دا مكاني. احتضنت يديه بيدها الصغيرة واسترسلت متوسلة: _صدقني راحتي هتكون هنا يا يوسف، معاك ولوحدنا! طالعها لوقت، فالكثير من المشاعر قد انتابته حينها، الحماس والسعادة، والقلق والخوف وغيرهم. لا يريد التسرع في أمر كبير فيه مصيرها. حمحم وأردف بعقل حكيم:

_سيبني أفكر شوية، الموضوع مش سهل زي ما أنتِ فاكرة. تأففت لينة ثم ابتعدت عنه وهتفت بتذمر: _أنا عايزة أمشي. عاد إليها وبنبرة تحذير صاح: _أنا مبحبش طريقة لوي الدراع دي، مش معنى إن زعلك غالي عندي تعملي كدا عشان أوافق! أسرعت في نفي ظنه بقولها: _لا طبعاً أنا مش بعمل كدا عشان أضغط عليك، بس مش هنكر إني اضايقت. نكس رأسها في خجل وحزن معاً فتابع الآخر:

_مش كل الأمور تتاخد من منظورك أنتِ، أنتِ لسه صغيرة ومش هتفهمي كلامي غير لما تكبري وتلاقيـكـي مش عارفة تاخدي قرار في أي موضوع فيه مصير ناس بتحبيهم. أومأت بتفهم قبل أن تعيد طلبها: _طيب هنمشي امتى؟ قلب يوسف عينيه مستاءً وقال: _عايزة تمشي، إحنا لسه اتسلينا؟! رمقته هي فاستشفت ما يقصده من خلف نظراته وابتسامته الماكرة، تراجعت للخلف ثم ركضت بعيداً عنه مهللة بانتصار: _دا لو عرفت تمسكني بقى.

لم يقف مكانه وركض خلفها، كلما ظن أنها في غرفة ما لم يجدها، حتى أمسك بها فصرخت عالياً بتذمر: _لأ بقى، أوف. قهقه هو ساخراً من خسارتها، انحنى بقرب أذنها وهمس: _مني وإليا تعودي يا لي لي. اقترب من ثغرها ولثمه بقُبلات ناعمة تحولت إلى نهم ورغبة شديدة، لكنه كان ملماً بما يفعله لكي لا يستسلم إلى نفسه الضعيفة، بينما كانت هي تبادله مشاعره بخجل وسعادة لأنها قريبة بما يكفي منه فالطالما حلمت بذلك منذ زمن.

انتبها كليهما إلى ذاك الصوت الذي تسلل داخل المنزل، تبادلا النظرات المرعوبة ثم تساءلت لينة بخفوت: _إيه الصوت دا؟ وضع يوسف إصبعه على فمه هامساً بتحذير: _ششش، خليكي هنا. أدار لها ظهره فهمست هي بخوف عارم: _يوسف، متسبنيش لوحدي. أشار لها بالهدوء ثم خرج بخطى متهملة ليعلم مصدر ذاك الصوت حتى تفاجئ بوقوف أحدهم أمامه فهتف سؤاله برعب: _أنت مين؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...