تحميل رواية حرر هواك فالحب بات معلنا بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأحياء الهادئة، يقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عِند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة. رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أنحاء متفرقة من حُلته السوداء. أعاد وضعها على التسريحة ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من ا...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الأول 1 - بقلم تسنيم المرشدي
في أحد الأحياء الهادئة، يقف أمام مرآته يضبط ربطة عنقه بقامة منتصبة شامخة، انتهى من عقد نهايتها عِند حلقه فبات وسيم المظهر أكثر جاذبية عن ثيابه المعتادة.
رفع أنامله وتخلل بها خصلات شعره السوداء الناعمة ليعيد انتصابها من جديد، مد يده والتقط قنينة عطره، دعس على جزء منها فتناثر العطر على أنحاء متفرقة من حُلته السوداء.
أعاد وضعها على التسريحة ثم اختلس النظر إلى مظهره للمرة الأخيرة قبل خروجه من الغرفة، أخرج تنهيدة قبل أن يولي صورته في المرآة ظهره وتوجه نحو الباب، أدار مقبضه على مهلٍ فشيء ما يمنعه من الخروج وكأنه مقيد بالأصفاد.
حرر أصفاده بفتحه للباب الذي أصدر صريراً عالياً فانتبهت له والدته وبخطوات راكضة توجهت ناحيته، اتسعت شفتيها مُشكلة ابتسامة عذبة حين رأته يطل عليها بتلك الجاذبية المبالغة.
رفعت ذراعها وملست على كتفه بكف يدها مبدية إعجابها الشديد به:
_ بسم الله ما شاء الله، ربنا يحميك من العين يا حبيبي.
تشدق فظهرت ابتسامته الهادئة التي أسرت قلب والدته من فرط جمالها، أراد مشاكستها فهتف:
_ دا أنا أتغر على كدا.
بنبرة سريعة عفوية ردت على كلماته بحب:
_ ويليق بيك الغرور يا حبيبي، ويكون معاك الحق كمان، أنت مش شايف طلتك ولا إيه، شبه البدر في تمامه ربنا يسعد قلبك يارب.
انحنى على يدها التي تناولها وطبع قُبلة عليها ثم عاد لفرد قامته، جاب المكان من حوله وعاد بأنظاره على والدته المنحنية لكبر عمرها وبفضولٍ قام بسؤالها:
_ العريس فين؟
أشارت بعينيها إلى بابٍ ما وأردفت:
_ لسه مخرجش من أوضته، تحب أستعجله؟
أبدى رفضه بإيماءة من رأسه كما أوضح علته:
_ لأ، سبيه على راحته، المأذون لسه موصلش.
أولاها ظهره وصوب بصره على باب غرفةٍ أخرى، حرك قدميه ناحيتها بخطى متريثة، وقف أمام الباب ثم كور أصابعه فاختفت في كفه وبهدوءٍ طرقه ووقف في انتظار فتحه.
تقوس ثغره بابتسامة عذبة حين رآها تظهر من خلف باب غرفتها بفستانها الأبيض الرقيق، اتسع ثغرها فور رؤيته وبحماس شديد استدارت بجسدها حول نفسها لتريه معالم الفستان كاملاً متسائلة بتلهف لسماع رأيه:
_ إيه رأيك؟
وقف يتابع تصرفها وكأنه يراها بالتصوير البطيء، لمعت عيناه بوميض مختلف فطلتها كانت مزهرة تليق بكونها عروس.
حدجها بنظراته التي يشع منها السعادة العارمة قبل أن يهتف بنبرته الرخيمة:
_ مكنتش عارف إن القمر هيزورنا النهاردة!
عضت هي على شفاها السفلى بحياء كما أخفضت رأسها راسمًة بسمة لا تتعدى شفاها فجذب هو انتباهها بسؤاله:
_ جاهزة؟
رفعت بصرها عليه وكأنه أسقط أعلاها حجارة هائلة الحجم، أخرجت زفيراً قبل أن تجيبه:
_ مش عارفة..
غمز إليها مع حركة سريعة من رأسه وهو يردد بعدم فهم:
_ المأذون على وصول.
خفق قلبها بتوجس، لم تشعر بذاك الخوف الذي اجتاحها من قبل فهي على حافة العزوبية، سوف تبدل حياتها السابقة كاملة بحياة أخرى وهي حياة الزوجية!
شعرت بغصة مريرة في حلقها فابتلعت لعابها لعلها تتخلص منها، انتبهت على صوت من خلفها يهتف بحميمية:
_ إزيك؟
غض بصره عنها ثم استأذن بلطافة وغادر بينما استدارت هي بجسدها ورمقت صديقتها بنظرات مشتعلة وبإقتضاب هدرت بها:
_ أنتِ مالك بيه يا رخمة؟ بتحرجيه ليه؟
انفجرت الأخرى ضاحكة بميوعة وأجابتها مازحة:
_ بحب أشوفه وهو مكسوف.
احتقن وجهها بغيظ ولم تسمح لها بافتعال المزيد من السخافات حيث صاحت بها مندفعة:
_ ملكيش دعوة بيه، أنتِ فاهمة؟!
تشدقت الأخرى بفمها قبل أن تردف مستاءة:
_ في إيه؟ مغلطتش في البخاري يعني وبعدين دا مجرد...
قاطعتها محذرة إياها:
_ هاااو.
وضعت صديقتها راحة يدها على فمها مانعة لسانها من استرسال الحديث الذي يسلب رونقها فتوجهت الأخرى إلى مرآتها تتفحص فستانها ووجهها الذي ازداد جمالاً بتلك الزينة التي لا تعتاد وضعها إلا لو استحق الأمر.
في الخارج، رحب بالمأذون بحفاوة وكذلك بعض الحضور الذي قام بدعوتهم، دعا المأذون لأريكة ما تتوسط الردهة، أشار لوالدته على باب إحدى الغرف فتفهمت ما يشير إليه وبخطى متعرقلة سارت إليها، طرقت الباب قبل أن تدلف لغرفتها التي وضع ولدها يده عليها اليوم حتى يتجهز بحرية لتخبره بحضور المأذون:
_ المأذون وصل يا حبيبي، يلا أخرج مش عايزينه يستنى كتير.
استدار بجسده ليظهر مظهره الحسن الذي خفق قلب والدته إثره، اقتربت منه وعينيها تلمع بمزيج من المشاعر المختلفة في تلك الأثناء، قامت بتقبيله وهي تردد بشجن:
_ ربنا يحميك يابني، استنى لما أرقيك قبل ما تخرج.
وضعت كف يدها على رأسه وبدأت تتلوا بعض الآيات أسفل ضحكاته التي لا تتوقف على تصرفها، انتهت من تلاوة الآيات ثم تراجعت للخلف سامحة له بالذهاب:
_ والوقتي تقدر تخرج.
حرك رأسه باستنكار، ثم أخذ بيدها لترافقه للخارج، اقترب منه الجميع فور ظهوره حيث تلقى التهنيئات من الأصدقاء والأقارب وكذلك الجيران، نهض شقيقه عن مقعده سامحاً له بالجلوس بينما توجه هو إلى باب غرفة العروس وطرقه فظهرت هي بعد ثوانٍ قليلة فأخبرها قائلاً:
_ يلا إحنا مستنينك..
بوجهٍ جامد خالٍ من المشاعر أماءت له بقبول ثم استدارت بجسدها مولية إياه ظهرها وأخذت شهيقاً أزفرته على مهلٍ، دنت منها صديقتها وربتت على يدها داعمة لها:
_ متخافيش، أنا جنبك.
تبادلا نظرات الامتنان ثم خرجن كلتاهن برفقة بعضهن البعض، جلست هي إلى يسار المأذون تاركة مساحة بينهم بينما جلس العريس على يمينهما وعيناه لم تُرفع من عليها كما أن ابتسامته لم تختفي من على محياه منذ ظهوره.
لم يشعر أحدهم بالعيون التي تراقب ما يحدث على بُعد، شعور مقيت يليه شعور بالفقد وكأنهم يسلبون روحًا من جسدها، العيون تبكي في صمت فلا لهما الحق في إظهار آلامهم وليس من حقهم فعل أي شيء سوى مراقبة الأجواء في صمت.
في ظلمة الليل الحالك لا يضيء المكان سوى ضوء القمر ونجوم السماء بالإضافة إلى النيران المتقدة من صُنع هذان العسكريان، يتوسطون صحراء سيناء الحبيبة يحاولون تدفئة أيديهم الممدودة بقرب الحطب المشتعل، يعلو أكتافهم أغطية ثقيلة.
تحدث أحدهم بتلعثم من بين أسنانه التي تحتك ببعضها مُصدرة سيمفونية قوية تدل على حرارة جسده المنعدمة لشدة برودة الطقس:
_ وأخيراً هنخلص من المرمطة دي بكرة.
تجلى الحزن معالم وجه الآخر كما أنه أبدى ندمه بكلماته:
_ خلصنا خدمتنا ومعملناش حاجة نفتخر بيها، هخرج من هنا زي ما دخلت، محصلش اللي اتمنيته.
قطب صديقه جبينه بغرابة فما الذي يمكنه فعله بجانب تأدية خدمة وطنه، سأله مباشرةً حين لم يصل إلى ما يعنيه:
_ وأنت عايز تعمل إيه أكتر من اللي عملناه؟
رفع نظره إلى الأعلى رامقًا السماء بأمنية لطالما كانت حلمه ودافعه الأساسي لتأدية واجبه الوطني:
_ الشهادة!، اتمنيت أنولها قبل ما خدمتي تخلص.
فغر فاهه وطالع بأعين جاحظة، لم يستوعب أمنيته، لقد تفاجأ حقًا بها، حرك رأسه مستنكرًا تلك الأمنية الغريبة وعاتبه بازدراء:
_ أحمد، أنت اتجننت؟ بتتمنى الموت؟
عدل أحمد على كلمة موت وشرح له اعتقاده:
_ عايز الشهادة، فيه فرق وفرق كبير كمان، زي السما والأرض كدا، على الأقل كنت هضمن دخول الجنة بدل العيشة في حياة بتجبرنا نمشي في طريق المعاصي والفِتن، بندخل معاها في سباق طويل إما أزهق وأستسلم أو تدوس عليا من غير رحمة، ونفضل كدا في سباق اسمه الحياة، صراع مش بينتهي، أنا مش عايز كل المعاناة دي، أنا عايز أقابل ربنا وأنا شهيد عشان يسامحني على أي حاجة عملتها، حد يكره إنه ينول الشهادة؟
رمق أحمد صديقه بطرف عينيه وسأله مواصلًا:
_ أنت تكره إنك تموت شهيد يا يوسف؟
أسرع يوسف في نفي سؤاله معللًا أسبابه:
_ طبعًا لأ، المسألة بس إني عندي عيلة، كل ما يخطر على بالي إني ممكن أموت وأسيبهم بخاف، وأدعي ربنا إنه يبارك في عمري عشانهم، بسأل نفسي إزاي هيقدروا يعيشوا من غيري، أمي وأخويا الصغير اللي يدوب ١٢ سنة هيقدر يسد مكاني لو مت؟ هيشيل مسؤولية كبيرة زي دي وهو في عمره دا؟ بخاف يشقوا لو مكنش موجود بينهم، عشان كدا بخاف من الموت جدًا.
تفهم أحمد سبب يوسف في عدم توافقه مع اعتقاده لكنه لن يقتنع وعارضه برزانة:
_ ما أنا كمان عندي عيلة، أمي وإخواتي التؤام، يدوب عندهم عشر سنين، بس ربنا موجود دائمًا، مش هينساهم وهما في أمانته حتى لو كنت حي أو ميت.
لوى يوسف شفتيه للجانب ساخرًا على حديثهما:
_ عارف إنك نكدت عليا والنهاردة عيد ميلادي!
اتسعت حدقتاي أحمد بذهول، شكل ابتسامة نادمة وطلب منه السماح:
_ بجد، أنا آسف يا جو مكنتش أعرف، كل سنة وأنت طيب، تميت كام سنة؟
أجابه صديقه وهو يحرك العصا التي بيده في الرمال مدونًا عليها عمره:
_ وأنت طيب يا أبو حميد، تميت الـ ٢٣ سنة.
كاد أحمد أن يتابع حوارهما إلا أن يوسف قد مد ذراعه له موحيًا إليه بإشارة تحثه على الامتناع عن الحديث، صمت أحمد حين شعر بشيء مريب يحدث، صغى كليهما إلى صوت أقدام على بعد مسافة قريبة منهم.
أشار يوسف بعينيه إلى كتيبة الخدمة التي يقومون بحراستها، فاستشف الآخر ما يريد فعله، عادا كليهما إلى الكتيبة زاحفين لكي لا يراهم الدخلاء، تابع يوسف زحفه بخفة وكذلك فعل أحمد الذي تبعه في هدوء.
اتسعت حدقتاي أحمد حين شعر بشيء صلب قد لامس كعب قدمه، ابتلع ريقه وتجرأ على الالتفاف ليرى من هذا، جحظت عيناه بصدمة حين رأى رجلًا عريض المنكبين له لحية طويلة مبالغة وشارب يغطي فمه، يطالعه بسواده بتقزز مرسوم على تقاسيمه.
_ "أحمد".
هتف يوسف باسمه حين لم يجد صديقه خلفه، تفاجأ بتلك العربة الربع نقل التي تستقل على مقربة منهما ناهيك عن ذاك الرجل الذي يقف أمام صديقه المستلقي أرضًا حتمًا إنهما من يتحدثون باسم الدين وهم لا يفقهون عنه شيئًا.
وجه يوسف سلاحه نحو ذلك الرجل لكن هيهات لسرعة بنيته فلقد سحب سلاحه من على كتفه وصوبه نحوه يوسف، ثوانٍ قليلة كادت أن تُنهي بحياته إلا أن أحمد قد ركل الرجل بقدمه فسقط السلاح من يده.
وقف بقامة منتصبة وداهم الرجل، قيد حركته بوضعه لذراعيه خلف ظهره، عاد برأسه للخلف قليلًا ثم بعزم ما يملك من قوة لكمه برأسه، أوسعه ضربًا فسألت الدماء من فم الرجل، اقترب منهم يوسف لكنه فوجئ بتحرك السيارة نحو صديقه فصاح محذرًا:
_ أحمد، خد بالك.
التفت أحمد لينظر إلى السيارة فاستطاع الرجل فك قيده ثم تنحى مهرولًا إلى الجانب فتابع شريكه قيادته للسيارة بأقصى سرعة لديه ولم يؤثر به الطلقات النارية التي يطلقها يوسف على سيارته.
صدر صوت يقشعر له الأبدان حين دعست الإطارات على جسد أحمد، لم يتوقف السائق عن القيادة بل فر هاربًا ومن معه الذي قفز في صندوق السيارة الخلفي محتميًا بجدارها.
لم يتوقف يوسف عن إطلاق النيران حتى نفذت ذخيرته، ألقى ما معه أرضًا حين تأكد من هروبهم وصوب بصره على تلك البقعة الحمراء التي حاوطت صديقه، انتزع قلبه في تلك الأثناء ورجف جسده بشدة.
ضعفت ساقيه ولم يقدر على الوقوف فانحنى ببدنه حتى عانق رمال الأرض وعيناه مازالت على صديقه، يريد الوصول إليه لكنه لا يعلم كيف؟
يسمع صدى أنفاسه المتهدجة وكأنها تتردد في المكان بسبب هدوئه وفرط قوة أنفاسه، جمع جزءًا من قوته ورفع جسده عن الأرض قليلًا باستناده على كفوف يده وركبيته، تابع حبوه حتى وصل إلى صديقه الذي ينازع الموت.
حمدًا لله أنه لازال على قيد الحياة، فقد ازدهر أملًا داخله حين استمع لوتيرة أنفاسه، انحنى عليه بخوف شديد لتلك الحالة التي كان عليها وهمس بنبرة تكاد تُسمع:
_ أحمد، أنت كويس؟
يشعر بالألم الشديد في كل أنحاء وجسده، روحه تسلب منه بتهمل، يشعر بالانزعاج المفرط فهو يريد أن يقابل خالقه سريعًا حتى يشكره على تحقيقه لأمنيته الوحيدة.
_ "أهلي".
كانت تلك آخر كلماته وكأنه يوصي صديقه بعائلته، عادت الروح إلى بارئها فصرخ يوسف بألم الفراق:
_ لأ لأ، لسه بدري أوي، متمشيش أبوس إيدك، قوم يا أحمد عشان خاطري، عيلتك مستنية رجوعك ليهم بكرة، مينفعش تمشي وتسيب وجع فراقك يا أحمد. طيب قولي هبلغهم بموتك إزاي؟ هقولهم اللي كنتوا بتستنوه مات؟ قوم أحمد قوم.
_ "يوسف ذكريا الراوي".
_ "بنادي عليك يا عسكري".
انتبه يوسف على مناداة أحد الظباط له، وقف بقامة منحنية وعبوس مشكلًا على تعابيره ورد عليه:
_ "نعم".
بعملية وحزم أمره الظابط:
_ اللوا أيمن عايزك.
أماء له يوسف بقبول ثم ولج الظابط غرفة اللواء، تبعه يوسف إلى الداخل ولم يستطع النظر في عيني من بالغرفة، فكان الحزن يعم قلبه وينعكس على وجهه.
سمح له اللواء بالجلوس بهدوء فلا يريد أن يزيد من همه:
_ اتفضل أقعد يا يوسف.
جلس يوسف ولازال منكس الرأس، وزع اللواء نظره على الظابط الكائن معهم وبين يوسف ووجه حديثه إليه:
_ البقاء لله، أكيد صاحبك في مكان أحسن دلوقتي.
فرك يوسف أصابعه بارتباك وأجاب على تعزية اللواء بأسى:
_ اللي مهون فراقه يا فندم إنها كانت أمنيته، بس وجع الفراق صعب أوي، أحمد مكنش مجرد زميل.
فرت دمعة على مقلتيه أسرع يوسف في مسحها قبل أن يراها أحد لكن لم يستطع النجاح فكان قد رآه اللواء وحاول التخفيف من عليه:
_ متخبيش دموعك يابني، إحنا في الآخر بشر وعندنا مشاعر لازم نخرجها سواء كانت حلوة أو وحشة، وبالنسبة للي اتعلمته هنا أنك لازم تمسك مشاعرك خلاص انساه، أتمنالك التوفيق في حياتك الجاية.
باختصار أجابه:
_ شكراً لحضرتك.
استأذن منه حين تأكد أنه ليس بحاجة إليه، عاد إلى عنبره ولملم أشياءه في حقيبة ظهره ثم وجه بصره على فراش صديقه الذي بات فارغًا، تقوس ثغره بابتسامة متحسرة على ما قضاه سويًا.
حضر زملاؤه حين علموا بعودته، اقتربوا منه وقاموا بتعزيته ودعوا الله أن يصبر قلبه ويلهمه الصبر والسلوان، ودعهم جميعًا ثم غادر الكتيبة مع صديقه الشهيد في سيارة أُحضرت خصيصًا لنقله إلى بلدته.
في أحد القرى الريفية البسيطة، قامت بأداء صلاة الفجر ثم بدأت في تحضير ما لذ وطاب لفلذة كبدها، ابنها البكري رب منزلهم، صنعت له جميع الأطعمة التي يحبها وتشتهيها نفسه، كما أنها أوصت أحد شباب البلدة بحضور فرقة موسيقية تحيي حفلات الزفاف لكي تستقبل غاليها استقبالًا حافلًا.
انتهت من الأعمال التي رتبت لفعلها ثم جلست على الأريكة الهذيلة التي جار عليها الزمن وترك أثره في خشبها وباتت ضعيفة هشة، مالت برأسها على راحة يدها مستندة بمرفقها على جدار الأريكة في انتظار عودة ولدها.
"أحمد جه يا ماما؟"
تساءلت الصغيرة ذات العشر أعوام متلهفة لعودته، أعدلت السيدة من ميل رأسها مجيبة إياها بفراغ صبر:
_ لسه موصلش يا حبيبتي، روحي دوري على أخوكي علي ومترجعيش إلا بيه، عشان يكون في استقبال أخوه أول ما يوصل بالسلامة.
أماءت لها بقبول فهذا ما تريده "التسكع" بعيدًا عن المنزل، فذلك من الممنوعات هنا في القرية، وأن تُحرم الفتيات من اللعب منذ عمر التاسعة لاعتقادهم أن هذا عار لعائلتها وفي المستقبل لن يتقدم أحد لخطبتها.
بعد مدة غفت السيدة مكانها فلقد طال الانتظار كثيرًا، انتفضت من مكانها حين صغت إلى سؤال إحداهن:
_ أحمد لسه موصلش يا خالة إجلال؟
تشدقت إجلال متهكمة وأجابتها بنفاذ صبر:
_ لا يا سعاد لسه، ربنا يرجعه بالسلامة يارب.
انتبهت كلتاهن على مكابح سيارة الشرطة التي لم تتوقف صافرتهم معلنة عن وصولهم، نهضت إجلال عن مقعدها وقد شعرت بالريبة داخلها ناهيك عن تلك الوخزة في قلبها فازدادت رعباً، لا تعلم لما هي باتت مذعورة لكنها تشعر بعدم الراحة فور رؤيتها لسيارات الشرطة.
خرجت من شرودها على صوت سعاد وعينيها مازالت معلقة على السيارة التي تقترب منهن وكأن منزلها المقصود:
_ يا ترى دول جاين لمين؟
لم تجبها فلم يكن لديها الشجاعة الكافية لتجاريها في الحديث، وضعت يدها على قلبها في انتظار سماع ما هو الأسوأ على الإطلاق، توقفت السيارات أمام المنزل ثم ترجل منها بعض الظباط متسائلين عن منزل ما.
اجتمع أغلب أهالي القرية إثر وجود الشرطة في المكان ليعلموا سبب وجودهم، توجهت الأنظار جميعها على السيدة إجلال التي رجف جسدها وقبض قلبها حين رأتهم يقتربون بخطاها منها.
وقف أمامها أحد الظباط ذو الرتبة العالية والمكانة المرموقة وبهدوءٍ يسبق العاصفة أخبرها:
_ أنتِ إجلال السيد والدة العسكري أحمد نعمان فاضل؟
بصعوبة بالغة قابلتها في الحركة أماءت له مؤكدة هويتها فتابع هو ما عليه إخباره:
_ أنا اللوا أيمن البسيوني، البقاء لله يا أمي، ابنك نحتسبه شهيد بإذن الله.
صراخ دون غيره دوى في رأسها، تريد العويل لكن لسانها قد شل تمامًا، توقف عقلها فور تلقيها الخبر وشعرت بأن حركة جسدها قد تقيدت، تجمدت مكانها فقط تطالع من هم حولها في سكون مريب لم يشعر به البعض من خلف أقاويل الواقفين مثل:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يرحمه.
_ دا كان طيب أوي.
_ يا حبة عيني يابني، دا لسه صغير أوي على الموت.
_ ربنا يستر على أمه.
_ نحتسبه شهيد إن شاء الله.
شعرت السيدة إجلال بهزة قوية لم تعلم هوية فاعلها، فقط كلمات القائد يتردد صداها داخل عقلها لا تسمع أيًا مما يتناوله من حولها، تحاول ابنتها اختراق جدار عقلها لتأتي بإجابة تطمئنها لكنها تفشل في جذب انتباه والدتها فتابعت هزها بقوة أكبر:
_ مين دول يا ماما، في إيه؟
ارتفع صراخ الفتاة بتوجس شديد حين سقطت والدتها مغشي عليها:
_ ماما، قومي.
تدخل شقيقها هاتفًا بذعر تملكه فور سقوط والدته:
_ ماما ردي عليا يا ماما.
اقترب منه أحد أهالي البلدة مبعدًا إياه عن والدته:
_ تعالى معايا يا علي نستلم جثة أخوك الشهيد، والحريم هتساعد الست إجلال.
"جثمان وشهيد".
ماذا يهذي هذا الرجل، دفعه علي بقوته الصغيرة وظل يطالع من هم حوله بذهول، فعقله الصغير مازال لا يستوعب عن ماذا يتحدثون، اقترب منه القائد وأحاطه بذراعه وبهدوءٍ قال:
_ تعالى معايا.
سار معه علي وهو لا يعلم وجهته لكنه ارتاب هيئته وخصيصًا زيه الرسمي بينما اقتربت بعض النسوة من السيدة إجلال يحاولون إيفاقتها بشتى الطرق.
أشار القائد إلى علي بالصعود إلى أحد السيارات القاطنة في المكان، أمر عسكري كان يجلس بجوار الصندوق الخشبي أن يفتحه وبالفعل امتثل لأمره ووضع غطاء الصندوق جانبًا فظهرت ملامح أحمد جيدًا.
وضع علي كلتي يديه على فمه مانعًا خروج شهقاته القوية أمام الجميع، بأعين جاحظة ظل يطالع شقيقه وهو لا يصدق أنه بالفعل قد مات، أنه جثة كما أخبره ذلك الشرطي.
زم شفتيه التي ترتجف بشدة محاولًا السيطرة على عبراته لكن ألمه كان أكبر من أن يمنع بكائه في الخروج، سقطت عبراته على مقلتيه ومازالت عيناه مثبتة على أخيه، لا يقدر على فعل شيء سوى مطالعته دون إبداء ردة فعل.
في الخلف يحاول يوسف الصمود قدر المستطاع أمام ما يجري أمام مرأى عينيه دون أن يبكي، مشهد الفتاة وهي تجثو على ركبتيها تتوسل والدتها أن تنهض يؤلم قلبه، وقوف توأمه أمام شقيقه الأكبر مصدومًا من حاله يزيد من ألم جوفه، شعر بالاختناق يجتاجه بسبب بكائه الذي يحشره داخله، كتم أنفاسه بصدمة كبيرة اعتلت وجهه حين هتفت امرأة من النسوة المحاوطين للسيدة إجلال:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله الست إجلال ماتت!!
حالة من السكون حلت لبرهة، فالجميع الآن بين ذهول وعدم استيعاب، مزيج من الخوف والرغبة في أن يكون ذلك كابوسًا لا أكثر.
أخرجهم عويل الصغيرة وهي تهز والدتها بقوة تتوسلها بألا تتركها وحيدة، لم تكف عن النواح ولم ينجحن النسوة في تهدئتها بل كانت تزداد تمرداً كلما حاولوا إبعادها عن والدتها.
ترجل علي من السيارة بعدما أيقن أنه عليه مسايرة ما يحدث لكونه الرجل الوحيد الآن وعائل شقيقته، على الرغم من صغر عمره إلا أنه عزم أن يكون جديرًا بهذا الدور المفاجئ.
توجه ناحية شقيقته وأحاط كتفيها بذراعه ثم توجه بها داخل المنزل ومنه إلى غرفتها، أرغمها على الجلوس على الفراش وأشار إليها بالصمت فلم تطِل فيما تفعله وامتثلت لأمره دون مجهود منه.
عاد إلى الخارج وقام بمساعدة رجال الشرطة وبعضًا من أهالي البلدة في توصيل أحبته إلى مثواهم الأخير ومن ثم عاد برفقة القائد الذي حرص على عدم مغادرة المكان قبل أن يسلمهم لأحد أقاربهم.
"عايزين نسلم الأولاد لأهلهم، هما فين؟"
صاح أيمن غاضبًا حين لم ير من الأقارب حاضرين، توجه إليه الحاج حسان من كبار البلدة وقام بالرد عليه:
_ عندهم خال ودا مكنش على علاقة كويسة معاهم، كان بينهم مشاكل كتيرة على الورث، وعندهم عمين بس واحد فيهم متوفي والتاني مسافر برا.
نفخ أيمن بضجر باين وحاول الوصول إلى خالهم بقوله:
_ حد يعرفني مكان بيت خالهم، وأنا هروح له بنفسي أتكلم معاه وأسلمه الأولاد.
أعطاه حسان عنوان خالهم فانصرف أيمن برفقة رجاله ويوسف متجهين إلى المنزل المقصود، توقفت السيارات خلف بعضها أمام المنزل ثم ترجل أيمن ويوسف وسارا خلف بعضهم نحو الباب الذي طرقه أيمن بقوة.
فُتح الباب بعد لحظات من قبل رجل سمين يرتدي سترة بيضاء وسروالًا قطنيًا واسعًا بعض الشيء، حدجهم بنظرات مرتابة حين رأى سيارات الشرطة وكذلك الزي الذي يرتديه أيمن، حمحم وسألهم بتلعثم ونظراته تمرر بين الواقفين:
_ في إيه يا باشا؟
بحزم ونبرة جادة عرف أيمن عن هويته:
_ أنا اللوا أيمن البسيوني، الست إجلال أخت حضرتك اتوفت النهاردة وابنها أحمد استشهد إمبارح وبناءً عليه جاي أسلمك الأولاد بما إنك خالهم الوحيد.
الآن فهم الأمر، حرك رأسه حين اطمأن قلبه لعدم وجود أمر يدينه ثم فرد قامته المنحنية وبجمودٍ أبدى لامبالاة لحديثه:
_ آه لا الله يرحم الجميع، بص يا باشا أنا معنديش إخوات ومعرفش أنت بتتكلم عن مين، هما ميهمونيش وأنا مش هستلم عيال حد.
كاد أن يغلق الباب في وجههم إلا أن أيمن لحق به وبملامح غاضبة انفعل عليه:
_ أنت بني آدم حقير، فين شهامتك ومروءتك؟، دا أنا بقولك أختك وابنها ماتوا وأنت تقولي ميهمونيش؟!
قلب الرجل عينيه بازدراء وحدثه بفتور:
_ أيوه ميهمونيش، خدهم أنت وربيهم.
لم يستطع أيمن كبح غضبه تلك المرة، اقترب منه وكاد أن يفتك به إلا أن تدخل يوسف منعه من الوصول إليه، وقف يوسف حائلًا بينهما وحاول تهدئة روعه:
_ أهدى يا أيمن بيه، مينفعش اللي حضرتك بتعمله دا.
نهره أيمن بعصبية بالغة:
_ أنت مش سامع الحقير دا بيقول إيه؟
انتبه أيمن لخروج سيدة في مقتبل الثلاثينات تبدو أنها زوجته، قامت بترديد بعض الكلمات في أذنه وبعد ذلك لاحظ الجميع هدوء الرجل وتحول حالته:
_ رجعت في كلامي، خلاص هاخد العيال.
لم يطمئن يوسف لتلك الموافقة المفاجئة فمن يراه قبل ثوانٍ يظن أنه بلا قلب فما حدث في تلك الدقائق المعدودة لكي يبدي موافقته برعايتهم حتمًا هناك ثمة حقارة ستُحاك ما إن اطمأن ذلك الرجل بذهاب رجال الشرطة.
انسحب أيمن ورجاله بينما لم يبرح يوسف القرية قبل أن يتأكد بنفسه من رعاية الرجل للأطفال، انتظر حتى تأكد من ذهاب السيارات وعاد إلى المنزل لا يعلم كيفية الوثوق في ذاك الرجل، في النهاية هما وصية صديقه وواجب عليه الاطمئنان عليهم.
شعر بالتعب ينهال منه بسبب عدم نومه مدة طويلة ناهيك عن كل الأحداث التي سلبت طاقته كاملة، جلس أرضًا أسفل نافذة المنزل ولم يشعر بعينيه التي زاغت في النوم، قلق على نبرة غاضبة تصيح عاليًا:
_ أنا مش عارف بس إزاي سمعت كلامك وأخدت العيال دول، أنا هعمل بيهم إيه دلوقتي؟
أخفضت زوجته من نبرتها وبدهاء ماكر أردفت:
_ كان لازم توافق عشان الظابط يمشي من هنا، ودلوقتي تخرجهم من بيتي حالًا، أنا مبربيش عيال حد، خدهم وروح ارميهم قدام أي يتيم وتعالى بسرعة من غير ما حد يشوفك.
ظهرت ابتسامة خبيثة لدهاء زوجته اللامحدود وتمتم مفتخرًا بها:
_ بحسدك على أفكارك الخبيثة دي يابت، أنا هروح أرميهم في مكان بعيد عن هنا وأرجع قبل ما الشمس تشرق ويشوفني حد من أهل البلد.
كان يصغي لحوارهما بذهول شديد أهناك بشر بتلك الأخلاق المتدنية؟، حمد الله على عدم ذهابه وبقائه في الوسط، تخفى يوسف خلف أحد الأشجار المجاورة للمنزل، انتظر خروج ذلك الرجل البغيض وتبعه حارصًا على عدم انتباه الآخر له، بعد سير بالأقدام ما يقرب على الثلاثين دقيقة وصل الرجل إلى مراده.
"دار البدور لإعالة الأيتام".
قرأ يوسف المدون على اليافطة الورقية التي تعلو باب ذاك المبنى العريق، شعر لوهلة بأنه سيهدم إن مرت عليه ريح عاتية بسبب قدمه.
سحب الرجل يديه من بين كفوفهما الصغيرة ثم أولاهما ظهره ليعود حيثما جاء، تبعته الصغيرة متسائلة في خوف:
_ أنت رايح فين يا خالي وسايبنا لوحدنا في الضلمة دي؟
لم يتعب نفسه في النظر إليهم وألقى ما في جوفه على نفس وضعه:
_ هرجع مكان ما جيت، استنوا أنتوا هنا لما حد يلاقيكم أو كلاب السكك تيجي وتاكلكم، أنتوا مصيبة وأنا مش مستعد أستحمل قرفكم.
أنهى جملته وتابع سيره عائدًا إلى منزله بينما جهشت الفتاة باكية بمرارة الفراق مختلطة بالخوف فالمكان شديد الظلام من حولهما، هدوء مخيف خشيته كثيرًا، حاول علي تهدئة روعها على الرغم من خوفه الشديد هو الآخر، عانقها بقوة وملس على خصلاتها بحنو دون حديث.
صرخت الفتاة عاليًا حين شعرت بظلام داهمهما، استدار علي بمروءة لكي يحمي شقيقته من ذاك الدخيل، أوقفها خلفه ونظر إليه فشعر بأنه سبق ورأى تلك الملامح من قبل، نعم لقد تذكره أنه كان برفقة رجال الشرطة على ما يبدو أنه واحد منهم.
_ "تعالوا معايا".
أردفها يوسف بعدما حسم بألا يعود من دونهما، قابل جمودًا مصحوبًا بالخوف في ملامحهما فأراد طمأنتهم ناحيته:
_ متخافوش أنا صاحب أخوكم أحمد الله يرحمه، وهو اللي قالي أهتم بيكم لو حصله أي حاجة، يلا تعالوا معايا هنرجع مع بعض للبيت عندي.
شهقت الفتاة بذعر وكأنه اقترف خطأ فادحًا، اقتربت من أخيها وهمست له لكن نبرتها كانت واضحة ليوسف:
_ أمي قالتلي مروحش مع حد غريب ولا أطلع بيتهم.
أسرع يوسف في توضيح سوء الفهم الحادث بقوله:
_ متقلقيش أنا مش قاعد في البيت لوحدي، معايا أمي وأخويا الصغير في نفس سنكم، وبعدين أخوكي معاكي دا مش كفاية؟
اختبأت الفتاة خلف أخيها بخوف فلم يجد يوسف ما يفعله ليطمئن قلبها، أولاهما ظهره وطالع السماء لعله يأتي بفكرة يمكنها إقناعهما، تنهد بضجر باين فلا أفكار مناسبة لديه في تلك الأثناء.
بعد مرور عدة دقائق راودته فكرة تمنى نجاحها وبدأ على الفور في تنفيذها، بحث عن هاتفه في جيبه، كان مغلقًا حتمًا أثار القلق في قلبه والدته الآن، لكنها بالتأكيد ستلتمس له العذر إن علمت بما مر عليه منذ البارحة.
هاتفها على الفور حين أعيد تشغيل الهاتف، جائه صوتها القلق من الجانب الآخر:
_ أنت فين يا يوسف؟ وقافل موبايلك ليه؟ أنا قلقت عليك وخوفت يكون حصلك حاجة.
أخذ نفسًا قبل أن يردف بنبرة مرهقة:
_ أنا كويس يا أمي، هحكيلك اللي حصل لما أرجع إن شاء الله.
اقترب من الصغيران وتعمد فتح مكبر الصوت وتابع استرساله وعيناه معلقة على الفتاة حتى يبث فيها الطمأنينة:
_ بالمناسبة يا أمي، معايا ضيوف وبقترح عليهم يرجعوا معايا البيت وهما محرجين ومش عارف أعمل إيه الوقتي عشان أقنعهم؟
أسرعت والدته هاتفة باستياء واضح:
_ إحراج إيه بس، دا لو الأرض مشالتهمش أشيلهم فوق راسي، ناولهم الموبايل لما أتكلم معاهم أنا، بس قولي الأول مين دول أنا أعرفهم؟
شعر يوسف بالراحة من خلف كلمات والدته العفوية التي نجحت في تبخر القلق من عيني الفتاة، لقد استشف ذلك حين أزاحت يدها من على ذراع شقيقها.
أعاد وضع الهاتف على أذنه كما أغلق المكبر وأجابها ممتنًا:
_ لا متعرفيهمش يا أمي، بس أنتِ هتحبيهم أوي، أنا هقفل دلوقتي متقلقيش عليا، قدامي حوالي ساعتين وأوصل إن شاء الله.
أنهى الاتصال وأعاد النظر إليهما، مد يده لهما وشجعهم على العودة معه:
_ عرفتوا إني مش لوحدي، يلا بينا نمشي قبل ما القطر يفوتنا.
اقتربت الفتاة أولًا فكانت دوماً ما تتحدث هي وتبادر في فعل كل شيء عكس أخيها تمامًا، صامت لا يتحدث منذ أن رآه، حتمًا من أثر الصدمة، عزم يوسف بأن يحادثه لكن أولًا عليهما العودة إلى الديار ليكون معه على انفراد.
أمسك كليهما بيديه فصاح يوسف وهو لا يدري وجهتهم الصحيحة:
_ أنا مش عارف الطرق هنا، لو ممكن تعرفوني الطريق اللي نرجع منه لبيتكم عشان نلم هدومكم قبل ما نمشي.
سحب علي يده من بين يدي يوسف وتقدم بخطوات راكضة إلى الأمام، أسرع يوسف في اللحاق به لكي لا يفقده محذرًا:
_ استنى يا علي، ممكن نتوه من بعض.
انتبه على صوت الفتاة وهي تحلل سبب ركض أخيها:
_ هو هيرجع بينا للبيت، علي عارف الطرق كلها، أنا معرفش كتير زيه.
أماء لها يوسف بتفهم ثم أسرع من خطواته لكي يلاحق خطوات الفتى، عادوا إلى ديارهم فوقف يوسف يطالع الباب بخيبة أمل أخرى، فكيف سيفتحه الآن بالتأكيد لن يكسره!
تأفف بضجر فكلما شعر بأنهما قد اجتازا خطوة يعود إليها من جديد، صاح متسائلًا لربما يملكون حلاً:
_ هنفتح الباب إزاي؟
هرولت الفتاة نحو البساط الكائن أمام الباب وسحبت من أسفله مفتاح المنزل ثم قامت بإعطائه ليوسف مرددة:
_ ماما بتحط مفتاح تحت المشاية عشان لو نسينا المفتاح في البيت.
رمقه يوسف بنظرات مشفقًا على حالهم الذي تبدل تمامًا، حاول ألا يتأثر كثيرًا فهناك قطار عليهم لحاقه قبل أن يمر موعده، أسرع ناحية الباب وقام بفتحه ثم استدار إليهما وحثهم على الإسراع:
_ هاتوا اللي هتحتاجوه معاكم بس ياريت بسرعة.
هرولت الفتاة أولًا إلى غرفتها بينما لاحظ يوسف عدم تحرك الصبي وعيناه مصوبة على نقطة ما خلفه، التفت برأسه ليرى على ما ينظر فتفاجأ بالأطعمة الموضوعة على الطاولة، يبدوا أنه كان هناك استقبال حافل ينتظر صديقه رحمة الله عليه.
شعر بغصة مريرة في حلقه كما شعر بحرارة العبرات التي سقطت كالشلال على مقلتيه حزنًا على رفيقه، لقد كان عامًا فقط من وقت تعارفهم إلا أنه التمس فيه مروءة وشهامة أحمد، لقد كان حقًا خير صديق.
مسح عبراته بأنامله ثم أعاد النظر إلى علي، دنا منه وربت على كتفه مؤازرًا إياه في محنته:
_ عايزك تعتبرني أخوك، أنا موجود على طول لو كنت محتاج تتكلم.
اكتفى علي برمقه بنظرات جامدة، حاول يوسف مساعدته فقال:
_ يلا وريني أوضتك فين عشان أساعدك في تحضير شنطتك.
توجه علي إلى غرفته فتبعه يوسف، طالعها بأسى وحسرة حين اكتشف أنها غرفة مشتركة له ولأخيه، ساعده بما استطاع فعله وكان يختلس النظر على الصورة الفوتوغرافية الموضوعة أعلى الكومود من حين لآخر وهو يدعو له بالرحمة.
أنهى ثلاثتهم تجهيز مستلزماتهم ووقفوا في منتصف الردهة يطالعون المنزل للمرة الأخيرة، ابتسم يوسف حين جائته فكرة ما وعزم على تنفيذها لكن لن تحدث إلا بمساعدة الصغار.
تنهد وبنبرة متحمسة وجه حديثه لهما:
_ عايز منكم تساعدوني في لم الأكل قبل ما يبوظ.
تدخلت الفتاة متسائلة بفضول:
_ هنعمل بيه إيه؟
وضح لها يوسف ما يريد فعله مختصراً:
_ خدوا اللي عايزينه من الأكل عشان تاكلوه وإحنا راجعين في القطر، والباقي هنوزعه على المحتاجين.
تحمست الفتاة لما أخبرها به وهللت عاليًا:
_ ونطلب منهم يدعوا لماما وأحمد؟
تلألأت العبرات في عيني يوسف مشفقًا عليها، أخذ شهيقًا عميق وحاول استعادة نفسه سريعًا وأعاد ترديد كلماتها كتأكيد لها:
_ ونطلب منهم يدعوا لمامتك وأحمد الله يرحمهم.
ابتسمت له برقة ثم شرع ثلاثتهم في وضع الأطعمة في أكياس بلاستيكية وقاموا بوضع جميعها في حقيبة قماشية تعود للسيدة إجلال كانت تستخدمها لوضع الخضراوات والفاكهة فيها حين تقوم بشرائهم حتى يسهل عليها حملهم.
أحكم يوسف من إغلاق باب المنزل جيدًا ثم تابع سيره متوجهًا إلى محطة القطار التي دله على طريقها علي دون حديث فقط يسبقهم بخطواته وهم يتبعونه.
حل الصمت مدة طويلة قبل أن تقطعه الفتاة بسؤالها:
_ ليه خالي سابنا في نص الطريق ومشى؟ مش هو اللي فاضل لينا والمفروض يحمينا؟
توقف يوسف عن السير والتفت برأسه إليها وطالعها لوقت، لقد ذكرته بسؤالها عما غاب عن ذهنه، فغر فاهه وقام بسؤالهم مستفسرًا:
يا ترى إيه هو سؤال يوسف؟
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثاني 2 - بقلم تسنيم المرشدي
"حرِر هَوَاك فَالحُب بَات مُعلنا"
الفصل الثاني
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"حوقلوا لعلها تكون المنجية.."
كان فيه واحد قال للوا أيمن إن ليكم عم عايش برا، صح؟
كان سؤال يوسف للصغار، وبالأخص الفتاة، لأنه على عِلم بأنها أول من ستجيبه.
أماءت له مؤكدة وأردفت:
"أيوة، كان أحمد بيخلينا نكلمه على النت في السايبر."
أزهر أمل داخل يوسف بعد كلماتها. حتماً العلاقة بينهما قوية، لطالما حرص أحمد على ودِه من آن لآخر. تنهد بارتياح شديد حين شعر أنه على حافة تسليم أمانته لصاحبها.
حمحم ووزع أنظاره بينهما قبل أن يردف متسائلاً بجدية:
"فين مكان السايبر دا؟"
اكتفت الفتاة برفع كتفيها مبدية عدم عِلمها، بينما صوب يوسف نظريه على الفتى الذي تابع سيره، فاستشف أنه ذاهب إلى هناك. أمسك بيد الفتاة وأسرع خطاه خلفه، وبعد مرور دقائق معدودة وصلا إلى المكان المطلوب.
تأفف يوسف بضيق ولعن سذاجته بحدة:
"أكيد مقفول، الساعة تلاتة الفجر كنت مستني إيه يعني؟!"
أوصد عينيه للحظات قبل أن يواصل أسئلته:
"طيب فين بيت صاحب السايبر؟ قريب من هنا؟"
رفع "علي" رأسه للأعلى كما رفع ذراعه وأشار إلى المنزل المقابل لهم. فتفهم يوسف أنه نفسه منزل مالك الصالة الإلكترونية. حاول التحلي ببعض الجرأة، أو ربما الوقاحة. بالله كيف سيطرق أبواب العالم في تلك الساعة المتأخرة من الليل؟ لكنه مضطر لفعل ذلك، وللضرورة أحكام.
أخذ نفساً عميق ثم أمرهم بنفاذ صبر:
"تعالوا معايا بس من غير دوشة لو سمحتم عشان منزعجش الناس."
وافقوه، فسبقهم هو إلى الدور الكائن به الرجل. لا يعلم كيف سيتحلى بتلك الوقاحة، لكنه ذكر نفسه بأنه مضطر، ولولا ذلك لم يكن ليفعلها. ابتلع ريقه ثم كور يده وطرق الباب بخفة، وأزاد من طرقه بقوة أكبر.
انتظر عدة دقائق حتى رأى إضاءة خافتة قد تسللت من زجاج الباب، فعلم أن أحدهم قد استيقظ من غفوته. كتم أنفاسه استعداداً لتلك المواجهة الصعبة. زفر أنفاسه حين ظهر شاب في أواخر العشرينات من عمره بملامح جامدة، إرتاخت رويداً رويداً حين رأى الصغار.
عاد ببصره على يوسف وسأله مستفسراً:
"نعم، أساعدكم إزاي؟"
حمحم يوسف وعرف عن هويته أولاً قبل أن يطلب مراده:
"أنا يوسف زمي.."
قاطعه الشاب بقوله:
"عارف أنت مين، شوفتك النهاردة في الجنازة، أكيد أنت واحد من الظباط اللي كانوا حاضرين."
لم يعارضه يوسف وفضل تركه على اعتقاده، فربما هذا يساعدهم في الوصول أسرع إلى مرادهم. بأسف معانق للخجل تحدث يوسف:
"أنا بعتذر جداً عشان جاي لحضرتك في وقت متأخر، بس هما قالولي إنهم بيتواصلوا مع عمهم من عندك، وأنا محتاج أوصله ضروري."
تفهم الشاب الوضع، لكنه شرح له صعوبة الوصول إليه:
"ولا يهمك مفيش مشكلة، بس الموضوع مش سهل زي ما أنت فاكر، أحمد الله يرحمه كان بيتواصل معاه على الفيس بوك، وطبعاً أنت عارف إن الإيميل بيحتاج باسورد وبريد إلكتروني عشان يفتح وأنا معرفهمش، كنت أتمنى أساعدكم بس أنت شايف مش في أيدي حاجة."
نكس يوسف رأسه بحزن شديد ثم شكره ممتناً:
"ولا يهمك، بعتذر منك مرة تانية على الإزعاج."
أولاه يوسف ظهره موجهاً حديثه للصغار:
"يلا بينا عشان نلحق القطر قبل ما يمشي."
هبط ثلاثتهم درجتين من السُلم ثم توقفوا وعادوا بنظرهم إلى الشاب حين تذكر شيئاً:
"استنوا، أوقات الأجهزة عندي بتحفظ البريد الإلكتروني والباسورد، يارب نلاقيهم، استأذن منك بس لحظة أغير هدومي وأرجع لك."
تقوس ثغر يوسف ببسمة لم تتعدى شفتاه، فلم يريد خلق أملاً جديداً داخله وينتظر إن لم يصل إلى شيء. ارتدى الشاب ثيابه سريعاً ثم هبط معهم. ولج صالته وأشار لهم على إحدى الأجهزة هاتفاً:
"دا الجهاز اللي أحمد كان بيستخدمه على طول."
قام بتشغيل الحاسوب ثم ردد حين دَوُن كلمة فيسبوك، وردد قبل تجربة دخوله:
"بسم الله الرحمن الرحيم."
دَوُن بداية إسم أحمد، فاتسعت حدقتاه حين رأى كلمة السر والبريد الإلكتروني ما زالا محتفظين على الحاسوب. هلل في سعادة بالغة:
"الكمبيوتر لسه محتفظ بالبريد الإلكتروني والباسورد."
أوصد يوسف عينيه في سعادة، دقت طبول قلبه وحمد ربه داخله على وصوله لأول الطريق. قاموا بفتح صفحة المرحوم أحمد، وبعد بحث طال لمدة نجحوا في التعرف على صفحة عمهم الإلكترونية. قام يوسف بتصويرها على هاتفه لكي يصل إليها بسهولة فور عودته إلى المنزل، كما أنه أخذ رقم الشاب لربما يحتاج إليه لاحقاً.
شكره مراراً وتكراراً على نُبله، ثم غادروا المكان ليتجهوا إلى المحطة مهرولين بخطاهم، فلم يعد هناك سوى عشر دقائق على تحرك القطار، وإن فاتهم سيضطرون إلى الانتظار للصباح حتى يأتي ميعاد القطار الآخر.
قطع يوسف التذاكر فور وصولهم وركض ثلاثتهم إلى القطار الذي ارتفعت صافرته معلناً عن تحركه. قفز الفتى في أول باب رآه، فتفاجئ بسرعة القطار التي تضاعفت. خفق قلبه رعباً أن لا يلحق به يوسف وشقيقته.
أسرع يوسف من ركضه لكي يصل إلى الباب، بينما لم تنجح الفتاة في مسايرة خطواته السريعة. أضطر إلى حملها وتابع ركضه. مد "علي" يده ليُمسك بشقيقته، فرفضت هي إعطائه يدها خشية أن تسقط أسفل عجلات القطار.
شعرت بالذعر من الموقف، ولم يكن أمامها سوى التشبث في عنق يوسف، ثم دعت العنان لعبراتها في السقوط متوجسة خيفة بألا يلحقوا بـعلي. تمزق قلب يوسف إرباً حين شعر بنبضاتها القوية التي وصلت إليه، وعزم على فعلها من أجل أن يعيد لها أمانها مجدداً.
ركض وركض حتى بات أمام الباب مباشرةً، أمسك به وشد من قبضته عليه لكي لا يفلت يده، وباليد الأخرى وضع الفتاة على حافة الباب، فأسرع "علي" في التقاطها من بين يده جاذباً إياها للخلف حتى يسهل عليه الصعود دون عائق أمامه.
صمد يوسف وهو يصارع حياته بقرب عجلات القطار، فقط يريد الوصول من أجلهم. تفاجئ بالفتاة تشير إليه ونظريها في جانب معاكس له، ثم ظهر شابان قاما بمساعدته في الصعود. استند يوسف برأسه على خلفية المقعد يلتقط أنفاسه التي هربت من رئتيه.
انتبه إلى سؤال أحد الشباب الواقفين أمامه:
"أنت كويس؟"
رفع نظره إليهم وأردف ممتناً:
"الحمد لله شكراً جداً ليكم."
هتف أحدهم ماحياً التكلف:
"على إيه دا واجبنا."
عادوا إلى أماكنهم، بينما نظر يوسف إلى الفتاة التي لها الفضل في إنقاذ حياته. زم شفتيه ممتناً لها، ثم فرد ذراعيه ووجه حديثه لهما:
"تعالوا.."
جاءوه راكضين واستكانوا بين أضلعه. شعور الأمان ليس إلا قد راود ثلاثتهم في تلك الأثناء حتى غفوا على نفس وضعهم دون مجهود، فاليوم كان طويل ومتعب للغاية.
"التذاكر لو سمحت، التذاكر يا أستاذ."
هتف الكُمثري عالياً ليثير انتباه يوسف. فتح عينيه ببطئ فتفاجئ بمن أمامه. لوهلة لم يعلم أين هو، انتفض فجاءة من مكانه فتسبب في ذُعر الصغار.
وزع يوسف أنظاره عليهم وهو يعيد آخر شيء يتذكره. زفر أنفاسه على مهلٍ يهدئ من روعه، فذعر مرة أخرى لصياح الكُمثري:
"يلا يا أستاذ ورايا ناس غيرك."
رمقه يوسف بإزدراء هاتفاً بحنق:
"أنت عايز إيه؟"
بإقتضاب وملامح عابسة أجابه:
"التذاكر."
حرك يوسف رأسه بتفهم ثم ناوله التذاكر التي كانت سبباً في ذُعر الجميع. تأكد من صحوة التوأمان وسألهم باهتمام:
"جعانين؟"
أماءا له، فحثهما على تناول الطعام بنبرة مرحة:
"وأنا كمان جعان أوي، وروني معاكم إيه؟"
سحبت الفتاة حقيبتها الخاصة وقامت بفتحها. أخذت منها بعض الأطعمة وبدأت توزعها بينهما بالتساوي. شرع ثلاثتهم في الأكل حتى فرغت جميع الأطعمة لديهم. توقف القطار في آخر محطته، وكانت تلك وجهة يوسف المقصودة.
نهض من جلسته وأعاد وضع حقيبة ظهره في الخلف، وكذلك فعلوا التوأمان. اصطحبهم خارج المحطة ثم أوقف سيارة أجرة وأخبره عن وجهته المقصود الوصول إليها.
مرت خمسة عشر دقيقة حتى وصلا إلى الحي القاطن به. ترجل من السيارة ودفع الأجرة للسائق، ثم ألقى نظرة سريعة على منطقته، ومن ثم رفع رأسه يطالع منزلهم القديم. وعلى الرغم من أنه يعتبر تراثاً، إلا أنه بحال أفضل عن منازل حديثة الصنع.
هدوء دون غيره ينتشر في الأجواء، لم يستيقظ أحداً بعد، فالوقت ما زال باكراً للغاية. صعد الأدراج حتى توقف في الطابق الثاني، فكان الأول يعود لجيرانهم. قرع الجرس ووقف في انتظار فتحه من قِبل والدته التي تفاجئ بسرعة إجابتها عليه.
قطب جبينه بغرابة، ولاحظ عينيها المنتفخة، فألقى بسؤاله بتوجس:
"مالك يا أمي، عنيكي مالها وارمه كدا ليه؟"
ابتسمت له لكي تطمئنه على حالها موضحة سبب تورم عينيها:
"متقلقش يا حبيبي، دا بس من قلة النوم، معرفتش أنام وأنت لسه مرجعتش."
وجهت بصرها على الصغار بغرابة من خلفه، فالتفت يوسف برأسه إليهم مشكلاً بسمة عذبة على محياه وقال:
"علي و.."
توقف من تلقاء نفسه حين لاحظ أنه يجهل إسم الفتاة، فأسرعت هي هاتفة بإسمها:
"لينة."
رفع يوسف حاجبيه مبدياً إعجابه بلطافة الإسم:
"لينة! أسمك جميل أوي."
بحياء رددت:
"شكراً."
أعاد النظر إلى والدته ومن ثم أردف:
"علي ولينة ضيوفنا يا أمي، اللي قولتلك عنهم في الموبايل."
رحبت بهم والدته بحفاوة على الرغم من فضولها الذي إزداد أضعافاً لمعرفة هويتهم. دعتهم للدخول، ثم أشار لهم يوسف للجلوس مستأذناً منهما بأخذ بعض المساحة له. ولج غرفة والدته التي انهالت عليه بالأسئلة القلقة:
"مين دول يا يوسف وإيه الشنط اللي في أيديهم دي؟ وبيعملوا إيه في بيتي؟"
تفاجئ يوسف بهذا الكم من الأسئلة. استلقى على الفراش بتعب بائن وبدأ يقص عليها بدايةً من استشهاد رفيقه إلى لحظة وصولهم إلى المنزل، وأنهى حديثه بقوله:
"لسه بقى هكلم عمهم بس لما أنام شوية، يارب ميطلعش ندل هو كمان."
دخلت السيدة في حالة لا يرثى لها بعدما أخبرها عن الفجعة التي حدثت وقلبت حياة التوأم رأساً على عِقب. بالله لن يكون هناك أعظم من ذلك ابتلاء لهم. لا تعلم ماذا دهاها، لكنها تشعر بحُطام بقايا قلبها الذي كُسر حزناً على ما أصاب الصِغار.
لم تستطع منع عبراتها التي تحولت إلى بكاء مريرة متحسرة على حالهم:
"يا حبايبي، كل الوجع دا كان من نصيبكم، فجاءة كدا لقوا نفسهم لوحدهم من غير أهل، ربنا يصبر قلوبهم يارب، دا أنا اللي مقربش ليهم لا من قريب ولا من بعيد قلبي واجعني لما حكيت لي اللي حصلهم، أومال هما بقى يعملوا إيه وهما شافوا موت أخوهم وأمهم في نفس الوقت؟"
استقام يوسف وطالعها بآسى شديد، فهو نادم على إخبارها بكل ذلك، فهي شديدة التأثر بأقل الأشياء سوءًا، لكنها في النهاية كانت ستعلم. تنهد ثم طلب منها بلطف:
"لو سمحتي يا أمي، شوفيهم لو كانوا محتاجين حاجة لأن أنا معتش قادر أقف على رجلي، بقالي ٣ أيام منمتش."
أخذت طلبه على الرحب والسعة، خرجت من الغرفة وتوجهت ناحيتهم مع رسمها لإبتسامة حزينة لما أصابهم. وقفت أمامهم وأردفت بحنو أمومي:
"يوسف قالي إنكم ضيوف، معلش أعذروه لقلة ذوقه، أنتوا مش ضيوف أنتوا صحاب البيت."
تفاجئ يوسف بسب والدته له فور خروجه من غرفتها. عقد ما بين حاجبيه وهتف بإقتضاب زائف:
"سيبتك معاهم دقيقة بالظبط طلعت قليل الذوق، أومال هتعملي إيه لو كملتي عشر دقايق يا ميمي أكيد هتطرديني."
انفجرت الفتاة ضاحكة على داعبته. ابتهج يوسف لضحكتها التي كان المتسبب بها، فهو يشعر اتجاههم بالشفقة الشديدة ويريد فعل أي شيء لكي يسعدهم فقط. ها هي الفتاة قد نجح في رسم الضحكة على وجهها، ماذا عن حال الفتى الذي لم يتبدل كثيراً، ما زال ملتزم بصمته، ولابد أنه سيطول معه ذاك الوضع.
تابعت والدته بتعريف نفسها:
"أنا إسمي ميمي، وممكن تنادوني ميمي من غير أبلة."
ذُهل يوسف من كلماتها، فلم تسمح لهما يوماً بمناداتها دون لقب. هدر متعجباً مما وقع على مسامعه:
"إيه؟ لا بقى دي تفرقة عنصرية وأنا مش هقبل بيها أبداً."
بمزاح شاكسته:
"مش مهم يا حبيبي تقبل.."
توجهت الأنظار على لينة التي قهقهت عالياً. رفع يوسف إحدى حاجبيها مستاءً:
"عجبتك للدرجة دي؟"
أماءت له مؤكدة، فحرك رأسه في استنكار مصطنع. أخذ شهيقاً وأخرجه على مهل قبل أن يهتف:
"تعالى معايا يا علي."
نهض الفتى وتوجه ناحيته. بتلقائية عابثة نهضت توأمه، لكن يوسف عارض تقربها بلطف:
"خليكي يا لينة أنتِ مع أمي، إحنا شباب زي بعضينا."
غمز إليها ليمحي أي حرج قد سببه لها أمامهم، فعادت هي إلى جلستها بهدوء، بينما أحاط يوسف كتف علي بذراعه واصطحبه إلى غرفته. اعتلى يوسف طرف الفراش، وأشار على الملاءة بجواره، مشيراً إليه بالجلوس.
تقدم علي نحوه وجلس إلى جواره. تنهد يوسف قبل أن يخبره بما يريد:
"اعتبرني أخوك من اللحظة دي، بس أنا عايز أطلب منك طلب.."
التفت علي برأسه نحو يوسف، الذي تابع مسترسلاً:
"لازم تخرج اللي أنت كاتمه جواك، خرج مشاعرك، سكوتك دا مش هيحل حاجة بالعكس هيخنقك أكتر، عيط يا علي عشان ترتاح."
مد يوسف ذراعه خلف علي وربت على ظهره بحنو وبهدوءٍ جذبه إلى حضنه، وحثه على التفاعل معه لكي يكون في حال أفضل مما هو عليه:
"عيط يا علي.."
أحتاج الأمر إلى عشر دقائق لنجاحه لإخراج بكائه. ضمه يوسف بشدة شاعراً بشهقاته القوية التي هزت كيانه. لم يحاول تهدئته قبل أن يخرج آلامه بنفسه.
حالة سكون حلت تدريجياً إلى أن هدأ علي تماماً. تراجع يوسف للخلف ناظراً إليه وسأله مهتماً:
"حاسس إنك أحسن دلوقتي؟"
أماء له الفتى، فاعترض يوسف تصرفه هادراً:
"متهزش راسك وتسكت، كلمني عايز أسمع صوتك."
بعد تردد طال لبرهة همس:
"أنا كويس.."
إلتوى ثغر يوسف بإبتسامة سعيدة، ثم ربت على كتفه مردداً:
"أنا تعبان جداً ومحتاج أنام، تحب تنام جانبي؟"
لم يكن هناك مجالاً لاعتراض علي، فجسده منهك للغاية. لكنه أراد الاطمئنان أولاً على شقيقته، فنظر تلقائياً نحو الباب. استشف يوسف ما يرمي إليه بنظراته وأردف مطمئناً إياه:
"متقلقش هي مع ولدتي يعني هي في أمان."
لم يبدي الولد ردة فعل، فاستلقى يوسف على الفراش، ومن ثم حث "علي" على النوم بجانبه. توجه نحوه، وفي ثوانٍ قليلة قد بات كليهما في ثُبات عميق.
في الغرفة المجاورة، تجلس السيدة ميمي على طرف الفراش، بينما تجلس الصغيرة أرضاً بين قدميها موصدة العينين، مستمتعة بتلك القشعريرة الناتجة عن تمشيط السيدة لخصلاتها الكستنائية المموجة.
انتهت السيدة من صنع جدائل خصلاتها، ثم هتفت متسائلة في حماس:
"قوليلي بقا إيه رأيك؟"
ركضت لينا ناحية المرآة لتنظر إلى جديلتها حديثة الصُنع. اتسع ثغرها بإبتسامة رقيقة وهللت بسعادة طفولية:
"جميلة أوي، شبه الضفيرة اللي كانت ماما بتعملهالي."
أشفقت السيدة ميمي على حالها، ثم فردت ذراعيها لها مشجعة إياها على أخذ عناق دافئ:
"تعالي يا لينة."
تقدمت الفتاة بخطوات راكضة نحوها إلى أن استكانت بين أضلعها. أوصدت عينيها وأطلقت العنان لعبراتها في السقوط هاتفة بحزن:
"ليه ماما مشيت وسابتنا؟ هي مش عارفة إن معتش لينا غيرها."
لم تستطيع السيدة ميمي التماسك أمام جملتها، وجهشت باكية بألم شديد قد شعرت به من خلف كلماتها البريئة. حاولت استعادة رونقها لكي لا تزيد من عبئ الفتاة وهتفت محاولة التخفيف من عليها:
"كلنا هنروح لربنا يا لينة، بس الفرق الوحيد إن فيه ناس مشيت قبلنا، وإن شاءالله نقابلهم في الجنة، تعرفي إن الجنة ربنا وصفها لينا إنها جميلة أوي، ادعي ربنا إنه يرزقنا دخولها يا حبيبتي."
رفعت الفتاة رأسها لتقابل عيناي السيدة ميمي وهتفت داعية:
"يارب ندخل الجنة عشان أشوف ماما وأحمد."
زمت ميمي شفتيها بحزن مصحوب بالتأثر الشديد. لم يكن في مقدرتها سوى مؤازرتها بإعادتها إلى صدرها وهتفت بنبرة حنونة:
"إن شاءالله يا حبيبتي، بلا نامي شوية أكيد أنتِ تعبانة."
لم تعارضها الفتاة، بل حبت على الفراش حتى وصلت إلى الوسادة واستندت عليها برأسها، ثم أوصدت عينيها. لكنها سرعان ما انتفضت من مكانها، فتسائلت ميمي عن سبب ذعرها:
"في إيه يا لينة بتجري كدا ليه؟"
أخبرتها الفتاة وهي تبحث في حقيبتها عن شيء ما:
"عروستي.."
لم تفهم عليها السيدة ميمي إلا بعد أن رأت دميتها ذات الشعر الذهبي التي كانت تمسك بها. عادت إليها لينة وقامت باحتضان دميتها، ثم جذبت يد ميمي ووضعت على رأسها وهمست لها:
"اقرأيلي قرآن عشان أنام بسرعة زي ما ماما كانت بتقرأ لي."
تشكلت إبتسامة عفوية على شفتي ميمي ورحبت بفكرتها للغاية. بدأت تتلوا بعضً من الآيات الكريمة التي تحفظها إلى أن شعرت بسكون وتيرة أنفاس الصغيرة، فتأكدت أنها قد غفت. قامت بدسر الغطاء أعلاها، ثم أخفضت من إضاءة الغرفة وانسحبت إلى الخارج بهدوء.
سارت نحو غرفةٍ ما وولجت إليها حتى وقفت أمام الفراش الكائن في آخرها. مالت بجسدها على ذاك النائم وقامت بهزه برفق إلى أن تمتم بنعاس:
"سبيني أنام شوية كمان، لسه بدري."
رفضت تركه معللة أسبابها:
"قوم يا زياد، كفاية نوم، هتتأخر على المدرسة."
لم يكترث لها، فتوجهت بخطاها نحو النافذة وقامت بإزاحة الستائر من عليها أولاً، ثم قامت بفتحها، فتسلل الضوء عمودياً على عيناي زياد الذي تأفف بحنق:
"بكره المدرسة، مش عايز أروح النهاردة، سبيني أكمل نوم."
هتفت بصرامة لكنها حافظت على مستوى صوتها لكي لا تزعج من في المنزل:
"لأ قولت لأ، قوم كفاية عليك كل النوم اللي نمته، أنا بجد زهقت مش معقول كل يوم كدا، أنا خارجة أحضر لك الفطار على لما تلبس هدومك بسرعة."
أغلقت الباب فور انتهاء جملتها وتوجهت إلى المطبخ لكي تحضر له فطور. نهض الآخر متذمراً، فلا يريد الذهاب بتاتاً، النوم أفضل بكثير من ذاك التعليم التي لا فائدة منه بالنسبة إليه.
بدل ثيابه إلى الزي المدرسي ذات القميص الأزرق والبنطال الجينز، وكذلك قام بارتداء جوربه الأبيض، ثم انحسب من غرفته إلى الخارج، فكانت والدته في إنتظاره أمام باب المطبخ حاملة بإحدى يدها شطيرة شهية وباليد الأخرى كوب من الحليب.
تأفف الولد بتذمر، أوصد عينيه لبرهة ثم أعاد النظر إليها معاتباً بسخرية:
"إيه دا يا ماما؟! شيفاني عيل صغير قدامك عشان تعمليلي سندوتشات وكوباية لبن؟ يا ماما أنا كبرت بقيت في إعدادي لو كنتي ناسية يعني."
بلا مبالاة ونظرات يتوهج فيهما الإصرار:
"مش هتروح في أي مكان قبل ما تاكل سندوتشاتك.."
رفعت كوب الحليب وتابعت وعينيها يشع منهما التحدي:
"وطبعاً كوباية اللبن، ولو طولت في الكلام هقوم أسلق لك بيضة زي ما كنت بعملك وأنت صغير."
أسرع زياد في الركض نحوها، ثم لَقِفَ منها كوب الحليب وقام بإحتساءه دفعة واحدة. أنزل يده ومسح على فمه بإبهامه، ثم تمتم عالياً وهو يتناول منها الشطيرة:
"هاكلها في المدرسة."
حذرته بحزم:
"لو مأكلتهاش العصفورة هتقولي."
التفت زياد برأسه معلقاً بسخرية:
"آه، ونسيتي تقوليلي إنها هتجري ورايا يوم القيامة."
أكدت والدته بعفوية:
"دا أكيد."
انفجر زياد ضاحكاً، ثم انسحب سريعاً بعدما التقط حقيبة ظهره وغادر قبل أن ينال نصيباً من الترهات الصباحية التي لا تنتهي. عادت السيدة ميمي إلى المطبخ وقامت بإخراج دجاجة سمينة من الثلاجة لكي تقوم بطهيها حتى تُشبع بطون الصغار.
بعد مرور بضعة ساعات، استيقظ يوسف من غفوته ولا يزال يشعر بالنعاس مسيطراً عليه لعدم كفايته من النوم. تثائب بصوت عالٍ قطعه فور انتباهه لنوم علي بجانبه. نهض بحذر ثم خرج من غرفته باحثاً عن هاتفه الخلوي.
فرك عينيه، فما زال النوم ينتابه. لم يصل إلى هاتفه بالسرعة التي ظنها، فنادى بصوته الأجش على والدته:
"مشوفتيش موبايلي يا أمي؟"
أخرجت رأسها من باب المطبخ وأجابته بنبرة بعيدة:
"أنت سيبته في أوضتي يا حبيبي."
حرك رأسه متذكراً مكانه، توجه نحو الغرفة واقتحمها دون تردد، فلا يتذكر أن هناك من ينام في الغرفة. توجه نحو الفتاة وأعاد دسر الغطاء أعلاها، ثم وقف يطالعها بشفقة وآسى شديدين. فالفتى سَيُصلب جزعه يوماً ويكون رجلاً قادراً على تحمل مسؤولياته بنفسه، لكن ماذا عنها؟ فتاة يتيمة وحيدة بمفردها في الحياة. حتماً سيكون الله لطيفاً بها، فإنها مؤنثة غالية.
زم يوسف شفتيه للجانب بتهكم، فلا يملك فعل أي شيء يستطيع تعويضهما بها عن فراق أعزتهم، فأي عوضاً سيسد تلك الفجوة التي حدثت فجاءة وقلبت حياتهم الهادئة التي يملئها لعب الصغار ورائحة طعام الذي يُطهى بحب وفرحة لقاء الأخ أياماً من بين شهور عدة.
أخرج تنهيدة مهمومة ثم عاد للبحث عما جاء لأجله. أخذ هاتفه وبهدوءٍ أغلق باب الغرفة. استلقى على أقرب أريكة قابلته وهتف بالبسملة قبل أن يحاول التواصل مع عم الصغار.
أرسل له رسالة كان محتواها كالآتي:
( السلام عليكم، أنا يوسف الراوي زميل أحمد ابن أخوك، ياريت تتواصل معايا في أقرب فرصه عندك لضرورة الأمر )
أغلق هاتفه ووضعه جانباً، ثم رفع نظره للأعلى متمنياً بأن يجيبه في أقرب فرصة حتى يسترد أمانة شقيقه. انتبه على صوت والدته المتسائلة:
"إيه كل الأكل دا يا يوسف؟"
نهض عن مقعده وبخطوات راكضة توجه إلى المطبخ. ضرب جبينه براحة يده مستاءً من تناسيه الأمر:
"أوف، نسيت خالص."
رفع بصره على والدته بتذمر مواصلاً بملامح غاضبة:
"والدة أحمد الله يرحمها كانت طبخاه وأنا أخدته عشان نوزعه على المحتاجين في المحطة بس نسيت."
رمقه ميمي شاعرة بكم الإحباط الذي سيطر عليه. تنهدت قبل أن تحاول التخفيف من على عاتقه:
"متلومش نفسك يا حبيبي أنت ملكش ذنب، ومتزعلش كدا، إن شاءالله أعملك أحلى أكل وتوزعه زي ما كنت ناوي."
تشكلت بسمة ممتنة على محياه وبحرج سألها:
"منين بس يا أمي، معاش أبويا بيكفينا بالعافية، هتجيبي الفلوس منين عشان الأكل؟"
اقتربت منه وملست على كتفه بحنو أمومي وردت عليه بنبرة راضية:
"الفلوس بتكفي وبيفيض كمان، متحملش هم أنت بس لحاجة وإن شاءالله ربك يدبرها."
نكس رأسه بخجل وبعزيمة هتف:
"أنا لازم ألاقي شغل بسرعة حتى لو كان عامل نضافة."
ضربت ميمي على صدرها فسببت الذُعر في قلب يوسف الذي هلل متسائلاً:
"في إيه يا أمي؟"
بعبوس أجابته بحنق:
"عامل نضافة إيه يابني اللي بتتكلم عنه، أنت مكانك في شركة مش أي شغلانة كدا وخلاص، أنت دارس إدارة أعمال عشان تشتغل في الآخر أي حاجة؟!"
تشدق يوسف قبل أن يردف مقللاً من شأنه:
"بالله عليكي يا أمي شهادتي هتنفعني بإيه؟ أنتِ مش شايفة اللي حواليكي، محدش بيشتغل بشهادته الأيام دي."
تشكل التقزز على تقاسيم ميمي بسبب استسلامه وهدرت به شزراً:
"دي حجة الكُسالة اللي زيك، اللي محاولوش أصلا ولا بيحاولوا مرة واتنين وتلاتة لغاية ما يوصلوا للي هما عايزنه في الآخر، أنت يا حبيبي مميز، بسم الله ما شاءالله عليك ذكي وعندك كاريزما مختلفة، أنت نسيت إنك كنت من الأوائل على دفعتك طول سنين الكلية؟"
زفر يوسف أنفاسه على مهلٍ ناهياً الحوار بقوله:
"ربنا يسهل يا أمي."
جذب انتباههم رنين هاتف السيدة ميمي التي أمرت ولدها قائلة:
"لو سمحت يا يوسف ناولني الموبايل."
أولاه ظهره ثم هرول بقدميه خلف مصدر الرنين إلى أن جاء به فسألته بفضول:
"مين اللي بيتصل؟"
أجابها وهو يقلب عينيه:
"هتكون مين يعني، الست إيمان!"
غمزت إليه معدلة على تلقيبه بمكر:
"إسمها مراتي المستقبلية."
رفع يوسف شفتيه العُليا مستاءً مما تفوهته وصاح بإزدراء:
"خدي يا ميمي موبايلك كدا، أنا غلطان أصلا إني وقفت أتكلم معاكي."
مسحت ميمي يديها المتسخة في المنشفة التي تركتها على الطاولة الرخامية وأجابت على المتصلة بترحيب حار:
"مونة حبيبتي، وحشتيني أوي يا قلب عمتك، أخباركم إيه."
طالعت يوسف المستند على الباب بإبتسامة تشكلت فجاءة ومن ثم عادت لترد على الطرف الآخر:
"أيوة يا حبيبتي وصل بالسلامة."
صمت حل لبرهة تلاه ترحيب حافل:
"البيت هينور بوجودكم، بلغي رمضان وهادية وأسامة سلامي على لما أشوفكم."
أنهت الإتصال لتخبره بما دار بينهن فتفاجئت به يلحقها بكلماته:
"خالك هيجي هو والأولاد يطمنوا عليك."
أماءت له عدة مرات مؤكدة حديثه، فرفع كتفيه بفتور وهو يتمتم بنذق:
"إيه المتوقع بالله عليكي بعد المكالمة دي؟ حاسس إنهم في مرة هيجوا يتقدمولي رسمي."
انفجرت والدته ضاحكة وتمتمت من بين ضحكها المستمر:
"والله وأنا كمان حاسة كدا، مش بعيد عليهم."
بالكاد سيطرت على نوبة ضحكها واسترسلت متابعة حين لم ترى في الأمر عائقاً:
"وإيه المشكلة في كدا بس يا يوسف؟ كلنا متأكدين إنها بتحبك، فيها إيه لو اتقدمنا لها وعملنا خطوبة دلوقتي والجواز بعد ما تخلص دراستها، هي لسه قدامها سنتين تكون أنت قدرت تخلص حاجتك وكونت نفسك، والبنت مننا يعني مش هتطلب كتير."
طالعها بأعين متسعة لا يصدق أنها رتبت الأمور بتلك السهولة، وبذهول شديد هدر:
"أيوة أيوة مننا وزيتنا في دقيقنا عارف أنا الأسطوانة دي، يا أمي أنتوا مش قادرين تشوفوا وجهة نظري، بنت أخوكي دي عمري ما شوفتها غير أختي، ولو كنتم مش مهتمين لكدا فدي مشكلتكم مش مشكلتي، وبعدين أنا لسه قدامي كتير أوي أعمله قبل ما أخد خطوة الجواز، أول حاجة محتاج شغل يناسبني، وبعد كدا أكون نفسي على مهلي وقبل ما أعمل الحاجتين دول مش هخضع للجواز من بنت أخوكي أو غيرها، ثم إن فيه حاجة أهم من كل دا أصلاً."
أجبرت ميمي حواسها على الانتباه جيد فتابع هو:
"هعمل إيه لو مقدرتش أوصل لعم العيال اللي برا دي؟"
لم تستطيع الرد عليه في اللحظة ذاتها، بينما حرك رأسه مستنكراً تلك الظروف التي دقت بابه دون سابق إنذار، فهتفت هي بقلة حيلة:
"والله يا يوسف مش عارفة أقولك إيه، بس اللي أنا متأكدة منه إن لو إيمان مكنتش من نصيبك فدا خير ليكم أنتوا الاتنين، ومتحملش هم العيال إحنا نتكفل بيهم لو مقدرتش توصل لعمهم، إن شاء الله خير، رب الخير لا يأتي إلا بالخير."
"يارب."
دعا يوسف ربه، بينما أردفت هي بحنو:
"أنا خلصت الأكل تحب أجيب لك تتغدى؟"
بحماس حرك يوسف يده على بطنه بحركات دائرية شاعراً بالجوع:
"ياريت، أنا واقع من الجوع."
أشارت إليه بإصبعها قبل أن تخبره:
"دقيقة بالظبط ويكون الأكل جاهز على السفرة."
انسحب هو إلى الخارج وتفقد هاتفه على أملٍ أن يكون هناك إجابة من الرجل، لكن تفقده بات دون فائدة، لم يستهين بالأمر وظل ممسكاً بهاتفه حتى لا يفوت وصول الرسالة إن جائته من الأساس.
انتهى يوسف من أداء صلاة العصر ثم تفاجئ باليد التى حاوطت عنقه. التفت ليرى هوية الفاعل فأبتسم عفوياً ظاهراً غمزة وجنته اليُسرى مرحباً به:
"حمدالله على سلامتك يا زيزو."
بمشاكسة أجابه أخيه:
"الله يسلمك يا دُفعة."
قهقه يوسف ودعى له باللحاق به عاجلاً:
"بكرة تدور الأيام والأدوار تتبدل ووقتها مش هرحمك تريقة، أصبر وأنت تشوف."
شكل زياد بسمة سمجة على محياه وأخبره عما ينوي فعله:
"أنا أصلاً مش هروح الجيش."
لكزه يوسف في صدره بقوة هاتفاً بحنق:
"هه، على أساس إنه بمزاجك."
غمز إليه زياد بتحدٍ وإصرار متوهجان في عيناه:
"هتشوف وقتها."
فر زياد هارباً من أمامه فلحق به يوسف وأرغمه على التوقف مستفسراً عن نواياه الخفية:
"يعني إيه الهبل اللي أنت بتقوله دا، الجيش بيعملك راجل يالا، وبعدين تعالالي هنا أنت مش عايز تبقى راجل وتفضل طول عمرك عيل مراهق ولا إيه؟"
تملص زياد من بين يدي يوسف وهو يصيح عالياً بازدراء بائن:
"خلاص بقى يا يوسف."
صُوبت حدقتاه على نقطة ما خلف يوسف وردد متسائلاً:
"مين دي؟"
توجهت الأنظار على النقطة ذاتها الذي يسير إليها زياد بحدقتاه. ابتسم لها يوسف وحثها على المجيء:
"تعالي يا لينة لما أعرفك على أخويا."
لكزه زياد في كتفه بخفة هامساً بفضول:
"بقولك مين دي؟"
بدأ يوسف في تعريف هويتهم لبعضهما البعض وهو يشير عليهم بالتناوب:
"لينة، زياد."
مد زياد يده إليها ليصافحها فتراجعت للخلف ثم اقتربت من يوسف واختبئت خلف ساقيه، فهي لا تعتاد التعامل مع الجنس الآخر من خلف تحذيرات والدتها المستمرة. قطب زياد جبينه بتهكم لفعلتها، كما أنه لوى شفتيه للجانب معلقاً بالسخرية:
"مالك كشيتي كدا؟ مش هاكلك يعني."
نهره يوسف بحزم:
"بطل قلة أدب يا زياد وروح على أوضتك وأنا جاي وراك حالاً، عايز أتكلم معاك."
تجهمت تعابير الآخر وبعناد ساحق ردد:
"أنا نازل ألعب تحت."
أمسكه يوسف من ذراعه وشد عليه بقوة لم يتحملها زياد فآنة بألم:
"سبيني أنت بتعمل إيه؟"
أعاد يوسف تكرار أمره بإصرار وشدة:
"أعمل اللي قولتلك عليه."
تأفف زياد بنزق من تلك اللهجة الآمرة أمام فتاة في عمره. توجه إلى غرفته مطلقاً زمجرة واضحة لم يبالي لها يوسف، فتلك هي مرحلة المراهقة وعليه أن يتعامل معه بحرص وحذر.
استدار بجسده نحو الصغيرة وأردف بنبرة هادئة عكس الذي يتحدث بها لتوه:
"جعانة؟"
ترددت كثيراً قبل أن تومئ برأسها مؤكدة سؤاله، فنادى يوسف بنبرته الرخيمة على والدته وطلب أن تحضر للفتاة طعام حتى تُشبع معدتها، بينما هو تقدم إلى غرفة شقيقه متوعداً لعدم احترامه أمام الفتاة حتى وإن كانت صغيرة العمر، فعليه احترامه أمام نفسه أولاً قبل أن يحترمه أمام الجميع.
أغلق الباب بعدما ولج إليه وبأعين يتوهج فيهما الوعيد هتف بحنق:
"لو الموضوع دا اتكرر تاني ومسمعتش كلامي متبقاش تزعل من اللي هيحصل، لازم تحترمني قدام أي حد."
لم يجيبه زياد بل ظل منكس الرأس وهو يعتلي الفراش عاقد ذراعيه معلناً تمرده، فصاح الآخر بغضب:
"بكلمك رد عليا."
"أسف، هعمل اللي أنت عايزه."
هتف بها زياد بعدم رضاء، بينما توجه يوسف إليه وجلس أمامه ثم قص عليه مقتطفات مما حدث له في اليومين الماضيين معللاً وجود الصغار في منزلهم، وأنهى جملته بتحذيره:
"وطول ما هما موجودين هنا تعاملهم بذوق وأسلوب كويس، مش عايز مشاكل مفهوم؟"
أماء له بقبول هاتفاً بتأثر لسماعه قصتهم:
"مفهوم."
انتبه كليهما إلى قرع الجرس فتمتم يوسف مستاءً:
"غزو التتار وصلوا."
انفجرا كليهما ضاحكين، ثم انسحب واحد تلو الآخر خارج الغرفة ليكونوا في استقبال خالهم وعائلته.
"أهلاً بيك يا رمضان ياخويا نورت، البيت نور بيكم والله يا هادية، نورتوا يا ولاد."
هتفت ميمي مرحبة بهم بحفاوة، بينما علق يوسف ممازحاً:
"إيه كل الأنوار دي، البيت هيفرقع من كتر النور يا أمي."
اتسعت حدقتي ميمي عليه معاتبة إياه بنظراتها، بينما لم يكترث هو لها، فأجابه خاله بمرح:
"لولا إن هزارك واحشني كنت رديت عليك، حمدالله على سلامتك يا يوسف."
بإمتنان رد عليه:
"الله يسلمك يا خالي."
دعتهم ميمي إلى الجلوس في الصالون، بينما رحبت به هادية بمبالغة لم يهضمها يوسف:
"البيت نور مرة تانية برجوعك يا يوسف، عقبال ما تفاجئنا بخطوبتك قريب."
أراد يوسف قطع أي ذرة تفكير لديها في خطب إبنتها المصون بقوله:
"يبقى هتستنوا كتير، أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، في حاجات أهم تستحق أعطيها اهتمامي أكتر من الجواز في الوقت دا."
علقت هادية مازحة:
"فهمت وجهة نظرك يا يوسف، أنت مش عايز تستعجل وتقع في مصيبة."
حاول يوسف التحلي بالقليل من الصبر لكي يواصل ذاك الحوار الغير مرحب به:
"أكيد هتكون مصيبة لو اتجوزت واحدة مش بحبها."
تعمد النظر إلى إبنة خاله موحياً إليها رسالة بكلماته وتابع مالم ينهيه:
"أنا يوم ما أنوي أتجوز عمري ما هتجوز غير اللي قلبي يدق لها وعقلي يختارها عشان تكون شريكة عمري وأحلامي، ودي أكيد مش هتكون مصيبة زي ما بتقولي يا مرات خالي، ولغاية ما تظهر هي هعمل كل اللي في ايدي عشان يليق بمرات يوسف الراوي!"
حديثه ألجم ألسنة هادية وإبنتها المبجلة. لم يعرفا مجالاً للرد عليه بعد أن أظهر إليهن أنها بعيدة كل البعد عن مخيلته. طالعته والدته بنظرات مشتعلة معاتبة لكلماته التي لم ترأف بالفتاة، وكعادته لم يكترث كثيراً، فالأمر لا يعنيه.
بعد قليل جاءت لينا راكضة إلى السيدة ميمي وهتفت في حماس:
"أنا خلصت الأكل.."
توقفت عن الحديث حين رأت أناس تجهل هويتهم. شعرت بالحرج الشديد فاحمرت وجنتيها خجلاً استشفه الجالسين. أرادت ميمي محو الخجل عنها حيث قالت مشجعة:
"بالهنا والشفا يا حبيبتي، تعالي معايا اغسلي ايدك."
وجهت بصرها على أخيها ومن معه وقالت معتذرة:
"بعد إذنكم ثانية."
خرجت مع الفتاة بينما تسألت إيمان بفضول أنثوي:
"مين البنت دي يا يوسف؟"
"دي أخت واحد صاحبي."
تابعت إيمان بقية أسئلتها التي تدور في عقلها وتريد إجابات واضحة لهما:
"و بتعمل إيه هنا؟"
كز يوسف أسنانه بضيق لتدخلها فيما لا يعنيها. طالت مدة انتظار إجابته فتولى زياد مهمة الرد حيث أردف بعفوية:
"يوسف جابها هي وأخوها لما عيلتهم ماتوا."
شعر رمضان بالشفقة لحالهم وسأله مستفسراً:
"وأنت هتعمل معاهم إيه يا يوسف؟"
أخبره يوسف ما ينتظره بفارغ صبر:
"لهم عم مسافر انجلترا هتواصل معاه وهبعتهم عنده."
أومأ رمضان بفهم وردد بنبرة سوية:
"ربنا يجازيك خير على اللي بتعمله يابني."
حضرت الفتاة برفقة ميمي فتوجهت تلقائياً إلى يوسف الذي تنحى جانباً تاركاً لها مساحة كافية لتشاركه الأريكة. لم ترفع إيمان بصرها من عليهما، فتلك الفتاة لم تروق لها مطلقاً.
رفعت لينة رأسها ناظرة إلى يوسف وألقت سؤالها باهتمام:
"فين علي يا يوسف؟"
أجابها بلُطف:
"لسه نايم."
أماءت له والتزمت الصمت، بينما تدخلت إيمان بعدما أصدرت شهقة قوية انتبه لها الجميع:
"يوسف! إزاي تناديه كدا من غير أبيه، دا أكبر منك ولازم تحترميه ولا أنتِ متعلمتيش كدا في بيتكم؟!"
تفاجئ يوسف بثورة إيمان التي لا داعي لها على الصغيرة ولم يستطيع منع نفسه دون أن يرد عليها يفحمها:
"لينة تناديني زي ما تحب وبعدين أنا مش كبير لدرجة أبيه يعني."
اتسعت مقلتي إيمان بصدمة حين عارضها يوسف، فلم تحسب لذلك. حمحمت بحرج شديد وحاولت تغيير الحوار:
"لو سمحتي يا لينة ممكن تجبيلي مية."
أسرعت ميمي في النهوض فلحقتها لينة بقولها:
"أنا عارفة طريق المية، هجيبها أنا."
قابلتها ميمي بإبتسامة عفوية ورددت بخوف:
"طيب يا حبيبتي بس خدي بالك وأنتِ راجعة بيها."
أسرعت لينة إلى الخارج وعادت بعد ثوانٍ قليلة حاملة لزجاجة المياه بـيُمناها وبالأخرى كوباً زجاجياً، توجهت مباشرةً ناحية إيمان وأردفت:
"اتفضلي يا أبيه."
شهقت إيمان بصدمة ورددت بحنق مصحوب بالإستياء الشديد:
"نعم! إيه أبيه دي؟"
شاكستها لينة قائلة:
"أنتِ مش قولتيلي أنادي اللي أكبر مني أبيه."
انفجرا يوسف وزياد مقهقهين عالياً، كذلك لم تستطيع ميمي منع ضحكاتها على ما اقترفته الصغيرة. تجهمت تعابير إيمان وازدادت حنقاً من خلف ضحكات الجميع الذي يتناولنها سوياً.
انتفضت من مكانها ورفعت ذراعها للأعلى قاصدة صفعها لقلة احترامها، فتلقت هي الصفعة الأقوى حين أمسك يوسف بيدها قبل أن تمس لينة. رمقها بنظرات احتقارية متوعدة، فهتفت ميمي قبل أن يقع مكروهاً:
"يوسف.."
دفع يوسف بيدها بعيداً، ثم جذب الفتاة من يدها وأولى الجميع ظهره وغادر دون استئذان. حمحمت ميمي وحاولت تلطيف الأجواء بخجل من تصرف ولدها الأرعن:
"أعذروا يوسف معلش، هو لسه متأثر بموت زميله، دا اتقتل قدام عنيه وحضر موت أمهم لما يا حبة عيني عرفت إن ابنها مات، ومفضلش غير لينة وتوأمها اللي بقوا يتامى بين يوم وليلة.."
لم يريد رمضان إلقاء اللوم عليه بمفرده حيث قال:
"إيمان اللي بدأت بالغلط والمفروض مكنتش تعمل كدا، في الآخر دي طفلة ومينفعش بنتي الكبيرة العاقلة تمد إيدها عليها."
تعمد رمضان النظر في عيني ابنته وهو يلقي اللوم معاتباً إياها. لاحظت هادية الأجواء المشحونة بينهما فحاولت تهوين الأمر:
"خيراً إن شاء الله، هما كلهم في الآخر عيال في بعض."
بوجه عابس ونبرة صارمة أمر أبنته:
"لازم تعتذري ليوسف، إحنا مش جاين عشان نزعله."
لم يكن هناك مجالاً للرفض، فهذا أمر واجب تنفيذه وإلا حتماً ستُعاقب بحرمانها من إحدى هواياتها. لم تطيل إيمان الوقوف مكانها وانسحبت من بينهم إلى الخارج بخطى مهرولة غير مستقيمة. لم تبحث عنه طويلاً، فكان جالساً برفقة الفتاة في الخارج.
حمحمت لتجذب انتباهه، فامتعض يوسف حين لمح طيفها يقترب منه. وقفت أمامه وبنبرة جامدة اعتذرت:
"أنا آسفة، مكنتش أقصد."
رفع يوسف بصره عليها وبجمودٍ في ملامحه أمرها:
"متعتذريش ليا، المفروض تعتذري لـ لينة."
صاحت إيمان مهللة بعدم استيعاب لطلبه:
"نعم؟ أعتذر لمين؟"
لم يجيبها يوسف بل فضل رمقها بتحدٍ وإصرار إلى أن تجرأت إيمان هاتفة على مضضٍ:
"أنا آسفة.."
أولاتهما ظهرها فور اعتذارها وعادت إلى عائلتها بغضب مرسوم على تقاسيمها هاتفة بنبرة آمرة:
"يلا نمشي.."
نظر إليها والدها بعتاب لنبرتها الغير ملائمة، فأخفضت من حِدة صوتها معللة أسباب ذهابها:
"عندي جامعة بكرة بدري ولازم أنام بدري."
لم يحب رمضان أن يطيل الزيارة بعد المشادة التي حدثت وفضل المغادرة. نهض أمراً زوجته أيضاً بالرحيل، فصاحت ميمي بخجل واضح:
"مرواح إيه بس، أنتوا لسه جاين حتى لسه مضيفتكوش."
"إحنا صحاب البيت يا ميمي يختي مش ضيوف، كنا جاين نشوف يوسف والحمدلله اطمنا عليه، بالإذن إحنا.."
لم تعترض ميمي، فإن كان هذا يريحهم فليكن. ودعتهم بحرج إلى الباب، بينما انسحب يوسف إلى غرفته حين رأى الرد المنتظر قد وصل للتو.
تحدث مع الرجل في الهاتف وأخبره بالأحداث التي حدثت في الآونة الأخيرة، ثم هدر مطالباً:
"حضرتك هتبعت تاخدهم عندك امتى، عايز أسلم الأمانة اللي صاحبي وصاني عليها."
أجابه الطرف الآخر قائلاً:
"بس فيه شرط.."
"تفتكروا إيه هو الشرط؟"
"مستنية رأيكم وتحاليلكم وريفيوهاتكم ♥️"
"•
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثالث 3 - بقلم تسنيم المرشدي
"أنا مش هقدر أتحمل مسؤولية طفلين، فلوسي بتكفيني أنا ومراتي وابني بالعافية لدرجة إننا درسنا الموضوع واكتفينا بإبن واحد عشان نقدر نوفر له حياة مستواها كويس، بس ممكن أدبر أموري لرعاية طفل كمان لكن أكتر من كدا مقدرش، لو أخدت الإتنين هيكون ظلم ليهم وليا"
لحظة من الصمت سادت حين وقعت كلماته على آذان يوسف. طالع الفراغ أمامه محاولاً استيعاب ما يطالبه به. بائت محاولات استيعابه بالفشل الذريع، فهو يرفض أطفالاً صغيرة خشية من عدم استطاعته للإنفاق عليهم، كأنه هو من يرزقهم!
كادت أعصابه أن تنفلت، لكنه صمد لكي يقنعه حتى وإن كلف الأمر التوسل إليه:
"إيه اللي حضرتك بتقوله دا؟ أنا مش بقدم لك سلعة هتقبل تشتريها أو ترفضها، دول ولاد أخوك وأنت المسؤول قدامي عنهم، مفيش مجال إنك ترفض حد فيهم. وفي الآخر ياسيدي ربنا اللي بيبعت الرزق مش أنت زي ما أنت فاكر."
قاطعه الآخر بعملية غير مقتنع بوجهة نظره:
"أنا فاهم كويس اللي بتحاول توصله، بس البلد هنا ليها حسابات تانية غير اللي اتعودنا عليها في مصر. عندكم لو واحد احتاج لمساعدة هيلاقي اللي يمد له إيده ويساعده ومش واحد بس، هيلاقي كتير أوي ساندينه وواقفين في ضهره لغاية ما يرجع زي الأول ويمكن أحسن. لكن هنا مفيش الكلام دا، تقدر تقولي وقتها إيه العمل لو مقدرتش أوفر لهم تعليم وآكل وشرب؟"
أخذ يلتقط أنفاسه وتابع:
"أنا بشتغل ليل نهار عشان ميجيش يوم مقدرش أوفر فيه أقل الحقوق لعيلتي. إحنا في عالم مختلف تماماً عنكم، مفيش مساعدة مفيش دعم حتى لو شافوك بتسف التراب. هنا تشتغل تاخد مقابل، غير كدا مفيش مقابل تحت مسمى المساعدة. لو سمحت حاول تفهمني، أنا مش رافضهم بس أنا مش هقدر أعول طفلين زيادة فوق عيلتي، الوضع هيكون فوق طاقتي."
بهجوم ونبرة صارمة صاح يوسف:
"مش موافق حضرتك في الرأي نهائي، المسائل دي مش بتتشاف من منظورك دا، بتتشاف من منظور تاني إسمه صلة الرحم. هما عيلتك وولاد أخوك، وكل اللي يخصهم المفروض يهمك، أنت واجب عليك تحميهم وتفكر فيهم وفي مصيرهم لو اتفرقوا عن بعض بعد موت والدتهم وأخوهم. هما ملهمش غير بعض وأنت بعد ربنا، أنت آخر أمل ليهم، حضرتك ليه مش شايف كدا؟"
صمت يوسف وحاول التحلي بالهدوء قدر المستطاع. أخفض من نبرته الحادة واسترسل متابعاً:
"بعيداً عن كدا لنفترض إنه أي كلام من وجهة نظرك، أنت ناسي إن ربنا اللي بيرزق، بأي وجه حق ترفض واحد فيهم كأنك أنت اللي بتبعت رزقهم؟"
بلا مبالاة قاتلة أردف الآخر:
"لسه مش قادرين نوصل لنقطة مشتركة، واللي اتكلمنا فيه بنعيده تاني من غير حل في الآخر. أنا بعتذر منك بس مضطر إني أقفل لأن عندي شغل ضروري، ياريت تتفهم وضعي وأنا هستنى منك مكالمة تبلغني فيها قرارك، وعايز أعرفك إني متكفل بمصاريف سفر الطفل اللي هتبعته عندي."
حالة من الذهول وعدم الاستيعاب تملكت يوسف وحاول إقناع عقله أن ما يتسامران به حقيقي. تابع الطرف الآخر حديثه قبل أن ينهي المكالمة بقوله:
"آه قبل ما أقفل ياريت تبعت لي الولد عشان أنت عارف طبعاً إن مينفعش بنت وولد في نفس المكان، أكيد أنت فاهم بتكلم عن إيه؟ سلام.."
انتهت المكالمة. شعر يوسف بنيران تأجج داخله من خلف كلمات ذاك المختل، كيف يتحدث بإسم الدين وهو بعيد كل البعد عنه، يخشى مكوث الفتاة مع ولده ولا يخشى مكوثها مع رجل غريب عنها. ألقى يوسف الهاتف أرضاً من فرط غضبه.
في تلك الأثناء اقتحمت والدته غرفته بوجه ثائر على ما تسبب به:
"أنت إزاي تتعامل مع بن..."
توقفت عن الحديث حين رأت حالته المذرية. قطبت جبينها بغرابة من أمره وأخفضت من نبرتها متسائلة عن سبب ثورته:
"مالك في إيه؟"
لم يجيبها فكان في حالة لا تسمح له بالنقاش. ظل يحرك قدميه بضيق شديد ناهيك عن أسنانه التي تحتك ببعضها بشدة، حتماً سيفتك بهم إن زاد من ضغطه عليهم لحظة أخرى. اعتلت ميمي الفراش بجواره وحاولت فهم الأمر منه:
"قولي حصل إيه؟ على الأقل عرفني كنت بتتكلم مع مين؟"
ابتلع ريقه وهو يعيد كلمات ذاك المختل في عقله. وبهدوءٍ يشوبه الغضب أخبرها:
"دا عم لينة وعلي، بيقول إنه مش هيبعت ياخد غير علي بس.."
التفت برأسه ناظراً إلى والدته والشر يتوهج من بؤبؤتيه وتابع بصدمة جلية على تعابيره ولهجته:
"بيقول إنه مش هيقدر ياخد الإتنين، مش هيقدر يوفر لهم اللي محتاجينه، مش مهم مصير البنت إيه حتى لو اتشردت، بس المهم إنه يوفر حياة مستواها كويس ليه ولعيلته!!"
عاد يطالع الفراغ الماثل أمامه وعقله يكاد يجن. تابع هتافه بتجهم يشوبه الاستياء:
"الناس دي ملتهم إيه؟ خالهم ورماهم في الشارع ورجع لبيته عادي ومهتمش ممكن يحصلهم إيه، مأنبوش ضميره لحظة وحس بندم ورجع لهم، والتاني فاكر إن وظيفته هي اللي بترزقه مش ربنا! أكيد الناس دي متربتش على كلام ربنا اللي كبرنا عليه، ميعرفوش قوله تعالى {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} مش معقول يكونوا عارفين إن كل حاجة بإيد ربنا ويعملوا كدا."
تشهدت ميمي فكانت قليلة الحيلة لا تملك حتى مواساته. فهناك أناس بقلوبٍ جاحدة وتصرفات ظالمة لا يبرر لهم غلظتهم وعدم رحمتهم على الآخرين. أخرجت ميمي تنهيدة مهمومة فكم كان قلبها يعتصر حزناً على الصغار وما أصاب رؤوسهم في عمرٍ صغير للغاية.
بعد تفكير لم يأخذ وقت طويل، حسمت أمرها فلن يكون هناك حلاً سوى ما يدور في عقلها. بكامل قواها هتفت بنبرتها الحنونة:
"أنا اتمنيت كتير إن ربنا يرزقني ببنت، بس حكمة ربنا إني أخلف ولدين والحمدلله رضيت، مش عارفة يمكن يبان كلامي غريب شوية بس حاسة إن اللي حصل للبنت دا سبب إني اعتبرها بنتي، عايزاها يا يوسف، لينة اللي أتمينتها كتير مش عايزاها تمشي، خليها تعيش وسطنا."
لوهلة ظل يوسف يحدق بما هو أمامه دون وعي، فكيف يتخذونها بنتاً لهم وهناك من يعولها من أقاربها؟ عاد بأنظاره إلى والدته التى ابتسمت له تستحث قلبه على القبول. فما كان منه سوى الرضوخ لطلبها، فلن يسمح لها بالتشرد، في النهاية هي أمانة صديقه وسيفعل ما في وسعه حتى يؤمن لها حياة كريمة طيبة.
أستند يوسف بكفيه على ساقيه ناهضاً عن مقعده وهتف بحسم:
"لازم أرجع بلدهم عشان أجيب كل أوراقهم اللي هحتاجها لسفر علي، وعشان كمان أقدم لـ لينة في المدرسة، مش عايزها تفوت أكتر من كدا."
وافقته الرأي وهتفت وهي تربت على كتفه:
"الله المستعان يا حبيبي."
تركته وغادرت المكان بينما عاد يوسف بأدراجه إلى الفراش ولازالت كلمات ذاك الرجل تتأرجح ما بين الذهاب والإياب في عقله. لا يصدق أنه بالفعل استطاع التمييز بين الأخوين بتلك السهولة دون النظر إلى مشاعرهم وإلى حالة الذعر التي ستنتابهم ما أن تفرقا.
حاول إفراغ عقله من أي أمور قد تضايقه فيكفيه ما مر به في الآونة الأخيرة لا يريد المزيد. أخذ نفساً عميق قبل أن يعيد التفكير في كيفية إخبارهم بذلك الأمر. كيف سيواجه أعينهما وهو يخبرهما بافتراق أحدهما عن الآخر، ألا يكفي من فارقهما؟!
حك يوسف مؤخرة رأسه بعصبية شديدة فلا يملك قدرة التحدث عن ذلك. عاد بجسده إلى الفراش مطالعاً السقف بحدقتاه البنية لعله يأتي بفكرةٍ ما.
بعد مرور بعض الدقائق على وضعه لم يراوده سوى حلاً واحد وعزم على تنفيذه فلا يوجد سواه من الأساس.
استيقظ يوسف على آنين خافت على مقربة منه، يبدو أن أحدهم يتألم. كان هناك ضوءاً ساطعاً يحجب رؤياه لما يتمثل أمامه. فرك عينيه لعله ينجح في رؤية مصدر الصوت بوضوح لكن الوضع كما هو عليه، لا يرى سوى إضاءة شديدة السطوع بالكاد يستطيع فتح عينيه.
"لينة يا يوسف"
عقد يوسف ما بين حاجبيه فتلك اللهجة يحفظها جيداً، إنه أحمد! حاول يوسف النهوض من مكانه لكنه يفشل، لا يدري أين هو، لا يشعر بشيء يستطيع ملامسته وكأنه يحلق في الفراغ. لازال آنين صديقه يدوي في شحمتي أذنه فهتف هو بإسمه:
"أحمد، أنت فين أنا مش شايفك."
أعاد يوسف تكرار ندائاته التي لم تتوقف قط ولم يبادله الآخر أي إجابة. وفي ثانية اقتحم أحمد تلك الظلمة التي تحولت إلى ملامحه مردداً أمام وجه يوسف:
"لينة يا يوسف."
انتفض يوسف من مكانه مذعوراً بشدة. طالع أمامه بأعين جاحظة، ارتفع تدفق الدماء في نبضات قلبه بشدة من فرط الخوف. رجفت يده التي يستند بها على الفراش فاستقام في جلوسه وطالع المكان من حوله يتأكد من غرفته.
أوصد عينيه حين استشف أنه كان حُلماً. تنفس الصعداء ثم تمتم مترحماً على صديقه بحزن:
"ربنا يرحمك يا أحمد."
نهض عن فراشه وتوجه إلى الخارج لكي يطمئن بنفسه على الصغار. كان المنزل يتمتع بسكون مخيف قاطعه صوتٍ ما صدر من غرفة "زياد". توجه يوسف بخطاه إليها، طرق الباب ثم ولج داخلها فتفاجئ بوجود زياد برفقة علي. اتسع ثغره بإبتسامة مطمئنة وسألهم مستفسراً:
"بتعملوا إيه متأخر كدا؟"
أسرع زياد في الرد عليه بحماس يشوبه التردد من ردة فعله:
"كنا بنلعب بابجي.."
قطب يوسف جبينه مستاءً منه وبهدوء عاتبه:
"لعب ودلوقتي! أنت ناسي إنك عندك مدرسة بكرة بدري؟ أقفل الكمبيوتر ويلا على سريرك بسرعة."
وجه نظره إلى علي متابعاً استرساله:
"وأنت كمان يا علي، بطل لعب ونام عشان هنصحى بدري، هنروح مشوار مع بعض."
أومأ له بقبول فانسحب يوسف من الغرفة موصداً بابها خلفه. توجه إلى غرفة والدته وبتردد شديد في فعل ذلك طرق الباب بخفة، فلا يوجد لديه حل غيره لكي يطمئن على التوأم الآخر. تنهد وأدار مقبض الباب بحذر ثم مال برأسه من خلف الباب حتى وقع نظره عليها غافية بجوار والدته. أغلق الباب وعاد إلى غرفته وصاح عالياً حين رأى إضاءة الغرفة المجاورة لازالت مضيئة:
"قولت ناموا."
جاءه الرد على الفور:
"نمنا خلاص.."
عاد لغرفته وحاول مراراً أن يعود إلى النوم لكن النعاس قد جفى عينيه. يبدو أن هناك ليل سيطول ساعاته إلى أن يمر.
تذكر شيئاً ما فنهض عن كرسيه وتوجه إلى الكومود خاصته والتقط إحدى الروايات الرومانسية التي يقوم بقراءتها باستمرار. استلقى على فراشه واضعاً ذراعه الأيسر خلف رأسه وظل يهمهم بالكلمات التي يقرأها بخفوت وغرق بين صفحات الكتاب الذي بيده غير آبه لما يدور حوله.
سطعت الشمس فتناثرت أشعتها على البنايات وغيرها من الأشجار لتضيف لأوراقها الخضراء لمعة ساحرة كصفاء لمعة البحر التي تنقلب مع موجاته منتجة منظراً عظيماً تطمئن النفس له.
انتبه يوسف على رنين منبه هاتفه فأغلقه وقام ليتجهز حتى يلحق ميعاد القطار قبل أن يفوته. خرج من غرفته فهاجمته تلك الرائحة الذكية التي تغلغلت داخل أنفه دون استئذان.
توجه نحو مصدرها فتفاجئ بهذا الكم من الطعام الموضوع في عُلب ورقية. جذبت والدته انتباهه بإلقائها التحية عليه:
"صباح الخير يا حبيبي."
رد عليها متعجباً مما يحدث فالأمر مريب له بعض الشيء:
"صباح النور يا أمي، مين اللي هياكل كل دا؟"
أجابته بتلقائية عابثة:
"الأكل دا بدل اللي باظ امبارح، مش أنت قولتلي إنك عايز توزع أكل علي المحتاجين وأنت رايح محطة القطر، وبيكون هناك ناس كتير محتاجة للأكل."
لمعت عيناه ممتناً لها، فكيف لا يحبها وهي عشقه. أخذ نفساً وحرك قدميه ناحيتها ثم قام بعناقها هاتفاً بنبرة متيمة:
"ربنا يخليكي ليا يا أمي."
ربتت على ظهره بحب شديد وهي تجيبه بحنو أمومي:
"ربنا يرضيك يابني ويرضى عنك، ويكتب لك الخير في كل خطوة."
أمن على دعائها وهو يتراجع للخلف:
"آمين، هروح أصحي علي الأول وبعدين أغير هدومي على لما يخلص هو كمان."
أولاها ظهره وقام بإيقاظ علي وأمره بتبديل ثيابه وكذلك قام هو ثم ساعد ميمي على تعبئة العُلب في الأكياس البلاستيكية ومن ثم هموا بالمغادرة سريعاً قبل أن تستيقظ لينة.
وصلا كليهما باكراً إلى محطة القطار. قسم يوسف الأكياس بينهما لكي يساعدان بعضهما البعض وينهيا الأمر سريعاً. أعطى يوسف أول عُلبة طعام لأول سائل قابله فشكره الآخر ودعا له بطيب نفس. ثم تابع يوسف ما يفعله لكنه انتبه على الفتى حين ناول إحداهن عُلبة وقال لها:
"ادعي لماما وأخويا بالرحمة."
انهالت المرأة بالدعوات لهما فتبسم علي بسعادة بالغة مما شجعه على إعطاء الآخرين الطعام حتى يجمع أكبر قدراً من الدعوات لأحبته. تشكلت ابتسامة مشفقة على شفتي يوسف لحالته، ثم قام بمواصلة ما يفعله مطالباً ممن يعطيه الطعام بالدعاء لأحمد ووالدته.
بعد مرور وقت ليس بقصير، انتهوا من توزيع جميع الأطعمة. أعطى يوسف كفه للفتى الذي قام بصفع كف يوسف فرحين بذاك الإنجاز الذي أضاف ليومهم مزيج من البهجة والحماس.
استقل يوسف مقعده داخل القطار وكذلك رافقه علي المقعد المجاور ثم سأله بفضول:
"إحنا رايحين فين؟"
علم يوسف أن تلك اللحظة قد حانت وعليه إخباره فكم سيخفي عنه الأمر؟ شهيق وزفير قد فعل يوسف ثم مال بجسده للأمام ونظريه على علي يتابع ملامحه وبدأ يخبره:
"أنا قدرت أتواصل مع عمك امبارح.."
استشف من علي عدم الضيق حين رأى تشدق شفتيه للجانب فسرها بالقبول لحديثه فواصل مردفاً بتردد:
"وافق على كلامي بس بشرط إن واحد بس منكم اللي يسافر عنده، وفي الآخر المكالمة قالي إنه عايزك أنت.."
قطب علي جبينه وسأله مستفسراً:
"ولينة؟ مش هتيجي معايا؟"
زم يوسف شفتيه واكتفى بتحريك رأسه نافياً سؤاله فهتف الآخر حاسماً الأمر:
"يبقى أنا مش هروح في مكان من غيرها."
لم يعلم يوسف ما عليه قوله تلك الأثناء. حاول التفكير معه بصوت عالٍ لعله يصل إلى نقطة ترضيهم:
"وأنا معنديش أي مانع إنكم تقعدوا معانا، ومن دلوقتي أنا متكفل بيكم، بس لو سألتني عن رأيي هقولك أقبل وسافر، هناك هتلاقي ألف فرصة عمرك ما تحلم بربعها هنا، هتلاقي تعليم كويس ونضيف، وهتعيش حياة مرفهة، ولما تكبر إن شاء الله هتلاقي وظيفة تليق بيك وفي سياق دراستك."
طالع يوسف الخارج بحزن وواصل ما لم ينهيه بعد:
"هعطيك مثال يمكن تفهم كلامي، أنا أهو قدامك درست واجتهدت واتخرجت وفي الآخر مش عارف أشتغل في مجال دراستي وبرده القرار في الآخر يرجع ليك، دا مجرد رأي لا أكتر ولا أقل. لو قررت تسافر هبدأ في إجراءات سفرك من النهاردة ولو قررت تقعد هنا فأهلاً بيك أنت ولينة في عيلتنا."
طالع علي الفراغ أمامه وعينيه تتلألأ فيهما العبرات التي تهدد بالسقوط مردداً بنبرة متحشرجة:
"مش عايز أبعد عن لينة، هتبقى لوحدها وأنا مش موجود."
ربت يوسف على كتفه بآسى وحاول التخفيف عنه:
"أختك في أمانتي يا علي، أنت عاشرتني يومين قولي أنت شايفني واحد ميعتمدش عليه وميقدرش يشيل مسؤولية عشان تخاف على أختك معايا؟"
التفت علي برأسه ناظراً إليه وقد سقطت على مقلتيه العبرات التي حاول جاهداً إخفائهم وأردف بمزاج غير سوي:
"مفيش غيرك اللي ساعدنا يا يوسف!"
انعقد حاجبي يوسف تلقائياً متأثراً بحديثه. جذبه من ذراعه وعانقه بقوة فردد علي من بين بكائه:
"هتخلي بالك عليها، مش كدا يا يوسف؟"
تراجع يوسف ليطالعه وأخذ وعداً أمامه:
"أقسم لك إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان متكونش محتاجة لحاجة، وطالما لسه فيا النفس عمري ما هخليها تحس بنقص أبداً، هي بس تشاور وأنا أنفذ قبل ما ترمش، متقلقش يا علي هي هتكون في حمايتي على لما أنت ترجع لينا بالسلامة."
حرك علي رأسه مراراً وتابعا كليهما سفرهما إلى البلدة. نجح يوسف في استعادة جميع أوراقهم وعاد بعلي إلى منزله بعد غياب الشمس.
في غضون عِدة أيام، استطاع يوسف إنهاء جميع الأوراق اللازمة لسفر علي. وقف يشير إليه من بعيد مودعاً إياه، فرت دمعة من عينيه حين اختفى علي خلف باب الطائرة.
عاد يوسف بأدراجه إلى منطقته بعد أن اطمأن بتحليق الطائرة. لم يود مواجهة لينة باكراً كما أنه لم يفضل العودة قبل أن يطمئن بوصول الفتى أولاً.
جلس على مقهى قريبة من منزله ولم يبعد الهاتف عن عينيه ثانية، فلقد أوصى عمه بأن يخبره فور لقائهما. تمر الثوانِ عليه وكأنها دهراً، لا يستطيع التحمل كل هذا الوقت. كاد أن ينهض إلا أن اقتحام صديقه قد منعه حين عاتبه بقوله:
"كل ما أسأل عنك يقولولي مش موجود، أسبوعين بحالهم يا يوسف متسألش عن صاحبك؟"
اعتذر منه يوسف بلهجة مشحونة بالتوتر:
"معلش يا بلال، بس كنت واقع في ظروف انشغلت فيها شوية، هحكيلكها بعدين.."
اعتلى بلال المقعد المجاور له متسائلاً بفضول حول تلك الظروف الغامضة:
"وليه بعدين، أحكي دلوقتي."
سبق يوسف بالرفض فمزاجُه لا يسمح له بالنقاش حالياً:
"لا لا مش النهاردة، مش رايق أتكلم في حاجة."
نهض عن كرسيه تحت نظرات بلال المتعجبة من حالته. توقف عن الحركة حين شعر بإهتزازة هاتفه معلناً عن وصول رسالة، أسرع في فتح هاتفه ليتمعن الرسالة الواردة.
تقوس ثغره بإبتسامة عريضة ناهيك عن شعور الراحة الذي راوده حين رأى صورة علي برفقة عمه. أغلق الهاتف وأعاد وضعه في جيبه ثم التفت إلي بلال الذي مازال يطالعه مندهشاً لما هو عليه.
جلس يوسف حيث كان هاتفاً بنبرة أكثر راحة:
"خلاص هحكيلك، متبصليش كدا."
بادله الآخر ابتسامة عفوية، فبدأ يوسف في قص ما مر به من البداية تحت نظرات بلال المذهولة لما يقع على أذنيه.
انتهى يوسف من الحديث رافعاً كتفيه للأعلى مع زم لشفتيه مردفاً:
"شوفت بقا اللي حصل لصاحبك!"
أخرج بلال تنهيدة مهمومة فلديه هو الآخر نصيباً من المصائب يجهلها يوسف:
"والله يا صاحبي مش عارف أواسيك ولا أنت اللي تواسيني؟"
ضاق يوسف بعينيه عليه متسائلاً بقلق قد تمكن منه:
"عندك إيه أنت كمان؟"
تصدق بلال وهو يقلب عينيه ثم بدأ حديثه بتأفف:
"الصبح لقينا أختي جاية بتعيط، جوزها ابن ال*** مد أيده عليها، من وقتها ودمي محروق وكنت هروح أقتله لولا إن أبويا مانعني إني أتعرض له، ولغاية دلوقتي لسه مهدتش وبتعصب أكتر كل لما أفتكر منظرها."
انتفض يوسف من مكانه فأثار الذعر في نفس بلال وسأله مستفسراً:
"في إيه يابني؟ وقفت فجاءة كدا ليه؟"
بلهجته الحادة التى لا تريد نقاش هتف:
"قوم، هنروح مكان."
نهض بلال عن مقعده وهو يكرر سؤاله الفضولي:
"قولي هنروح فين؟"
"هنروح نجيب حق أختك." هتف بهم يوسف ونبرته لا تبشر بالخير. لحق به بلال وأمسكه من ذراعه مرغماً إياه على التوقف وقال محذراً:
"استنى بس أنت ناوي على إيه، أبويا حذرني مقربش منه، وأكيد لو حصله حاجة أنا اللي هلبسها."
حرر يوسف ذراعه من بين قبضتي صديقه وببرودٍ يشوبه السخرية قام بتوبيخه:
"يا دلوعة أبوك، الراجل ضرب أختك وأنت خايف من أبوك!"
حرك رأسه باستنكار مختلط بالإستهزاء وتابع سيره إلى الأمام. تسببت كلماته في إشعال نيران المروءة لدى بلال الذي احتقن وجهه وفارت دمائه، وعزم على أن يكسر ضلوع شبيه الرجال هذا.
تحرك خلف صديقه بخطوات مهرولة لا يرى أمامه سوى القصاص لشقيقته التى هانها زوجها وألقنها ضرباً مبرحاً بكت بغزارة إثره.
وصلا كليهما إلى البناية التي تعود إلى ذاك الدنئ. كاد بلال أن يهم بالصعود إليه إلا أن يوسف تريث ومنعه فنظر إليه متعجباً من أمره:
"وقفتني ليه؟"
شرح له يوسف خطته بهدوء وهو يتابع المكان من حولهما:
"أكيد مش هنروح نتخانق معاه في بيته، مش عايز حد يشوفنا، إحنا هنستنى لما سيادته يظهر وبعدين هنمشي وراه وأول ما نلاقي فرصة هنعلمه درس يفكر بعده ١٠٠مرة قبل ما يمد ايده على أختك تاني."
كز بلال أسنانه بعصبية فلا يطيق الانتظار حتى يلقن ذاك المعتوه درساً لن ينساه طوال حياته. مر الكثير من الوقت حتى ظهر مرادهم وهو يتغنج بجسده مع تغريداته التى تدل على رونقه وصفوه.
تبعوه إلى حيث يذهب ومن حُسن حظهم أنه ذهب من زقاق جانبي من بين البنايات. استغلوا تلك الفرصة الثمينة وحاصروه، أحدهما قد ظهر له من الأمام والآخر من الخلف لكي لا يمكنه الهروب من بينهما.
اقترب منه يوسف أولاً وعيناه ينطق منهما الشر. لم يبذل مجهوداً في الصراخ عليه فكان دوماً يستعمل أسلوباً مبسطاً لكن الجميع يهابه. هدوء يشوبه التهديد في نبرته أردف وهو يلاصق صدره:
"الإيد اللي تتمد على الحريم متستحقش يتكتب في بطاقتها دكر يا... ربع دكر أنت."
هتف كلمته الأخيرة باستهزاء ثم ضربه برأسه فسقط الآخر أرضاً هاتفاً بحنق:
"أنتوا بتعملوا إيه يا أغبية، أقسم بالله لو ما..."
قاطعه يوسف بنبرة صارمة:
"متقدرش تعمل حاجة، عارف ليه يا قذر أنت؟"
صمت حين جذب انتباهه ثم سحب هاتفه وقام بالعبث فيه لثوانِ وتابع ما لم ينهيه مهدداً بعد أن وضع الهاتف أمام نظري الرجل:
"شايف كل الأسامي دي، كلهم مصادر أمنية ورُتب عالية، أقل واحد فيهم يقدر ينفيك من على وش الدنيا، وأنا متمناش حتى لأعدائي إنهم يتعاملوا معاهم أبدا، لأنهم مش بيحبوا الغلط ولو وقع في أيديهم واحد زيك كدا بيسفروه لفوق، فوق أوي."
ارتاب الرجل تهديد يوسف وسأله بنبرة مرتجفة:
"أنت عايز إيه الوقتي يا يوسف؟"
حاول يوسف منع ضحكاته من التسرب من شفتيه حتى لا تضيع هيبته التي فرضها عليه. أخذ نفساً ليواصل الحوار أمامه على نفس نبرته الحازمة:
"تروح عند مراتك تتأسف لها وتراضيها، وخليك متأكد إنك لو فكرت تعيد عملتك دي تاني أنا مش هجيلك تاني هروح للناس اللي شوفت أساميهم بعينيك وأبعتهملك هما يتعاملوا معاك، وأنت عارف كويس هما هيقدروا يعملوا فيك إيه؟!"
أومأ له بتفهم فانسحب يوسف برفقة بلال الذي انبهر من طريقة صديقه في تهديد الرجل. انتظر بلال حين ابتعدا كليهما قدراً كافياً عنه وهتف معجباً به:
"إيه اللي حصل حالاً دا؟ أنت خرسته ومعتش قدر ينطق بكلمة قدامك، أنت بقيت مهم وأنا معرفش ولا إيه؟"
قهقه يوسف على حديث بلال وعلق ساخراً:
"الموضوع مش زي ما أنت فاكر، دول مجرد صحابي في الجيش كنت مسميهم بألقاب مهمة عشان لو وقعت في موقف يحتاج مساعدة زي اللي إحنا كنا فيه دا."
ضرب بلال كفاً على الآخر لا يصدق أنه افتعل كل ذلك من خلف اكذوبة وضيعة لا يصدقها عقل. عادوا إلى حيث جاءوا فتفاجئ يوسف بهرولة زياد نحوه. وقف أمامه وتحدث فور وصوله بأنفاس لاهثة:
"إلحق لينة يا يوسف.."
"لينة انضربت يا يوسف." هتف بهم زياد بينما انتفض يوسف من مكانه مذعوراً. تحولت ملامحه ولم يستطيع كبح جماح غضبه الذي ظهر في نبرته المنفعلة:
"مين اللي عمل كدا؟"
أخبره زياد من بين أنفاسه اللاهثة بسبب ركضه إليه:
"كنا بنلعب بالكورة قدام البيت مع صحابي، ولينة وهي بتلعب خبطت واحد منهم بالكورة فالتاني اتغاظ منها وضربها بالقلم، بس أنا مسك...."
لم ينتظر يوسف سماع المزيد بعد، فتوجه بخطاه عائداً إلى منزله ووجه يميل إلى الإحمرار من فرط غضبه. تفاجئ بجلوس الفتاة أمام بوابة البناية خاصتهم تبكي.
اتسعت حدقتاها حين رأت يوسف يتقدم منها. نهضت عن مقعدها وهرولت نحوه ثم هتفت وهي تعانق ساقيه:
"متسبنيش تاني.."
ملس يوسف على خصلاتها بحنو، أوصد عينيه لبرهة يحاول استعادة رونقه لكي لا يخيفها بحدته الطاغية الآن. زفيراً قوياً أخرجه على مهل وردد بنبرة أكثر هدوءً:
"مش هسيبك متقلقيش، تعالي معايا."
مد لها يده فاختفت يدها ما أن وضعتها داخل كفه. أغلق عليها يوسف وتقدم إلى الأمام وهو يتسائل عمن فعل ذلك بها:
"مين اللي ضربك فيهم يا لينة؟"
أجابته وهي تشير بإصبعها على فتى ما يلعب على مقربة منهم:
"اللي هناك دا، إسمه أمجد."
حرك يوسف رأسه بتفهم وتابع سيره حتى وصل إلى الفتى. وضع يده على كتفه من الخلف وأرغمه على الالتفاف إليه. ومن بين أسنانه المتلاحمة صاح به بنبرة أرعبته:
"أنت إزاي تمد إيدك عليها؟"
دفع الفتى يد يوسف بعيداً عن كتفه وهتف بعدم احترام:
"هي اللي بدأت ودا عقابي."
رفع يوسف حاجبيه مستاءً من وقاحته. التفت برأسه حيث تقف لينة وأمرها قائلاً:
"اضربيه زي ما ضربك يا لينة.."
تفاجئت لينة بأمره، كذلك تفاجئ الجميع مما يريده يوسف. تدخل بلال محاولاً حل تلك المسألة بقوله:
"إهدى بس يا يوسف دا عيل صغير زيها بالظبط."
أعاد يوسف تكرار ما قاله وكأنه لم يصغِ إلى حرف مما تفوهه صديقه:
"قولتلك اضربيه يا لينة.."
نظرت إليه الفتاة بذهولٍ تام وبتردد كبير رفعت ذراعها. ثم دوت صفعة قوية تركت أثراً على وجه الفتى، الذي احتقن وجهه من الغضب. تراجعت لينة للخلف محتمية في يوسف حين خشيت رد الأذى من الفتى. انتبه الجميع إلى عويل امرأة تتقدم نحوهم بخطى مهرولة:
"مين دا اللي اتجرأ ومد أيده على ابني؟"
تصدى لها يوسف بأعين يتوهج فيهما الشر وأجاب على سؤالها بجمودٍ قاسِ:
"أنا اللي قولتلها تعمل كدا."
تفاجئت المرأة من جرأته الوقحة دون احترام لها، وهتفت بحنجرة غليظة معنفة إياه:
"دا ولد صغير إزاي تخليها تضربه، أنت بتحط عقلك من عقل عيل يا يوسف؟"
حرك رأسه مستنكراً سخريتها التي أنهت بها حديثها. رد عليها بفتورٍ يشوبه التقزز:
"ابنك اللي بدأ بضرب البنت، وعشان كدا أنا اللي خليتها تضربه."
رفعت المرأة حاجبها الأيسر وهي تحدق الفتاة بنظراتها المشتعلة. تمتمت من بين شفتيها ساخرة:
"ومين دي إن شاء الله؟ السفيرة عزيزة وإحنا منعرفش؟"
بثقة عمياء قام بالرد عليها باستهزاء:
"لأ، دي تبقى السفيرة لينة، وطول ما أنا فيا النفس مفيش حاجة تقدر تمسها، سواء كان بسبب ابنك أو غيره!"
أولاها يوسف ظهره وحدق من يتناثرون على النواصي وتابع هتافه محذراً:
"الجميع سواسية واللي اتقال للست عواطف حالاً نفسه اللي ساري على الكل، أنا بحترم الصغير قبل الكبير وعشان كدا أنا عايزكم تحترموا البنت زيها زيي بالظبط، ومن النهاردة هي من عيلتي وأنا مش هسمح أبداً إن يحصلها حاجة، اللهم بلغت."
لم ينتظر يوسف سماع إجابة من أحدهم يكفيه نظراتهم التي تتأجج فيهما الريبة. أمسك بيد الفتاة ثم توجه عائداً إلى منزله، تبعه زياد وهو يسير رافعاً رأسه بعجرفة فخوراً برد أخيه على الجميع. فلن ينكر أن تصرفه سيعود إليه بالإيجاب ولن يقدر أحدهم على التطاول عليه منذ ذلك الحين.
تقدم يوسف برفقة الفتاة إلى المنزل وتوجه نحو الأريكة التى تقربه. جلس أعلاها وأرغم لينة على الوقوف أمامه وبنبرة واثقة حثها على عدم الخوف بعدما رفع رأسها المنحنية إلى الأعلى وأردف:
"متحنيش راسك تاني يا لينة، مكانها يبقى مرفوع كدا دايماً، اوعديني إنها تفضل مرفوعة مهما شوفتي ومر عليكي."
ابتلعت لعابها ورمقت أهدابه الكثيفة التي تحيط بعينيه البنية لبرهة قبل أن تسترسل بنبرة واثقة:
"أوعدك إني مش هحنيها تاني خالص."
التوى ثغر يوسف للجانب فظهرت غمازته التي انتبهت عليها لينة، مشكلاً ابتسامة سعيدة عذبة وهو يرفع كفه لها:
"كفك يا لولي."
ابتهجت لينة من ذلك اللقب الفريد من نوعه، فكان أول من ناداها بدلال بذلك الإسم. رفعت ذراعها اليُمنى وقامت بصفع كفها الصغير في كفه المرفوع فهتف يوسف ممازحاً:
"Good girl."
اختفت ابتسامة الفتاة تدريجياً وهي تجول بنظريها في المكان متسائلة بقلق:
"علي فين؟ هو مرجعش معاك ليه؟ أنا مشوفتوش خالص من وقت ما كنا تحت.."
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الرابع 4 - بقلم تسنيم المرشدي
حل السكون بين الجميع. لقد حانت اللحظة التي يخشاها يوسف. يجدر عليه أن يأتي برد في الحال. مرر يوسف أنظاره بين الواقفين فاستشف تأثر والدته بموقفه. حتماً تشعر بما يجول في خاطره تلك اللحظة.
قطع ذلك الصمت يوسف باسترساله المتوتر من ردة فعلها:
"علي مشى."
قطبت جبينها فلم يعي عقلها الصغير تفسير معنى رحيله وهتفت متسائلة ببراءة:
"مشى فين؟"
نهض يوسف عن مقعده فحركت لينة رأسها عفوياً معه. حمحم قبل أن يردف موضحاً لها بنبرة مهزوزة:
"سافر. سافر عند عمكم."
تجهمت ملامحها تدريجياً حين استشعرت حقيقة ما قد قيل. وقبل أن تثور بطفولة لفظت سؤالها بنبرة تهدد بالبكاء التي تحاول كتمه:
"سافر وسابني؟"
زم يوسف شفتاه ولم يقدر على مواجهة عينيها التي لم تُرفع من عليه في انتظار إجابة صريحة منه. اقتربت منها السيدة ميمي حين شعرت بوضع ولدها الذي لا يحسد عليه. حاولت التدخل والتخفيف من عليه. جلست على الأريكة وجذبت الفتاة من ذراعها قبل أن تردف كلماتها الحنونة:
"في حاجات مينفعش نسأل فيها. هو نصيب مقدر من ربنا ولازم نرضى بيه. أنا عارفة إنك كبيرة وعاقلة وأكيد فاهمة معنى كلامي. وعارفة كمان إنك مصدومة ومتفاجئة من الحياة اللي اتشقلب حالها بين يوم وليلة. بس بصي كدا حواليكي. هتلاقي كتير بيتمنوا سعادتك وإنهم يشوفوا ضحكتك. أنا أهو ويوسف وزياد كمان. كلنا جانبك ومش هنسمح أبداً إنه يحصلك أي حاجة وحشة طول ما إحنا فينا النفس."
فرت دمعة خفية من عيناي لينة فرفعت ميمي يدها ومسحتها على الفور بأناملها. شكلت بسمة على ثغرها فظهرت بعض الكرمشة في وجهها وقالت:
"من هنا ورايح تناديني بماما زي يوسف وزياد."
شعر يوسف بأن وقته قد حان للتحدث. ابتلع ريقه ورتب كلماته قبل أن يسترسل بصوته الرخيم:
"وكمان تقدري تعتبرينا إخواتك. إحنا هنا في خدمة السفيرة لينة."
التفت يوسف برأسه حيث يقف زياد وحثه على تأكيد حديثه:
"مش كدا برده يا زياد؟"
وزع زياد أنظاره بين يوسف ولينة وداخله يرفض البتة اعتبارها شقيقته. فهي في الأساس ليست كذلك. كيف وهي فقط دخيلة؟ كيف سيرغم عقله على الإقتناع بهذا الهراء؟
اتسعت حدقتي يوسف موحياً إليه بالتحدث لكنه لم يأبى لما يريده يوسف فعله. تقدم ناحيتهم وقال بحدة باغتة وهو يرمق لينة بطرف عينيه:
"لأ دي مش أختى. ومش هعتبرها كدا أبدا."
فر هارباً إلى غرفته ما أن أنهى جملته. تفاجئ يوسف والسيدة ميمي بتصرفه الغريب. فلم يجدوا له تفسير واضح. تنهد يوسف مستاءً فموقف شقيقه قد ضاعف للوضع تعقيداً. فكيف سيطالبه بما كان يجول في خاطره الآن بعد رفضه الصريح لقبول الفتاة؟
لم تكترث لينة كثيراً لكلمات زياد. فيوجد ما يشغل عقلها ويلهيها عن التفكير في شأن آخر. كادت أن تهم السيدة ميمي خلف صغيرها إلا أن يوسف ألحق بها بقوله وعينيه معلقة على باب غرفة أخيه:
"خليكي أنتِ يا أمي مع لينة. أنا هتكلم معاه."
توجه بخطاه اتجاه غرفة زياد ثم طرق بابه وولج إليه قبل أن يسمح له الآخر. لم يتفاجئ زياد من وجوده. فهو كان يعد داخله في انتظار مجيئه المعتاد. توقف عند الحادية عشر حين رأى يوسف أمامه وأسبق بالحديث لينهي أي توبيخ قد يمسه:
"قبل ما تزعق سـ..."
قاطعه يوسف بنبرة عكس التي كان يتوقعها زيادة. كانت أكثر هدوءًا ورزانة:
"قبولك بيها أو رفضك ميهمنيش. كل اللي يهمني إنك تحترمها ومتفكرش تطاول عليها ودا أنا واثق منه. أنا متأكد إنك راجل وهتقدر تشيل مسؤوليتها وقت غيابي زي ما أنا متأكد إنك هتحميها سواء كنت موجود أو لأ. بس فيه حاجة كنت عايز أقولهالك.."
لم تهتز لزياد خصلة بل ظل يطالعه منتظراً مواصلة حديثه ببرود. هرب يوسف بعينيه بعيداً عنه وعرض طلبه قائلاً:
"الأوضة دي لازم نسيبها لـ لينة."
صعق زياد وحملق به مذهولاً من قراره المفاجئ. لم يخضع بسهولة وصاح عالياً مبدياً رفضه:
"إيه؟ ليه إن شاءالله؟ سيب لها أوضتك أنت. ليه مفكرتش في كدا؟"
لم يعرف يوسف أن تفكير شقيقه ساذج إلى ذلك الحد. وليكن ليوضح له حقيقة ما يتعمد التغافل عنه:
"يمكن لأن أوضتي مساحتها أكبر من أوضتك فنقدر ننام فيها إحنا الاتنين مرتاحين. إنما أوضتك أخداك بالعافية."
برفض واضح في لهجته هتف زياد:
"قولتلك لأ. مش هسيبها لحد."
على ما يبدوا أن التهاون لن يجدي نفعاً مع ذلك العنيد. عليه وضعه أمام الأمر الواقع حينذاك لن يقدر على معارضته. تنهد يوسف وببرودٍ يشوبه الأمر أردف بلهجة صارمة:
"لم حاجتك بسرعة عشان الليلة دي لينة تنام في أوضتها الجديدة."
كاد زياد أن يعيد رفضه إلا أن يوسف منعه بحركه من إصبعه محذراً:
"خلصنا يا زياد."
أولاه ظهره وخرج من الغرفة تاركاً الآخر يثور غضباً بسبب أمره الحاسم. ضرب زياد قدميه في الأرض بتذمر شديد وبعناد نظر أمامه وتمتم بغيظ:
"والله لتشوف أنا هعمل فيها إيه."
خرج من شروده وبدأ في لملمة جميع أشيائه الخاصة وهو يتأفف من حين لآخر. ناهيك عن توعده المستمر للفتاة. في الخارج بحث يوسف عن والدته والصغيرة فلم يراهن حيث تركهن.
أنتبه إلى ضجة محدثة يأتي أثرها من المطبخ فتوجه نحوه لكن قدماه قد توقفت من تلقاء نفسها حين وقع على مسامعه نحيب الفتاة الذي يتسلل من غرفة والدته. تراجع للخلف برأسه ناظراً داخل الغرفة فإذا بها جالسه على الفراش مكورة في نفسها تعانق دميتها وتبكي بألم واضح.
لم يتردد في الدخول إليها فتفاجئت به ومسحت عبراتها على الفور. تابع يوسف تقدمه منها إلى أن جلس مقابلها. بهدوءٍ في نبرته سألها:
"بتعيطي ليه يا لينة؟ مش إحنا اتكلمنا برا وقولنا إننا عيلتك الجديدة. رجعتي تعيطي تاني ليه بقى؟"
لم تجيبه بل فضلت عدم الرد فهي محرجة منه. حاول يوسف اختراق ذلك الحاجز الذي شكلته بصمتها فلم يوجد أفضل من الدُمية لكي يتحدث عنها:
"عروستك جميلة. مين اللي جبهالك؟"
رفعت رأسها بتهمل ورمقته بأعين لامعة. مرت ثانيتين قبل أن تخبره مختصرة بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
"أحمد."
زم يوسف شفتيه بتأثر. وبعد لحظات أنتبه على صوت من خلفه فالتفت برأسه يعلم هوية الدخيل فإذا به والدته. بوجه بشوش قالت:
"إحنا جمعنا اللي قدرنا عليه من الأوضة. هنكمل بكرة إن شاء الله."
بادلها يوسف إبتسامة عذبة وعاد بأنظاره إلى لينة وبأمر قال وهو يمد يده لها:
"تعالي ورايا يا لينة."
بعد تردد أمسكت يده وخرجت برفقته دون علم لها بوجهته. وقفوا على باب غرفة زياد الذي خرج حاملاً لحقيبة ظهره والغضب لا غيره مرسوم على تقاسيمه. تعمد لكزها بكتفه ربما يقلل هذا شعور الغيرة داخله.
لم تعقب لينة على فعلته. لكنها تابعت بنظراتها هرولته الغاضبة إلى غرفة يوسف. رفعت بصرها على يوسف وسألته بفضول:
"هو ماله؟ مضايق كدا ليه؟"
فعل يوسف حركة برأسه تعني لا أن تكترث له. ولج الغرفة وطالع الخزانة التي باتت خالية ثم استدار إليها وأردف بنبرته الرخيمة:
"هاتي شنطتك ووضبي دولابك. دي بقت أوضتك خلاص. أعملي فيها اللي تحبيه ويريحك."
تفاجئت لينة بما قاله. الآن فهمت سبب ثورة زياد. تراجعت للخلف قليلاً وهتفت رافضة:
"لأ دي أوضة زياد. وأنا مش عايزة أخدها منه. أنا هنام مع ماما ميمي في أوضتها."
حرك يوسف رأسه رافضاً ما تقوله وأوضح لها قائلاً:
"متهتميش لزياد هو هياخد وقته ويرجع لطبيعته تاني. تاني حاجة أنتِ بنوتة وليكي خصوصية مختلفة عن اللي اتعودنا إحنا عليه. عشان كدا لازم يكون ليكي أوضة لوحدك. فهمتي ليه لازم تاخديها؟"
أماءت له متفهمة فربت هو على كتفها مشجعاً إياها:
"طيب يلا وضبي دولابك."
توجهت أنظارها إلى الخزانة وكأن طاقتها على توضيبها معدومة. استشف يوسف ما يوجد خلف نظراتها وأراد مساعدتها فهتف بمرح:
"تحبي أساعدك يا لولي؟"
أماءت له بخجل. ثم أخبرها يوسف بإحضار حقيبتها. عادت إليه بعد ثوانٍ معدودة ثم فتحتها وقامت بإخراج بعض الفساتين لتعلقها في الخزانة. كذلك فعل يوسف وساعدها في وضع بقية الثياب داخل الخزانة.
كان يبتسم من حين لآخر حين يقابله فستان وردي فهو يفضل ذلك اللون في ثياب الفتيات الصغيرات. حمحم وأبدى إعجابه معلقاً:
"أكيد اللون دا بيكون حلو عليكي."
أجابته بمشاغبة وهي تتابع ما تفعله:
"لأ لون عادي يعني. أنت بتحبه؟"
أكد على سؤاله بقوله:
"بحسه لايق أكتر على البنات عن أي لون تاني."
لم تعقب على حديثه فتعجب يوسف من صمتها لكنه لم يعلق أيضاً. كاد أن يسحب ثياب أخرى لكنه تفاجئ ببعض القطع الخاصة فتراجع للخ خلف دون أن يطيل النظر إليهم وهتف بحرج:
"معتش فيه كتير. وضبيهم أنتِ وأنا هكلم واحد صاحبي. لو احتجتي لحاجة أنا في أوضتي نادي عليا."
"ماشي."
أجابته مختصرة فخرج على الفور وعاد إلي غرفته. لم يتفاجئ من تذمر زياد وحالته المذرية. سيعتاد لا يملك سوى ذلك. تجاهله يوسف لكي لا ينشب شجاراً بينهما وتوجه إلى فراشه. اعتلى طرفه ثم شعر بإهتزازة هاتفه فقام بالرد على صديقه:
"عايز إيه. مكتفتش مني؟"
تشدق بلال بفمه متهكما لتلك الثقة التي يحادثه بها يوسف ورد عليه ساخراً:
"طبعاً. أصل أنا واقع في حبك."
حرك رأسه مستنكراً وتابع بلهجته الساخرة:
"أنت مشيت قبل ما تفهمني إيه اللي أنت عملته تحت دا. تطلع مين البنت دي عشان تقف قدام أهل منطقتك عشانها يا يوسف؟"
تنهد يوسف مستاءً وهو يقلب عينيه. وأجابه بجمود:
"لو كنت شوفت اللي أنا عيشته كنت هتعرف أنا مهتم بيها كدا ليه. أخوها اتقتل قدامي. ووالدتها ماتت برده قدامي وغير سفر توأمها. كل دا مش سهل أبداً عليها."
"بحاول أعمل أي حاجة يمكن دا يعوض لها ولو جزء بسيط من اللي راح منها. ودا مش هيحصل طول ما أنا مش بشتغل. لازم ألاقي شغل بسرعة عشان أعرف أقدم لها في المدرسة. كفاية اللي فاتها لغاية دلوقتي."
أخرج يوسف تنهيدة أخرى مهمومة فالأمور ليست في صالحه. ولا يعلم كم الوقت سيستغرق لكي يجد عملاً. أنتبه إلى صديقه حين قال:
"أبويا كان محتاج واحد يقف عنده في معرض العربيات بتاعه. روح له هناك بكرة. الشغل بتاعك من دلوقتي."
اتسعت حدقتي يوسف وانتفض من مكانه بسعادة عارمة. كاد أن يهلل فرحاً إلا أنه تريث. ضبط من نبرته فباتت غير مبالية وأردف:
"بس لازم تعرف أبوك الأول يمكن يكون حاطط مواصفات معينة للي عايزه يقف عنده."
هتف بلال بثقة ملحاً:
"قولتلك الشغل بتاعك من دلوقتي. متزيدش في الكلام. يلا أشوفك بكرة."
أنهى بلال المكالمة وزفر أنفاسه براحة. بالكاد استطاع قول كلمتين وهو يكذب. عليه الآن التفكير جيداً في كيفية إخبار والده بذلك فهو حاد الطباع ويكره أن يجبره أحداً على أمر.
ألقى يوسف الهاتف على الفراش والسعادة قد غمرت قلبه. شعر بأن الله يرضيه لانه تكفل بالفتاة. إلتوى ثغره للجانب بسعادة وقام بخلع ثيابه واكتفى ببنطال قطني يريحه. استلقى على الفراش لعله يذهب في النوم. لكن هيهات لسعادته التى تقطع أي سيبل للنوم.
لم يشعر بالضجر تلك المرة بسبب عدم نومه بسهولة. فهناك أمراً يستحق ذلك. لم يشعر بعينين أخيه التي تطالعه بغيظ شديد فهو إلى الأن لم يهضم فكرة سحب غرفته من تحت يديه ولا يحق له الرفض فلقد قرر يوسف وأمر بالتنفيذ.
تجمعت بعض الطيور المتفرقة في مجموعات حتى باتوا في سِرب يجذب الناظرين إليهم. رفع بصره إلى السماء فاذا بالسواد قد اختلط بزُرقتها إثر الطيور المحلقة أسفلها.
أخذ شهيقاً عميق وهو موصد العينين، شاعراً بتلك البرودة التي تخللت أنفه. فالوقت مازال باكراً. لقد أدى فريضة الفجر. ولم يشعر بالنعاس لطالما يتدفق الحماس في الأدرينالين خاصته.
لم يبذل مجهوداً حتى واستطاع إيجاد فرصة عمل لن تتكرر مرة أخرى بفضل صديقه. هو على علم جيد بمستواهم المادي. ويدرك أن الحياة ستصبخ أفضل أمامه ما أن أتقن تلك الوظيفة. ناهيك عن حبه الشديد للسيارات النادرة التي يعمل بها والد "بلال".
أخرج زفيراً ثم ظهرت ابتسامة عفوية على محياه لتلك الفرصة الثمينة. تنهد وأخذ يستدير بجسده ودخل من شرفة غرفته التي قام بغلق بابها حتى لا يقلق أخيه.
صغى إلى صوتٍ ما في الخارج فتعجب. فليس من المعتاد استيقاظ أحدهم في ذلك الوقت خصيصاً أن ميعاد صف أخيه لم يحين بعد. قرر الخروج ومعرفة مصدر الصوت لعل أحدهم بحاجة إلى مساعدة.
أنتبه على عودة الصغيرة إلى غرفتها حاملة بيدها زجاجة ماء. تنهد براحة وكاد أن يعود إلى غرفته إلا أنه تريث حين سمع همهمات مصدرة من غرفة "لينة". شعر بالغرابة حيال ذلك فهو يعلم أنه لا يوجد معها أحد. مع من تتحدث إذاً؟
اقترب بخُطاه إلى الغرفة دون أن يصدر ضجيجاً عالياً. توقف أمام بابها وألقى أذنيه باتجاه الباب. تحولت تعابيره إلى التعجب البالغ حين كُشف أمر الهمهمات وبات يسمعها بوضوح وهي تدندن بصوتها الطفولي. لكنه كان أكثر جُرأة. وجمالاً. نبرتها تأسر قلبه كلما أطال الإستمتاع إلى كلماتها وكأن في صوتها آلة تعزف بمفردها.
بعفوية مفرطة تشكلت إبتسامة سعيدة على ثغره. عاد إلى غرفته غير مصدق أنها تمتلك حنجرة ذهبية متميزة كالذي سمعها قبل قليل. بدل ثيابه بعد أن أدى فريضة الشروق فكان يوسف حريصاً على ألا يفوت أي صلاة.
خرج والحماس دون غيره يتغلغل داخله بكثرة. لم ينتظر استيقاظ الآخرين ورحل من المنزل. فهو لا يطيق الإنتظار حتى يبدأ في عمله الجديد.
استيقظ "بلال" باكراً اليوم على غير عادته. فمعروف عنه الكسل وعدم الإلتزام بأي مواعيد خصيصاً لو كان الوقت مبكراً. آثار فضول عائلته حين رآوه يخرج من غرفته يصيح من مكانه:
"صباح الخير."
أجاباه والديه في آن واحد:
"صباح الخير يا بلال."
اقتربت منه والدته عاقدة حاجبيها بغرابة وقلق وسألته وهي تتحسس جبينه:
"أنت كويس يا حبيبي. حاسس بتعب؟"
ضاق بلال بعينيه متعجباً من أمرها. تراجع للخلف وهو يجيبها:
"أنا كويس. بتسألي ليه؟"
أخبرته وهي تطالعه مستاءة من تصرفاته:
"صاحي بدري النهاردة. مش عادتك يعني فاستغربت!"
أماء برأسه وردد موضحاً سبب استيقاظه مبكراً:
"كنت عايز ألحق بابا قبل ما يروح الشغل. عايز أتكلم معاه في حاجة."
أتاه صوت والده من الخلف متسائلاً بفضول:
"وإيه هي الحاجة اللي خليتك تقوم من بدري كدا؟"
قلب بلال عينيه بضجر. فهما يعطيان الأمور أكبر من حجمها. أخرج زفيراً وتوجه ناحية والده الذي ترأس طاولة الطعام للتو. جلس بجواره ولا يعلم كيفية البدء فيما يريد التحدث به معه.
الأمر بات صعباً حين واجهه وجهاً لوجه. حاول الإسترخاء فالأمر لا يحتاج كل ذلك التوتر. حمحم ورفع نظريه على والده فتفاجئ بانتظاره لقول ما يريد. شجع نفسه وهدأ من روعه وقال بلهجة سريعة:
"عايز منك خدمة صغيرة. تشوف ليوسف أي شغل عندك في المعرض."
أظهر والده مدى استيائه من الأمر حيث هتف بتهكم:
"والله يابني أنا عندي عمالة زايدة. لو عايز منهم شوية خد مش هبخل عليك."
تفاجئ بلال برد والده الذي ألجم عقله ولسانه. فهذا ليس بوقت رفض لقد وعد صديقه وعليه أن يفي بوعده. تنهد وحاول استعطاف والده متوسلاً:
"عشان خاطري يا بابا شوف له أي شغل بسرعة. أنا وعدته إني هشغله عندك. ومش عايز أبان صغير قدامه ومش قد كلامي."
ترك والده الخبز من يده، فارت الدماء في عروقه بغضب ثم التفت إلى الجانب مطالعاً بلال شزراً. لم يمنع صوته الذي كاد أن يسحقه من شدته:
"نعم. قولت إيه؟ وعدته! وأنت إزاي تعمل حاجة زي دي من غير ما ترجع لي؟"
صاح بهم السيد سمير بينما تدخلت الأم في محاولة منها على تهدئة الأجواء المشحونة بقولها:
"إهدى يا سمير مش كدا. بعدين ضغطك يعلى وإحنا في غنى عنه ياخويا."
طالعها بغيظ عارم وعاد لهتافه بتزمجر:
"أنتِ مش سامعة إبنك بيقول إيه؟!"
ربتت على ذراعه وتابعت مسترسلة بحكمة:
"إهدى بس وأكيد هنلاقي حل. أنت مش كنت مش قولتلي قبل كدا إن في واحد عندك تعب وطلب إجازة لمدة شهر. يعني في مكان فاضي. قصدي يعني إنك محتاج فعلاً ليوسف على الأقل الفترة دي."
اعترض سمير بتجهم وعبوس:
"وإيه اللي هيحصل بعد ما الشهر بعدي؟ هتصرف إزاي أنا مع الإتنين وقتها؟"
نظرت إلى الأمام حيث ولدها ورمقته بنظرات معاتبة. أخذت نفساً قبل أن تعود بنظريها إلى زوجها مجيبة إياه:
"أنت متعرفش بكرة فيه إيه. يمكن شغل يوسف ميعجبكش ويبقى ليك عذرك لو رفدته. أو مثلاً ممكن التاني ميجيش من أساسه."
ضاق بعينيه عليها مستاءً من تفكيرها المحدود الذي لم يقنعه فهتفت هي لتنهي الحوار:
"سيبها أنت بس على ربنا وهي هتتحل. إحنا منعرفش بكرة مخبي لنا إيه."
تدخل بلال مؤكداً لحديث والدته:
"أيوة يا بابا. الله أعلم بكرة إيه اللي ممكن يحصل. وافق يا بابا بالله عليك ومتصغرنيش."
بعد تفكير طال حسم سمير رأيه في الأمر وأدلى به قائلاً:
"قوله يجي النهاردة يقابلني."
فغر بلال فاهه بسعادة مفرطة فتابع والده حديثه محذراً:
"بس لو شغله معجبنيش مش هقول صاحبك وهمشيه. تمام؟!"
أماء له بلال وردد ببلاهة:
"اللي تشوفه يا بابا."
نهض عن كرسيه بسرعة قصوة فصاحت والدته متسائلة:
"مش هتفطر يا حبيبي؟"
هلل عالياً وهو يعود إلى غرفته:
"لأ. مش دلوقتي بعد ما أصحى."
حركت والدته رأسها مستنكرة تصرفاته الخرقاء. قطع حبال أفكارها قول زوجها:
"عاجبك تصرفاته دي؟ دا منظر واحد عنده ٢٣ سنة؟ دا بيتصرف كأنه مراهق عبيط مش عارف يشيل مسؤولية نفسه حتى. فاكر إني هعيش له كتير وبيتكل عليا بالجامد من غير ما يخاف ويفكر إني في يوم مش هكون موجود."
أسرعت زوجته مستنكرة حديثه الذي سبب الحزن لقلبها:
"ربنا يبارك في عمرك. متقولش كدا تاني. أنا مش بقدر أسمع الكلام دا."
أوصدت عينيها لبرهة ثم تابعت ما لم تنهيه:
"هو بس بيدلع عليك لأنه الولد الوحيد على البنتين. متزعلش نفسك والأمور هتمشي زي ما أنت عايز. أدعي له أنت بس بالهداية. أنت أب يعني دعاك مستجاب."
بنبرة أهدى عن ذي قبل دعى سمير قائلاً:
"ربنا يهديه يارب."
تراجع بكرسيه للخلف ثم نهض عنه متمتماً:
"ربنا يديم علينا نعمته."
رافقته زوجته إلى الباب. أنهى ارتداء حذائه وأمرها قبل أن يرحل:
"متسيبهوش يطول في النوم يا شهيرة. نص ساعة وصحيه. خليه يجي لي المعرض."
أماءت له بقبول ودعت له بقلبٍ حنون:
"ماشي. ربنا يستر طريقك يارب."
أغلقت الباب ما أن اختفى خلف درجات السُلم وعادت للبدء في أعمالها المنزلية كالمعتاد.
كان يجلس أمام معرض السيارات في انتظار وصول والد بلال. فلم يريد الدخول قبل منه. بعد إنتظار طال لوقت، وصل السيد سمير بسيارته الفاخرة ( مرسيدس ). فهو رجل عاشق للسيارات والدراجات الغير معروفة إلا لديه. لقد نجح في بناء إسماً مميزاً له في تجارة السيارات.
أستقام يوسف من جلسته وبقامة منتصبة انتظر قرب سمير نحوه. رحب به بحفاوة مبالغة وهو يصافحه بود:
"إزيك يا يوسف."
"الحمد لله. إزاي حضرتك يا عمي."
هتف بها يوسف بمزيج من الخجل والحماس. بينما ردد السيد سمير:
"بخير الحمد لله."
ولج سمير بقامته المنتصبة إلى مكانه برفقة يوسف التي وقعت عليه الأنظار متسائلين من هذا؟
فمن يريد مقابلة سمير يأخذ موعداً قبلها بفترة حتى يتمكن من رؤيته. فمن يكون ذلك الشاب الذي نال شرف مرافقته كتفاً بكتف؟
ولج سمير مكتبه الزجاجي الذي يشاهد منه ما يدور في المكان بكل سهولة. نظر خلسة إلى الشاشة الكائنة أمامه، والتي تُجمِع كاميرات المكان. عاد بنظره إلى يوسف وسأله بلُطف:
"تحب تشرب إيه. شاي، قهوة، ولا حاجة تانية؟"
أسرع يوسف في الرد عليه بحرج بائن:
"شكراً يا عمي. مش عايز أشرب حاجة."
أصر سمير علي شربه لشيء فقال يوسف تحت ضغط:
"الشاي يكون كويس."
أمر سمير عامله بإحضار كوبان من الشاي لهما ثم حل الصمت الذي ارتبك يوسف إثره. ابتلع ريقه وحاول فتح معه أي مناقشة لكن دون جدوى. لا يدرى ماذا أصابه؟ ربما هدوء الرجل السبب في حالته.
خرج سمير عن صمته هاتفاً بهدوء يشوبه البرود:
"بلال قالي أنك محتاج شغل. وأنا فعلاً محتاج لشاب يعرف يتعامل كويس مع الزباين. أول حاجة لازم تقعد مع عبد الرحمن. هو اللي بيستلم العربيات من برا وعنده خلفية كبيرة عن أنواع العربيات ومميزاتها وكل حاجة تقريباً عنها. لازم تعرفهم وتحفظهم كويس عشان أنت اللي هتعرف المشتري بكل اللي يخص العربية اللي يختارها. فهمت؟"
اكتفى يوسف بإيماءة من رأسه. فلم يريد أن يجادله فمن الممكن أن يستهزء به إن أخبره بمعلوماته الكافية عن السيارات وأنواعها وكذلك مميزات كلٌّ على حِدَة. نهض عن مقعده حين حضر عبد الرحمن الذي لبى نداء مديره على الفور. وجه سمير حديثه إليه بنبرة عملية:
"يوسف زميلك هنا لسه متعين جديد. عايزك تعلمه كل اللي يخص العربيات عشان يبدأ شغله بسرعة."
أوماء عبد الرحمن برأسه مراراً وأجابه بلُطف:
"تمام."
وجه نظره على يوسف وبإبتسامة هادئة هتف:
"تعالى معايا."
تبعه يوسف بعد أن استأذن من سمير. كان يحدج بالسيارات الفخمة الكائنة في المكان بحماس مختلط باللهفة لتجربة إحداهما. إلتوى ثغره للجانب بتهكم. فهل من الممكن تجربتهم حقاً؟
أنتبه على صوت عبد الرحمن حين أشار إلى إحدى السيارات وبدأ يشرح له مواصفاتها وبعض المميزات التي تمتلكها السيارة. أخطأ عبد الرحمن من بين شرحه فعقب يوسف معدلاً على خطئه.
نظر له عبد الرحمن بتهكم وردد ساخراً:
"أنت عايز تعرفني إنك عارف في العربية دي؟"
شعر يوسف بالإهانة من خلف كلماته وبإستياء واضح بدأ يشير إلي بعض السيارات المتفرقة عن بعضها ويخبره كل ما يخصها بطلاقة وأسلوب سلِس. انبهر عبد الرحمن به للغاية. من الأقلاء أن يرى أحدهم يهتم لتلك السيارات الفاخرة. فمن ينظر إليها ويقوم بشرائها من رجال الأعمال ذو المكانة الاقتصادية المرموقة.
حمحم عبد الرحمن بحرج وأبدى إعجابه به قائلاً:
"طيب أنت كدا مش محتاج لمساعدة. ارجع للحاج سمير وعرفه إنك جاهز تبدأ في الشغل من الوقتي."
دنى منه عبد الرحمن وهمس إليه بقُرب أذنه:
"ومتقلقش مش هقول في حقك كلمة وحشة لو سألني عنك."
تراجع عبد الرحمن للخلف وغمز إليه بعينه اليُمنى. ثم عاد إلى عمله. بينما صعد يوسف إلى مكتب السيد سمير لكي يخبره بأنه جاهز لتولي الوظيفة. تفاجئ سمير بعودته بتلك السرعة وسأله مستفسراً:
"فيه حاجة صعبة عليك؟"
استنكر يوسف سوء ظنهم به. لكنه حاول أن يكون أكثر لطافة فأردف مجيباً إياه:
"لأ. بس أستاذ عبد الرحمن قالي أعرفك إني جاهز أشتغل من الوقتي."
قطب سمير جبينه بعدم تصديق وردد مستنكراً حديثه:
"بالسرعة دي قدرت تحفظ اللي المفروض تعمله؟"
أستقام يوسف في وقفته حيث بات أكثر انتصاباً وبثقة تملكت منه قال:
"لو حضرتك مش مصدقني. تقدر تكلم أستاذ عبد الرحمن بنفسه يقولك."
"أكيد هكلمه. أنتوا بتهزروا؟!"
هتف بهم سمير وهو يهاتف عبد الرحمن الذي أجابه على الفور. فقام سمير بسؤاله بطريقة غير مباشرة عن يوسف. رُفع حاجبيه تلقائياً حين تلقى الرد الذي فاجئه. تنهد يوسف براحة حين تأكد من خلف ملامحه أنه سينال تلك الوظيفة حتماً.
تقوس ثغره ببسمة لم تتعدى شفاه حين أعاد السيد سمير الهاتف إلى مكانه ونظر إليه وأردف بعمليه:
"مبروك عليك يا يوسف ياريت متخذلنيش. أنا بثق في عبد الرحمن جداً ومش هشكك في اللي قالوا عنك. بس أنا عايز أشوف الكلام دا بعيني."
اتسع ثغر يوسف بإبتسامة هادئة لا تشبه الحماس الذي نشب داخله وأردف:
"إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا عمي."
حرك سمير رأسه وأشار بيُمناه إلى الباب مردداً بنبرة حازمة:
"ودلوقتي تقدر تبدأ في شغلك."
اكتفى يوسف بإيماءة من رأسه ثم أولاه ظهره وغادر مكتبه. وقف بقُرب سيارته المحببة إلى قلبه. كم آراد امتلاكها وبشدة. شعر لوهلة أنه اقترب من تحقيق هذا الحلم. فاليوم هو يقف بجوارها وغداً حتماً سيكون سائقها.
أنتبه على دخول صديقه بلال الذي هلل متباهياً بصديقه:
"حلال عليك الشغل الجديد."
غمز له وواصل ممازحاً:
"ألا قولي. بيعت كام عربية لغاية الوقتي؟"
لكزه يوسف في ذراعه بقوة وهو يهاجمه مستاءً:
"بيع إيه اللي بتتكلم عنه. أنا لسه مستلم الشغل حالاً."
نظر كليهما إلى الأعلى حين جذب انتباههم صوت سمير من نافذته الزجاجية:
"بلال. سيب يوسف في حاله وتعالى عايزك."
مال بلال على يوسف وهمس له بضجر زائف:
"لو كنت فاكر إنك ممكن تلعب أو تكسل هنا. فأنا بعرفك أهو. الراجل اللي فوق دا مش بيحب كدا أبداً."
دفعه يوسف بعيداً عنه وصاح فيه بتهم:
"اللعب والكسل بيجوا لما أنت تيجي يا بلال. وأكيد لما أنت تمشي هما هيمشوا معاك."
اتسعت حدقتي بلال على رد صديقه الذي أفحمه. لم يعلم للرد سبيل. اكتفى برمقه بذهول. بينما عاود والده ندائه مرة أخرى بانفعال:
"بلال قولتلك سيب يوسف في حاله وتعالى عندي."
تقوس ثغر يوسف بإبتسامة عريضة وطالع بلال بتشفي. فلم يرضى بلال نظراته المتشفية به وهتف بأمر:
"يلا. ارجع لشغلك يا موظف ومتلعبش."
حرك يوسف رأسه مراراً بينما صعد الآخر إلى والده الذي وبخه بقوله:
"مش فالح غير في توظيف الناس عندي. لكن مبتبصش لنفسك يمكن تشغلها هي كمان. أنت معندكش دم؟ جحش في عمرك ولغاية دلوقتي بياخد مصروف من أبوه من غير ما يتكسف على دمه!"
كاد بلال أن يبدي تزمره كسابق مراته إلا أن والده ألحق به وتابع بنبرة صارمة:
"بس أنا صبرت عليك كتير. ومش هقف أتفرج عليك أكتر من كدا من غير ما أعمل حاجة. من هنا ورايح رجلك على رجلي في أي مكان أروحه ومش هتمشي من هنا قبل ما أنا أمشي. مفهوم؟!"
حمحم بلال وفغر فاهه ليعقب على ما قيل لكن والده قد أشار له بالتوقف. تعجب بلال من شرود أبيه في نافذته وتقدم نحوه حتى يعلم سر ما جذب انتباهه. تفاجئ بصديقه يوسف يتشارك الضحك مع أحد المشترين فظل يتابع مع والده مع ما يحدث في صمت.
تشدق بلال بفمه للجانب مشكلاً إبتسامة إعجاب حين قام الرجل بشراء السيارة دون مجهود كبير من يوسف مثلما يفعل غيره من العاملين. لم يشعر بنفسه سوى وهو يردد عالياً بفخر:
"قولتلك حلال عليك يابني والله."
التفت يوسف برأسه ناحية بلال وأظهر ابتسامة هادئة على محياه عكس المشاعر المضطربة التي اجتاحته. عاد برأسه إلى الرجل الذي دس يده في جيبه وأخرج منه نقوداً ثم صافح يوسف مردداً:
"دول علشانك."
رفض يوسف أخذ المال. وتراجع عدة خطوات للخلف. خشية أن يُساء فِهمه من قِبل السيد سمير. قطب الرجل حاجبيه بغرابة فلم يرفض عامل مثله نقود من قبل. رفع رأسه وصاح موجهاً حديثه إلى السيد سمير:
"يا حاج سمير قوله ياخدهم مني."
أمر سمير يوسف بعملية باغتة:
"خد منه الفلوس يا يوسف. معلش يا سالم بيه هو لسه مستلم الشغل جديد."
شكل سالم إبتسامة رخيمة على ثغره ومد يده إلى يوسف مرة أخرى. فتردد يوسف في أخذهم لكنه امتثل لأمر رب عمله وتناولهم منه ثم بلُطف قال:
"شكراً."
ربت سالم على كتفه ثم صعد إلى مكتب سمير لكي ينهي إجراءات شراء السيارة بينما نزل بلال إلى صديقه وهو يهتف بسعادة:
"إيه يابني دا؟ دا أنت أقنعت الراجل يشتري العربية في أقل من خمس دقايق. قولتله إيه عرفني."
إلتوت شفتي يوسف بثقة وأجابه بعجرفة وهو يضبط ياقة قميصه:
"دا سر المهنة يا صاحبي. مش هتزعل طبعاً لو مقولتلك."
فغر بلال فاهه كما اتسعت مقلتيه بذهولٍ. حرك رأسه مستنكراً وصاح متهكماً:
"شكلي كدا غلط لما عملت لك معروف. أنت ناكر للجميل يا."
ضم يوسف سبابته داخل إبهامه في شكل دائري. رافعاً بقية أصابعه في حركة تعني أنه كذلك بالفعل. توجه إلى المرحاض ثم رفع يده الممسكة بالنقود وتردد في معرفة كم عددهم لكنه حسم أمره وقام بعدهم. ابتسم حين رأى ورقة مالية قدرها مئتان جنيهاً.
دسهم في جيبه في حركة سريعة حين صغى لكلمات صديقه من الخارج:
"يوسف تعالي أبويا عايزك."
خرج على الفور وذهب إلى السيد سمير الذي شكره ممتناً ثم أنهى حديثه بإعجاب لشخصيته:
"شكلك شاب ذكي ودا أنا شوفته بعيني. ومش بعيد عليك تخلق ليك مكانه خاصة هنا."
فتح أحد أدراج مكتبه وأخرج منها ورقة قدرها مئتان جنيهاً ثم ناولها إليه وأردف:
"كل ما بيعت عربية هتاخد زيهم. ومتقلقش هي خارج مرتبك."
بإبتسامة خجولة عذبة قال يوسف ممتناً له:
"شكراً لحضرتك. عن إذنك لو مكنتش محتاجني في حاجة تاني."
أشار إليه سمير بالخروج فخرج يوسف على الفور وهو يشعر بالسعادة لكونه امتلك ذلك المبلغ في أقل من ستون دقيقة. تنهد براحة وشعر بأن الأيام المقبلة ستضحك في وجهه وسيكفي حاجة عائلته بكل ما يلزمهم وخصيصاً تلك الفتاة اليتيمة.
أنتبه على اهتزازة هاتفه في جيبه فسحبه وإذا بها والدته. ابتسم تلقائياً وأجاب على الفور بنبرة سعيدة:
"حزري يا أمي أخدت كام من أول ساعة."
أجابته بنبرة هادئة استحث منها يوسف قلقها أو ربما خوفها حين قالت:
"تتهنى بيهم يا حبيبي."
عقد ما بين حاجبيه بغرابة وتسأل في قلق تملكه:
"في حاجة حصلت يا أمي. صوتك مش عاجبني."
حمحمت وبتردد مبالغ أخبرته:
"لينة مش بتبطل عياط يا يوسف."
أردفتهم السيدة ميمي ونبرتها حزينة لفشلها في إرضائها. اضطرت إلى اللجوء لمهاتفة ولدها ربما يجيد التعامل معها. قلق يوسف مما سمعه للتو وسألها بلهفة:
"بتعيط ليه يا أمي. إيه اللي حصل؟"
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الخامس 5 - بقلم تسنيم المرشدي
بتردد شديد في إخباره، أرغمت ذاتها على التحدث وهي تحدج "زياد" الجالس أمامها منكس رأسه بنظرات تحمل المعاتبة:
_ هقولك، بس الأول اوعدني إنك مش هتتعصب.
لقد بلغ يوسف ذروة تحمله، فهو لا يحب المماطلة في الحديث، ناهيك عن كُرهه لأخذ الوعود قبل أن يعلم بحقيقة الأمور، فكيف له أن يعطي وعداً على شيء لا يعلم مدى خطورته؟!
تأفف بصوت مسموع وبنبرة تحمل من الغضب قدراً قال:
_ يا الله، يا أمي أنتِ عارفة كويس إني مش بحب المماطلة في الكلام ولا أخد وعود قبل ما أعرف السبب!
توقف عن الحديث، وأوصد عينيه مع أخذه لشهيقاً زفره على مهلٍ، عاد لمواصلة المكالمة بنبرة هادئة عكس التي كان عليها:
_ عشان خاطري يا أمي، عرفيني إيه اللي حصل وإن شاءالله أحاول متعصبش لو الموضوع ميستاهلش.
علمت ميمي أنها لن تأخذ منه وعداً كما حثته، كما علمت أن عليها إخباره لا مجال من الهرب بعد، بهدوء حاولت لملمة الأمر فأردفت:
_ أخوك مقصدش إنه يقطع عروسة لينة.
حسناً، الأن علم الحقيقة كاملة دون أن تكمل والدته، هز رأسه بتفهم وبهدوء مخيف أردف كلماته:
_ ناولي الموبايل لـ لينة عايز أكلمها.
ثوانٍ معدودة ثم وصل إليه نحيب الفتاة التي بات واضحاً للغاية لأذنيه، فتحدث بنبرته الرخيمة:
_ لينة، أنتِ معايا؟
أجابته من بين بكائها بنبرةٍ متحشرجة:
_ آه.
تنفس بعض الهواء وتابع مكالمته:
_ متعيطيش لو ليا خاطر عندك، عايزة تزعليني؟
ردت عليه بعد محاولات فاشلة في التوقف وهي تطالع دُميتها الممزقة بين يديها:
_ مش عارفة، دي هي اللي فضلالي، هي كمان مشيت زيهم.
أغلق يوسف عينيه حين وقعت كلماتها على مسامعه، لقد شعر بوخزة قوية في قلبه إثرهم، ابتلع ريقه وحاول أن يعود لرشده فلا مكان للتأثر الآن، عليه تهدئتها فقط، هذا ما عليه فعله في ذلك الحين.
عاد إليها ولا يدري أي من الحديث يقول، هربت كلماته ولا يعلم سبيل لهم، فلم يشعر بنفسه سوى وهو يقول:
_ طيب متعيطيش، أنا موجود جانبك يا لينة، يعني مفيش داعي للزعل، طلاما فيه يوسف يبقى فيه حل دايماً.
أنتبه يوسف لنزول السيد سمير برفقة بلال فحاول إنهاء المكالمة على الفور حيث قال:
_ أنا هقفل دلوقتي لأن عندي شغل، بس اوعديني الأول إنك هتبطلي عياط.
بعد وقت ليس بطويل أجابته بمزاج غير سوي:
_ هبطل عياط.
أنهى الإتصال فور إعطائها وعداً له، وضع هاتفه في جيبه سريعاً، شكل ابتسامة وهو يتابع خروج السيد سمير من المكان، اقترب منه بلال حيث لكزه في كتفه وهتف ممازحاً:
_ كنت عارف إن دماغك هتعجب أبويا، بس أنا مال أهلى بيك، أتهزأ كأني عيل صغير بسببك ليه؟
ببرودٍ أراد يوسف مشاكسته فهتف:
_ دي الحقيقة فعلاً، إيه الجديد؟
تفاجئ بلال من رده ولم يعقب عليه، فلن يكون لديه ما يكفي للرد عليه، تنهد مستاءً فسأله يوسف وهو ينظر إلى الساعة المعلقة أمامه:
_ هو مفيش هنا وقت للراحة؟
أجابه بلال وهو ينظر إلى وجهته ذاتها:
_ أكيد فيه، بس لسه بدري أوي عليه.
عاد ببصره إليه وتابع استرساله:
_ بيكون حوالي الساعة ٢ بعد الضهر.
قطب بلال جبينه بغرابة وسأله بفضول لمعرفة ما خلف سؤاله:
_ بتسأل ليه؟
باختصار شديد أخبره يوسف مردفاً:
_ عايز أشتري حاجة وأنت هتيجي معايا.
مازحه بلال كعادته:
_ والله دي حاجة ترجع ليك، هتدفع كام؟
طالعه يوسف باحتقار وصاح بالسُباب:
_ مشوفتش مادي حقير زيك قبل كدا.
انحنى بلال بجسده إلى الأمام كالذي يرحب بجمهوره هاتفاً بفخر:
_ شكراً يا قليل الذوق.
انفجر يوسف ضاحكاً على تصرفه الأخرق، هز رأسه باستنكار ثم تركه ومر بخطاه في المكان لكي يرى معالمه كاملة، رافقه بلال وبدأ يعرفه على بقية العاملين وأيضاً كان يعرفهم بيوسف بسعادة وفخر.
دقت عقارب الساعة وحانت الثانية ظهراً، كان يوسف يعُد الثوانِ بفروغ صبر حتى أتت ساعته المنتظرة، بحث عن صديقه ثم أسرع ناحيته، حاوط ذراع بلال بيده متمتماً:
_ يلا عشان نمشي.
تأكد بلال من الوقت ثم سأله بفضول:
_ أنت مش هتقولي إحنا رايحين فين؟
رفض يوسف إخباره بوجهتهم لغرض ما في عقله وأجابه مختصراً:
_ هتعرف لما نوصل.
ذهب معه بلال والفضول يزيد داخله عن ذلك المكان المجهول، بعد دقائق قليلة قد وصلا إلى السوق، صاح يوسف عالياً حين وقع نظريه على مراده:
_ استنى، أوقف هنا.
صف بلال السيارة الذي استعارها من المعرض جانباً، ترجل منها وتابع خطواته خلف يوسف الذي يسبقه بسنتميرات قليلة، انعقد حاجبيه تلقائياً حين وقف يوسف أمام متجر ألعاب.
التفت إليه يوسف وحثه على القدوم بقوله:
_ تعالي يلا.
بالتأكيد يمازحه، دوى سؤال بلال في الوسط قائلاً:
_ إيه دا؟ أنت مش كبرت على الحاجات دي يا يوسف، ولا أنت عندك طفولة متأخرة؟
قلب يوسف عينيه بضجر واضح، توجه إليه وأمسك بذراعه مستاءً من سخريته وأردف بتهكم:
_ هشتري عروسة عشان لينة.
ازداد انعقاد حاجبي بلال وردد ساخراً:
_ يسلام! إيه كل الإهتمام دا يا بني، من امتى وأنت حنين كدا؟
نفخ يوسف عالياً بتزمجر، ندم لوهلة أنه اصطحب ذلك المتنمر معه، عاد لينظر إليه وبنفاذ صبر هتف:
_ عشان كدا أنا مردتش أعرفك إحنا رايحين فين، عشان عارف إنك مش هتبطل تريقة، وبعدين كام مرة هقولك إنها أمانة صاحبي، وغير كدا أنا وعدت علي إنها مش هينقصها أي حاجة طول ما أنا موجود، والبنت بتعيط عشان عروستها اتقطعت، مش المفروض أجيب لها غيرها؟
استند بلال بمرفقه على حائط المتجر مستند بوجه على كفه وطالع يوسف بأعين متأثر وبسخرية ردد:
_ مكنتش عارف إن قلبك رقيق كدا يا يوسف، شكلي هخبط عربيتي أنا كمان عشان تجيبلي غيرها.
تجهمت تعابير يوسف فلقد فاق بلال الحماقة، أزاح يده من على ذراعه وتابع سيره إلى الأمام وهو يتمتم بغيظ:
_ أبقى غلطان لو أخدتك في مكان تاني.
قهقه بلال عالياً، فكانت ضحكته مرتفعة فأثارت أنظار المارة، أسرع من خطاه إلى الداخل حين رأى الجميع ينظرون إليه، وقف خلف يوسف وحاول إرضائه بشتى الطرق لكن محاولاته بائت بالفشل الذريع، فيوسف كان صعب الإرضاء، ولا يقبل الإعتذار بسهولة، كان هذا المتعارف عنه.
شعر بلال بأنه مغفل كبير بعدم نجاحه في إرضاء صديقه مثلما نجح بجدارة في تعكير صفوه، إلتوي ثغره للجانب بسعادة حين أتى بفكرة ربما تصلح الأمر بينهما.
بحث في المكان بعناية عن مراده، وقام بانتقاء أكبر الدُمى وأغلاهم ثمناً، عاد إلى يوسف الذي كان يقف يحاسب على ثمن الدُمية التي قام باختيارها من بين جميع الدُمى على الرغم من أن هناك أجمل منها، لا يعلم بلال ما سبب اختيار تلك تحديداً، لكن حتماً هناك أمراً خلف ذلك الاختيار.
خرج يوسف من المكان دون أن يلتفت، استقل السيارة ثم أغلق الباب ولازال ينظر أمامه في انتظار عودة بلال، مرت دقيقتين وخرج بلال من المتجر، توجه إلى الأمام وهو يكاد يرى أمامه لحجم الدُمية الهائل.
أنتبه يوسف على ركلات خارجية على الباب، التفت برأسه فتفاجئ بوجود دُمية ضخمة يحملها بلال، صاح بلال بنبرة مرتفعة من خلف الدُمية:
_ بطل تتفرج على خلق الله وانزل افتح لي الباب اللي ورا.
لم يبرح يوسف مكانه، بل اكتفى بفتح الباب الخلفى له من الداخل، هز بلال رأسه في استنكار شديد، على ما يبدوا أنه مازال غاضباً منه، وهو لا يفعل سوى سكب البنزين على النيران بكلماته التي تزيده غضباً، عليه أن يصمت قليلاً.
تنفس الصعداء حين وضع الدُمية في المقعد ثم قام بغلق الباب بصعوبة قابلها لوقت بسبب حجمها، استقل كرسيه ونظر إلى يوسف وقال بمشاكسة:
_ جبت الباندا دي عشان لينة، قولها إني جبت لها هدية لما شوفت عروستك الصغيرة اللي أكيد مش هتعجبها.
تعمد بلال النظر إلى الدُمية التي يمسك بها يوسف وضحك باستهزاء، ازداد تجهم تعابير يوسف أضعافاً وكاد أن يترجل من السيارة إلا أن بلال قد لحق به وحاول الإعتذار منه:
_ في إيه يابني، بهزر معاك، من امتى وأنت حساس وبتزعل من أقل حاجة كدا؟
رد عليه باقتضاب وعبوس:
_ أنت لسه محفظتش إني مش بحب المبالغة في التريقة والهزار؟
زفر بلال أنفاسه، شعر بالخجل الشديد يجتاحه من قِبل كلمات يوسف، نظر إليه بندم وأردف نادماً:
_ خلاص هحاسب على كلامي بعد كدا، متزودهاش أنت كمان.
بجمودٍ حدثه يوسف:
_ ماشي، ارجع بينا على البيت عندي.
أمسك بلال بالطارة أمامه ثم عاد لينظر إلى يوسف، حاول انتقاء كلماته بعناية حتى لا يغضبه ثانيةً، لكنه لم يمنع ضحكته من التشكل على ثغره وأردف وعينيه مصوبتان على الدُمية:
_ هسألك سؤال، بس متتعصبش، بس بجد اشمعنا العروسة دي، كان في أجمل منها هناك.
تنهد يوسف وأخبره عما وراء الدمية:
_ لأن دي العروسة اللي شبه عروستها اللي اتقطعت.
أومأ بلال بتفهم ثم نظر أمامه وانطلق بالسيارة ليعودان إلى منزل يوسف.
بعد مرور ما يقرب الثلاثون دقيقة، وصل بلال إلى حييهم وصف السيارة أسفل البناية العائدة ليوسف وعائلته، ترجل من السيارة سريعاً وفتح الباب الخلفى وحاول سحب الدُمية وبصعوبة بالغة نجح في إخراج نصفها.
تشنجت عروقه بغيظ لعدم مساعدة يوسف له، نظر إليه حيث يقف مستند على باب البناية يشاهده دون مد يد العون له، فصاح به بغيظ عارم:
_ لو مش هتعب سيادتك يعني ينفع تساعدني.
قلب يوسف عينيه بضجر فهو لم ينسى بعد تصرفاته الحمقاء، تنهد باستياء ثم توجه إليه، ترك ما معه على سقف السيارة ثم انحنى بجسده داخلها ليدفع الدمية إلى الأمام فيقوم بلال بسحبها للخارج.
جذب انتباه بلال تلك الطلة التي خفق لها قلبه، ازدادت نبضات قلبه بصورة مضاعفة حين رآها تتقدم منهما، ابتلع ريقه ولم يرفع نظريه عنها، تشكلت إبتسامة عفوية على محياه ونسى أمر الدمية تماماً.
"واقف عندك مش بتتحرك ليه، أسحبها يلا عشان نخلص"
صاح بهم يوسف باندفاع فقطع على بلال لحظته الخاصة، نفض أفكاره سريعاً ثم أمسك بطرف الدمية وقام بسحبها إلى الخارج فكان الوضع أسهل عن ذي قبل بمساعدة يوسف له.
أستقام يوسف فتفاجئ بمن تقف خلفه وردد إسمها بغرابة مختلطة بالضيق:
_ إيمان!
مرر أنظاره خلفها وعاد إليها متسائلاً بنبرة جامدة:
_ أنتِ جاية هنا تعملي إيه؟
طالعته إيمان بأعين جاحظة، فلقد أخجلها بسؤاله وأسلوبه الفظ، حمحم يوسف حين شعر بأنه كان فظاً أكثر مما ينبغي وأردف بنبرة هادئة:
_ قصدي يعني فيه حاجة حصلت؟
هزت رأسها نافية أي سؤاله وأخبرته عن سبب وجودها بنبرتها الرقيقة:
_ جاية أشوف عمتي وأطمن عليها.
أومأ يوسف بتفهم ثم دعاها للصعود قائلاً:
_ اه تمام اتفضلي.
نظر إلى صديقه الذي لم يرفع بصره عنها ويتبع تحركاتها باهتمام، أشار له بيده لإعادته إلى الواقع وقال:
_ Hi, أنت بتبص على إيه؟
نظر إليه بلال وقد تملكه التوتر وبنبرة مرتبكة أجابه:
_ مش ببص على حاجة، ينفع نطلع بقى.
وجه أنظاره إلى الدُمية وتابع حديثه:
_ عشان تقيلة أوي.
أولاه يوسف ظهره وصعد الأدراج سريعاً، تبعه بلال ويكاد قلبه يخرج من مكانه بسبب قوة تدفق الدماء به، صعد السُلم إلى أن وصل إلى الطابق المراد الوصول إليه.
دعاه يوسف إلى الداخل فلم يتردد في ذلك، ولج وعيناه تبحث عنها، كانت جالسه برفقة عمتها تتبادلن الضحك، توقفن حين رآوه، نهضت السيدة ميمي ورحبت به بحفاوة:
_ يا أهلا وسهلاً يا بلال البيت نور.
بإبتسامة ونبرة رخيمة قال:
_ دة نورك، أخبار حضرتك إيه؟ يارب تكوني بخير.
بإمتنان شديد ردت عليه:
_ أنا بخير الحمدلله.
عقدت ميمي حاجبيها حين وقع بصرها على الدُمية التي يمسك بها بلال وبمعنى آخر يعانقها وسألته بحرج:
_ إيه كل دا يا بلال، جايبها لمين؟
أجابها على استحياء وارتباك شديدان، فبندقيتي إيمان تطالعه، شعر لوهلة بعدم معرفته للوصول إلى رد مناسب، حمحم وقال مختصراً:
_ أشتريتها عشان لينة، عرفت من يوسف إن عروستها اتقطعت.
شعرت ميمي بالحرج بسبب تصرف صغيرها الأرعن وشكرته ممتنة:
_ تعبت نفسك يا بلال، مش عارفة أقولك إيه.
تدخل يوسف وهو يبحث عن الصغيرة في الأرجاء:
_ لينة فين يا أمي؟
ارتخت ملامح السيدة ميمي وأخبرته بهدوء يشوبه الحزن:
_ في أوضتها، مخرجتش من فترة.
أومأ يوسف بتفهم وتوجه ناحية غرفتها دون تفكير، بينما دعت ميمي بلال للجلوس بلطف:
_ اتفضل أقعد يا بلال، متقفش كدا.
بادلها بلال ابتسامة هادئة ثم ترك الدُمية جانباً وتوجه إلى أقرب أريكة قابلته وكانت أبعدهم عن إيمان، كان منكس الرأس لكنه يختلس النظر إليها من حين لآخر، شعر باحتياجه لخنق أنفاسه التي تكاد تفضح أمره.
كلما حاول الهروب بعيناه بعيداً يعود إليها من جديد، حاول تشتيت عقله لكن دون جدوى في النهاية تفشل محاولاته ولا يستطيع السيطرة على عينيه التي تعود إليها في نهاية المطاف.
دق يوسف باب غرفة لينة ثم ولج إليها حين سمحت له، أخفى الدمية خلف ظهره وتقدم نحوها بإبتسامته الجذابة، تأثر من وضعها التي كانت عليه، فقط كانت جالسة في منتصف الفراش تحتضن ما تبقى من دميتها الممزقة.
زفر أنفاسه على مهلٍ، جلس أمامها فلم ترفع نظريها عن الفراغ أمامها، تتساقط عبراتها في صمت، بهدوء قام يوسف بوضع الدُمية الجديدة أمامها، مرت ثانية تلاها أخرى بدأت تهتم الفتاة لما وضعه يوسف أمامها.
اتسعت مقلتيها بذهول حين رأت التشابه الكبير بينها وبين دميتها الحبيبة، رفعت بصرها على يوسف الذي كان يتابع انعكاس ملامحها وأردفت متسائلة:
_ هي دي ليا؟
أماء لها بتأكيد، فأسرعت لينة في التقاطها، قامت بسحبها من العُلبة الكرتونية وهللت في سعادة:
_ دي شبه عروستي بالظبط، أول لما شوفتها فكرتها هي.
نظرت إليه وقد تحول حزن عينيها إلى سعادة وحماس، استشفهما يوسف بسهولة، ببراءة ونبرة مليئة بالحيوية قالت:
_ شكراً.
إلتوى ثغر يوسف للجانب فظهرت ابتسامته وأردف بنبرة رخيمة:
_ أنا قولتلك طلاما فيه يوسف يبقى فيه حل، من هنا ورايح مش عايزك تفكري في أي حاجة طول ما أنا موجود، تمام.
أماءت له عدة مرات مجيبة إياه بحماسة:
_ تمام.
خرج يُوسف من الغرفة بعد أن تأكد من رضاء لينة التام عن الدُمية، تبعته هي إلى الخارج والسعادة دون غيرها قد سكنت قلبها وأعادت الحيوية لروحها كما أشرق وجهها من جديد.
نهضت السيدة ميمي حين رأت هطول يوسف وقالت بعفوية:
_ بما إننا كلنا موجودين، هروح أحضر الغدا ناكل مع بعض.
كان بلال أول من عارض اقتراحها وأبدى رفضه وهو ينهض عن كرسيه:
_ لا متعمليش حسابي، أنا لازم أمشي.
أصرت ميمي على اقتراحها وبنبرة لا تحتمل النقاش هتفت:
_ أنا مش بقولك عشان ترفض أو تقبل أنا بعرفك بس.
أولاتهم ظهرها دون إضافة المزيد، فشعر بلال بالخجل وحاول أن يقنع يُوسف من جانب آخر:
_ أتكلم يا يوسف ساكت ليه؟
قلب يُوسف عينيه وهو يخبره بعدم قدرته على فعل شيء له:
_ مفيش في أيدي حاجة أقولها، ميمي صدرت الأمر خلاص.
نفخ بلال بإزدراء ثم وقعت عيناه على لينة الواقفة خلف يُوسف وبيدها دُميتها الجديدة، شكل بسمة على ثغره وقال بعجرفة:
_ تعالي يا لينة، شوفي عمك بلال جاب لك إيه؟
تقدمت الفتاة حين حثها يُوسف على ذلك فتوجه بلال إلى الدُمية الكبيرة وسألها متلفهاً لسماع إجابتها:
_ إيه رأيك فيها؟
طالعتها لينة بإنبهار شديد، فلم ترى ذلك الحجم من قبل، ابتسمت وهي توزع أنظارها بين بلال والدُمية وهتفت بإعجاب:
_ دي كبيرة أوي، مشوفتش باندا كبيرة زي دي قبل كدا.
رفعت كتفيها كما ازداد تقوس ثغرها وعادت إلى بلال بأنظارها متسائلة:
_ دي عشاني؟
حماسه أجابها بسرعة دون تفكير:
_ أيوة جيبتها عشانك.
فغرت لينة فاها بذهول، ركضت مهرولة نحوها وهي تتمتم بفرحة واضحة:
_ جميلة جداً.
التفتت برأسها إلى بلال وبامتنان قالت له:
_ شكراً.
انحنى بلال بجسده للأمام قليلاً وهو يجيبها:
_ أي خدمة يا لولو.
استقام بلال في وقفته ونظر إلى يُوسف الذي يتابع ما يدور بينهما في صمت، أراد مشاكسته فوجه سؤاله الساخر إلى الفتاة قائلاً:
_ بس قوليلي يا لينة مش هي أجمل من العروسة اللي يوسف جايبها؟
"أكيد لأ، عروسة يوسف مفيش أجمل منها حتى لو مكنتش كبيرة زي بتاعتك دي"
هتفت بهم لينة بتلقائية ونبرة مليئة بالثقة، اتسعت حدقتي بلال بذهول مصحوبة بالصدمة فلم يتوقع ردها ذاك، بينما قهقه يُوسف بعجرفة وهو يرى حالة صديقه الملحوظة.
تأففت إيمان بضجر بائن، فلم يعجبها إهتمام الجميع بتلك التعيسة الصغيرة، لقد جاءت ونالت اهتمام يُوسف بكل سهولة، فكم تمنت الحصول على ذرة اهتمام بسيطة منه، ناهيك عن توقعها بنجاحها في جذبه إليها ما أن ينهي خدمته العسكرية، لكن مجئ تلك الغبية قد خرب جميع مخططاتها.
انتفضت من مكانها بضيق، ولجت إلى عمتها لتساعدها في تحضير الطاولة، بينما لاحظ بلال زمجرتها وفسره بأنه غيرة على يُوسف لاهتمامه بالصغيرة بدلاً عنها.
نكس رأسه في حزن قد تبدد في قلبه، فكم هو صعب شعور الحب الغير متبادل، وأن تكِن مشاعر لقلب يكِن مشاعر لغيرك.
انتهوا من تحضير الطاولة التي ترأسها يُوسف وبجواره والدته وإلى الجانب الآخر لينة، وكان لبلال نصيب لأن يجلس مقابل إيمان، لم يهدأ قلبه لحظة، شعر باحتياجه لخنق أنفاسه التي تكاد تفضح أمره.
لم يستطيع الصمود لوقت أكثر ونهض مستأذناً منهم:
_ سفرة دايمة، معلش أنا لازم أمشي، أكيد أبويا بيسأل عني، لأن أنا مقولتلوش إني هتأخر.
لم تعترض ميمي فهي لا تحب أن ينال توبيخاً من خلفها، نهض يُوسف هو الآخر مردفاً وهو يمسح على فمه بالمنشفة:
_ تمام، يلا نرجع مع بعض.
نهضت إيمان موضحة سبب نهوضها بتلك السرعة:
_ أنا كمان لازم أمشي يا عمتو، عندي مذاكرة كتير ولازم أخلصها النهاردة.
"تعالي نوصلك في طريقنا"
توجهت الأنظار نحو بلال الذي هتف بهم، رمقه يُوسف بنظرات مشتعلة فرفع بلال كتفيه بقلة حيلة، لم يرتب لما قاله مطلقاً، ولا يعلم كيف تجرأ وقال ذلك.
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السادس 6 - بقلم تسنيم المرشدي
حاول تهدئة روعه وزفر أنفاسه على مهل فتدخلت السيدة ميمي مرحبة بذلك الاقتراح:
تسلم يا حبيبي، المواصلات هنا صعبة أوي.
نفخ يوسف متزمجراً، وصل صوته إلى أذني ميمي فقالت له:
يوسف تعالي معايا.
استأذنت منهم ودخلت إلى المطبخ، تبعها يوسف إلى الداخل فأسرعت هي موبخة إياه:
أكيد مش هتسيب بنت خالك تروح مع صاحبك لوحدها!
تأفف يوسف بصوت مسموع وهو يضرب الحائط بغيظ عارم ورد عليها بغضب:
أكيد مش هعمل كدا، بس ليا كلام تاني مع الغبي اللي ورطنا الورطة دي.
هرول يوسف إلى الخارج بوجه جامد، ودون أن ينظر إلى أحدهم خرج من المنزل فتبعه بلال الذي علم بحجم المصيبة التي اقترفها، حمحم بحرج ونظر إلى إيمان التي كانت تجلب حقيبتها وقال:
هستناكي تحت.
نظرت إليه بحيرة فعدل حديثه قائلاً:
قصدي هنستناكي.
أولاها ظهره وهرول بخطاه إلى الخارج، بينما ودعت هي عمتها ثم غادرت، ركب ثلاثتهم السيارة وكان الصمت رابعهم، لم يُنطق حرفاً منذ ركوبهم السيارة، فكان يوسف يطالع الخارج من النافذة والغضب يتأجج داخله، بينما كان بلال يختلس النظر إلى المرآة ليرى وجهها الخجول، لكنه كان يرى ما لا يسر خاطره فنظراتها لم تُرفع من على يوسف قط.
وصل بلال إلى منطقتها وأوقف السيارة تحت بنايتهم وسألها بلطف:
البيت هنا، صح؟
انتبهت له إيمان وأجابته ممتنة:
أيوة هنا، شكراً.
لم يرد عليها سوى بلال وكان لطيفاً للغاية معها:
معملتش حاجة، دا واجبي.
بادلته ابتسامة هادئة ثم ترجلت من السيارة وألقت نظرة سريعة على يوسف الغاضب ثم صعدت إلى منزلهم، التفت يوسف إلى بلال الذي كان يخشى انفرادهما لتلك المواجهة وصاح بازدراء:
إنت إيه اللي خلاك تقولها نوصلك؟ أنا مش عايز أكون معاها في أي مكان، إنت مش عارف كدا يعني؟ أنا مش بديها ريق حلو وهي مش شايفة غيري، تخيل بقى لو إديتها! أكيد هتقول إني واقع في حبها مش بعيد عليها والله.
حرك يوسف رأسه مستنكراً ما حدث، عاد لينظر إلى الخارج لكنه لم يتوقف عن توبيخه:
مش مصدقك بجد، ليه تقولها كدا وأنت أكتر واحد عارف إني رافض قربها مني، عملت كدا ليه يا بلال بجد مش لاقي تفسير؟
التفت يوسف برأسه ثانيةً إليه وتابع أسئلته التي لم تنتهي بعد بنبرته المشحونة:
قولي، عرفني يلا، أمي اتفقت معاك تعمل كدا؟
بهدوءٍ مريب أجابه بلال:
لأ، الموضوع مش كدا خالص.
نظر أمامه هارباً من عيني يوسف، فصاح الآخر متسائلاً بحنق:
أومال؟ لو مكنش الموضوع كدا هيكون إيه؟
ابتلع بلال ريقه، لا يعلم هل إخبار يوسف عن مشاعره سيكون صائباً أم لا، أصر يوسف إلى معرفة حقيقة الأمر فأردف بنبرة متحشرجة:
أنا بحبها يا يوسف!
حرك بلال رأسه لليمين ليستشف تعابير صديقه، فلم يرى سوى جمودٍ لا غيره، وأخيراً قد نطق يوسف وردد بعدم استيعاب:
إيه؟
تبادلا كليهما النظرات وبدأ بلال في قص متى شعر بمشاعر نحوها، وكان يوسف يصغي إليه باهتمام يشوبه الذهول فلم يتوقع ذلك البتة، حيث قال بلال باستحياء شديد:
مش فاكر بالظبط الموضوع بدأ إزاي، بس فاكر كويس الكام مرة اللي كانت بتزوركم فيها وأنا مكنتش بقدر أشيل عيوني من عليها، وكل مرة كنت ببقى مركز معاها بطريقة غريبة، لغاية ما بدأت أستنى زياراتها ليكم بفارغ الصبر، كنت بعد الأيام وأوقات كمان الساعات لغاية ما أشوفها تاني، مكنتش عارف إيه اللي بيحصل دا إيه ولا اسمه إيه بس عرفت النهارده!
أوصد بلال عينيه لبرهة وبحرج شديد تابع استرساله وهو يحدج بعيني يوسف:
عرفت إيه هو لما اتفاجئت بيها قدامي النهاردة، وقلبي دق جامد، محستش بالإحساس اللي حسيته دا قبل كدا، عرفت لما لساني نطق لوحده وقالها نوصلك في طريقنا، صدقني مكنتش مرتب لكدا أبداً، حسيت إني عايز أفضل قريب منها أكتر وقت ممكن، واتاكدت برده لما غرت من نظراتها عليك، اتمنيت لو كنت مكانك عشان تكون نظراتها دي ليا أنا مش أنت!
تجهمت تعابير بلال وانعكست نبرته حيث مالت إلى الشدة في قوله:
ولما اضايقت من أسلوبك معاها، مش عيب عليك تعامل واحدة بالرقة دي بأسلوبك الوقح دا؟
ذُهل يوسف بل صُعق من حديث بلال وخصيصاً آخر ما قاله، ظل يطالعه بعدم تصديق حتماً يمزح فكيف سيكون إن لم تكن مزحة؟
"إنت بتهزر، صح؟"
سأله يوسف في انتظار تأكيد سؤاله، لكنه تلقى عكس ما أراد سماعه:
هو فيه هزار في المواضيع دي يا يوسف، فين الهزار في إني بحبها؟ أنا قولتلك لأني متأكد إن مفيش مشاعر ليها جواك.
توقف بلال عن الحديث فجاءة، وحدجه بطرف عينيه لثوانٍ قبل أن يعيد سؤاله بتردد:
إنت مش بتحبها، مش كدا يا يوسف؟
تفاجئ يوسف من سؤاله الساذج، هز رأسه باستنكار شديد، فكيف يكون داخله ذرة شك به وهو على علم بما يدور في عقله، زفر يوسف أنفاسه وبإستهزاء هدر به شزراً:
إنت بجد بتسألني! إنت مش شايف رفضي الواضح ليها من دقايق بالظبط عشان متفهمش هي إني عايزها تقربها مني؟!
نظر يوسف في الفراغ أمامه يستوعب على مهل ما أخبره به بلال، شيهقا فزفيراً فعل ثم أردف بنبرة ساخرة:
وهو يجي ويأمرني إني أبطل أسلوبي الجامد معاها!
عاد يوسف بأنظاره إليه وتابع ساخراً:
يابني البنت مفيش وراها غيري وأنا بعاملها بالطريقة دي، ما بالك بقى لو حسنت معاملتي معاها؟ تخيلت للحظة إيه اللي ممكن يحصل وقتها؟
ارتخت ملامح بلال تدريجياً، انعكس حزن قلبه على تعابيره، حاول يوسف تخفيف الأجواء المشحونة، فلكمه في رأسه بخفة وهو يهلل ممازحاً:
إبننا وقع في الحب وإحنا منعرفش!
ابتسم بلال بحرج فقهقه يوسف عالياً وواصل مزاحه:
لأ وبيتكسف كمان، صفتين يظهروا فجاءة كدا، بجد مش قادر أصدق، مش متعود عليك كدا، بس أنا أوعدك إني من هنا ورايح مش هبطل تريقة عليك، والله وجالك يوم يا بيلو.
حدجه بلال مذهولاً فقطع حبال ذهوله يوسف بقوله:
ارجع بينا يلا على الشغل، إحنا اتاخرنا يا أبو قلب رقيق.
لم يعقب بلال وفضل الصمت في تلك الأثناء، أعدل من جلسته ثم دعس على محرك السيارة وانطلق بها مبتعداً عن المكان عائداً إلى عملهما.
قُضي اليوم في سلام وفي صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف باكراً عن بقية أيامه، بدل ثيابه سريعاً ثم خرج من غرفته باحثاً عن أخيه الذي يهرول إلى الخارج بخطى متعرقلة فتفاجئ زياد بصياح يوسف:
استنى عندك، فاكر نفسك هتقدر تهرب مني زي ما هربت إمبارح طول اليوم، ولما رجعت من الشغل عملت نفسك نايم!
تعرقل زياد في الحديث على الرغم من لباسه لثوب الجُرأة:
وههرب منك ليه؟
تقدم يوسف بقامة منتصبة توجس زياد خيفة إثرها، لكنه صمد لكي لا يظهر ضعيفاً أمامه، وقف يوسف مقابله وتحدث بنبرة حادة صارمة:
ممم نقول مثلاً إنك خايف تقابلني.
ابتلع زياد ريقه وسأله مستفسراً:
وأنا هخاف منك ليه برده، إنت عايز توصل لإيه يا يوسف؟
علم يوسف أنه سيماطل في الأمر ولن يعترف بسهولة، حرك رأسه ثم مد يده إليها وقال ببرود:
هات مصروفك.
قطب زياد جبينه بغرابة وقبل أن يسأله عن السبب، أعاد يوسف تكرار طلبه بغضب:
قولتلك هات مصروفك.
دس زياد يده في جيب بنطاله وأخرج منه نقوده ثم ناولهم إلى أخيه وتابع ما يفعله باهتمام وخوف، تفاجئ بأخذه بعض الورقات المالية ثم أعاد القليل منهم إليه موضحاً سبب فعلته:
من أتلف شيء عليه إصلاحه، وأنت قطعت العروسة بتاعت لينة.
ودا عقاب اللي عملته، وكل يوم هتيجي تديني جزء من مصروفك لغاية ما تمن العروسة الجديدة اللي اشتريتها يكمل، ومن هنا ورايح لو عملت أي حاجة هاخد منك مصروفك كله، مفهوم؟
كان يطالعه زياد بصدمة كبيرة، فلم يسبق ليوسف وأن فرض عليه عقاب كهذا، فما الذي تغير؟
استشف يوسف ما يدور في عقل زياد وأراد تأكيد حديثه حيث هتف بتجهم:
لو إنت فاكر إني سيبتك قبل كدا تدلع براحتك فدا عشان افتكرتك راجل يعتمد عليه، لكن اللي ظاهر لي إنك لسه عيل صغير بتغير من البنات!
صعق زياد من حقيقة ما قاله يوسف المؤسفة، طالعه بأعين جاحظة ولم يتحمل تلك الإهانة فهلل معترضاً:
أنا مش بغير من البنات، وأنت لو مش شايفني راجل تبقى دي مشكلتك مش مشكلتي، أنا ماشي.
استدار زياد بجسده وهرول نحو الباب بخطوات غاضبة، خرجت السيدة ميمي من غرفتها بعدما تأكدت من انتهاء حوارهما، وأردفت بنبرة طيبة:
هو غيران من اهتمامك بيها، متقساش عليه يا يوسف، صعب عليه يتخيل إن حد تاني يشاركه فيك.
زفر يوسف أنفاسه بضجر ورد عليها باستياء:
يعني عاجبك اللي عمله؟
أسرعت هي نافية سؤاله بقولها:
أكيد لأ معجبنيش، وخير ما عملت يا حبيبي، تصرف حكيم، بس أنا بعرفك إنه عمل كدا من غيرته، متنسهوش هو كمان، سيب له نصيب من الدلع عشان تقدر تقوي علاقتهم ببعض.
أومأ يوسف بتفهم، انتبهت والدته من ارتدائه لثياب أخرى فسألته بفضول:
قولي الأول، إنت رايح فين من بدري كدا؟
أخبرها يوسف مختصراً:
هقدم لـ لينة في المدرسة عشان مايفوتهاش أكتر من كدا، كفاية اللي فاتها لغاية دلوقتي.
ربتت ميمي على كتفه بحنو ودعت له بقلبٍ حنون:
ربنا يعينك يا حبيبي ويجعلك في كل خطوة سلامة.
آمن يوسف على دعائها ثم قبل كفها وغادر لكي لا يتأخر عما ينوي فعله.
حل الليل سريعاً، عاد يوسف إلى المنزل بعد أن أنهى عمله اليوم كما نجح في إلحاق لينة بالمدرسة، أخبرها أنها ستدوام بصفها ابتداءً من الغد، سعدت الفتاة كثير بهذا الخبر وهللت عالياً:
أخيراً هروح المدرسة.
تدخل يوسف قائلاً:
بس الأول لازم نذاكر اللي فاتك، تعالي وأنا هشرحلك.
جلست لينة على الطاولة البيضاوية الذي ترأسها يوسف وبدأ ينشط ذاكرته بقراءة بعض الدروس التي سيقوم بشرحها لها، بدأ الشرح فور انتهائه من القراءة وهي تصغي إليه باهتمام شديد.
وقف يوسف في أحد المسائل الرياضية التي يجهل حلها، فقام بالإستعانة بالإنترنت لعله يفهم كيفية حلها.
على جانب آخر كان يتابع زياد ما يفعلاه، فكان يشاركهم الطاولة ذاتها يحل واجباته المدرسية، حمحم بحرج وبتردد مد يد المساعدة لهما فأردف:
أنا ممكن أساعدكم.
شعر يوسف بالامتنان له وكاد أن يشاركه أمرهما إلا أن لينة قد تدخلت واعترضت بنبرة حازمة:
مش عايزين مساعدتك، يوسف هيشرح لي هو.
عاد يوسف إلى نقطة البداية، وعلم أن عليه إفهامها مهما كلف الأمر وطال الوقت، بعد مرور بعض الوقت شعر أنه جاهز لشرحها لها، فطالعها مستاءً قبل أن يردف:
تمام يا غلبوية، ركزي معايا.
قابلته لينة بإبتسامة عفوية حين لقبها بالمشاغبة وأرغمت عقلها على الإنتباه جيداً لكي تفهم سريعاً ولا تتعبه ويضطرون للجوء إلى زياد البغيض الذي كانت تأجج النيران داخله غيظاً من ردها ورفضها لمساعدته.
"منمتيش لغاية دلوقتي ليه؟"
صدح صوته التي باتت تحفظ نبرته جيداً، فقطع عنها حبال ذكرياتها، انتبهت لإقترابه، فنهضت عن الأريكة ووقفت مقابله مُشكلة بسمة رقيقة على ثغرها الوردي الصغير مرحبة به بنبرتها الأنثوية التي أكتسبتها مؤخراً:
كنت مستنياك ترجع، مش ناوي تغير معادك المتأخر دا بقى؟
وضع حقيبته الرياضية على الأريكة التي يستند على جدارها بمرفقيه وأجابها بعدما تنهد بإرهاق:
دا الوقت المناسب ليا، الصبح عندي شغل ومش بلاقي وقت أروح الجيم غير متأخر كدا.
أومأت بتفهم وأردفت بمشاغبة:
شكلك تعبان، لو مش قد الرياضة والجيم بتروح ليه؟
زم شفتيه مستاءً من سخريتها ورد عليها بتهكم:
إنتِ اللي مش قدها يا غلباوية مش أنا.
قهقهت عالياً فأسرع هو بتحذيرها قائلاً:
وطي صوتك هتصحي اللي في البيت.
قلبت عينيها بتهكم تشكل على تعابيرها ورددت ساخرة:
مين اللي في البيت؟ مفيش غير ماما ميمي، زياد لسه مرجعش.
نفخ هو بيأس فمهما تحدث معه عن تأخيره لا يجدي نفعاً معه أي حديث، حمل حقيبته وتوجه إلى غرفته مردفاً بنبرته الرخيمة:
ممم، تصحبي على خير يا غلباوية.
ابتسمت وهي تجيبه بعفوية:
وأنت من أهل الخير يا يوسف.
وجهت بصرها على ساعة الحائط، إلتوى ثغرها للجانب مشكلة إبتسامة حماسية ثم توجهت إلى المطبخ فتفاجئت بخروج يوسف من غرفته عاري الصدر، اعتادت هذا المنظر منذ زمنٍ ولم يعد يخجلها.
توقفت قدميها تلقائياً أمامه، وحدجت عضلاته العريضة التي برزت مؤخراً وزادته وسامة، طالعت عينيه البنية وكذلك ذقنه التي أنبتت في الآونة الأخيرة مما جعله جذاباً للغاية عن سابق أيامه.
فقط ثانيتين قد نجحوا في قلب كيانها بالكامل، تراجعت للخلف وتركته يمر من أمامها حتى اختفى خلف باب المرحاض، ثم صغت إلى ارتطام قطرات الماء في أرضية المغطس الرخامي، فهرولت إلى المطبخ ثم قامت بالتقاط كعكة مزينة من الثلاجة ووقفت في الممرر منتظرة خروجه بفروغ صبر.
بعد مرور دقائق قليلة، أخيراً اختفى صوت المياه مما يؤكد خروجه الوشيك، أوصدت عينيها لبرهة حين تضاعفت نبضات قلبها متمنية أن يسير كل شيء على ما يرام كما رتبت له تماماً.
ثم تمتمت داخلها قائلة بحماس:
١ ٢ ٣..
انتبهت لمقبض الباب الذي انخفض ورُفع في اللحظة ذاتها، فظهرت طلته المثيرة وهو يميل برأسه يميناً ويساراً ينفض ما تبقى من المياه المتناثرة في خصلاته إلى أن وقع بصره عليها، تقف حاملة بيديها كعكة مزينة يتوسطها رقم ثلاثون.
"كل سنة وأنت طيب يا يوسف"
قالتهم هاتفة بحماس واضح، كز يوسف أسنانه بعصبية حتى كاد أن يفتك بهم من فرط الضغط عليهم، تجهمت تعابيره وظل يطالعها دون إبداء ردة فعل، تقدمت هي نحوه وبنبرة هادئة أردفت:
Happy birthday.
خرج يوسف عن صمته رغم ذلك خرجت نبرته هادئة مختلطة بالجمود:
قولتلك قبل كدا مبحتفلش بعيد ميلادي، مش عارف هتفهمي امتى؟
مر بجوارها وولج غرفته تاركها واقفة مكانها، راودها الشعور ذاته كمثله من الأيام الماضية من كل عام، شعور ناتج عن عدة مشاعر تجتاحها حينها، لنقل مثلاً شعور الفضول حول عدم احتفاله بيوم مولده، الحزن واليأس لمحاولاتها الكثيرة معه للإحتفال بيومه ذاك والنتيجة ذاتها لا جديد وغيرهم من المشاعر المضطربة التي تعصف بها.
"متزعليش يا لينة، بس يوسف مش هيتغير، لسه محفظتيش طبعه؟"
هتفت بهم السيدة ميمي من خلفها بنبرة يملئها الشجن لحالتها المذرية التي باتت عليها، استدارت إليها لينة وقالت بهدوءٍ حزين:
أنا بس كنت حابة أكون أول حد يحتفل بعيد ميلاده.
أخذت شهيقاً عميق وزفرته على مهلٍ، وعادت لتتابع استرسالها بشجن يشوبه الفضول حول رفض يوسف الدائم:
أنا لو أعرف بس ليه بيرفض كدا كنت هحترم رغبته، هو فيه حد ميحبش يحتفل بيوم مميز زي دا؟، عشان خاطري يا ماما قوليلي، أنا متأكدة إنك عارفة السبب.
شعرت ميمي بمحاصرتها بالأسئلة التي باتت تكره ذلك اليوم من خلفهم، لن تكف لينة عن السؤال حتى تعلم السبب وراء رفض يوسف للاحتفال بيوم مولده، لكنها ليست بتلك الشجاعة لتخبرها عن ذلك السبب المفجع، حتماً ستتسبب في فتح جروح لن تنغلق بسهولة.
أخرجت تنهيدة مطولة وحاولت الهروب منها فقالت:
مينفعش أنا اللي أقولك يا لينة، يوسف لو مقالكيش بنفسه فأنا معنديش حاجة أقولها يا حبيبتي، يلا تصبحي على خير ومتزعليش منه مش هينام قبل ما يصالحك.
ابتسمت لها ميمي وربتت على كتفها بحنو ثم عادت إلى غرفتها، بينما التفتت لينة ناظرة إلى غرفة يوسف بحزن تبدد داخل قلبها، دلفت بخطاها إلى المطبخ وأعادت وضع الكعكة في الثلاجة كما كانت ثم عادت إلى غرفتها تجر خيبة أمل أخرى خلفها.
كانت عروق يده بارزة بصورة مخيفة بسبب ضمه لها بقوة، مشهد صديقه وهو يُقتل يُعاد من جديد أمام مرأى عينيه، لم تنجح تلك الأعوام السبع في إخماد غضبه ولا تضميد جروح تلك الليلة.
يكره يوم مولده لتلك الحادثة الفاجعة، لا يعلم متى سيتأقلم عليها، إن لم تعالج الأيام جرح فراق أحمد الذي قُتل غدراً فمن سيداوي تلك الفجوة؟
تذكر وصية صديقه ولعن أسلوبه الحقير الذي تسرع وعاملها به، عليه إصلاح ما اقترفه، أليس هذا شعاره الذي يطبقه على الأخرين؟!
نهض عن فراشه والتقط قميصاً من خزانته وأيضاً سروال قصير ثم خرج وتوجه ناحية غرفتها، وقبل أن يطرق بابها صغى إلى صوتها العذب الذي أصبح ذو لذةٍ عن ذي قبل، بات أقوى وأكثر جُرأة، حيث تمكنت من الغناء بشكل رائع.
استند برأسه إلى الجدار الذي يفصل بينه وبين غرفتها وفضل الإستماع لغنائها أولاً قبل إرضائها، ظهرت ابتسامة عفوية على محيا يوسف، طرق بابها بخفة ولازال مستنداً على الحائط.
ارتدت هي سريعاً حجاب رأسها الذي خلعته للتو وفتحت الباب، لم تتفاجئ به، بل هي كانت في انتظاره من الأساس، كادت أن تبتسم له إلا أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، فتلك المرة لن تكون متهاونة معه.
شدت ملامح وجهها فبدت أكثر حدة وسألته مستفسرة:
عايز إيه؟
فوجئ يوسف بنبرتها الحازمة، استقام في وقفته وردد بندم:
أنا آسف، بس أنا قولتلك كتير إني مش بحب احتفل باليوم دا يا لينة، ياريت تحترمي رغبتي.
عقدت لينة ذراعيها أعلى صدرها بتذمر وهدرت به:
مش هبطل أعمل كدا طول ما أنا مش عارفة إيه سبب رفضك يا يوسف!
تأفف يوسف وقلب عينيه، ابتعد عنها بضعة خطوات وهتف لعله يستطيع إنهاء الحوار بينهما:
متزديش فيها ويلا عشان أنام.
صاحت به لينة متزمجرة:
محاولتك المرة دي منفعتش، أنا لسه مضايقة منك.
أوصد يوسف عينيه لبرهة قبل أن يعود إليها:
لينة، لو سمحتي.
قاطعت محاولاته التي لن تأثر بها تلك المرة بإصرارها:
متتعبش نفسك كتير، أنا مش هرضى وهفضل زعلانة لغاية ما تعرفني الحقيقة، أنا معتش صغيرة عشان تضحك عليا كل مرة بكلمة أنا آسف وكلام كدا ميقعنش طفل أصلاً، بس المرة دي مش هتعدي زي كل مرة يا يوسف!!
ألقت آخر جملتها بتحدٍ، طالعها يوسف بذهول فلم تكن شديدة الإصرار هكذا من قبل فما العمل الآن، كيف سيخبرها وهو متأكد أنها لن ترحب بذاك اليوم من بعد الآن، إن لم تكرهه!.
تأفف بضجر فعنادها ذاك سيقحمهما في طريق لا يود الوصول إليه، تركها واقفة بمفردها وتوجه للخارج وهو يتمتم بحنق:
مش عارف إنتِ مش بتريحي نفسك وتريحيني معاكي ليه؟
ذهبت خلفه وهي تجيبه بإصرار:
أنا هرتاح لما أعرف سبب رفضك وأكيد إنت كمان هترتاح من زني.
جلس يوسف على الأريكة المستطيلة فجلست هي على الأريكة ذاتها تاركة مساحة كافية بينهما، شعرت أنه يلين شيء فشيء فأرادت أن تحثه على قول ما تريد سماعه بقولها:
يلا بقا يا يوسف قولي.
اقتربت منه قليلاً وتابعت توسلاتها بنبرة مُلحة رقيقة:
عشاني.
حمحم يوسف وطالع الفراغ أمامه لثوانٍ قبل أن يعود بنظريه إليها ثم أردف بنبرته الرجولية التي تميل إلى الحزن:
اليوم دا مات فيه اتنين غاليين، كل حاجة اتغيرت في اليوم دا، مبقتش يوسف نفسه، عشت حاجات عمري ما عشتها، شوفت اللي عمري ما اتمنيت أشوفه، حسيت بالخوف لأول مرة في حياتي، اليوم دا كان صعب أوي عليا لدرجة إن حتى بعد ما عدى ٧سنين لسه متأثر بيه وبخاف منه، ولو سمحتي يا لينة بلاش الموضوع دا يتفتح تاني.
نهض عن مقعده ظناً أنه أخبرها كل شيء وتوجه ناحية غرفته، توقفت قدميه تلقائياً حين وقعت كلماتها على مسامعه:
الاتنين دول ماما وأحمد؟
أوصد يوسف عينيه لاعناً ضعف قدرته التي أخبرتها بهذا ولم يصمد، فكم هي فتاة ذكية وحتماً ستفهم ما خلف حديثه، كز أسنانه بعصبية ولم يكف عن تأنيب ذاته، التفت إليها وطالعها بجمود شكله هو عكس ضعف حيلته الذي يطغي على خلاياه، اقتربت هي منه بأعين لامعة تتلألأ فيهما الدموع.
ابتلع يوسف ريقه في محاولة منه على ارتداء ثوب الشجاعة والتماسك أمامها لكن هيهات لقلبه الذي انخلع فور هروب إحدى العبرات على مقلتيها.
اقتربت منه وهي تجمع شتات الأمر:
مش محتاج تكذب عليا وتقولي لأ مش هما، إنت أصلاً مش راضي تعرفني هما ماتوا يوم إيه فأكيد هو نفسه يوم عيد ميلادك بما إنك مش راضي تحتفل بيه، أنا إزاي مفهمتش كدا من زمان؟
أخرجت تنهيدة وواصلت:
اليوم دا أنا بقيت فيه يتيمة، بس برده ربنا جبر بخاطري وإداني عيلة تانية بدل اللي راحت واللي أنا متأكدة منه إن عمرهم ما كانوا هيعملوا معايا اللي أنتوا بتعملوه!
قالتهم لينة بنبرة متحشرجة إثر البكاء، تفاجئ يوسف من ردها، لم يتوقع رد رزين كهذا، لقد لطف الله بقلبه وبكل شعور سيء شعر به حينما كان يتهرب من أسئلتها التي لا حصر لها عن رفضه لذلك اليوم.
خرجت لينة عن صمتها وهي تمسح عبرانها بأناملها الصغيرة وهتفت وهي تطالع عينيه التي لا تكف عن معاتبة نفسها:
أنا كنت صغيرة أوي يا يوسف فكان سهل إني أبدأ من جديد، ويمكن عشان إنت كنت موجود كل حاجة كانت أسهل، كل وجع هان وخف وجعه بسببك إنت، صدقني علي نفسه لو كان لسه معانا مكنش عمل اللي إنت عملته طول السنين اللي فاتت دي، أنا مش زعلانة على أي حاجة حصلت لأن عوض ربنا كان جميل أوي.
تقوس ثغر يوسف بإبتسامة عفوية، فلقد شعر بالراحة النفسية التي عصفت به حينما تأكد أنه لم يفتح لها جرحاً وأنها ممتنة له ولعائلته، تنهد وقال بثقة:
تعرفي إن لو كان ليا أخت من دمي مكنتش هعمل معاها كدا؟!
دون تردد أجابته:
أنا متأكدة من دا.
ازدادت إبتسامة يوسف بسعادة، تثائب رغماً عنه ففرد ذراعيه في الهواء شاعراً بالنعاس يتملك منه رويداً رويداً فأردف بكسل:
إذا كان كدا بقى هروح أنام لأني مش قادر، تصبحي على خير.
باختصار مخالط بالإمتنان أردفت:
وأنت من أهل الخير.
أولاها ظهره وعاد إلى غرفته لكنها أوقفته قبل أن يهم بالدخول قائلة:
يوسف.
التفت برأسه إليها فتابعت هي بإبتسامة عذبة:
شكراً.
قلب يوسف عينيه كما لوى شفتيه بعدم إعجاب لما قالته، لم يعيرها اهتمام فهو لا يحب تلك الكلمة وخصيصاً منها هي، دلف غرفته ثم ألقى ببدنه على الفراش، مرت ثانية ولم تمر الآخرى إلا وكان غافياً.
عادت لينة إلى غرفتها، أوصدت بابها ثم توجهت إلى المرآة ووقفت أمامها، طالعت صورتها المنعكسة بآسى وحزن شديدان، تذكرت مشهد سقوط والدتها أمامها ثم بعد ذلك تبدلت الأحوال ولم تراها بعد ذلك، لن تنكر أنها قد اشتاقت إليها، مهما مرت الأعوام دوماً تفتقد إليها وإلى ابتسامتها الصافية، حتى صعوبة أسلوبها وحدته معها قد اشتاقت إليه.
حاولت طرد أفكارها التي لن تأتي بالخير، حتماً ستنعكس عليها جروحها بصورة لا تحب أن تصل إليها، رفعت يدها وسحبت حجابها على مهل، ثم حررت قيود خصلاها التي كانت تندسر أسفل الحجاب فوقع كالشلال إلى آخر ظهرها.
كان مموج الشكل بصورة جذابة، لم تكن لتصففه البتة، فكانت تحبه هكذا، تحب لونه البندقي الذي يتخلله بعض الخصلات الذهبية، فتحت درج تسريحتها وأخرجت منه علبة التجميل خاصتها.
أخذت منها أحمر شفاه داكن وقامت بوضعه على شفاها بإتقان دون الإنحراف عنها، كما وضعت بعضاً منه على وجنتيها وقامت بتوزيعه بقطعة اسفنجية ناعمة الملمس حتى بات حسِن المظهر.
كذلك رسمت عينيها بأحد الأقلام الكاتمة فبدت عينيها قريبة الشبه من كليوبترا وغيرها من اللواتي كنا يعيشن في عصور قديمة.
مشطت خصلاتها جيداً وقامت بجمع بعض الخصلات ثم صنعت بهم دائرة في منتصف رأسها تاركة ثلثه محرراً كما كان.
وضعت سماعات الأذن خاصتها وبدأت تتمايل بجسدها مع بداية الأغنية التي قامت بتشغيلها للتو، كانت خصلاتها تشاركها الرقصة في التمايل والتغنج وكأنهما فريقاً مدرباً على ما يفعلانه.
كانت تلك طريقة لينة في الهروب من أحزانها، وكانت تجدي نفعاً معها دوماً في أكثر الأوقات انطفائاً لروحها.
في أحد الشوارع المظلمة، لا ينير المكان سوى تلك الإضاءة الخافتة التي تصدر من مصابيح السيارة الأمامية، المكان يشوبه هدوء مريب يخشاه من يمر به.
يصدر هو صوت لحوح من داخل السيارة قائلاً بنبرة رقيقة:
جبتك في مكان بعيد أهو، سبيني أمسك إيدك بقى.
نظرت إليه الفتاة التي تجلس أمامه بريبة وتردد، حدجت المكان من حولها بتفحص ثم عادت إليه عندما شعرت بالطمأنينة لعدم وجود مارة، ابتسمت بعذوبة وخجل فأسرع هو بمسك يد وانهال عليها بالقبلات فبادرت الأخرى بسحب يدها وعاتبته مستاءة:
إيه اللي بتعمله دا يا زياد؟ مش معنى إني قبلت أخرج معاك تفكرني هقبل باللي بتعمله، إنت فاكرني إيه؟
قطب زياد جبينه بتهكم وصاح ساخراً:
نعم يختي، واحدة راكبة مع واحد متعرفوش العربية لوحدهم وش الفجر، عايزاني أفكر فيكي إزاي؟
شهقت الآخرى بصدمة وأردفت بنبرة مذهولة من حديثه الذي فجائها به:
دا جزائي عشان وثقت في واحد ندل زيك، أنتوا كلكم زي بعض محدش يثق فيكم أبداً.
طالع زياد الفارغ أمامه وببرودٍ يشوبه الإهانة هدر بها شزراً:
محدش قالك تمشي معانا كلنا.
شعرت الأخرى بالغيظ الشديد فلم تتردد لحظة وترجلت من السيارة وهي تتمتم بالسُباب:
الله يلعن أشكالكم القذرة.
حرك رأسه باستنكار شديد غير مصدق تلك المثالية الزائفة وردد بإهانة:
عملالي فيها شريفة أوي، ياستي غوري.
دعس على محرك السيارة وانطلق بها مبتعداً عن المكان غير آبه لتلك الفتاة التي تسير بمفردها في شارع لا تطير في سمائه جناح عصفور.
انتبه لإهتزازة هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، سحبه من خلف المقود وأجاب بضجر:
خلاص ياعم أمجد أنا راجع أهو، مش هاكل العربية أنا.
جائه الرد من الطرف الآخر بنبرة هادئه مليئة بالغضب:
ياعم زياد أبويا لو صحى يصلي الفجر وملقاش العربية في مكانها أنا اللي هشيل الليلة.
تأفف زياد لعدم صبر صديقه وهتف بحنق:
خلاص أنا اتحركت أهو وراجع، عشر دقايق وأكون عندك، سلام.
أغلق الهاتف وألقاه أمامه، أعيد تكرار الإتصال فصاح زياد بتجهم وعبوس:
يخربيت دي عربية اللي هتقرفني في عيشتي.
أمسك بالهاتف وأجاب على الإتصال ونبرته لا تبشر بالخير:
ما خلاص يا عم أمجد قولت راجع أهو.
صمت من تلقاء نفسه حين صغى إلى الصوت الصادر من الطرف الآخر، أبعد الهاتف عن أذنه ليتأكد بعينيه من الإسم جيداً قبل أن يعود ليجيب فردد:
ماما.
نهره بأسلوب فظ رغم ذلك كانت محافظة على مستوى نبرتها لكي لا يصل لأذان الآخرين:
إنت فين لغاية دلوقتي يا زياد؟، الفجر خلاص هيأذن وأخوك هيصحى يصحى البيت كله، شوف إنت بقى لو ملقكش موجود هيعمل إيه.
ببرودٍ قال:
أنا جاي داخل على البيت خلاص، سلام.
أغلق الهاتف وألقاه بعيداً عنه وهو يعد الثوانِ لكي يصل إلى المنزل قبل أذان الفجر، وصل إلى منطقته وصف السيارة أسفل بناية مالكها وترجل وهو يهرول عائداً إلى منزله بينما سأله صديقه مستفسراً عن حالته الغريبة:
في إيه بتجري كدا ليه؟
رد عليه مختصراً:
مفيش مفيش.
صعد الأدراج في درجتين، فتح الباب بتهمل لكي لا يصدر صريراً عالياً يفضح أمره، أغلق الباب ووقف خلفه يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو موصد العينين.
"حضرتك لسه جاي"
اتسعت حدقتي زياد حين سمع تلك النبرة وحملق به لبرهة مذهولاً، ثم ردد بتوجس:
يوسف!
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل السابع 7 - بقلم تسنيم المرشدي
صاح بنبرة حازمة مختلطة بالضيق لحالته التي لا تتغير مهما أعطاه قدراً من النصائح:
_ كنت فين لوش الفجر كدا؟
ابتلع ريقه بتوجس، حتماً تلك نهايته لا محال، حمحم ثم أجاب بنبرة مهزوزة:
_ كنت مع صحابي، هكون فين يعني؟
رفع يوسف حاجبه الأيسر بعدم تصديق وهدر به معنفاً:
_ صحاب إيه لحد الفجر يا زياد؟ يابني أنا عايزك تبطل سهر وتركز في السنة اللي لسه باقي منها شهور دي وتخلص، خلص المعهد الأول وبعدين ابقى أسهر زي ما أنت عايز، لكن دلوقتي لأ، دلوقتي فيه مذاكرة عشان تعدي السنة صافي مش زي السنة اللي فاتت، عديت منها بـ ٣ ملاحق!
عاتبه زياد بغلظة فلم يحب إهانته تلك وكأنه الجاني:
_ متنساش إنك أنت اللي أجبرتني أكمل في حاجة أنا مش حاببها، كار التعليم دا مش كاري، أنا دخلت صنايع عشان أخدها من قصيرها وأريح دماغي بعد ما أخد الـ ٣ سنين، أنت اللي روحت وقدمت لي في المعهد من غير حتى ما تاخد رأيي!
زفر يوسف أنفاسه بضيق في محاولة منه على تهدئة روعه ومحي عصبيته التي لن تجدي نفعاً معه وتابع بنبرة هادئة لعل وعسى يستجيب إليه:
_ يا زياد أنا عايزك إنسان محترم الناس تحترمه، يالا أنت ابني وأخويا الصغير، يعني مستقبلك يهمني، مش هتفهم معنى كلامي دلوقتي بس متأكد إن هيجي يوم وتشكرني إني كنت وراك دايما.
ربت يوسف على كتف أخيه بحنو، ثم أنتبه لأذان الفجر، ردد مع المأذن وحين انتهى الآذان أمر زياد بلهجة لا تحمل النقاش:
_ يلا روح اتوضى عشان ننزل نصلي.
أماء له بقبول ثم تخطاه إلى أن وصل إلى المرحاض لكي يتوضأ، بينما ذهب يوسف إلى غرفة والدته وطرق بابها بخفة منادياً إياها بصوته الأجش:
_ اصحي يا أمي، الفجر أذن.
أتته صوتها المتحشرج من الداخل قائلة:
_ صحيت يا يوسف.
تنهد ثم توجه إلى الأمام قليلاً حيث غرفة لينة المقابلة لغرفة والدته، وطرق بابها هي الأخرى منادياً عليها:
_ قومي يا لينة، الفجر أذن.
لم يأتيه رد منها فكرر منادته قائلاً:
_ لينة الفج...
صمت حين فتحت له الباب بأعين يسيطر عليهما النعاس، أخفض يوسف بصره سريعاً وقال بعتاب:
_ متبقيش تفتحي الباب بعد كدا إلا لما تظبطي طرحتك كويس.
قطبت لينة جبينها بغرابة، ثم رفعت يدها وملست على حجابها فتفاجئت ببعض الخصلات الشاردة فقامت بسحب حجابها للأمام خافية خصلات شعرها الظاهرة ورددت بصوت ناعس:
_ ظبطها خلاص.
رفع يوسف نظريه ليتأكد من عدم ظهور أي خصلة من شعرها ثم انتبه إلى قدوم زياد الذي شكل إبتسامة على محياه وهتف:
_ صحاكي من النوم الظالم.
قهقهت لينة ورددت ساخرة:
_ حكم القوي.
غمز زياد إلى أخيه ساخراً منه:
_ شوفت أنك قوي عشان تصدقني.
تشدق يوسف مستهزءًا منهما وأردف بنبرة غليظة:
_ قوي آه بس باخد ثواب في الآخر مش زيكم.
نظر إلى أخيه بحدة وأمره بنبرة صارمة:
_ يلا قدامي.
تقدما كليهما سوياً ثم توقف يوسف والتفت إلى والدته ولينة وهتف مؤكداً عليهن:
_ متصلوش قبل الإقامة.
أماءت له والدته قائلة:
_ عارفين يا حبيبي.
خرج من المنزل برفقة أخيه الذي بادر في سؤاله مستفسراً:
_ ميصلوش ليه قبل الإقامة؟
رمقه يوسف مستاءً وأجابه على مضضٍ:
_ ما أنت لو بتركز معايا كل مرة كنت بقولهم فيها مكنتش سألتني، مينفعش نصلي يا سيدي قبل الإقامة لأن الفجر مش متحدد وقته بالظبط فممكن يبقى فجر كاذب فلازم نستنى شوية بعد الأذان اللي يعني تقريباً لغاية مدة الإقامة وبعدها نصلي عشان نبقى متأكدين إن صلاتنا صحيحة، فهمت؟
دون تفكير أجاب:
_ لأ.
أوصد يوسف عينيه لثانية وهو يحرك رأسه باستنكار ثم هدر:
_ كنت هستغرب لو قولت غير كدا.
ولج كليهما المسجد وشرع في الصلاة تابعين للمأذن، انتهوا من الصلاة ثم عادوا إلى المنزل وفي خلال خمسة عشر دقيقة كان جميع من في المنزل في ثُبات عميق.
في الصباح، استيقظت على تغاريد العصافير التي لا تكف ولا تنتهي، فتحت عينيها بتهمل وهي تتثائب بكسل، نهضت رويداً رويداً وارتدت حذائها المنزلي ثم توجهت إلى النافذة وفتحت أبوابها وتمتمت بنشاط قد تغلغل إلى خلاياها:
_ Günaydın (صباح الخير باللغة التركية).
ابتسمت لذلك العصفور الذي يأكل من زهرتها التي قامت بزرعها وأردفت معاتبة كأنه شخصاً يفهم عليها:
_ كدا أزعل منك، وردتي متجيش جنبها، جعان هجيب لك أكل لكن متاكلش وردتي، خليك عندك وأنا راجعة لك حالاً.
أولاته ظهرها وهرولت راكضة إلى الخارج، كادت أن تدلف بخطاها إلى المطبخ لكنها توقفت قبل أن يلمحها أحدهم، عادت بأدراجها سريعاً إلى غرفتها باحثة عن حجابها التي نسيته تماماً ووضعته على رأسها ثم خرجت لتأتي بالطعام الخاص بالطيور.
توقفت قدميها قبل أن تولج للمطبخ حين صغت إلى إسم تلك الفتاة مجدداً، يا تُرى لماذا يتردد اليوم من الصباح الباكر حيث قالت السيدة ميمي محدثة يوسف:
_ والله يابني بس لو تريحني وتقولي مالها إيمان، طيب إيه عيبها؟ البت بقالها سنين مستنياك يا يوسف وأنت مش بتاخد خطوة أبداً.
تأفف يوسف فذلك الموضوع لا ينتهي الحديث فيه مطلقاً، لقد بلغ ذروة تحمله، كم يتمنى أن تختفي إيمان حتى لا يسمع إسمها من فاه والدته مرة أخرى، تنهد وحاول لبس ثوب البرود وهتف:
_ مين اللي قالك أنها مستنياني يا أمي؟
تركت ميمي ما بيدها جانباً وجلست أمامه على الطاولة الصغيرة التي تتوسط المطبخ وأجابته بنفاذ صبر:
_ تفسر بإيه كل العرسان اللي بترفضها دي؟ وكلهم بسم الله ما شاءالله حاجة تشرح القلب، مفيهمش غلطة واحدة، كل دا عشان مستنية حضرتك تتقدم وأنت واقف محلك سر، قبل كدا قولتلي عايز تكون نفسك فسكت وقولت عنده حق، بس دلوقتي حجتك إيه؟ الشقة وأنت خلاص الشهر الجاي هتكون خلصت آخر قسط فيها، العربية وصاحب الشغل مديلك كل الصلاحيات تستخدم أي عربية تحبها، الشغل وبسم الله ما شاء الله بقيت مدير المعرض، قولي لسه مستني إيه تاني، إيه اللي معطلك يابني قولي وريح قلبي.
قضم آخر قطعة من شطيرة الجبن التي بيده وردد مختصراً:
_ لأنه مينفعش يا أمي، مينفعش إيمان بالذات تبقى مراتي!!
قطبت جبينها بغرابة وكادت أن تسأله عن سبب ذلك إلا أنهما صمتَ حين صدر صوت من الخارج، لعنت لينة قدميها التي تحركت رغماً عنها فأصدرت صوتاً مسموعاً، لم يكن هناك داعٍ لأن تقف أكثر مكانها لكي لا يفضح أمرها، تابعت تقدمها وكأنها جائت للتو.
شكلت بسمة رقيقة على محياها ورحبت بهم:
_ Günaydın.
ردت عليها السيدة ميمي بنفس لهجتها:
_ Günaydın canım (صباح الخير يا عزيزتي).
تفاجئ يوسف برد والدته ورمقها بذهول شديد، مرر أنظاره بينهما وهتف دون تصديق:
_ المسلسلات التركي عاملة عمايلها.
انفجرن ضاحكتين فأسرعت لينة مؤكدة:
_ tabiki canım (بالطبع عزيزي).
نهض يوسف عن مقعده ناهياً نقاشه معهن بقوله:
_ أنا كنت فاكر التركي كله بيتخلص في جملة "مراد بيك لا تتركني هيك".
لم تستطيع لينة الصمود وانفجرت ضاحكة، أجبرت من يقفون معها على الضحك، توقفت حين سمعت قرع الجرس، انسحب يوسف من بينهما ليفتح الباب فتبعته ميمي وكذلك لينة.
تسائل يوسف عن هوية الطارق وهو يقترب بخطواته من الباب:
_ مين؟
جائه صوت أنثوي من الخارج معلنة عن هويتها:
_ أنا شهيرة أم بلال.
فتح لها يوسف الباب واستقبلها بترحيب حار:
_ أهلاً وسهلاً يا أم بلال اتفضلي.
بإمتنان قالت:
_ يزيد فضلك يا حبيبتي.
رحبت بها السيدة ميمي بحفاوة قائلة:
_ يا أهلاً بالغالية اتفضلي يا حبيبتي.
صافحن بعضهن البعض ناهيك عن القبلات التي تبادلنها ثم دعتها ميمي للجلوس في الصالون فحضرت لينة مرحبة بها بعد أن قامت بإطعام العصفور ثم شاركتهن الجلسة.
حمحمت شهيرة وأردفت لما جاءت من أجله:
_ معلش يا أم يوسف إني جاية بدري كدا، بس كنت جاية أخد أطقم الزينة أنتِ عارفة إن الفرح بكرة ولازم أروح أفرشهم دلوقتي، لأن مش هكون فاضية طول اليوم أنتِ عارفة الحنة ومشاغلها.
ابتسمت لها ميمي وقالت بحرج شديد:
_ أنا اللي آسفة والله إني اتاخرت عليكي بس شغل الزينة بياخد وقت عن الأطقم العادية، ثواني وهجيبهملك.
باختصار رددت:
_ خدي راحتك يا حبيبتي.
نهضت ميمي وابتعدت عنهم لكي تحضر لها الملائات التي قامت بصنعهم لإبنتها، بينما وجهت شهيرة حديثها إلى لينة قائلة:
_ متتأخريش النهاردة عن الحنة، أنتِ بالذات لازم تيجي بدري ترقصي مع أختك هدى.
تفاجئت لينة بإفصاح شهيرة بذلك أمام يوسف، وجهت بصرها نحوه ثم نكست رأسها بخجل شديد، بينما حمحم يوسف بحرج واستاذن منهما قائلاً:
_ عن إذنك يا أم بلال، صحيح هو فين؟
التفت برأسها إليه وأجابته بتلقائية:
_ تحت مستنيني في العربية عشان يوصلني شقة أخته.
أماء لها بتفهم ثم انسحب إلى الخارج في هدوء، حينذاك استطاعت لينة رفع رأسها بعد أن تأكدت من مغادرته، زفرت أنفاسها براحة وتناولت بعض الأحاديث مع السيدة شهيرة التي لا تتوقف عن الحديث إذا بدأته.
في الأسفل، طرق يوسف بيده على نافذة السيارة حين لم ينتبه له بلال فجذب انتباهه، ترجل من السيارة واستند بظهره علي بابها وأردف:
_ على فين؟
أجابه مستاءً:
_ على معرض أبوك يا ظريف.
أماء له بلال بتفهم واسترسل:
_ أنا يدوب أروح المعرض أقفل حسابات الأسبوع دا، وأروح أشوف الراجل خلص لي البدلة ولا لأ، طبعاً أنت معايا.
حرك يوسف رأسه بتأكيد:
_ أكيد، يلا سلام عشان ألحق أقفل الحسابات أنا كمان، مش عارف أبوك غاوي يمرمطنا ليه، ما يجيب ناس فاهمة تقفله حساباته.
أخبره بلال عن وجهة نظر أبيه بقوله:
_ مشكلته إنه مبيثقش في حد بسهولة، دا أنا حتى سمعت إنه هيفتح معرض تالت ومأجل الموضوع على لما يشوف حد ثقة يقف فيه.
لم يعقب يوسف على ما أخبره عنه بلال، بل حلق في سماء خياله بعيداً، تعجب بلال من شروده وأشار إليه بيده لكي يجذب انتباهه إليه مردداً بغرابة من أمره:
_ بتفكر في إيه يابني؟
قطع عليه بلال حبال أفكاره بسؤاله، بينما رد عليه يوسف مختصراً وهو يربت على كتفه:
_ هقولك بعدين، سلام.
تركه واقفاً بمفرده واستقل إحدى السيارات الفاخرة وتحرك بها بعيداً عن المنطقة حتى اختفى طيفه تماماً، استدار بلال ورفع رأسه إلى الأعلى رامقاً تلك البناية وهتف بحنق:
_ ما يلا بقى، عارفك لما تفتحي في الكلام مش هتخلصي النهاردة.
سحب هاتفه من جيب بنطاله وهاتفها، كان ينتظر إجابتها بفروغ صبر حتى تفاجئ بظهور من سكنت فؤاده على مقربة منه، خفق قلبه بشدة، لم تفشل مرة في سلب عقله وتهيج نبضانه كأنه يراها للمرة الأولى.
أنتبه إلى صوت والدته الصادر من الهاتف:
_ يا بلال، خلاص نازلة أهو يا حبيبي.
أسرع بلال في لحاقها بقوله:
_ لا لا خليكي، بقولك في بنت طالعة عندكم دلوقتي اعزميها على فرح هدى.
قطبت جبينها بغرابة وعدم فهم، لم تستطيع سؤاله بعناية عن هوية الفتاة ومن أين يعرفها ولماذا تقوم بدعوتها كما طلب منها.
أغلقت الهاتف أثناء مجيء إيمان، التي رحبت بها ميمي وكذلك لينة، ثم قامت ميمي بتعريف هوية إيمان للسيدة شهيرة حيث أردفت:
_ دي إيمان بنت أخويا، ودي شهيرة جارتي من زمان.
تصافحن وبادرت إيمان بالترحيب:
_ أهلاً بحضرتك.
بادلتها شهيرة إبتسامة عريضة وردت علي لطفها:
_ أهلاً بيكي يا حبيبتي، اللهم صل على النبي قمر ١٤.
تفحصتها شهيرة جيداً، ثم وجهت حديثها إلى ميمي ولازالت تحدج إيمان بنظراتها:
_ خليها تيجي معاكي الحنة والفرح يا ميمي.
تدخلت إيمان قائلة:
_ ألف مبروك بس حنة وفرح مين؟
أجابتها شهيرة موضحة:
_ بنتي، هدى بنتي حنتها النهاردة وبكرة بإذن الله الفرح، هستناكي يا قمراية تيجي مع عمتك، يلا فاتتكم العافية.
ردت ميمي عليها بلطف:
_ الله يعافيكي.
تابعتها إلى الخارج ثم ودعتها وأغلقت الباب، عادت إلى الفتيات وتبادلن المزاح بينما هبطت شهيرة الأدراج وأسئلتها تزداد فضولاً كلما تخطت درجة من السُلم وعزمت على معرفة الأمر كاملاً.
انتبه بلال لوالدته فور ظهورها أمام مدخل البناية، أسرع نحوها وأنهال عليها بعشرات من الأسئلة:
_ ها شوفتيها؟ قولتلها تيجي ولا قعدتي تتكلمي ونسيتي؟ ها يا ماما عملتي إيه؟
استنشقت بعض الهواء لكي تضبط من أنفاسها اللاهثة وأردفت بهجوم:
_ اصبر عليا، أخد نفسي الأول.
هدأ بلال من لهفته قليلاً وساعد والدته على ركوب السيارة، التفت إليها في انتظار إجابتها على أسئلته، تعجبت هي من حالته تلك، فلم يكن ملهوفاً كهذا من قبل، عقدت ما بين حاجبيها وسألته بفضول أمومي:
_ مين دي واشمعنا عايزني أعزمها؟
طالعها بلال بأعين جاحظة غير مصدق ما استشفه من وراء كلامها وردد بتجهم:
_ يعني أنتِ معزميتهاش؟!
رفعت شهيرة حاجبيها ونظرت أمامها لتجيبه بنبرة متهكمة:
_ عزمتها، عزمتها.
عادت بأنظارها إليه ثم تابعت:
_ على الحنة والفرح.
تفاجئت بتلك الإبتسامة التي غزت شفتي بلال ثم حاول إخفائها بعضه على شفتيه السفلى وهو يطالع الخارج أمامه، فقطعت عليه لحظته بقولها:
_ للدرجة دي واقع؟
اختفت إبتسامته فور تلقيه سؤالها، حمحم بحرج وأردف محاولًا الهروب منها وهو يطالعها بذهول:
_ واقع! البنت قريبة يوسف وتهمه فأنا حبيت نعزمها بس مش أكتر.
مالت شهيرة بجسدها بالقرب منه وبنبرة مريبة تعجب لها بلال هدرت:
_ بقا هي تهم يوسف قولتلي، طيب وهو مش ناوي يخطبها على كدا.
دهشت شهيرة بسرعة رد بلال بلهجته الرافضة لاقتراحها:
_ لأ مفيش خطوبة ولا الكلام دا.
رفعت حاجبيها الأيسر ولم تستطيع منع ابتسامتها التي حاولت جاهدة إخفائها وسألته لتتاكد من حدسها:
_ مش بتقول يابني إنها تهمه، يعني أكيد هيخطبها.
تنهد بلال على الرغم من اختناقه لمجرد التخيل في ذلك وأوضح لها حقيقة ما تجهله:
_ تهمه زي أخته كدا، زيها زي لينة بيعتبرهم اخواته.
هزت رأسها بتفهم ورددت:
_ آه كدا فهمت، يلا ربنا يبعت لها عدلها قريب.
حافظ بلال على هدوئه لكنه لم يمنع شفتيه من الترديد بنبرة خافتة:
_ آمين.
أسرعت شهيرة في النظر إلى الخارج لكي لا يرى ابتسامتها التي تشكلت حين آمن على دعائها، حمحمت ثم صاحت به متزمجرة:
_ طيب يلا عشان نلحق نروح شقة أختك ونرجع قبل ما الست بتاعت الحنة تيجي.
أماء لها بقبول ثم دعس على محرك السيارة وابتعد عن المنطقة قاصدين منزل العروس.
في منزل السيدة ميمي التي تركت الفتاتان بمفردهن لتحضر الطعام قبل أن يحين موعد ذهابهم إلى حفل الحناء.
ولجت لينة غرفتها ورافقتها إيمان مستمعة لما تريد فعله في الغرفة:
_ عايزة أغير اللون، أوضة ولادي خالص، عايزة أدهنها أوف وايت وأدهن الأوضة بينك وأجيب مرايا اللي فيها لمبات كتيرة، آه وعايزة أحط في الزاوية دي مرجيحة من اللي بتكون نازلة من السقف وجنبها أرفف أحط عليها كل الروايات والكتب اللي قرأتها، ها إيه رأيك؟
تقدمت إيمان من الفراش وجلست أعلاه، وجهت نظريها إلى لينة التي تنتظر إجابتها بحماس، فلم تستيطع إيمان مجراة حماسها وأردفت ببرود:
_ بس كل دا مكلف جداً، هتعمليه إزاي؟
زمت لينة شفتيها بإحباط قد عصف بها، تقدمت هي الأخرى واعتلت الفراش بجوار إيمان وقالت بقلة حيلة:
_ مش عارفة، بفكر أقترح على يوسف أفكاري و...
قاطعتها إيمان بحدة:
_ معتقدش إن دي فكرة كويسة يا لينة، يعني يوسف في الوقت دا المفروض يجهز شقته اللي هيتجوز فيها والكلام دا كله مش وقته خالص.
قطبت لينة جبينها بغرابة فلم تستوعب حديثها ورددت بعدم فهم:
_ شقة إيه اللي يجهزها مش لما يشوف عروسة الأول!!
"ولو، يمكن العروسة موجودة والطلبات دي اللي منعاه ياخد خطوة عشان خايف ميقدرش يفتح بيتين"
هتفت بهم إيمان موحية إليها برسالة متمنية أن تكون قد فهمت مضمونها، تنهدت ثم تسائلت دون استحياء:
_ مش جايز برده ولا إيه؟
طالعت لينة الفراغ أمامها وهزت رأسها دون اقتناع مما تحدثن به وتمتمت بنبرة خافتة:
_ جايز...
نهضت إيمان مبتعدة عن الفراش وأردفت موضحة:
_ هروح أشوف عمتو لو محتاجة حاجة أساعدها، تعالي لو حابة.
رمقتها لينة لبرهة ثم اعترضت بلطف:
_ لا أنا هجهز حاجتي عشان ورايا دروس.
أماءت لها إيمان بتفهم ثم خرجت من الغرفة موصدة الباب خلفها وذهبت إلى عمتها لربما تكون بحاجة إليها بينما جلست لينة تفكر في كلمات إيمان وقد شعرت بالإختناق يتملك منها رويداً رويداً كلما تصورت أنها السبب في عدم سير حياة يوسف كما ينبغي وعزمت على التأكد منه حتى يطمئن جوفها.
ارتفع رنين الهاتف معلناً أنه قد حان الوقت المطلوب التي قام بضبطه يوسف، أغلق الهاتف ونظر إلى ساعة الحائط ليتأكد من تمام الساعة الثانية ظهراً ثم عاد ليجمع تلك الملفات المبعثرة أمامه على المكتب سريعاً وخرج منه بعد أن التقط مفتاح سيارته وهاتفه الجوال.
هبط السُلم مهرولاً إلى الخارج ثم استقل سيارته وانطلق بها عائداً إلى منطقته، وصل بعد دقائق بسيطة فمكان عمله يبعدها بمسافة قريبة، صف السيارة أسفل منزله ثم قام بعمل مكالمة هاتفية.
آتاه صوتها الرقيق من الطرف الآخر:
_ يوسف.
رد عليها بصوته الأجش:
_ أنا تحت يلا انزلي عشان أوصلك دروسك.
تذمرت لينة في قولها:
_ يا يوسف مفيش مرة تنسى وتسيبني أروح لوحدي، صحابي كلهم بيروحوا كل مكان لوحدهم، اشمعنا أنا؟
أجابها دون تفكير:
_ ربنا ابتلاكي بيا هنعمل إيه بقى، استحمليني لحد ما الأجل يـ...
قاطعتها مستنكرة كلماته التي لم تتحمل سماعها:
_ بعد الشر عليك متقولش كدا تاني، ربنا يخليك لي...
توقفت عن الحديث مانعة لسانها من إكمال ما لم تنهيه خشية أن يتم فهمه بسوء فأوضحت قائلة:
_ لينا، كلنا.
بنبرة لا تتحمل النقاش أمرها:
_ طيب يلا انزلي.
مر ما يقرب الخمس دقائق حتى ظهرت لينة أمام مرأى عينيه، ركبت بجواره بهدوء دون أن تتناقش معه في أمراً فهذا ليس المعتاد، التفت يوسف برأسه ونظر إليها بعد أن قطع مسافة ليست بقصيرة متعجباً من صمتها:
_ مش معقول مفيش رغي النهاردة؟!
تنهدت لينة فتابع هو ممازحاً:
_ للدرجة دي الموضوع كبير؟
طالعته بلهفة وسألته بتوجس:
_ عرفت منين؟
قطب يوسف جبينه، فهو لم يقصد ما أصاب، فقط كان يمازحها، حمحم وأردف موضحاً:
_ معرفش حاجة، أنا بهزر معاكي، بس الظاهر إن فيه حاجة فعلاً؟
طالعت لينة الطريق أمامها بضيق لعدم قدرتها على السيطرة على لسانها، تأففت بخفوت لكي لا يسمعها يوسف، انتبهت على سؤاله الذي يحثها على البوح بما تخفيه:
_ ها، فيه إيه؟
ابتلعت ريقها وتحلت بالشجاعة قدر المستطاع، التفتت إليه وهي تعض على شفاها السفلى بحرج شديد ثم ألقت بسؤالها في الوسط قبل أن تتراجع:
_ أنت ليه مش متجوز لغاية دلوقتي؟
تعجب يوسف كثيراً من سؤالها ولم يستطيع مواصلة القيادة دون أن ينظر إليها ليستعلم عن سبب سؤالها المريب، صف السيارة جانباً واعتدل في جلسته حيث يكون مقابلها واسترسل مستفسراً:
_ إيه السؤال الغريب دا؟
تنهدت بقوة قبل تعيد سؤالها بحزم:
_ جاوبني الأول، ليه متجوزتش لغاية دلوقتي؟
قلب يوسف عينيه لعدم إتيانه بإجابه تريح فضولها، زفر أنفاسه بصوت مسموع ونظر إلى الخارج يفكر في سبب ما لربما يحصل على إجابة لسؤالها، كانت تطالعه لينة بفروغ صبر، تنتظر إجابته حتى تريح عقلها من فرط التفكير.
انتبهت له حين هتف بعدم توازن في حديثه:
_ مش عارف، هو ليه الإنسان ممكن ميتجوزش، يمكن لأنه مفكرش في كدا قبل كدا؟
رفعت لينة حاجبيها بعدم رضاء لتلك الإجابة الناقصة ورددت دون تصديق:
_ هو فيه حد مش بيفكر في الجواز، أو مثلاً خطط مأجلها بعد ما يتجوز، أفكار مجنونة سايبها عشان ينفذها مع شريك حياته؟ فيه حاجات كدا مينفعش تتعمل في الوقت دا أو لوحدنا، لازم تتعمل مع شريك! إزاي مفكرتش على الأقل مرة في الجواز؟!
حاول التفكير بصوت عالٍ لعله يصل إلى نقطة ترضيها:
_ بجد مش عارف، مفكرتش قبل كدا، يمكن لأن مفيش وقت عندي، يومي كله مشغول.
نكسنت لينة رأسها بحزن جلي، وانعكست تعابيرها إلى الخذي وتمتمت بنبرة بحزن مصحوب بالخجل:
_ مشغول بيا، مشغول بدراستي ودروسي، ومشاكلي وكل حاجة تخصني، أنا السبب يا يوسف..
استنكر يوسف ظنونها حتى وإن كانت صحيحة لكنه لم يشعر بالملل يوماً، إنه يفعل ذلك بكل حب وصدق، أسرع في الرد عليها موضحاً:
_ وإيه يعني لو مشغول بيكي؟ حد قالك إني مضايق؟ أنا الكبير يعني المسؤول عنك وعن زياد حتى ميمي مسؤول عنها لأني الراجل، الرسول صل الله عليه وسلم قال "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" يعني دا دوري مش مفروض عليا، ثم مين قالك إنك السبب؟ أنا حلمي لسه موصلتلوش، وبسعى عشان أوصل له، ولغاية ما أوصله مش هفكر أبدا في الجواز، وبطلي تلومي نفسك وتفكري كدا تاني عشان المرة الجاية هزعل بجد، تمام؟!
أماءت له ورددت بحياء:
_ تمام.
كاد أن يعيد تشغيل السيارة إلا أنه توقف وعاد إليها ليسألها مستفسراً:
_ أنتِ ليه سألتيني السؤال دا؟
إلتوت شفتيها للجانب فهي تخجل إخباره، وكان هو يعلم ما وراء ذلك التصرف فقال:
_ ممم، شكل كدا فيه حوار ويارب ميطلعش اللي في بالي..
ترددت كثيراً في إخباره عن الحقيقة، لم يكن هناك مفر فيوسف لن يتراجع قبل أن يلم بالأمر كاملاً، حمحمت وهتفت:
_ إيمان..
قاطعها يوسف هاتفاً بحنق:
_ إيمان، كنت متأكد.
عاد بنظريه إليها وأردف بعبوس قد تشكل على تعابيره:
_ ها، كملي مالها ست إيمان.
قصت عليه لينة ما دار بينهما وأنهت حديثها قائلة:
_ بس فحبيت أسألك أتأكد منك وكدا.
هز يوسف رأسه بتفهم وبغيظ واضح في أسلوبه وأردف من بين أسنانه:
_ قولي لها هـ ولا أقولك سبيها مفاجأة.
عقدت لينة ما بين حاجبيها عفوياً حين لم تفهم ما وراء حديثه وسألته بفضول أنثوي:
_ مفاجأة إيه؟
أجابها وهو يتحرك بالسيارة:
_ بعدين هتعرفي..
انطلق بها إلى المكان المقصود الوصول إليه، التزم كليهما الصمت إلى أن وصلا إلى هناك.
حل المساء وكان يوسف برفقة بلال، مرت خمس دقائق على اختفائه خلف الستار ثم ظهر بعد أن ارتدى حِلته السوداء التي لاقت به، كانت متناسقة مع جسده الرفيع وطوله اليافع.
نهض يوسف عن مقعده وأصدر صفيراً عالياً مبدياً إعجابه بمظهر صديقه، اقترب منه بلال ليتفحص ذاته في المرآة المجاورة ليوسف الذي هلل بإعجاب:
_ مظبوطة عليك بالملي، بس قولي إيه المنظر اللي أنا شايفه دا، أومال لو مكنتش بتروح جيم؟
رمقه بلال من خلال المرآة، وكأنه أصاب فيما يشغل تفكيره، استدار بجسده إليه وردد:
_ يا أخي والله أنا نفسي أعرف ليه، المدة تقريباً زيك وشوف أنت شكلك إيه..
أشار بلال بيديه إلى جسده وتابع بإسيتاء:
_ وأنا شكلي إيه؟
أسرع يوسف بوضع كفه أمام عيني بلال هاتفاً بتوجس:
_ خمسة خمسة، أهدى كدا أنا مش ناقص.
رفع بلال طرف شفتيه للأعلى مبدي استيائه منه وقال بحنق:
_ أنا برده عايز أفهم ليه؟
فكر يوسف لبضعة دقائق ولم يصل إلا لإجابة دون غيرها:
_ ما يمكن بتلعب غلط.
قطب بلال جبينه بغرابة وسأله مستفسراً:
_ غلط إزاي، أنا بعمل اللي كابتن بيعمله بالحرف.
بادر يوسف في توضيح ما يقصده بقوله:
_ لا أقصد يعني في نوع الرياضة ممكن تكون مش زيي.
عقد الآخر حاجبيه وتمتم ببلاهة:
_ هي أنواع؟!
ضرب يوسف وجهه براحة يده، ثم وضعها على كتف صديقه وأردف:
_ اللي وداك جيم ظلمك، خلص يلا عشان نمشي.
تركه يوسف واقفاً مكانه وتحرك مبتعداً عنه، بينما عاد بلال لغرفة تبديل الثياب ليخلع عنه حِلته ويرتدي ثيابه ثم يعودان إلى حيث جاءا.
في المنزل المُقام به حفل الحِناء، صعدت أدراجه لينة بعد أن أنهت جميع دروسها برفقة إيمان الصامتة كعادتها، تتبعهم السيدة ميمي بخطوات متهملة عكس خطواتهم المليئة بالحيوية.
وصلا إلى الطابق الكائن به الحفلة، ثم طرقت لينة باب الشقة فأتاها الترحيب بعد لحظات من قِبل السيدة شهيرة، قبلتها من وجنتيها للمرة الرابعة ثم فعلت التصرف ذاته مع إيمان وميمي.
رفعت لينة يدها ومسحت على وجنتيها بتقزز، فهي تكره تلك القبلات التي تترك أثر لُعاب البعض على وجهها، أعادت وضع يدها إلى جانبها حين رأت هطول شقيقة بلال الكُبرى، شكلت إبتسامة على محياها ورحبت بها وكذلك فعلت هي ثم لاحظت لينة اهتمامها البالغ بإيمان وخصيصاً حين تأكدت من إسمها وكأنها كانت في انتظارها.
جلسن ثلاثتهن على مقربة من الحفل الذي بدأ للتو، كانت الفتيات والنساء يملئن المكان، لم يكن هناك أنش في الردهة تستطيع إحداهن الوقوف به من كثرة الحاضرات.
اقتربت الأخت الكبرى لبلال من لينة ودعتها للرقص بقولها:
_ تعالي يا لينة، دا إحنا مستنينك من بدري.
شعرت لينة بالخجل فشجعتها ميمي على النهوض فلم تعترض ونهضت في هدوء، لكنها تفاجئت بدعوتها لإيمان هي الأخرة للرقص، لكنها بادرت بالرفض فور تلقيها الدعوة موضحة:
_ لا لا معلش اعذريني، مش بعرف ومليش في الجو دا خالص.
صممت الآخرى على اصطحابها لكنها بقدر ما صممت تلقت رفض واضح من إيمان، تدخلت شهيرة لتنهي الأمر فأردفت:
_ خلاص يا هدير سبيها على راحتها، يمكن تاخد على الجو دلوقتي وتقوم من نفسها.
أماءت هدير برأسها ثم توجهت نحو الدائرة التي شكلنها الفتيات حول العروس، ودفعت لينة بداخل تلك الدائرة مشجعة إياها:
_ يلا يا لولو.
تفاجئت لينة بهتاف الأخريات مشجعين إياها فلم تطيل هي في خجلها وبدأت بالفعل تتمايل حتى استحثت الإعجاب في نظرات الواقفات، كما كانوا يدعون بعضهن البعض للمجيء ومشاهدة تلك الرقصة المثيرة للإعجاب.
لم تكف لينة عن الرقص فكانت جديرة بفعل ما يبهر الجميع، على جانب آخر اقتربت شهيرة من السيدة ميمي ورحبت بها مرة أخرى ثم انتقت كلماتها بعناية حتى لا تفهم ميمي شيء:
_ بنت أخوكي باينها هادية أويه.
هتفت ميمي مؤكدة:
_ أيوة هي فعلاً كدا، البنت الوحيدة ومنطوية مع نفسها يعني بعد ما خلصت جامعتها مبقتش تخرج من البيت غير ليا أنا وبس.
شكلت شهيرة إبتسامة على محياها واسترسلت متسائلة:
_ مش مخطوبة؟ أصل مش شايفة في إيديها دبلة.
زمت ميمي شفتيها مستاءة ورددت بحزن وهي تتذكر المرات التي حاولت بها إقناع يوسف بخطبتها:
_ بيجيلها كتير والله يا شهيرة وبترفض كله، ربنا يبعت لها نصيبها يارب.
آمنت شهيرة على دعائها وهي بالكاد تخفي ابتسامتها:
_ آمين يارب آمين.
استأذنت منها وابتعدت عنها لترحب بالحضور جميعاً، بينما انشغلت ميمي في مشاهدة لينة وابتسامتها لم تختفي قط على تصرفاتها العفوية، وكانت تتناول بعض الأحاديث من حين لآخر مع إيمان.
انتهت الحفلة في وقت متأخر فاستأذنت ميمي ومن معها في الذهاب، شكرتهم شهيرة على الحضور ثم انحنت على أذن ميمي وهمست لها:
_ استني يا ميمي لما أجيب لك تمن المفارش.
أسرعت ميمي بالرفض بذوق:
_ خليهم الوقتي يا حبيبتي، أنا مش مستعجلة عليهم، أنتوا في أيام محتاجين فيها كل جنيه.
ردت عليها شهيرة ممتنة لذوقها البالغ:
_ الخير كتير يا ميمي الحمدلله ودا حقك ولازم تاخديه، استني هرجع على طول.
أولاتها شهيرة ظهرها وأدلفت بخطاها نحو غرفة نومها، التقطت مطوية ورقية من أحد الأدراج ثم عادت بها إلى ميمي التي دعت لها بالبركة وإتمام الزيجة ثم غادرت.
تحدثت إيمان فور وصولهم إلى الطريق:
_ أنا هروح بقى يا عمتو عشان الوقت أتأخر وبابا رن عليا.
أبدت ميمي رفضها بلهفة:
_ لا لا استنى بس نشوف يوسف فين يروحك، متمشيش متأخر كدا لوحدك.
كادت إيمان أن تعترض إلا أن ميمي تدخلت بإصرار:
_ مش هسيبك تمشي لوحدك.
صعدن الأدراج معاً إلى أن وصلا إلى الشقة، فتحت ميمي الباب وولجت للمنزل، تابعتها إيمان ولينة التي عقدت ما بين حاجبيها بغرابة حين وقع بصرها على مصباح غرفتها المنير.
اتجهت بخطاها ناحية غرفتها وهي تتسائل بغرابة:
_ مين اللي منور أوضتي؟
أصدرت صرخة قوية حين وقفت أمام باب غرفتها فهرولن الأخريات إليها مذعورات، اتسعت حدقتي إيمان وطالعت الداخل بصدمة جلية حلت على وجهها حين رأت...
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثامن 8 - بقلم تسنيم المرشدي
لم تقف مكانها وهرولت إلى الداخل بسعادة عامرة حين رأت يوسف يقف على سُلم خشبي، وبيده فرشاة ويقوم بطلاء الجدار باللون الأبيض تماماً كما أخبرته.
وقفت لينة تضرب الأرض بقدميها، فالسعادة لا تسعها، هللت عالياً بسعادة واضحة:
_ أنت، أنت بتعمل إيه؟
مررت أنظارها على الغرفة ثم عادت إليه وتابعت أسئلتها بحماس شديد:
_ أنت وديت الأوضة فين؟
أجابها يوسف بعد أن مسح حبات عرقه التي تجمعت على جبينه:
_ الأوضة بتدهن، مش كنتي عايزاها بينك باين؟!
غمز إليها بعينيه فصاحت الأخرى بفرحة عارمة:
_ أنت أحلى يوسف في الدنيا كلها.
هبط يوسف درجات السُلم وردد وهو يعيد الفرشاة في الدلو المليء بالطلاء:
_ ممم ماشي يا غلباوية، ها هي دي الدرجة اللي أنتِ عايزاها، كنت بجرب على الحيطة على لما ترجعي.
شكلت لينة بسمة عريضة على ثغرها الوردي الصغير وطالعت الحائط بلهفة وقالت:
_ حلو أوي كدا.
أماء لها يوسف بتفهم ثم عزم على البدء على الفور:
_ استعنا على الشقى بالله.
وقعت عينيه على إيمان التى تحاول إخفاء غيظها لكنها كانت محاولة فاشلة، حمحم وطالعها ببرودٍ وسألها قائلاً:
_ إيه رأيك يا إيمان في اللون؟
بعد وقت طال أجابته مختصرة:
_ حلو..
تدخلت السيدة ميمي ملقية حديثها بتلقائية عابثة:
_ وكان إيه لزومه ما كانت الأوضة حلوة يا يوسف.
نظر يوسف إلى لينة وأردف بثقة:
_ ست لينة تؤمر، وإحنا ننفذ على طول.
ابتسمت ميمي بفرحة وتمتمت بنبرة حنونة:
_ ربنا يخليك ليها ولينا يارب.
لم تتحمل إيمان الوقوف لأكثر وسماع تراهات سخيفة وبنبرة تسيطر عليها الغيرة قالت:
_ أنا مروحة يا عمتو عايزة حاجة.
كادت ميمي أن تدعو يوسف لتوصليها إلا أنه لحق بها وتحدث هو:
_ زياد مستنيكي تحت يا إيمان هيوصلك.
رمقته ميمي بنظرات معاتبه وهي تزم شفتيها بعدم إعجاب، فكم ودت لو ينفردا ببعضهما البعض لربما يحدث ما يتمناه قلبها، أولاتهما ظهرها ثم تبعت إيمان إلى الخارج وودعتها قائلة:
_ سلمي على رمضان وهادية وأسامة.
"الله يسلمك يا عمتو، تصحبي على خير"
هتفت بهم إيمان مجيبة عمتها ثم غادرت بينما عادت ميمي إلى غرفتها لكي تبدل ثيابها.
كان يوسف يقف حائراً يطالع الجدران، يقرر بأي جهة يبدأ، لم يشعر بتلك العينين التي لم تُرفع من عليه، تطالع ذراعيه الذي يستند بهما على خصره، رافعاً أكمام قميصه للأعلى، تحدق ببنيان جسده التي بات أكثر جاذبية منذ ظهور تلك العضلات البارزة من أسفل قميصه، ناهيك عن خصلاته المرتبة بشكل يجعله وسيماً، لم هناك أثراً لذاك اليوسف التي تعرفت عليه منذ سنوات، لقد بات رجلاً مختلفً في شكله وطباعه، لكن مالم يتغير إلى الآن طريقة تعامله معها، وكأنها أميرة كما ادعى مسبقاً.
لم يرفض لها طلباً قط، يؤجل ما يحتاجه الجميع لوقت يراه مناسباً لفعل تلك الحاجة، إلا لها فقط قبل أن تشير بإصبعها يهرول مجيباً لطالباتها.
انتبهت عليه وهو يستدير بجسده نحوها، فحاولت أن تبدوا طبيعية، حمحم هو وردد:
_ هتنامي اليومين دول مع ماما ميمي على لما الأوضة تدهن وتيجي.
أومأت له بقبول ثم تابع وهو يشير بأنظاره إلى الخارج:
_ يلا روحي شوفي أنتِ رايحة فين، عايز أخلص الأوضة دي.
لم تعقب وتركته بمفرده، صعد يوسف الأدراج مرة أخرى ليواصل عمله حتى ينتهي منه قبل بزوغ الفجر، تفاجئ بعودتها إليه بعد تبديلها الثياب، والأحر أنها صعدت للجانب المقابل له من السُلم، أسرع هو في رفض وجودها عليه خشية أن تفقد توازنها:
_ لينة انزلي وسبيني أخلص.
هزت رأسها برفض تام وبإصرار يتوهج في عينيها هدرت:
_ أنا هدهن معاك، عشان ننجز ونخلص أسرع.
أبدى رفضه مستاءً:
_ لا يا لينة لو سمحتي انزلي، اتنين على السلم ممكن حد يقع وطبعاً سهل إنك أنتِ اللي تقعي عشان أضعف، عايزة تقعدي هاتي كرسي واقعدي بس متخلنيش مشغول بيكي، كدا مش هننجز ولا حاجة.
قلبت عينيها شاعرة بمدى مبالغته بالأمر، وضعت كلتى يديها في خصرها وتراجعت للخلف بحركة عفوية ودون أن تشعر انزلقت قدميها، صرخت بخوف عارم لولا أن لحق بها يوسف وحاوط خصرها بيمناه وباليد الأخرى أمسك الجدار لكي لا يحدث خلل في توازنه ويسقط هو الآخر.
تمسكت لينة في ياقة قميصه خشية السقوط، أعادها إلى وضعها فكان الوضع مريباً بعض الشيء، فهي باتت بين أحضانه لا يفرقهما سوى خشبة السُلم الفاصلة بين أدراجه، شعر يوسف بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله، تقابلت أعينهم سوياً فراوده شعور مختلف لم يذقه من قبل.
أنتبه لذاك الوضع الذي باتوا عليه، فسحب يده بهدوء من حول خصرها وهرب بعينيه بعيداً عنها حيث أولاها ظهره، وأردف كلماته بصوت متحشرج:
_ قولتلك انزلي، مبتسمعيش الكلام!
لم تطيل في عنادها فهي بحاجة للهروب من تلك الغرفة، توخت أدراج السُلم بحذر، ورددت بخفوت:
_ أنا هنام.
لم تنتظر إجابته وانطلقت مسرعة إلى الخارج، ومنه إلى المرحاض، تريد الانفراد بذاتها قليلاً، وقفت تستنشق الصعداء ما أن أوصدت بابها، رفعت يدها ووضعتها على يسار صدرها فلمست تلك النبضات العنيفة، لم يسبق وأن تعرضت لذلك الموقف من قبل.
وكذلك يوسف لم يكن في حالة يرثى لها، فكان تجتاحه مشاعر لم يستطع تفسيرها هو، تأفف بضيق فلم يستطيع مواصلة ما يفعله، استقام في وقفته وأوصد عينيه للحظات يضبط بها أنفاسه المضطربة ثم ردد داخله:
_ يلا عشان تخلص قبل الفجر..
استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ثم عاد ليواصل عمله، بينما عادت لينا إلى غرفة السيدة ميمي على أمل أن تغفو سريعاً ولا تدع فرصة لأفكارها بالسيطرة على عقلها، لكن هيهات لضعف قدرتها أمام تلك الأفكار اللعينة حتماً لن تتركها وشأنها.
مر ما يقرب الساعة حتى انتهى يوسف من طلاء جدران الغرفة، فكانت صغيرة المساحة وهذا ما ساعده على الإنتهاء في وقت قياسي، خرج من الغرفة وهو يشم رائحة عرقه التي تخللت أنفه، كاد أن يولج للاستحمام إلا أنه توقف حين رأى الباب يفتح.
كز أسنانه بضيق وانتظر قدوم أخيه إليه حتى ينفجر به، ولج زياد المنزل وهو يهاتف أحدهم، أنهى المكالمة فور رؤيته ليوسف قائلاً:
_ ماشي خلاص بكرة نكمل في المعهد، أنا تعبت النهاردة ومعتش شايف قدامي، أقول إيه بس في اللي دبسني في المعهد دا، يلا سلام.
عقد يوسف ذراعيه وسأله بنبرة مرهقة:
_ كنت فين؟
أسرع زياد في الإجابة على سؤاله بلهفة:
_ ما أنت سامعني وأنا بتكلم، كنت بذاكر مع صحابي لما معتش _ شايف قدامي.
بهدوء يتخلله التحذير أردف يوسف:
_ كلها شهرين ونشوف التأخير دا سببه المعهد فعلاً ولا حاجة تانية.
أولاه ظهره وتقدم بخطاه نحو المرحاض فبادر زياد بسؤاله:
_ إيه ريحة الدهان دي؟
باختصار يشوبه الجمود أجاب:
_ كنت بدهن أوضة لينة.
اختفى جسده خلف باب المرحاض، تبعه زياد وألقى بأذنيه على الباب، استمع إلى صوت مياه الصنبور فتأكد من عدم خروج يوسف على الفور.
أسرع بخطاه إلى غرفتهما وأعاد وضع هاتفه على أذنه فهو لم ينهي المكالمة بعد، وردد وعينيه مصوبتان على الباب يراقب بهما طيف يوسف إن ظهر أمامه:
_ إيه يا قلبي، كنا بنقول إيه؟
في الصباح، استيقظ يوسف باكراً، وصنع له فنجان من القهوة ثم عاد لغرفته، استعار إحدى الروايات من مكتبته الصغيرة وجلس على أريكته المتحركة التي قام بشرائها مؤخراً، تسللت أشعة الشمس من النافذة وانعكست على يديه الممسكة بالكتاب فأضاءت له كلمات الرواية.
ظل يرتشف ويقرأ حتى شعر باكتفاء حاجته من القراءة، أعاد وضعها إلى المكتبة وخرج من الغرفة بعدما ارتدى جلبابه ناصعة البياض استعداداً لصلاة الجمعة.
في تلك الأثناء، خرجت لينة من الغرفة هي الأخرى وألقت عليه التحية قائلة:
_ صباح الخير، خلصت امتى امبارح.
أجابها وهو يحاول أن يتلاشي ما حظي البارحة:
_ صباح النور، مختش وقت طويل.
أماءت له ثم سألته بفضول:
_ نسيت أسألك امبارح، هي الأوضة راحت فين؟
استند بمرفقه على الحائط وهتف مجيباً إياها:
_ لا سألتي وقولتلك مش كنتي عايزة لونها pink باين!!
بحماس شديد أظهرت ابتسامتها وهللت في سعادة:
_ آه سوري نسيت، أنا مش مصدقة بجد، مكنتش أعرف إنك أخدت بالك من التفاصيل دي؟
صدح صوت القرآن في المآذن، استقام يوسف في وقفته وقال بصوته الأجش:
_ نتكلم بعدين، أنا نازل.
أماءت له دون تعقيب، مر بجانبها حتى تخطاها بعدة خطوات ثم استدار إليها فوقعت أنظاره على جسدها الذي شعر بتغيره الواضح، كأنه سمِن قليلاً عن ذي قبل، حمحم وحاول النظر إلى وجهها متسائلاً:
_ هي ميمي فين؟
أجابته مختصرة:
_ بتقطف ملوخية، هناكل النهاردة ملوخية بأرانب.
هز رأسه ثم تابع سيره إلى الخارج وما رآه لا يريد الإقلاع عن عقله، ظل يستغفر ربه داخله لعله يتناسى الأمر.
أدى صلاة الجمعة بعد سماعه الخُطبة، تعجب من عدم ظهور بلال في الأرجاء فلم يفوت صلاة جمعة من قبل، خرج من المسجد يصافح الجميع ببشاشة وجه ثم ابتعد عن المسجد عدة أقدام وهاتف صديقه ليطمئن عليه:
_ أنت مجتش تصلي ليه؟
أجابه الآخر وهو يبتعد عن تلك الضجة:
_ أنا في الفندق يابني، العيلة الطويلة العريضة دي كلها مفيهاش غيري، وصاحبك متمرمط مرمطة محدش اتمرمطها قبل كدا، روح هات خالتك، لأ روح هات عمتك، صحابي يا بلال روح جيبهم، بنت بنت خالي جاية روح استقبلها، لأ بنت بنت عمي ست كبيرة ولازم تساعدها، أنا طهقت طلب كمان وهطلع من هدومي.
قهقه يوسف عالياً ثم عاتبه بلطف:
_ مكلمتنيش ليه؟
لم يصل بلال إلى إجابة بعد فردد بملل يشوبه نفاذ الصبر:
_ مش عارف بقى مجتش في دماغي، يمكن عشان مفيش وقت أفكر أصلاً.
دون تفكير مد يوسف يد المساعدة بحسم للأمر:
_ هطلع أغير وأجيلك، قولي اسم الفندق إيه؟
أخبره بلال عن إسم الفندق بينما أغلق يوسف الهاتف وعاد إلى المنزل، قابل أخيه بعبوس وبنبرة جامدة هاجمه:
_ منزلتش تصلي الجمعة ليه؟
ببرودٍ وعدم اكتراث أجابه:
_ راحت عليا نومة.
هز يوسف رأسه فلم يتفاجئ، هذا الرد المتوقع منه، تنهد ثم حاول كبح جماح غضبه الذي لو ثار لن يهدأ قبل أن يقلب المنزل رأساً على عقب:
_ قولتلك ١٠٠ مرة قبل كدا إلا الصلاة يا زياد، ممكن أتهاون عن أي حاجة إلا الصلاة، دي أول حاجة ربنا هيسألك عنها وأنت واقف قدامه، هتتسئل عن كل صلاة لوحدها، لما تتسأل مصلتش الجمعة ليه هتقوله راحت عليا نومة؟
ارتاب زياد لمجرد تخيله وقوفه أمام ربه وهو لا يعلم طريق للإجابة على سؤاله، ابتلع ريقه ولم يبدي عناده في تلك المسألة وأردف بنبرة مهذبة:
_ إن شاء الله تبقى آخر مرة.
"يارب"
دعى يوسف متمنياً أن يصدق تلك المرة وتكون الأخيرة، تنهد ثم قال بنبرة هادئة عن ذي قبل:
_ يلا اتفضل روح صلي الضهر.
رفع زياد كفه عند رأسه كأنه تلقى الأمر من أحد الضباط مجيباً إياه بانضباط مبالغ:
_ تمام يا فندم.
نجح في اضحاك يوسف الذي لكزه في كتفه بقوة فآنة الاخر بألم وردد معاتباً وهو يوليه ظهره:
_ آه إيدك جامدة، جيم بقى وعضلات يلا الله يسهلك.
أسرع زياد من خطاه إلى الداخل حين رأى اقتراب يوسف منه، تقابل مع عصفورة المنزل في الممر الذي يفصل بين الغرف وهي تغرد كعادتها، بينما استند يوسف على جدار غرفتها يستمع إليها باهتمام:
ولمّا تلاقينا على سفح رامة
وجدت بنان العامرية أحمرا
وقلت خضبت الكف على فراقنا
قالت معاذ الله ذلك ما جرى
ولكنني لما وجدتك راحلاً
بكيت دماً حتى بللت به الثرى
مسحت بأطراف البنان مدامعي
فصار خضاباً في اليدين كما ترى.
اعتدل يوسف في وقفته وردد ممازحاً إياها:
_ نفسي أعرف إيه حبك في الأغاني اللي مش مفهومة دي؟
في حد يسمع أغاني بالفصحى؟
بتستمتعي ازاي؟
أجابته بنبرة مليئة بالشغف تجاه ذلك النوع من الأغاني:
_ دي أحلى حاجة أصلاً، الكلمات كدا بتدخل على القلب عدل، وبعدين كفاية إن محمد عبد الرحمن اللي بيغنيهم دا يخليني أحبهم حتى لو مش دا لوني.
رفع يوسف حاجبيه بعدم تصديق وسألها قائلاً:
_ للدرجة دي بتحبيه؟
أخرجت لينة تنهيدة مطولة ثم استندت بذراعها على الجدار وأسبلت عينيها في عيناي يوسف وأجابته بنبرة رقيقة ناعمة:
_ دا أنا واقعه في حبه..
شعر يوسف بشيء غريب حينها، فقط أخبرته بمدى حبها لذاك الرجل فلم تشعر ماذا فعلت به، لا يعلم ماذا يحدث الآن داخله، لا يستطيع وصف ذلك الشعور الغريب، أطال النظر إليها لعله يفهم ماذا يجري لكنه لم يصل إلى شيء.
قطع عليه محاولاته البائسة في فهم حالته، صوت أخيه الذي يغني بصوت عالٍ لحظة خروجه من المرحاض:
_ ناس مني ومن دمي
محدش فيهم شال همي
محدش كان خيره عليا.
صرخ عالياً وهو يتابع غنائه المنفر:
_ فين خالي وفين عمي.
انفجرت لينة ضاحكة على تصرفاته الحمقاء، كان يلوح بيديه في الهواء تحت مسمى الرقص، حرك يوسف رأسه مستنكراً تصرفاته الخرقاء، وعلى الرغم من مدى استيائه بما يحدث لم يستطيع منع ضحكته التي رُسمت على شفتيه.
صاحت لينة متسائلة بفضول وهي تنظر إلى يوسف:
_ متقولش إن الأغاني دي اللي بتعجبك؟
أسرع يوسف في نفي حبه لذاك النوع من الأغاني موضحاً:
_ لأ طبعاً، الأغاني اللي تستمتعي وأنتِ بتسمعيها زي أم كلثوم، وردة، نجاة، عبد الحليم، محمد عبد الوهاب كدا يعني.
أؤمات لينة بتفهم بينما رفع زياد شفتيه العليا باستهزاء وقال:
_ أم كلثوم إيه وعبد الحليم إيه، دا أنا بنام والأغنية لسه مبدأتش.
نهره يوسف باقتضاب:
_ أنت بتفهم حاجة أنت، خليك في رضا البحراوي وعصام حاحا بتوعك.
أولاهما زياد ظهره وواصل غنائه أو ربما صراخه:
_ أنا مش مرتاح، أنا كل مشاعري وأحاسيسي مليانة جراح.....
وضع يوسف راحة يده على وجهه بتهكم، فلن يتغير ذلك الصبي المراهق، يتسائل متى ستنتهي فترة مراهقته تلك، لقد طالت أكثر من المعتاد، انتبه على صوت والدته التي وجهت حديثها لهما:
_ الغدا خلص يا ولاد تعالوا عشان تأكلوا أنتوا مفطرتوش.
رفض يوسف بلطافة فلا يريد أن يتأخر عن صديقه أكثر من ذلك، لقد وعده بالقدوم إليه ومساعدته:
_ معلش يا أمي كلوا أنتوا أنا لازم أغير وأروح لبلال بسرعة، محتاجني معاه النهاردة، هبقى أجيب أي حاجة أكلها.
تذمرت ميمي وهتفت بنبرة غير راضية:
_ مش هيحصل حاجة لو اتاخرت عشر دقايق يا يوسف أنت مش هتقعد تاكل لنص اليوم.
أوضح لها بكلمات لطيفة:
_ أنا أصلا متأخر بسبب ابنك ورغي لينة اللي مش بيخلص، معلش بقى كلوا أنتوا.
أسرع خطواته نحو غرفته حتى لا يواجه ضغط آخر، بدل ثيابه سريعاً ثم خرج ونظر إلى ثلاثتهم وهم يلتفون حول المائدة، ودعهم وكاد أن يغادر المنزل إلا أن سؤال لينة قد أوقفه:
_ أنت رايح لبلال فين؟
أجابها بنبرة سريعة وهو يرتدي حذائه:
_ في الفندق، العروسة حاجزة هناك.
صرخت لين عالياً مما سببت الذعر في قلوب الجميع:
_ واو، نفسي أحضر فرح كدا أوي.
"نبقى نعملك فرحك كدا إن شاء الله"
بإختصار ردد يوسف ثم أغلق الباب وهبط درجات السُلم سريعاً ومنه إلى سيارته ثم إلى الفندق المقصود.
كان الذراع اليمين لبلال، شاركه نصف المسؤولية التي وقعت على عاتقه اليوم، فباتت أسهل بوجوده، انتهوا مما يفعلاه في وقت متأخر، استند يوسف على سيارته وقد شعر بالجوع الشديد لدرجة أنه سمع صوت بطنه التي تتوسله أن يطعمها.
نظر إلى بلال وأردف بخفوت:
_ أنا جعان مأكلتش حاجة من الصبح.
رد عليه بلال بصوت يكاد يُسمع:
_ والله وأنا، تعالى ندخل نتغدى، المطعم هنا اوبن بوفيه يعني مش هنستنى أكل يتحضر.
ضغط يوسف على زر إغلاق في مفتاح السيارة وهرول إلى المطعم فتبعه بلال وهو يقهقه على ركضه الغير متوقع، دخلا كليهما المطعم وبدأ في وضع كميات كبيرة من الطعام في الصحن الذي بيدهم ثم جلسَ ليتناولا بشراهة.
أنهى يوسف طعامه كاملاً، شعر باكتفائه التام من الطعام اليوم، عاد بظهره إلى الخلف وقال وهو يمرر يُمناه على بطنه:
_ أأأه أنا كلت لسنة قدام.
ضحك الآخر على داعبته، ثم رفع يده ليتفحص ساعة يده، شرق حين رأى أنهما متأخران عن ميعادهم، ساعده يوسف على ارتشاف القليل من الماء، نهض بلال عن كرسيه حين شعر أنه في حال أفضل الآن، حث يوسف على النهوض بقوله:
_ قوم يابني اتأخرنا.
سأله يوسف وهو يسحب هاتفه:
_ على فين؟
أجابه وهو يواصل هرولته إلى الخارج:
_ حاجز أوضة، يعني بعد المرمطة دي ومحجزش ليا أوضة كمان.
تذمجر يوسف وعاتبه قائلاً:
_ مقولتش ليه؟ أنا مجبتش هدوم.
توقف بلال عن السير فجاءة فارتطم به يوسف، التفت إليه وردد مستاءً:
_ بتهزر يا يوسف!!
صاح الآخر به شزراً:
_ وأنت كنت قولت يعني يا بلال؟!
تأفف بلال بصوت مسموع، حاول يوسف تهدئة الأجواء التي انعكست عليهم بالسلب، فهذا ليس بوقت جدالهم الأخرق، زفر أنفاسه وأردف حاسماً للأمر:
_ خلاص أنا هرجع أنا وألبس في البيت وأبقى أحصلك.
لم يكن هناك مجالاً للرفض، أماء له بلال بقبول ثم سار كليهما في طرقات مختلفة، عاد يوسف إلى المنزل فاستقبلته والدته بوجه بشوش:
_ أهلاً يا حبيبي.
جاءته لينة راكضة فتفاجئ يوسف بكم الأسئلة التي سألتها دفعة واحدة:
_ عملت إيه؟ الفندق شكله إيه؟ عملوا الفريست لوك ولا لأ؟ ولو أه العريس كان رد فعله ايه لما شافها؟
قاطعها يوسف حينما لم تتوقف عن السؤال عن أشياء يجهلها:
_ حيلك حيلك، أنا مدخلتش الفندق أصلاً دا أنا حتى دخلت المطعم الخارجي عشان آكل.
لوت شفتيها مستاءة لأنها لم تخرج باجابات ترضي فضولها، قلب يوسف عينيه ثم مرر أنظاره عليهن حين لاحظ عدم استعدادهن بعد وصاح متزمجراً:
_ أنتوا لسه ملبستوش؟! بتهزروا بجد، أنا هدخل ألبس تكونوا خلصتوا عشان نمشي، لازم أكون مع بلال من بدري.
اتجه ناحية غرفته وقام بطرد أخيه منها لكي يبدل ثيابه، ارتدى قميصاً أبيض اللون يعلوه سترة لونها زيتي، وبنطال ذو اللون البيج، وحذاء رملي قاتم.
كذلك لم ينسى ساعة يده الذهبية، ومن ثم نثر عطره ذو الرائحة الذكية على سترته، مشط شعره حتى بات بصورة جذابة مثيرة.
تراجع خطوتين للخلف لتظهر هيئته كاملة أمام المرآة، ألقى نظرة سريعة على صورته المنعكسة، شعر بالرضاء التام بمظهره الوسيم.
استدار بجسده والتقط مفاتيح سيارته وهاتفه الذي صدح رنينه فور سحبه من على الفراش، كان بلال من يهاتفه، أجابه بنبرة رخيمة:
_ إيه يا بلال أنا خلصت ونازل.
"تمام إحنا مشينا ورايحين على لوكيشين التصوير حصلنا على هناك"
هتف بهم بلال أثناء خروج يوسف من غرفته، تقابل مع لينة التي خرجت للتو من غرفة السيدة ميمي، لم يستطيع إشاحة نظره على تلك الطلة المميزة، ابتسمت لينة بحياء حين رأت عينيه يحدجان بها، دارت حول نفسها فحلق فستانها الزيتي في الهواء ظاهراً حذائها ذو الكعب المرتفع الذي يتماشى لونه مع لون حجابها الرملي القاتم.
تنهدت ثم سألته متلهفة لسماع رأيه:
_ إيه رأيك؟
"أنت يابني روحت فين كدا؟"
أنتبه يوسف على سؤال بلال الذي مازال هناك على الخط، حمحم واسترسل ونظراته مازالت عليها:
_ لا سلام أنت يا بلال دلوقتي.
أغلق الهاتف قبل أن يسمع رد الآخر الذي تعجب من حالته المفاجئة، بينما قهقهت لينة عالياً وأردفت من بين ضحكاتها:
_ قفلت في وشه..
اقترب خطوات بسيطة منها وهتف مبدياً إعجابه:
_ سيبك منه، أنتِ مطقمة معايا؟!!
تصنعت لينة الذهول، ووجهت نظريها على ثيابه كأنها لم تلاحظها وهتفت بدهشة زائفة:
_ إيه دا مختش بالي، دا نفس الألوان بالظبط!!
ضاق يوسف بعينيه عليها فلم يصدق أنها لا علم لها أنه سيرتدي ثيابه تلك، أسرعت لينة نافية ما يدور في عقله بقولها:
_ وأنا أعرف منين يعني إنك هتلبس الألوان دي؟
ظهرت السيدة ميمي من خلف باب غرفتها وهي تقول بنبرة لاهثة:
_ أنا خلصت ياولاد.
طالعت نقطة ما في قميص يوسف ثم عادت بنظريها على لينة قائلة:
_ مكوتيش الياقة كويس ليه يا لينة؟
صعقت لينة مما تفوهت به ميمي للتو وطالعتها بأعين جاحظة بينما حاول يوسف حشر أنفاسه داخله لكنه فشل وانفجر ضاحكاً، لم تتجرأ لينة على مواجهته بعد فضح أمرها، هربت من بينهما معللة ذهابها:
_ هكلم شهد صحبتي أشوفها مشيت ولا لسه.
هرولت إلى الخارج دون أن تلتفت بينما تمتمت ميمي متعجبة من شأنها:
_ مالها دي، أنا قولت حاجة غلط؟
نفى يوسف بإيماءة من رأسه ومازالت ابتسامته لم تختفى من على شفتيه، تعجبت ميمي أيضا من ضحكه دون سبب وسألته مستفسرة:
_ أنت مالك بتضحك على إيه؟
حاول يوسف إلهاء عقلها بعيداً عن مجرى حوراهما بقوله:
_ مفيش يا امي.
تلتفت ينظر من حوله وتسائل بفضول:
_ هو زياد فين؟
أجابته وهي تضع حقيبتها على كتفها:
_ زياد سبق هو وقال إنه هيروح مع صحابه.
أومأ لها يوسف بتفهم ثم انطلق إلى الخارج ولم يستطيع المرور بجوار لينة دون ضوع بصمته فقال وهو يطالعها ووجهه يبتسم بمكر:
_ ها شهد راحت ولا لسه؟
أجابته دون أن تنظر إلى عينيه من شدة خجلها:
_ لا لسه..
حرك رأسه قبل أن يردف:
_ تمام يلا بينا لو جاهزين.
نزل ثلاثتهم خلف بعضهم، ثم استقلوا السيارة، انطلق بهم يوسف الذي أنتبه لحديث والدته:
_ هنروح نجيب إيمان الأول.
" إيمان!!"
نطق بإسمها يوسف وهو يدعس على فرامل السيارة، التي أصدرت حكة شديدة إثر وقوفها المفاجئ الذي سبب الذعر لكلتاهنا.
استدار يوسف بجسده ناحية والدته وصاح بنبرة غاضبة:
_ أنتِ برده يا أمي مُصرة تـ..
قاطعته ميمي بتوضيحها لسوء الفهم الحادث:
_ أم بلال شافتها لما كانت عندي وعزمتها، أنا مقولتش حاجة..
نفخ يوسف بصوت مسموع، خبط يديه على الطارة بعصبية واضحة ثم دعس على المحرك مرة أخرى وتحرك بالسيارة متجهاً إلى منزل خاله.
وصل إلى الحي الذي يسكن به خاله، صف السيارة أسفل البناية وردد بإقتضاب:
_ كلميها استعجليها عشان متأخرين.
"حاضر"
أردفتها السيدة ميمي ثم سحبت هاتفها وكادت أن تهاتف إيمان لكنها توقفت حين رأتها تقترب منهم، شكلت بسمة على ثغرها وكذلك بادلتها الآخرى ثم استقلت بجانب لينة، رحبت بهم إيمان بحميمية ثم انتبهت على كلمات لينة اللطيفة:
_ الدريس بتاعك جميل جداً.
شكرتها ممتنة:
_ شكراً، دي عيونك الجميلة، الدريس بتاعك حلو برده بس ليه مختارة لون غامق كدا مغمق بشرتك؟!
تفاجئت لينة بردها الوقح بينما تولى يوسف مهمة الرد عليها بعدما أعدل المرأة على وجهها مباشرةً:
_ تقريباً أنتِ محتاجة نضارة يا إيمان!!
كان رداً أفحم إيمان ولم تجرأ على التعقيب من فرط صدمتها المختلطة بالخجل، طالعته والدته بغضب ثم حمحمت لكي يصلح ما اقترفه في حقها، بادلها يوسف النظرات وبنبرة غير مبالية أردف:
_ مش كان خالي قال حاجة زي كدا تقريباً؟! كنت بسأل يعني هتعملها امتى؟
أعاد يوسف أنظاره في المرآة ليرى وجه إيمان الذي أسود من كظم غيظها وتابع متسائلاً:
_ ها هتعمليها امتى؟
حمحمت إيمان بحرج بائن ثم رفعت بصرها على المرآة ذاتها لترى عينيه التي تطالعها، وبصوت متحشرج أجابته بهدوء:
_ أنا مش محتاجة الحمدلله، يمكن أنت فهمت غلط ولا حاجة.
حرك يؤسف رأسه بعدة إيماءات وهو يتمتم:
_ ممم يمكن كان يقصد أسامة بقى..
أسندت لينة رأسها على نافذتها الزجاجية ولم تمنع تشكل ضحكتها السعيدة على شفتيها الوردية اللامعة، لم ترى عينيه التي ابتسمت تلقائية فور رؤيته بإبتسامتها.
ساد الصمت بين الجميع حتى وصلا إلى المكان المقام به حفل الزفاف، صف يوسف السيارة في أحد الأماكن الخالية وكان هذا يبعد عن مكان الحفل عدة أمتار قليلة لعدم وجود مكان خالٍ بالقرب من مكان الزفاف.
تقدم يوسف أولاً لكي يأمن لهم الطريق لكي لا تؤذيهم أي سيارة قد تمر بسرعة عالية، انتبهت لينة على اكسسوارها الذهبي الذي لم يكن في يدها كما وضعت، توقفت عن السير في منتصف الطريق ونظرت خلفها باحثة عن اكسسوارها ولم تلاحظ تلك السيارة التي تقود نحوها بسرعة فائقة.
لم يراها أحد سوى يوسف الذي كان يتابع مرورهن من خلفه من حين لآخر كلما تخطى مسافة بسيطة، لم يشعر بقدميه التي أعادته إليها ثم لَقِفها بين ذراعيها مبعداً إياها عن السيارة التي شعر بحكتها في جانبه الأيمن.
صرخت السيدة ميمي بذعر شديد حين رأت احتكاك السيارة بيوسف، هرولت نحوه راكضة وكذلك تبعتها إيمان بتوجس شديد خشية مكروه قد أصابه.
أوقف السائق السيارة وترجل منها ثم هرول نحوهم ليتأكد من أنه لم يصيب أحدهما بسوء، وسألهم بنبرة لاهثة:
_ أنتوا كويسين، حد حصله حاجة، أنا بجد متأسف بس هي وقفت قدامي فجاءة و...
فشل في مواصلة حديثه فلم يكن هناك كلمات قد يقولها يمكنها أن تشفع له، أزاح يوسف يديه من على لينة التي تجمدت مكانها وكأنها باتت كالحجارة لا تنطق ولا تتحرك، حدجها بخوف وسألها بنبرة مهزوزة:
_ أنتِ كويسة.
لم تجيبه من صدمتها التي لم تخرج منها بعد، أحاطها يوسف بيديه وهو يردد:
_ امشي نرجع العربية..
بصعوبة بالغة قابلتها لينة حركت قدميها ببطئ شديد حتى وصلا جميعهم إلى السيارة، فتح يوسف الباب الخلف لها وساعدها على الجلوس، ثم جلس القرفصاء أمامها، يريد الإطمئنان عليها فحسب، فسألها بهدوء:
_ خلاص مفيش حاجة حصلت، أنتِ كويسة.
جذب انتباهه يديها المرتجفة فأعاد النظر إليها ليطمئنها مرة أخرى:
_ الموضوع عدى يا لينة خلاص اهديا.
ازدادت رجفة يديها فصاحت ميمي بخوف:
_ أصل تكون دي الحالة اللي بتجيلها يا يوسف.
فكانت تأتيها حالة من عدم الإستيعاب لبضعة ثوانِ ولا تصغي لما يقال من حولها، لقد اكتشفوا هذا الوضع بعد سفر تؤامها مباشرةً كلما حزنت، وعملوا كثيراً على إنسائه لها لكنه دوماً يعود إليها في أوقاتها الأكثر خوفاً وحزناً، التفت يوسف برأسه وطالع والدته لبرهة ثم عاد بنظره إلى لينا التي باتت رجفة جسدها واضحة للجميع، حاول أن يهدئ من روعه ثم أمسك بكلتى يديها وربت عليهم بقوة وهتف:
_ لينة، أنا هنا محصلش حاجة، بصيلي يا لينة.
بعد محاولات كثيرة من يوسف حركت لينة بؤبؤتيها عليه فابتسم هو لها، ثم هتفت ميمي متسائلة بتوجس:
_ أنتِ كويسة يا لينة، نوديكي المستشفى؟
حركت لينة رأسها رافضة وقالت بنبرة تكاد تُسمع:
_ لأ، أنا كويسة..
أخفضت بصرها على ذلك الجالس أمامها وطالعته بأعين لامعة، انتبهت تلك يديه التي تحتضن يديها الصغيرة فلم تمنع إبتسامتها من التسلل والرسوم على ثغرها ثم شدت على يده ممتنة لوجوده.
قطعت إيمان تلك اللحظة الحميمة التي أشعلت نيران الغيرة داخلها بهتافها الغاضب:
_ مش فاهمة أنتِ إزاي تجازفي بحياتك وحياة يوسف بالشكل دا، كنتي بتفك....
هاجمها يوسف معنفاً إياها بعدما سحب يديه واستقام في وقفته:
_ خلاص..
لم تصمت إيمان تلك المرة، يكفى سخافة إلى هذا الحد، فتابعت هتافها بتذمر:
_ لا مش خلاص، أنت كان ممكن يحصلك...
قاطعها للمرة الثانية بنبرته المنفعلة:
_ لما أقول خلاص يبقى خلاص، متدخليش أنتِ.
طالعها بوجه عابس يحوي من الغضب قدراً، لم تتحمل إيمان نظراته وإهانته فهي لا تريد نظرات غاضبة كتلك وأخرى باردة كأسلوبه معها، أولاتهم ظهرها وعادت حيث جائت فانهالت والدته عليه بالكلمات المعاتبة:
_ والله عيب تكلمها كدا قدامنا، مش فاهمة أنت بتعامل البنت دي كدا ليه، يا أخي دا حتى هي بنت خالك مش من الشارع!!
وقعت كلمات ميمي على آذان لينة كالصاعقة، رفعت لينة رأسها وطالعتها بأعين مصدومة، تكاد تجزم أنها سمعت صوت تحطيم قلبها الذي تفتت إلى أشلاء ترى بالعين المجردة.
رمشت بعينيها مرات عديدة ولازالت تنظر إليها لعلها تعيد إصلاح ما تفوهت به للتو، أولاتهما السيدة ميمي ظهرها وتوجهت إلى إيمان لكي تطيب خاطرها حتى لا يحدث سوء تفاهم بينها وبين شقيقها من خلف حماقة يوسف المتكررة.
وقفت لينا الذي انتبه لحركتها يوسف واستدار إليها مشكلاً إبتسامة عذبة على محياه رغم بركان غضبه الثائر داخله ففجائته هي بسؤالها:
***
تفتكروا لينة هتقول إيه؟
مستنية رأيكم وتحاليلكم وريفيوهاتكم ♥️
دمتم بخير
•
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل التاسع 9 - بقلم تسنيم المرشدي
"هي تقصد إيه؟"
خرجت الكلمات من فاه لينا متسائلة بنبرة مرتجفة تخشى سماع الإجابة.
على الجانب المقابل، قطب يوسف جبينه بعدم فهم، فلم يستشف الذي يدور في عقلها حول ذلك السؤال، فأجابها بتلقائية عابثة:
"معرفش، هي بتتكلم عن معاملتي لـ..."
توقف من تلقاء نفسه حينما تجمعت الصورة بوضوح في عقله. مال برأسه قليلاً وحدقها بنظراته الثاقبة ثم رد متسائلاً بنبرة باردة:
"أنتِ.. تقصدي إيه بسؤالك دا؟"
شعرت لينة بالخجل الشديد، فتراجعت خطوة للخلف ونكست رأسها، فهي لا تجرؤ على مواجهته والاعتراف بما استحثته من كلمات ميمي.
أرخى يوسف أعصاب وجهه فباتت ملامحه هادئة، ثم لوى شفتيه ساخراً من سذاجتها. لم يحب أن يطيل في الأمر الذي لا معنى له. حمحم وهو يحك مؤخرة رأسه وأردف باقتضاب:
"يلا ندخل القاعة، ملهاش لزوم الواقفة هنا."
رفعت عينيها عليه فتفاجأ يوسف بتلألؤ العبرات فيهما. ابتلع ريقه فلم يستطع مقاومة تلك العبرات، تعجب من تلك الوخزة التي شعر بها في يسار صدره. لم يتحملهم، فأولاها ظهره وحثها على السير قائلاً:
"يلا."
سارت إلى جواره وتوجها معاً إلى مكان الحفل. كانت لينة تختلس النظر إليه دون أن يلاحظها. لم تعتاد ذلك الهدوء مطلقاً. دخلا كليهما القاعة ثم بحث يوسف عن والدته وتابع سيره نحوها، فلم تعطيه وجهًا. لقد كانت ضجرة من تصرفاته.
سحب يوسف كرسيًا لتلك الواقفة وأشار إليها بالجلوس، ثم أولاهن ظهره وغادر باحثًا عن صديقه، أو ربما الهروب منهن، فعقله يكاد ينفجر من كثرة التفكير.
لم يشعر بتلك الأعين التي تتابع خطواته بدقة. لم ترفعن أعينهن عنه سواء كانت إيمان أو لينة. فإيمان ترمقه بنظرات بها مزيج من الغضب والحب، تثور لعدم اهتمامه بها. فقط تتمنى أن ينظر في عينيها، تجزم أنه سيستشف عشقها المهيمن به. سيرى عبارات الحب الذي تكنه له، سيفهم مشاعرها التي تلومه في كل لحظةٍ عاملها بقسوة، سيسمع قلبها الذي ينبض فقط حين تراه عينيها. فقط لو ينظر إليها مرة واحدة، مرة واحدة فقط حتمًا سيتغير كل شيء!
على الجانب الآخر، كانت تطمح كثيرًا في أن تنهض وتشاركه وقوفه، أو ربما تساعده في البحث عما يريد. كانت تختنق من جلوسها هكذا ومطالعته من بعيد، تشعر بالحاجة الشديدة لاقترابها منه. فقط كل حلمها أن تحيا بجواره، هو دون غيره. لكن هل يراها هو؟
هل يشعر بها؟
لن تكذب أنها شاغله الأساسي، لكن هل يكن لها حبًا غير حبه الأخوي؟! هل يمكن أن تنعكس مشاعره يومًا وتتحول إلى حب كالذي يخلق بين الحبيبان؟!
إنه حلم جميل للغاية، تتمنى أن يصبح حقيقة.
تنهدت لينة بضجر فلم تستطع الجلوس مكانها وهي تراه يقف بمفرده. نهضت وتوجهت نحوه دون تردد. شعرت بضيق ملامحه فخمنت أنها السبب. وقفت إلى جواره وانتظرت انتهائه من مكالمته الهاتفية الذي أنهاها بقوله:
"تمام أنا مستنيك على الباب."
حمحت وسألته بعفوية كوسيلة لإخباره بقدومها:
"دا بلال؟"
التفت يوسف برأسه وتفاجأ بها ثم سألها بعبوس:
"أنتِ قومتي من مكانك ليه؟"
أجابته وهي ترمق المكان من حولها بملل:
"الجو رخم والعروسة لسه مجتش وبصراحة حسيت إنك زعلان، فجيت أشوف مالك."
ببرودٍ رد يوسف وعيناه على الباب في انتظار حضور صديقه:
"لا مش زعلان، هزعل ليه؟"
اقتربت منه خطوة وشبكت كفوفها في بعضهما، ثم أردفت بنبرة خجولة:
"عشان سؤالي برا و.."
قاطعها يوسف بجمود:
"أنتِ شايفة إني مش من حقي أضايق لما أحس إنك شيفانا مش عيلتك؟!"
نكست لينة رأسها وعضت على شفاها السفلى بحرج شديد. حاول يوسف أن يهدئ من عصبيته، أخرج تنهيدة وعاد إليها بنظره وهتف:
"روحي أقعدي يا لينة، نتكلم بعدين."
رفضت أن تغادر قبل أن تقوم بمصالحته. رسمت ابتسامة رقيقة على محياها وأردفت بنبرة مختلفة كليًا، كانت تستخدمها في بعض الأحيان إن تطلب الأمر، لكنها تستعمل فقط من أجل يوسف دون غيره:
"طيب ولينة لو قالتلك إنها مكنتش تقصد بجد هتقول إيه؟"
في تلك الأثناء حضر بلال الذي سمع ما قالته لينة. انتظر مكانه حين شعر أن هناك ثمة أمر ربما يكون كبيرًا. زفر يوسف أنفاسه فخرجت عصبيته مع أنفاسه وتبخر حزنه. شكل بسمة على شفتيه وبنبرته الرخيمة قال:
"هقولها محصلش حاجة."
اتسعت ابتسامة لينة بسعادة فوجه يوسف لها أمرًا بلطافة:
"يلا ارجعي مكانك."
أومأت له بقبول وعادت إلى مكانها ولم تكترث لنظرات إيمان المشتعلة، بل كانت تغمرها السعادة لنجاحها في محو أي خلاف بينهما.
لم يستطع بلال الوقوف مكانه لوقت أكثر، وجاور صديقه بعينين جاحظتين. وبنبرة مذهولة رد:
"إيه اللي حصل دلوقتي دا؟! هو إيه اللي لينة لو قالتلك إنها مكنتش تقصد فترد تقولها محصلش حاجة، بالسهولة دي اترضيت!
دا أنا محتاج أقعد معاها بقى عشان تعلمني بتعمل كدا إزاي بدل عمري اللي مقضي نصه أصالحك فيه دا."
انفجر يوسف في الضحك، لم يستطع السيطرة على قهقهته التي استمرت لما يقرب الدقيقة تحت نظرات بلال المذهولة لما شاهده بأم عينيه، فلقد عانى كثيرًا معه إن تسبب في مضايقته بدون قصد، فما هذا الهراء الآن.
وضع يوسف يده على ظهر بلال وربت عليه ثم هتف وهو يطالع نقطة ما خلفه:
"تعالى نبعد من هنا، أختك وصلت."
لم يلتفت بلال ولم يثيره شيء سوى يوسف الذي تهاون في محو خلافه بتلك السهولة. لم يكف يوسف عن الضحك كلما رأى نظرات بلال عليه. وقفا بعيدًا عن الممر التي ستسير منه العروس وشاهدا لحظة استقبالهم في صمت يشوبه الإعجاب بما يحدث أمام مرأى عينيهم.
نهضت لينة عن مقعدها ثم انحنت بقرب أذن السيدة ميمي وقامت بالهتاف إليها:
"هخرج أرد على شهد، لأني مش سامعاها من هنا."
وافقت السيدة ميمي ثم نبهت عليها قبل أن تذهب:
"متتأخريش."
أومأت لها لينة بقبول ثم ابتعدت عن المكان، قاصدة الخروج لكي تجيب على هاتفها بعيدًا عن تلك الضجة. لمحها يوسف الذي كان يتابع الطاولة خاصتهم من آن لآخر فتوجه نحوها دون تردد ليعلم إلى أين هي ذاهبة.
وقفت لينة أمام مجموعة من الشباب، في انتظار تنحيهم جانباً لكي تمر، لكن المكان كان مزدحمًا ولم يستطع أحدهم التحرك من مكانه. شعرت لينة بالفزع حين شعرت بهمس أحدهم من خلفها:
"بتعملي إيه هنا؟"
وضعت راحة يدها على صدرها تطمئن قلبها حين عرفت هويته من نبرة صوته، ثم استدارت إليه موضحة بصوت عالٍ لكي يسمعها:
"هرد على شهد، المكان هنا دوشة أوي ومش سامعة."
هاتف يوسف الوضع فتخطاها بجسده وأزاح بيديه الشباب الواقفين أمامه. لم يتجرأ أحدهم على التطاول والاعتراض، بل كانوا يتنحون جانبًا حتى بات هناك مكان يمكنها السير فيه. تقدمت بخطوات سريعة حتى أصبحت خارج المكان وأجابت على هاتفها:
"الو، أنتِ فين يا شهد؟"
جاءها الرد من الطرف الآخر التي أخبرتها أنها ستصل في غضون دقائق معدودة. أغلقت لينة الهاتف ونظرت إلى يوسف الذي تحدث وهو يكتم ضحكاته ما أن وقعت عينيها عليه:
"لا بس الـ matching (التطابق) فظيع."
شعرت لينا بالخجل يجتاحها من كلماته التي يثير بها وتر حساس للغاية لديها. عضت على شفاها السفلية شاعرة بتلك الحرارة في وجنتيها، حتمًا من فرط الخجل.
قهقه يوسف قاصدًا ذلك، ولن يطيل في الأمر فأخبرها بحضور صديقتها بلهجة مازحة:
"ريا وصلت."
رفعت لينة رأسها ورمقته متعجبة فأوضح ذلك وهو يشير بعينيه خلفها:
"قصدي صاحبتك وصلت."
حمحم ثم تابع:
"أنا هقف على الباب عشان أعديكي يلا متطوليش في وقفتك هنا."
أولاها ظهره وتوجه ناحية الباب ووقف ينتظر عودتها كما أمرها، بينما التفتت الأخرى لتستقبل صديقتها. رحبت بها وبعائلتها التي تركوا لهن المساحة للحديث وولجوا هم للداخل.
تبادلن العناق ثم حضر على ذهن لينة لقب يوسف لصديقتها فانفجرت ضاحكة مما أثار الفضول داخل شهد التي بادرت في سؤالها عن سبب ضحكها المفاجئ:
"أنتِ بتضحكي على إيه؟"
حركت لينة رأسها يمينًا ويسارًا نافية أن هناك أمرًا، وأردفت حين تحكمت في ضحكاتها:
"مفيش، تعالي ندخل يلا."
لمحت شهد طيف يوسف الذي يختلس النظر فصاحت مهللة:
"روميو واقف هناك أهو."
لكزتها لينة بقوة في كتفها وعاتبتها معنفة:
"ملكيش دعوة بيه ومتبصيش نحيته تاني."
حركت شهد فمها بحركة ساخرة وهي تردد ما قالته لينا:
"ملكيش دعوة بيه ومتبصيش نحيته تاني."
لكزتها لينة للمرة الثانية لكن بقوة أشد فآنت شهد بألم وهي تملس على كتفها:
"حرام عليكي إيدك جامدة."
في تلك الأثناء انتبه يوسف لدخول شقيقه بصحبة بعض الشباب. اعتدل في وقفته ونصب عينيه على الفتاتان جيدًا. على الجانب الآخر هتفت لينة حين رأت زياد مع أصدقائه:
"أخوكي جه."
التفتت شهد برأسها ثم عادت إليها ورددت:
"طيب يلا ندخل بدل ما يتعصب عليا."
قلبت لينة عينيها ساخرة:
"أنتِ بتخافي منه بجد، دا أمجد يابنتي!!"
شبكت شهد يدها في ذراع لينا وحثتها على السير ثم أجابتها بازدراء:
"آه صعب أوي في قلبه."
تقوس ثغر لينة بابتسامة عريضة حين راودتها ذكرى تلك الصفعة التي لازال صوتها يدوي في أذنها من شدته. رفع أمجد يديه وتحسس وجنته بغضب حينما رأى لينة، فكان يشعر بالألم في كل مرة يراها بها. إلى الآن لم يشفى من صفعتها، مهما مرت السنين يزداد غضبه منها لكن ما باليد حيلة، أنه على علم بما سيصيبه إن تجرأ واقترب منها، فإن كانت صفعة واحدة لا تُنسى فماذا سيفعل أمام ردة فعل يوسف؟!
"مالك يابني، وقفت كدا ليه؟"
خرج أمجد من شروده على سؤال زياد. طالعه لبرهة ثم رد بتجهم:
"مفيش.."
تابعا سيرهما للداخل والغضب داخل أمجد يزداد كلما مرت الأيام ولم يأخذ بثأره من تلك الفتاة التي تركت بصمتها على وجهه. كيف لا يستطيع الانفراد بها وتلقينها درساً لربما يشعر ببعض الراحة حينذاك.
على الرغم من تنقله المستمر من مكان لآخر إلا أن عينيه كانت مسلطة عليها طوال الوقت، فقط ينتظر اللحظة المناسبة حتى ينفرد بها ويرد لها الصاع أضعاف.
مر وقتًا كان ممتعًا للبعض والبعض الآخر كان ثقيلاً مملاً. ضجرت لينة من عدم فعلها لشيء وذلك كان المعتاد، فانسحبت من بينهن بعدما أخذت إذنًا لذهابها إلى المرحاض من السيدة ميمي.
أشارت لينة إلى صديقتها الجالسة مع عائلتها لكي تلحق بها فأماءت لها الأخرى بقبول ثم نهضت لتلحق بها إلى الخارج. كان يتابع ما يحدث في صمت وشعر أنها فرصته للانتقام منها. نهض ولحق بشقيقته قبل أن تصل إلى الخارج. شد على ذراعها وبنبرة غاضبة أمرها:
"ما تقعدي بقى كل شوية رايحة جاية والشباب بيبصوا عليكي، ارجعي مكانك."
حاولت شهد أن توضح له الأمر وما فيه بلطافة حتى لا يمنعها:
"أنا بس هشوف لينة عايزة إيه وهر..."
قاطعها أمجد بحنق وبعصبية مبالغة هتف:
"قولتلك ارجعي مكانك، أصل والله أقول لابوكي وأنتِ عارفة ممكن يعمل فيكي إيه."
تأففت شهد بضجر بائن ثم أولته ظهرها وعادت إلى الطاولة، والعبوس دون غيره قد تشكل على وجهها. بينما خرج هو حينما تأكد من جلوس شقيقته. بحث عنها فلمح طيف فستانها يختفي خلف باب المرحاض. وقف يفكر في فكرة ما تطفئ من لهيب غضبه المشتعل، فلم يجد سوى تلك الفكرة التي راودته لحظتها.
ظل يتلفت ويتفحص المكان من حوله جيدًا، وعندما لم يرى أناس بالقرب منه، توجه إلى المرحاض الخاص بالسيدات واختلس النظر سريعًا من حوله مرة ثانية ثم أوصد الباب وغادر سريعًا قبل أن يراه أحد.
انتبهت لينة لصوت غلق الباب، فتوجهت إليه ظنًا أن صديقتها قد حضرت، لكنها لم تجد أحد. بحثت جيدًا والنتيجة ذاتها. وقفت أمام الباب وأدارت مقبضه والمفاجأة أنه لم يُفتح. انقبض قلبها لحظتها بذعر سيطر عليها، لكنها حاولت أن تهدأ فالأمر لن يخرج عن صديقتها، حتمًا تمازحها كعادتها.
هتفت لينة عاليًا متوسلة إياها:
"شهد بلاش هزار سخيف، افتحي الباب."
تأففت لينة بضجر فالأمر قد فاق الحماقة. طرقت الباب بعنف وصاحت بنبرة ضجرة:
"يا شهد مبحبش كدا، بجد هقفش."
أسندت رأسها على الباب بقلة حيلة وهي تتمتم:
"يا شهد.."
لقد تأكدت أن الأمر خارج صديقتها، فهي لن تبالغ هكذا. أغمضت عينيها في محاولة منها على تهدئة روعها. شعرت بالاختناق يعصف بها وكأن الجدران تطبق على صدرها.
لم تمر ثوانٍ إلا وقد استمعت إلى ذاك الصوت الذي صدح. ابتعدت عن الباب وحاولت فتحه ففُتح تلك المرة. تنفست الصعداء وهمت بالخروج سريعًا. شاهدته وهو يهرول راكضًا مبتعدًا عن المكان.
ركضت خلفه وهي تناديه بصوت عالٍ:
"استنى، أقف كلمني، أنت اللي فتحت لي؟"
لم يجيبها بل تابع هرولته إلى الخارج فتبعته هي بإصرار واضح لمعرفة ما إن كان هو أم لأ. ثم أعادت محاولاتها مرارًا لإيقافه متوسلة إياه:
"لحظة بس، طيب أنت عرفت منين إني جوا؟"
جمعت لينا الأحداث فأدركت حينها أنه من فعل ذلك، فهروبه دليل على فعلته. فلم يكن أمامها سوى تحذيره لكي يقف وتتأكد من حدسها:
"لو موقفتش هقول ليوسف.."
توقفت قدميه فور تلقيه تحذيرها. ابتلع ريقه بتوجس، فهو يخشى مواجهة يوسف. في الماضي عندما كان صغيرًا أمر بضربه دون رأفة لعمره الصغير، فماذا سيفعل معه بعدما أصبح رجلاً بقدر الحائط؟!
استدار إليها وملامحه تبدو خائفة. اقتربت لينة منه وسألته باستفسار:
"أنت عملت كدا ليه؟"
لم يجيبها على الفور، بل ظل يطالعها في صمت مريب. أعادت هي سؤالها بنبرة حادة:
"ها، سمعاك."
كهرب أمجد بعينيه وبصعوبة بالغة هتف:
"كنت عايز أخوفك، بس مقدرتش.."
تعجبت لينة من تصريحه، فلماذا يريد إخافتها؟ قطبت جبينها بغرابة من أمره ورددت بعدم فهم لما صرح به:
"تخوفني! أنا بيني وبينك إيه عشان تخوفني؟"
لم يرفع نظره عليها بل ظل منكس رأسه وهو يجيبها بخزي واضح:
"أنا لسه منسيتش القلم، لسه مكانه بيوجعني كل ما بشوفك، وكنت عايز أعمل حاجة تخليني أهدى شوية، بس حتى فشلت إني أنتقم منك.."
لم تصدق لينة ما وقع على مسامعها. انتقام ماذا حبًا في الله الذي يحدثها عنه. حركت رأسها بعدة إيماءات لا تستوعب حقًا سذاجة حديثه. لم تمنع نفسها من السخرية في استرسالها:
"إحنا كنا عيال!!"
"بس تقريبًا أنا كبرت لوحدي وأنت لسه زي ما أنت عشان تفكر كدا!"
رفع أمجد بصره عليها بذهول فرمقته هي بنظرات احتقارية وهدرت به شزرًا:
"مقرف."
كادت أن توليه ظهرها إلا أنه توسلها قائلاً:
"وغلاوة شهد عندك متقوليش ليوسف حاجة."
انقبض قلبه حين رأى خروج زياد. لم يقف لثانية أخرى وأسرع خطاه إلى الخارج هارباً من صديقه. بينما تعجبت لينة من هروبه المفاجئ وظلت تتابعه بعينيها إلى أن اختفى من أمامها.
"أنتِ كنتي بتتكلمي مع أمجد ولا أنا بيتهيألي؟"
حشرت لينة فزعها داخلها إثر سؤاله المفاجئ. أوصدت عينيها لثانية تعود إلى صوابها ثم التفتت إليه وأردفت ببرود:
"بيتهيقلك."
تخطته فأسرع زياد في محاوطة ذراعها فحررت هي ذراعها من بين قبضته وحذرته معنفة:
"إلزم حدودك معايا يا زياد، وإيدك تاني مرة متلمسنيش."
أولته ظهرها وعادت إلى الحفل بوجه عابس لاحظه الجميع. لكن لم يعقب أحد فليس بوقت سؤال. نهضت إيمان مبتعدة عن مقعدها واقتربت من عمتها ثم انحنت على أذنها وهتفت بصوت مرتفع لكي تسمعها الأخرى:
"عمتو أنا همشي لأني اتأخرت."
لحقتها السيدة ميمي قائلة وهي تبحث بعينيها على أولادها:
"استني حد يوصلك م..."
قاطعتها إيمان وهي تشير إلى الهاتف:
"لا لا أنا طلبت عربية وخلاص على وصول مش هينفع ألغيها، خليكم أنتوا هبقى أطمنك عليا لما أوصل."
اضطرت ميمي للقبول، ثم نهضت لتوديعها. قبلتها بحرارة ثم غادرت إيمان دون أن تعير لينة أي اهتمام. كذلك الأخرى لم تنتبه على ذهابها من الأساس.
لمح بلال طيف إيمان التي تجاهد للمرور بين الجميع لكي تصل إلى الخارج. لم يتردد في اللحاق بها لعله يحظى بحديث معها حتى وإن كان عابرًا.
تعجب من وقوفها دون فعل شيء سوى مطالعة الهاتف من آن لآخر. تردد كثيرًا في التدخل لكن قلبه قد تغلب على معتقدات عقله وذهب إليها.
حمحم قبل أن يردف سؤاله بنبرة رخيمة:
"مستنية حد؟"
تعجبت إيمان من تلك النبرة الغريبة. التفتت برأسها وقد شعرت بالغرابة المختلطة بالخجل، وأجابته بصوت متحشرج:
"مستنية أوبر."
عقد بلال حاجبيه مبديًا استيائه من ردها. ثم أردف بعتاب:
"أوبر وأنا موجود، ميصحش."
ازدادت غرابة إيمان منه، فما هذه الثقة التي يحادثها بها، فلم تراه سوى مرات معدودة. اعترضت طلبه الذي سيليه عرضه لتوصيلها بلطف:
"متشكرة جدًا، بس أنا خلاص طلبت العربية، مش حابة أتعبك."
بعفوية مبالغة قال:
"يا خبر تعب إيه بس، ثواني هجيب العربية وأجي."
كادت إيمان أن ترفض عرضه الصريح فالسيارة التي قامت بطلبها على وشك الوصول، لكنه لم يعطيها فرصة لقد اختفى من أمامها على الفور. وضعت أصابعها على وجهها وهي تحاول فهم ما يحدث لكنها فشلت.
وأخيرًا وصلت السيارة فأسرعت إيمان نحوها لكي تهم بالمغادرة قبل مجيئه. فتحت بابها لكنها تفاجئت بترجل بلال من سيارته التي أوقفها في الاتجاه المعاكس لهما. واقترب من السائق ثم انحنى بجسده مستندًا على نافذته لكي يحادثه:
"بقولك يا باشا بكام الرحلة اللي بدأتها للأنسة؟"
طالعه السائق بغرابة وردد بدون استيعاب:
"نعم؟!"
وضح له بلال ما يوجد خلف سؤاله بقوله:
"الآنسة خلاص هتروح معايا، وأنت أكيد بدأت رحلتك على الأبليكشن فقولي كنت هتاخد كام وأنا أحاسبك عشان متخسرش."
أخبره السائق بالمبلغ المطلوب فأعطاه له بلال ثم انطلقت السيارة بعيدًا عنهما تحت نظرات إيمان المذهولة. لم ترى في جرأته من قبل. ابتسم لها بلال بعذوبة ثم أشار على سيارته وأردف بلطف:
"اتفضلي."
لم تبرح إيمان مكانها فالدهشة كانت سيدة الموقف. تحاول فهم تلك الشخصية القاطنة أمامها لكنها لم تصل لشيء. تفهم بلال الوضع وحاول وضع حلاً يقنعها:
"كذا كذا كنتي هتروحي مع واحد غريب، اعتبريني أوبر."
تحركت إيمان نحوه واستقلت المقعد الخلفي. لم يعقب بلال على ذلك يكفيه أنها سترافقه في سيارته ويكونان بمفردهما.
كان يختلس النظر إليها من المرآة من حين لآخر. لا يعرف وصف تلك السعادة التي تغلغلت بداخله. أراد خلق حديث معها فبدأ بإعتذار على سخافة تصرفه:
"أنا آسف على اللي عملته، بس مش بقدر أشوف حد أعرفه ومساعدوش، وخصوصًا إنك تبع يوسف، وطالما هو بيعتبرك أخته، يبقى أنتِ في اعتبار أختي برده."
صعقت إيمان من كلماته. حتمًا يوسف من أرسله إليها ليخبرها بتلك الكلمات الغبية. بينما لعن بلال لسانه الذي صرح بأنها في اعتبار الشقيقة. شعر بالاختناق يجتاحه من خلف حماقته.
التزم الصمت إلى أن وصل إلى منطقتها. شكرته إيمان مرارًا ثم ناولته ورقات نقدية وأردفت ممتنة:
"شكراً ليك بس أنت ملكش ذنب تدفع لي تمن أوبر."
اعترض بلال ورفض أخذ أي نقود منها وعاتبها قائلاً:
"لا والله مش هاخد حاجة، خلاص كدا خالصين."
لم تنجح إيمان أمام إصراره على عدم أخذ النقود. شكرته مرة أخرى ثم ترجلت من السيارة وصعدت إلى منزلها. بينما كان يحرك هو رأسه متابعًا إياها حتى اختفت تمامًا.
ضرب الطارة بعصبية شديدة وصاح محدثًا نفسه بازدراء:
"أختك! يا أخي منك لله."
تأفف بضجر ثم حرك السيارة بسرعة فائقة لكي يعود سريعًا إلى الحفل أن يفوت شيئًا.
بعد مدة كافية انتهى الحفل بسلام. انسحب يوسف بمن معه أولاً قبل ازدحام الجميع على بوابة الخروج. فتح لهن السيارة ثم انتبه على نداء أخيه من خلفه. استدار إليه فأشار إليه زياد بالاقتراب.
توجه يوسف إليه وسأله بفضول:
"عايز إيه؟"
اقترب منه زياد وانحنى على أذنه فقامته كانت أطول من يوسف وهمس إليه ببعض الكلمات فاحتدت تعابير يوسف إثرها. ابتعد عنه زياد حين انتهى من إخباره بما لديه فتفاجأ بأمر يوسف:
"طب يلا اركب."
"لا أنا هرجع مع صحابي."
هتف بهم زياد معارضًا لأمر أخيه فطالعه يوسف بنظرات لا تحتمل النقاش وهدر من بين أسنانه بعصبية:
"مش هعيد كلامي تاني."
أولاه يوسف ظهره وتوجه إلى السيارة بينما تمتم زياد بحنق:
"يعني هي تغلط وأنا أشيل الليلة."
توجه إلى السيارة وبدل مكانه مع والدته التي جاورت لينة في الخلف. لاحظ الجميع انعكاس حالة يوسف الواضحة، لكنهم فضلوا الصمت لحين عودتهم.
دفع يوسف الباب فكان آخر من دلف الشقة. تنهد ثم صدح سؤاله الذي اهتزت له أعمدة المنزل:
"كنتي واقفة مع أمجد ليه يا لينة؟"
صعقت لينة من سؤاله الذي فاجأها. استدارت لتنظر إليه وقبل أن تجيبه تابع هو بحدة:
"ومتكذبيش عليا."
وقفت ميمي تتابع ما يحدث بتعجب. بينما كان يرمقها زياد بتشفي. فإن حاولت الكذب عليه فلن تستطيع أمام يوسف.
شهيقًا وزفيرًا فعلت لينة ثم أجابت على سؤاله وهي تطالع زياد بنظرات مشتعلة:
"أنا كنت في التويلت واتقفل عليا الباب.."
حركت رأسها باتجاه يوسف الذي ينتظر متابعة الحديث، فواصلت هي قائلة:
"وهو اللي فتح لي.."
حالة من التعجب المصاحب للغرابة قد تملكت من الجميع. فالحديث ناقص ولا يتماثل مع بعضه، هناك ثمة شيء مريب يجهلوه. تدخل يوسف مرة أخرى بعشرات من الأسئلة:
"وهو عرف منين إنك في الحمام؟! وعرف منين إن الباب مقفول ويعني إيه أصلاً الباب يتقفل عليكي؟!"
ابتلعت لينة ريقها فإجابتها حتمًا ستتسبب في كارثة. لكنها أهون من نظرات الاتهام في عيني يوسف. زفرت أنفاسها ثم أخبرته بالحقيقة:
"هو اللي قفل الباب عليا، تقريبًا كان متابعني واستغل فرصة إني لوحدي وعمل كدا، بس مقدرش وجه فتح لي الباب، كنت عايزة أعرف هو إيه اللي حصل وخمنت أنه هو اللي عمل كدا..
فهددته إني أقولك عشان يتكلم.."
كان الجميع يصغي لكلماتها بعدم تصديق ودهشة واضحة. اقترب منها يوسف بعض الخطوات وقال متسائلاً بهدوء مخيف:
"وعمل كدا ليه؟"
نكست لينة رأسها فمواجهته عن قرب باتت أصعب. لكن لا مفر ولا بد من الاعتراف بالأمر كاملاً فتابعت باستياء:
"كان عايز ينتقم مني عشان ضربته بالقلم زمان!!"
تفاجئ يوسف بذلك. شد على يده بقوة فبرزت عروقه التي كادت أن تنفجر. أولاها ظهره وهو يتوعد داخله لذلك الفتى الذي جنى على نفسه. فتح الباب فلحقت به لينة وقامت بغلق الباب ثم وقفت أمامه فكانت حاجزًا منيعًا بينه وبين الباب وهتفت متوسلة:
"عشان خاطري متعملش حاجة، هو عقل وعرف غلطه مش مستاهلة نكبر الموضوع."
حاول يوسف منعها بنبرته القاسية وهو يمسك بمقبض الباب بيده:
"ابعدي من قدامي يا لينة."
رفضت أن تبتعد ثم وضعت كلي يديها على صدره مانعة إياه من الخروج:
"عارفة إني خاطري عندك كبير، مش عايزة مشاكل، تخيل إننا ربينا له عقدة بسبب قلم وإحنا كنا لسه مجرد عيال صغيرة، ما بالك لو حصلت مشكلة وهو كبير صدقني هنربي له عقدة تانية والمشاكل مش هتخلص.."
رققت لينة من نبرتها وواصلت توسلها:
"عشان خاطري يا يوسف."
طالعته في انتظار رجوعه عما ينوي فعله. بادلها يوسف النظرات ثم أخفض بصره على يديها الموضوعة على صدره. شعرت لينة بالحرج وسحبت يديها بهدوء وهربت بنظرها بعيدًا عنه لكنها لم تستطع الابتعاد قبل أن تتأكد من رجوعه وأنه لم يمسسه بسوء.
تدخلت ميمي قائلة:
"خلاص يا يوسف طالما عرف غلطته، متكبرش الموضوع يابني وتخلق بينا عداوة، إحنا في الآخر أهل وجيران."
لم يرفع يوسف عينيه من على لينة الخجولة. لم يشعر بتلك الابتسامة التي كادت أن تتشكل على ثغره إلا أنه لحق بها وحد من ملامحه فعادت كما كانت. انسحب من بينهم ولج غرفته. اعتلى طرف الفراش وطالع الفراغ أمامه لبرهة. ثم رفع يمناه ووضعها على صدره موضع يدي لينة. ثم أوصد عينيه وهو لا يدري ما الذي يحدث له.
في الخارج، استغل زياد فرصة أن الجميع قد دلفوا غرفهم وخرج هو ليبحث عن عديم الشرف ذاك ليلقنه درسًا يجبره أن يعيد التفكير مرارًا قبل أن يقترب من عائلته مرة أخرى.
صباحًا، ارتدى يوسف ثياب عمله والتي كانت بنطال جينز وقميصًا أسود. خرج من غرفته فتقابل مع والدته. ألقى التحية عليها ثم استرسل:
"متزعليش مني يا أمي عشان امبارح."
تنهدت ميمي وهي تطالعه بقلة حيلة وأردفت بدون مماطلة:
"تفتكر يعني أقدر أزعل منك، بس البنت بتصعب عليا من تصرفاتك معاها يا يوسف، عاملها كأنها أختك حتى لو مفيش أمل تشوفها زوجة."
حرك يوسف رأسه بقبول وتمتم:
"ربنا يسهل يا أمي، زياد فين مش موجود في الأوضة."
أشارت ميمي بعينيها على الخارج وأجابته:
"برا، بيفطر بيقول عنده امتحان."
صمتت ثم تذكرت شيئًا فأوقفته قبل أن يبتعد بقولها:
"استنى يا يوسف، عايزاك."
نظر إليها فتوجهت إلى غرفتها وعادت إليه في غضون ثوانٍ. مدت يدها إليه فظهرت بعض النقود التي كانت تمسك بهم وأردفت موضحة:
"دول فلوس المفارش اللي عملتها لأم بلال، خليهم معاك المصاريف زادت عليك أوي."
مد يوسف يده وأطبق على يدها قائلاً بامتنان:
"خليهم معاكي ياست الكل، الحمد لله أنا مش محتاج."
أصرت ميمي على أخذه النقود بقولها:
"أنا مش بعمل بيهم حاجة، أنت مش مخليني محتاجة لحاجة، فخليهم معاك يا حبيبي، مصاريف زياد على مصاريف لينة والبيت وأنا كتير أوي."
شكل يوسف بسمة على محياه وقال بنبرة راضية:
"والله يا أمي لو تعرفي ربنا مسهلها معايا إزاي، الحمد لله، أنا فعلاً مش محتاجهم اعملي بيهم أي حاجة دا تعبك أنتِ، ولو مصرة يعني ممكن تشتري بيهم هدوم بيتي لـ لينة."
عقدت ميمي حاجبيها بتعجب وسألته مستفسرة:
"هي قالتلك إنها محتاجة حاجة؟"
أسرع يوسف في نفي سؤالها وأعاد توضيح حديثه:
"لا لا، مقالتش حاجة، بس مش هنستنى لما تقول يعني يا أمي، شوفي وقت كدا تكون هي فاضية فيه ومفيش وراها دروس وانزلوا اشتروا كل اللي تحتاجه."
ربتت ميمي على كتفه ورددت بابتسامة راضية عنه:
"ماشي يا حبيبي، بإذن الله."
أولاها يوسف ظهره لكن سرعان ما عاد إليها وبحرج بائن هتف:
"ياريت يا أمي تجيبوا الهدوم واسعة.."
تعجبت ميمي مما قاله وسألته بفضول:
"ماشي بس هو فيه حاجة؟"
حمحم يوسف وبتردد واضح أخبرها:
"عشان تكون مرتاحة فيهم، بس يعني.."
على الرغم من أن كلماته لم تقنعها إلا أنها لم تطيل وذهبت لإحضار الفطور له، بينما خرج يوسف وهو يزفر أنفاسه براحة لأنها لم تعقب على هرائه.
سحب كرسي وجلس بجوار شقيقه وهو يهتف عالياً غير مصدق:
"عجايب الدنيا بقت ٨ بصحيانك بدري."
ضرب زياد جبينه براحة يده وهو ينفخ بنفاذ صبر:
"عجايب الدنيا هتبقى ٩ لو عديت صافي السنة دي."
هتف يوسف مشجعًا إياه ببعض الكلمات:
"لا اتجدعن كدا مش هقبل بدرجات أي كلام."
رفع زياد يديه للأعلى داعيًا ربه:
"ربك يسهل."
حضرت ميمي ومعها صحنان من الشطائر ووضعت إحداهما أمام يوسف ثم توجهت إلى غرفتها فتساءل يوسف بفضول:
"أنتِ رايحة فين؟"
باختصار أجابته:
"هدي الفطار لـ لينة."
قطب يوسف جبينه وأعاد سؤالها بقلق قد راوده:
"هي تعبانة ولا إيه؟"
أومأت السيدة ميمي برأسها مؤكدة سؤاله وقالت:
"شوية.."
نهض يوسف عن مقعده ثم أعاد الشطيرة التي كانت بيده في الطبق واقترب من والدته وهو يقول:
"مالها في إيه؟، خليها تلبس ونروح للدكتور."
أسرعت ميمي في تهدئة روعه وطمأنته بكلماتها:
"أهدى يا يوسف الموضوع مش مستاهل."
وكأنها لم تقل شيء، لم يكترث وهتف متلهفًا:
"قولي لها تلبس بس."
لم تنجح ميمي في السيطرة على قلقه فاقتربت من أذنه وأخبرته عن سبب مرضها لكي يهدأ. شعر يوسف لوهلة بالحرج الشديد ولعن إصراره لمعرفة ما بها.
لم يعقب على حديث والدته وسرعان ما أولاها ظهره هارباً من نظراتها ثم عاد لمقعده يتناول فطوره لكي يفر هارباً من ذلك المنزل.
استغل زياد فرصة أنه لا يوجد سواهم، فانحنى بالقرب من أخيه وهمس إليه بنبرة رجولية:
"بقولك أنا اتعاملت مع أمجد خلاص، متتكلمش معاه أنت بقى."
تعجب يوسف من ثقة زياد في حديثه وسأله بنبرة حادة:
"اتصرفت معاه إزاي؟"
عاد زياد بظهره للخلف وبعجرفة حاول إنهاء الحوار:
"خلاص يا يوسف اتصرفت، متشلش همه بعد كدا."
لم يعقب يوسف، بل نهض حين انتهى من فطوره وأمره:
"طيب يلا عشان متتأخرش على امتحانك."
أماء له زياد بقبول ثم نهض وتابع يوسف إلى الخارج إلى أن افترقا كليهما في طرقات مختلفة.
وصل يوسف إلى مكان عمله، وأمر أحد العاملين وهو يصعد درجات السلم:
"ناديلي أستاذ عبد الرحمن يابني."
توقف يوسف حين أخبره العامل أنه مريض منذ يومين ولم يأتي. لم يتابع يوسف صعوده بل عاد بأدراجه للأسفل ثم وجه حديثه للعامل وهو يتوجه إلى الباب:
"هروح مشوار نص ساعة وراجع."
استقل خلف مقود السيارة وانطلق بها قاصدًا منزل عبد الرحمن لكي يطمئن على صحته. كان الطريق سريعًا بسبب قرب المسافة بين منزله ومكان عمل يوسف.
صف السيارة في زقاق على يمين البناية ثم ترجل منها وصعد إلى الشقة المقصودة. حمحم وتردد لبرهة، فهو لم يعطي خبرًا بمجيئه وهذا عيب في حقه، لكنه فقط أراد الاطمئنان عليه.
طرق الباب بخفة ووقف جانباً ليعطي مساحة لمن سيفتح الباب بمعرفته دون أن يسبب حرجًا له. مرت دقيقة ثم فتحت الباب فتاة في ريعان شبابها. كانت ممسكة بحجابها الذي وضعته سريعًا أعلى رأسها ثم شدت عليه بقوة حين رأت يوسف.
أخفضت بصرها بحياء ورحبت به بنبرة رقيقة:
"أهلا يا أستاذ يوسف، اتفضل."
حمحم يوسف وسألها وهو منكس الرأس:
"أستاذ عبد الرحمن موجود، كنت حابب أطمن عليه."
أجابته بلطف:
"أيوة موجود، اتفضل."
لم يرفع يوسف نظره عن الأرض، بل تحرك وهو على نفس وضعه، ولج المنزل فأخبرته هي بعدما أخذت الإذن من والدها:
"اتفضل هو مستنيك."
أدلف يوسف بخطاه للغرفة، ثم رفع رأسه وشكل ابتسامة على ثغره فور رؤيته لعبد الرحمن وأردف بذوق:
"ألف لا بأس عليك يا راجل يا طيب، لسه عارف حالاً، متأخذنيش إني مسألتش عليك."
أردف عبد الرحمن كلماته لكي يمحو الحرج في نبرة يوسف:
"الله يخليك يا يوسف، ولا يهمك من غير ما تقول أنا عارف إنك أول ما هتعرف هتيجي قريب."
نفس ابتسامة يوسف الهادئة هتف متسائلاً باهتمام:
"طمني عليك، روحت لدكتور ولا لأ؟"
تشكلت بسمة متهكمة على شفتي عبدالرحمن ثم رد بحزن جلي في نبرته:
"روحت، الظاهر إن العمر خلاص بينتهي يا يوسف."
لم يتقبل يوسف شؤمه ودعا له بحب:
"متقولش كدا، ربنا يباركلنا في عمرك."
فرت دمعة من عيني عبد الرحمن وهو يقص عليه بنبرة مرتجفة:
"العمر خلاص، معتش فيه حاجة وأقابل وجه كريم، المرض خلاص أتملك مني ويمكن الروح تروح للي خالقها وأنا بكلمكم."
مزيج من الدموع المختلطة بالابتسامة الراضية وهو يتابع حديثه:
"عرفت إن معتش فيه أمل خلاص، المرض في المرحلة الأخيرة."
رفع عبد الرحمن بصره على يوسف الذي لم يبدي ردة فعل، فاستشف ذهوله المرسوم على تعابيره. بالكاد يصدق يوسف ما سمعه منه. شعر بوخزة في قلبه آلمته بشدة، لم يكن لديه ما يقوله ليواسيه، فأي مواساة ستهون ذلك المرض؟!
أي كلمات ستطيب مرضه وتداويه؟!
أخذ عبد الرحمن شهيقًا عميقًا وأخرجه بتهدل وأردف وعيناه مصوبتان على يوسف:
"أنا مش فارق معايا، الحمد لله أنا معملتش حاجة لحد النهاردة إلا في سبيل ربنا ورضاه، بس خايف على البنتين اللي هسيبهم ورايا، يا ترى هيعملوا إيه من غيري وهما يتامى من غير لا أب ولا أم؟!"
الموضوع دا تاعبني أوي يا يوسف، أصلهم في الآخر ولايا. لو كانوا شباب كنت هقول هيقدروا يصلبوا جدورهم ويعتمدوا على نفسهم، نفسي أطمن عليهم قبل ما ربنا يسترد أمانته."
انحنى عبد الرحمن للأمام قليلاً وربت على يد يوسف فكان الأمل الوحيد أمامه. التوسل دون غيره يتوهج في عينيه وبنبرة تخشى ردة الفعل أردف:
"تفتكروا عبد الرحمن هيقول إيه ليوسف؟"
"مستنية رأيكم وتحليلكم وريفيوهاتكم ♥️"
"•
رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل العاشر 10 - بقلم تسنيم المرشدي
استشعر يوسف ما يجري خلف كلمات عبدالرحمن، فلم يعطيه فرصة لإكمالها، فهذا بعيداً كل البعد عنه. حمحم وأسبق بالحديث وهو يربت على يدي عبد الرحمن الموضوعة على يده:
"أنا مش عايز حضرتك تقلق من حاجة، أنا متكفل بيك وببناتك، صدقني أنتوا في عنيا، مرتبك هتوصلك وكأنك موجود، وكل اللي أقدر أعمله معاكم مش هتردد لحظة إني أعمله، أطمن."
رده كان رفضاً قاطعاً لطلب عبد الرحمن قبل أن يطالبه به. استشف عبد الرحمن ذلك جيداً، فهو على علم بذكاء يوسف وحتماً هو قصد كلماته تلك.
لم يكن له عين يطالبه بما تمناه وفكر فيه طويلاً، على الرغم من أنه لن يطمئن على ابنتيه إلا معه. فهو يخشى الله، ومن يتقى الله في تصرفاته لا خوفاً على بناته معه.
تنهد عبد الرحمن وتبسم في وجهه ممتناً له ثم شكره بلطف:
"فيك الخير يا يوسف، ربنا يجازيك خير يارب."
بادله يوسف الإبتسام ثم تفحص ساعة يده وأستاذن منه:
"عن إذنك، مضطر أمشي لأني لسه مروحتش المعرض، لو احتجت أي حاجة متترددش تكلمني."
شكره عبد الرحمن مراراً ثم غادر يوسف الغرفة، فتقابل مع إبنة عبد الرحمن الكُبرى. تعجبت من سرعة زيارته وقالت على استحياء:
"حضرتك لسه مشربتش الشاي."
رد يوسف بإحترام وهو يغض بصره عنها:
"معلش مضطر أمشي، المرة الجاية أشربه."
تقدم خطوات من الباب ثم توقف عن سيره وعاد برأسه إليها وأردف بحرج:
"آنسة فاطمة، بعد إذنك لو احتجتم لحاجة كلميني، هتلاقي رقمي مع والدك."
أماءت له بقبول وشكرته ممتنة لذوقه:
"أكيد، شكراً."
"عفواً، على إيه بس."
أردفهم يوسف ثم غادر وعاد إلى عمله. جلس على كرسي مكتبه وأسند رأسه على حافته وظل يعيد ما قاله لعبد الرحمن خشية أن يكون قد أخطأ وجرحه دون قصد.
فزع حين اقتحم بلال مكتبه بأسلوب غير حضاري. ألقى ما معه من أوراق وهو يوضح له ماهم بنبرة مريبة:
"دول أوراق عربيات جديدة عايزين نخلصهم من الجمارك."
ألقى كلماته وأولاه ظهره لكي يخرج، لكن يوسف أوقفه بسؤاله:
"استنى، فيه إيه مالك على الصبح؟"
أراد بلال الهروب فقال بتجهم وعبوس:
"مفيش حاجة."
أسرع يوسف في اللحاق به، أمسكه من ذراعه مجبراً إياه على التوقف ثم بهدوء هتف:
"تعالى أقعد بس كدا."
سار بلال معه ثم جلس على الكرسي بإهمال. باتت تعابيره عابسة كلما تذكر ما اقترفه. جلس يوسف مقابله وسأله بقلق:
"حصل إيه لكل دا؟"
مال بلال بجسده للأمام مستنداً بمرفقيه على فخذيه، شهيقاً وزفيراً فعل مراراً لعله يتمالك أعصابه التالفة لكنه لم يستطيع فصاح عالياً بعصبية شديدة:
"أصل أنا غبي، جيت أكحلها عميتها."
حاول يوسف تهدئته فهدر بنبرته الرزينه:
"طيب إهدى يا بلال عشان تعرف تتكلم، فهمنى بالراحة، إيه اللي حصل؟"
عاد بلال بظهره إلى الخلف ثم وضع قدميه على الطاولة الزجاجية أمامه. طالع سقف الغرفة لبرهة قبل أن يقص عليه ما حدث البارحة:
"إمبارح روحت إيمان و..."
قاطعه يوسف بسؤاله:
"إيمان مين؟"
طالعه بلال بنفاذ صبر وهدر به مستاءً:
"بنت خالك."
عقد الآخر حاجبيه متعجباً مما يقوله. فاستشف بلال نظراته وأوضح له:
"شوفتها وهي خارجة من القاعة وكنت عايز أتكلم معاها بأي طريقة. طلعت طالبة أوبر، المهم مشيت العربية وقولتلها أعتبريني العربية اللي طلبيتها، قمت أنا بعقليتي الفذة قولت لما أقولها إنك بتعتبرها أخوها يمكن تحل عنك، أقوم قايلها يوسف بيعتبرك أخته تبقى في اعتبار أختي أنا كمان!"
إعتدل بلال في جلسته ونبرته باتت حادة وتابع بإستهزاء:
"قولتلها إنها أختي يا يوسف!!"
طالعه يوسف لبرهة قبل أن تدوي ضحكاته في المكان. حاول التوقف لكن دون جدوى، كلما حاول السيطرة على قهقهته ينفجر مرة أخرى بقوة أكبر. استاء بلال للغاية من ضحكاته التي استفزته، انتفض بعصبية وهو يتمتم بلوم:
"أنا غلطان إني قولتلك حاجة."
لحق به يوسف وهو يحاول جاهداً بألا يضحك:
"خلاص خلاص، معتش هضحك، أقعد."
رفض بلال طلبه معللاً أسبابه:
"لا مش فاضي ورايا شغل."
أصر يوسف على جلوسه مرة أخرى، فعاد بلال عندما رأى إلحاحه. جلس يوسف وبالكاد يستطيع تمالك ضحكاته. تأفف بلال بضجر وضيق واضحين. حرك رأسه مستنكراً تصرفه الساذج حتماً لديه حق للضحك.
وضع بلال يده على وجهه لثوانٍ ثم انفجر ضاحكاً وهو يتمتم:
"قولتلها إنها أختى.."
شاركه يوسف الضحك وبات كليهما لا يعرفان طريق للتوقف. بعد دقائق قضاها يضحكان على فعلة بلال الغبية هتف بنفاذ صبر:
"ما تتجوز بقى يا يوسف خليها تفقد الأمل فيك."
هدأت ضحكات الآخر تدريجياً وهو يتذكر عبد الرحمن. تنهد ثم قال مستاءً:
"بمناسبة الجواز، روحت أشوف أستاذ عبد الرحمن لأنه تعبان، وعرفت أن عنده كانسر."
احدودت ملامح بلال متأثراً بما أخبره به يوسف الذي واصل مالم ينهيه:
"قالي إنه خايف على بناته وعايز يطمن عليهم، الكلام كله كان بيدور عليا طبعاً."
فغر بلال فاهه بذهول وررد بدهشة:
"طلبك للجواز؟!"
"كان هيطلب فعلاً، بس أنا مدتلوش فرصة، بس وعدته إني متكفل بيهم، لكن جواز لأ صعب أوي."
فكر بلال بصوت عالٍ مع صديقه وهو يجيب المكان من حوله بنظراته:
"بس أنا عارف بناته، محترمين أوي والكبيرة مبترفعش وشها من الأرض طول ماهي ماشية، أوقات كنت بشوفها وهي جاية له هنا."
نهض يوسف من مكانه وتوجه إلى كرسي مكتبه واعتلاه ثم هتف بوجهة نظره:
"ما أنا عارفهم يابني، بس لأ، مش هتجوز عشان أرضي حد دي هتبقى مراتي بقيت عمري، يعني لازم أكون أنا اللي مختارها، لما أشوفها أقول أيوة هي دي اللي تنفع مراتي."
طالع يوسف الفراغ أمامه وهو يواصل حديثه بتهكم يشوبه الغرابة من تفكيره:
"أنا الموضوع مكنش شاغلني بجد، بس هو فيه حد مش بيفكر في الجواز؟"
"على الأقل يرسم حياته اللي جاية في أفكاره، أنا مفيش خلاص، أنا بدأت أقلق على نفسي."
عاد يوسف بأنظاره على بلال وتابع ساخراً:
"لا بجد بدأت أقلق، يعني واحد تافه زيك يحب ويبقى عايز ياخد خطوة زي دي وأنا مبفكرش إزاي؟!"
قلب بلال عينيه لعله يأتي بفكرة لتلك العقدة، زم شفتيه وهو يقترح عليه:
"يمكن بسبب لينة؟"
"إزاي؟"
تسائل يوسف بفضول فهتف بلال موضحاً:
"يعني تقريباً هي اللي أخدة كل وقتك، بسبب مسؤولياتها ودروسها، أنت يومك كله ليها يا يوسف عايز تفكر في حد تاني إزاي؟"
أخرج يوسف تنهيدة مطولة ثم مال للأمام واستند بساعديه على مكتبه الخشبي وأردف برضاء تام:
"وعمري ما اضايقت، ولا حسيت في مرة إني زهقت، أنا حابب أعمل كدا، بحس إني صاين الأمانة كويس مش أي كلام."
قاطعه بلال بإسيتاء:
"أيوة يا يوسف بس دي أنانية، لازم تفكر في نفسك شوية، إيه المشكلة إنك تعطي نفسك حقوقها زي أي شاب، فيه شباب في سننا دا وعندهم عيال!"
تشدق يوسف وهو يحك ذقنه وأردف وجهة نظره:
"ما أنا خايف اللي تيجي متتقبلش الوضع، أو تغير منها أو مثلاً أتلهي معاها وأنسى لينة ودا مش هيريح ضميري، خليني مستني بقى لما تقدر تعتمد على نفسها وهي اللي تقولي خلاص اكتفيت منك ووقتها أبقى أشوف حالي."
ححظت عيناي بلال وصاح بتزمجر:
"وأنا هفضل أستناك وأستناها إن شاء الله؟!"
"ما تروح تتقدم لها وتخلصني."
يريد يوسف الخلاص فحثه على أخذ خطوة رسمية بينما شهق بلال بذهول كأن يوسف قد قام بسبِه:
"أنت عايزني أروح أتقدم لها وأنا عارف إنها بتفكر في راجل غيري؟!!"
ضاق يوسف بعينيه فحماقته حقاً لا تصدق. هرب بلال من عيناي يوسف ووضح له الأمر الحاضر:
"تفرق يا صاحبي، أنا الوقتي لسه على البر ومستني يحصل جديد، لكن إني أخد خطوة رسمية كدا مبقاش راجل."
تنهد يوسف وحاول تعديل مفاهميه الخاطئة:
"متحسبهاش كدا، فكر فيها إنك بتعوضها مثلاً، هتلاقي الوضع اختلف، وبعدين يلا اتفضل مع السلامة عشان أنا قايم أودي لينة دروسها."
انسحب بلال دون إضافة المزيد فهو تأخر على عمله أيضاً وحتماً سيتلقى توبيخاً بهذا القدر من والده، بينما التقط يوسف مفتاح السيارة وغادر.
بعد مرور بعض الساعات، أدى يوسف فريضة العشاء ثم ذهب لأخذ لينة ليعود بها إلى المنزل. كان يلاحظ صمتها طيلة اليوم، لم يعتادها هادئة هكذا، فالمشاكسة خلقت فقط لأجلها.
حمحم ليجذب انتباهها إليه، فنظرت إليه متسائلة بفتور:
"في حاجة يا يوسف؟"
"مالك، مش متعود عليكي كدا؟"
سألها بفضول فأجابته هي مختصرة:
"عادي، مليش مزاج واليوم كان طويل وتعبانة وكدا."
حرك رأسه ثم تذكر شيئاً عزم على فعله، استدار بالسيارة عند أول منعطف قابله وسار في وجهته المقصودة.
بعد دقائق قد وصلا إلى وجهته، مرت لينة نظريها على المكان بين يوسف وبلهجة مرهقة سألته:
"إحنا جايين هنا ليه؟"
بإختصار أردف:
"هعمل حاجة فوق، انزلي تعالي معايا."
رفضت طلبه بإيماءة من رأسها معللة:
"لا سيبني أنا هنا."
صمم يوسف على رأيه فقال:
"أنا ممكن أطول فوق ومينفعش تقعدي لوحدك في العربية في وقت زي دا."
زفرت لينة أنفاسها بملل مختلط بالضجر، امتثلت لأمره ورافقته لحين وصولهم إلى الشقة المقصودة. طرق يوسف بابها وانتظر حتى فتحت له زوجة خاله، قابلتهم بوجه بشوش ورحبت بهم بحفاوة:
"البيت نور، لا البيت إيه دا الشارع كله نور والله أهلاً وسهلا اتفضلوا."
بادلها يوسف الإبتسام والترحيب:
"منور بأهله يا مرات خالي."
اكتفت لينة بإبتسامة لم تتعدى شفاها. دعتهم هادية إلى الصالون ثم استأذنت منهما لتخبر إيمان بوجود يوسف، حتماً ستأسرها السعادة إن علمت بحضوره.
لم تتطرق هادية باب غرفتها بل ولجت على الفور، وجهها خير دليل على تلك الحماسة التي تملكتها. تعجبت إيمان من دخولها المفاجئ وتصرفاتها المريبة وسألتها بفتور:
"في إيه، ومين اللي جه؟"
بنبرة متحمسة أجابتها:
"يوسف برا!!"
بعدم استيعاب لهوية يوسف ذاته سألتها إيمان:
"يوسف مين؟"
قلبت هادية عينيها بتهكم وصاحت مستاءة من سذاجة سؤالها:
"إحنا نعرف كام يوسف؟"
انتفضت إيمان من مكانها، تريد التأكد من حدسها. اقتربت من والدتها وقلبها يكاد يخترق ثيابها من فرط تدفق الدماء به وهتفت متسائلة بنبرة مرتجفة:
"يوسف مين؟ يوسف إبن عمتي؟"
أماءت لها هادية مؤكدة، طالعتها إيمان بأعين متسعة ثم أردفت وهي تدفعها للخارج:
"طيب اخرجي عشان أغير هدومي بسرعة."
ضحكت هادية على تصرفاتها ثم عادت إلى ضيوفها لحين حضور إيمان. اختارت إيمان من الثياب أجملهم ثم وقفت أمام المرآة تضع مورد على وجنتيها ثم أضافت بعضاً منه على شفتيها.
نظرت إلى صورتها المنعكسة نظرة متفصحة قبل أن تهم بالخروج. كانت تتعرقل قدميها لسيرها العفوي إلى أن وصلت إلى الصالون الخاص بهم.
أخذت شهيقاً وأخرجته بتهمل ثم خطت إلى الداخل وعينيها لا تريان سوى يوسف. رسمت بسمة سعيدة على ثغرها ورحبت به قائلة:
"إزيك يا يوسف؟"
بنبرة لطيفة عكس المعتاد منه قال:
"بخير يا إيمان، أنتِ أخبارك إيه؟"
السعادة دون غيرها تتراقص داخلها. تنهدت ثم أجابته بنبرة حيوية:
"أنا كويسة الحمدلله."
حمحمت هادية وأشارت بعينيها إلى لينا التي تجاورها فهتفت إيمان مرحبة بها وعينيها مازلت مُسلطة على يوسف:
"إزيك يا لينة معلش مختش بالي."
بفتور يشوبه الضيق أجابتها:
"كويسة.."
أنتبه الجميع ليوسف حين أصدر صوتاً ليعيروه اهتماهم. نظر إلى إيمان وبإبتسامة هادئة وجه حديثه لها:
"ممكن نتكلم شوية.."
وكأن دلو من المياه الباردة قد سُكب على الجميع في آن واحد. ذُهلت لينة بطلبه الجرئ أو ربما الوقح أمامها. خشيت أن يكون قد أطاع والدته في طلبها المتكرر، لن تحتمل تلك المفاجئة بل ستقضي عليها حتماً.
لم ترفع إيمان نظريها عنه مذهولة من طلبه، وكأن أمنياتها لطلاما دعت بتحقيقها ستتحقق الآن. التفتت حيث والدتها وأشارت إليها بالخروج فامتثلت الأخرى على الفور برفقة لينة التي لم تستوعب إلى الأن طلب يوسف.
إعتدلت إيمان في جلستها، وانتظرت ما يود قوله بفروغ صبر. بينما توتر يوسف قليلاً فالمواجهة حتمياً ليست بتلك السهولة التي ظنها.
حمحم ثم بدأ حديثه قائلاً:
"إيمان أنتِ بنت ذكية، وطيبة وتستاهلي اللي يقدرك، اللي يكون شبهك ويحبك.."
لمعت عيناي إيمان بفرحة عارمة، فكل ما دعت به على وشك الإستجابة. ازدادت نبضاتها بقوة ناهيك عن أنفاسها التي ازداد معدلها. شعر يوسف بكل ما يدور في عقلها الآن، لكن عليه إستكمال الأمر حتى وإن جاء على غير هواها.
تابع كلماته المنتقاه بعناية لكي لا يجرح قلبها:
"أنا بتكلم معاكي كأخت ليا وعايز مصلحتك..."
توقف عقلها عند تلقيبه لها بالشقيقة مرة ثانية. لا يهم ما سيقال بعد ماقيل، لم تصغي لحرفٍ واحد بعد ذلك، أخفضت رأسها في إنتظار انتهائه مما جاء لأجله لكي تنهض وتعود إلى غرفتها.
استشعر يوسف رفضها لسماع المزيد، لكنه لن يتوقف قبل أن يردف جميع ما لديه:
"مش عايزك توقفي حياتك عشان حد، بصي لنفسك وإنك تستاهلي تعيشي زي أي بنت، تحب وتتحب في إطار علاقة شرعية، حاولي تبصي لنفسك شوية هتشوفي الدنيا بشكل تاني، هتلاقيها تستحق، فكري في كلامي كويس ولو عايزة نصيحتي خدي اللي بيحبك مش اللي بتحبيه، اللي بيحبك هيديكي مشاعره وقلبه ووقته وفلوسه وهيتقي ربنا فيكي، على عكس اللي بتحبيه ممكن يتقي ربنا فيكي بس مش هيديكي مشاعره ولا قلبه، الحياة هتبقى جافة أوي وملهاش طعم."
نهض يوسف وهو يتمتم:
"أنا كدا خلصت اللي عندي، ربنا يكتب لك الخير يارب."
لم ينتظر رداً بل توجه إلى الخارج على الفور. استأذن من زوجة خاله وغادر برفقة لينة التي تشتعل غيظاً من تلك الجلسة المنفردة.
لم تستقل السيارة بعد فسألته بنبرة حادة:
"هنشرب الشربات قريب؟"
توقف يوسف عن تشغيل السيارة ونظر إليها بغرابة وهو يردد ما قالته بعدم استعياب:
"شربات إيه اللي هنشربه؟"
التفتت لينة بكامل جسدها إليه وبهجوم أردفت:
"طلبت تقعدوا لوحدكم، أكيد فيه سبب كبير."
ابتسم يوسف بتهكم وهتف معللاً تصرفه:
"شوفي أنا مكنتش حابب حد يعرف بس هقولك، بس إياكِ ميمي تاخد خبر."
أماءت له فاستكمل حديثه:
"كنت بقولها تشوف نفسها ومتستناش حد، مش هفضل شايل هم إنها قاعدة مستنياني وعمرها بيضيع على الفاضي."
فغرت لينة فاها بذهول شديد ورددت بعدم تصديق:
"أنت قلت لها كدا؟"
أسرع يوسف في نفي سؤالها موضحاً:
"لا طبعاً أنا بقولك أنتِ بس أنا عملت كدا ليه."
بالكاد أخفت لينة ابتسامتها السعيدة بصعوبة، تصنعت الحماقة وأعادت سؤاله بنبرة ماكرة:
"وأنت ليه قولتلها كدا، أقصد يعني فيها إيه مش عاجبك؟"
هز يوسف رأسه باستنكار شديد، نظر أمامه ثم أشعل محرك السيارة وأجابها باختصار:
"هو مش لازم الجواز يتبنى على دوافع؟!، سواء بقى حب أو إعجاب أو حتى راحة، التلاتة مش حاسسهم يبقي أكيد مش هروح أتجوز لمجرد إن حد عايز كدا."
"حتى لو كان الحد دا مامتك؟"
تسائلت بتوجس خشية سماع إجابته فأردف بثقة دون تفكير:
"حتى لو كانت أمي، في قاعدة للعلماء بتقول 'ليس من الحقوق عقوق ' حقي إني أختار شريكة حياتي لأنها حياتي أنا ولو رفضت طلب ليها ميبقاش عقوق أبداً بس طبعاً مش هجيب واحدة متكنش مش موافقة عليها برده، فهمتي؟!"
اكتفت بإيماءة من رأسها، طالعت الطريق أمامها ولم تستطيع منع ابتسامتها تلك المرة. الآن أطمئن قلبها، ياليته يعلم بمشاعرها، ياليته يقرأ عبارات الغزل التي في عينيها، ياليته يرى نفسه من عينيها هي ليعلم مدى غلاوته.
إنه الصديق والحبيب، والأهل والسكن، إنه دوماً كان ملجئها الوحيد لطالما لم يتبقى غيره، كان الملاذ الأمن لها يوم تركهما خالهما دون رحمة، كان الكتف الحنون التي مالت عليه منذ سبعة أعوام حين خشية سرعة القطار والكثير من المشاعر التي اكتسبتها بفضله..!
أخرجت تنهيدة وكذلك ذكرياته من عقلها، وبحماس واضح أردفت:
"شغلنا حاجة نسمعها."
برفض واضح أردف يوسف:
"لا إحنا خلاص هنوصل أهو."
بنبرة لحوحه رقيقة هتفت:
"Lütfen (أرجوك)."
لم يعقب يوسف بل اكتفى بإبتسامة فاستشفت الأخرى قبوله وأسرعت في اختيار أغنية قبل أن يصلا إلى منطقتهما.
قطع يوسف نصف المسافة فاقترحت لينة شيئاً ما خطر على بالها:
"يوسف، ممكن تقف عند أي ماركت."
لم يمانع يوسف طلبها وعند رؤية أول بائع صف السيارة أمامه، أخذ نفساً ونظر إليها وقال:
"ها هتجيبي إيه؟"
اتسعت إبتسامتها بمبالغة فاستشف يوسف ما ترمي إليه وهلل ممازحاً:
"يا فلوسك اللي هتطير يا يوسف."
عضت لينة على شفتيها بخجل فتابع يوسف ساخراً:
"بتكسفي أوي."
بنبرة مائعة أردفت وهي تميل رأسها بدلال:
"طبعاً مش بنوتة."
"وأحلى بنوتة."
هتف يوسف بعفوية، فلمعت عيناي لينة كبريق ثغرها المبتسم. ترجل يوسف أولاً فتبعته هي والأدرينالين خاصتها في أذهى سعادته.
هرولت للداخل كالطفل الذي لقى مأواه، سار خلفها يوسف ولم يعلق على اختياراتها، بل انتظر حتى فرغت من متطلباتها ثم حاسب عليهم وغادرا عائدين إلى منزلهما.
أسبقت لينة في صعود درجات السُلم، قرعت الجرس مرات متتالية فلم يجيب أحدهم. استدارت وطالعت يوسف بحيرة وتسائلت بقلق:
"ماما ميمي نامت ولا إيه؟"
استبعد يوسف تلك الفكرة وجاء بفكرة بديلة:
"أكيد لأ لسه بدري، ممكن تكون بتصلي قيام."
"ممكن."
هتفت بها لينا فاقترح عليها يوسف وهو يستدير بجسده ليعطيها جانبه الأيسر:
"طلعي مفتاحي وافتحي."
تفاجئت لينة باقتراحه وبتردد مدت يدها في جيب بنطاله وحرصت بألا تنظر في عينيه في تلك اللحظة. أتت بالمفتاح ثم قامت بفتح الباب وإذا بالسيدة ميمي تهرول من غرفتها، تمهلت حين رأتهما قد دلفا إلى المنزل.
اعتذرت منهما معللاً عدم استقبالهما:
"كنت بصلي ياولاد معلش."
هتف يوسف ماحياً حرجها بقوله:
"مفيش حاجة يا حبيبتي."
حدجت ميمي الأكياس البلاستيكية التي في يدي يوسف وسألته بفضول:
"دا إيه كل دا يا يوسف؟"
نظر يوسف إلى يمينه حيث تقف لينة وأجاب والدته بمزاح:
"لا دي لينة نوت تفلسني بس."
انفجرت لينا ضاحكة ثم عاتبته مازحة:
"محدش بيسمع صوتك وأنا بشتري يعني؟!"
رد عليها بدون تفكير:
"الماركت كله مش كتير عليكي."
رفعت لينة كفوفها مشكلة إياهم على هيئة قلب مع ابتسامتها العذبة. انسحبت من بينهما لتبدل ثيابها ويبدأوا سهرتهما.
توقفت عن السير لتذكر شيء فوجهت حديثها ليوسف:
"كلم زياد يجي."
أماء لها بقبول وهاتف أخيه لكي يهم بالمجيء على الفور، بينما انشغلت لينة في تحضير بعض الحلوى لقضاء سهرة سعيدة معاً.
"يابنتي بقالي ساعة بتحايل عليكي تتكلمي، هو قالك إيه عشان كل العياط دا؟"
هتفت هادية بنفاذ صبر وعدم تحمل لكثرة بكائها التي تجهل سببه، تأففت بضيق واضح ثم صاحت منفعلة:
"خلصي قولي في إيه قبل ما أبوكي وأخوكي يرجعوا."
مسحت إيمان أنفها المسيل بظهر يدها، ابتلعت ريقها وأجابتها بنبرة مرتجفة:
"جاي عشان يقولي إني أبطل أستناه، وأشوف نفسي، وموقفش حياتي عشان حد مبيحبنيش، وأخد اللي بيحبني عشان دا اللي هيسعدني، وأنا أستحق أحسن منه!!"
بذهول تام تمتمت هادية:
"هو قالك كدا؟!"
أعادت إيمان مسح عبراتها بعصبية وهي تجيبها:
"هو متكلمش عن نفسه، قال الكلام بصيغة نصيحة، بس لا هو أهبل ولا أنا غبية عشان مفهمش الكلام عليه، أنا بعد كل السنين دي يرفضني بالشكل دا؟"
نهضت عن مقعدها وجابت الغرفة ذهاباً وإياباً وتابعت تمتمتها بحنق وندم شديدان:
"أنا اللي غلطانة فعلاً، فكرت إن فيه أمل، فكرت إني لو استنيت كل حاجة هتتغير، مفيش حاجة اتغيرت، محاولش يبص لي لو لمرة، والمرة اللي بص فيها في عيني كان عشان يقولي أنسيني وشوفي حياتك بعيد عني، أنا اللي أستاهل اللي حصلي، أنا اللي أستاهل!!"
اقتربت منها والدتها وربتت على ظهرها مآزرة إياها، طالعت الفراغ أمامها وهي تكز أسنانها بعصبية، زفرت أنفاسها وصاحت من بين أسنانها المتلاحمة:
"يبقى تشوفي نفسك، مع أول عريس هيتقدم لازم نوافق، عشان تثبتله إن الحياة مش واقفة عليه والرجاله غيره كتير، وكانوا بس يتمنوا رضاكي!"
هدرت إيمان عالياً وهي تحرر جسدها بعيداً عن والدتها:
"بس أنا مش عايزة إلا هو، مش شايفة راجل غيره ينفعني، مش هقدر أضحك على نفسي وأنا عارفاني كويس."
لم تتحمل هادية المزيد من السخافة وصاحت بها مندفعة:
"فين كرامتك من كل دا يا إيمان، دا داس عليها بأقذر جزمة وأنتِ تقوليلي مش شايفة غيره!"
لم تقتنع إيمان بكلمات والدتها وهتفت معارضة:
"مفيش كرامة في الحب."
فغرت هادية فاها بذهول، فلم تتوقع رد وضيع كردها ذاك. لم تستطيع مجاراة الحوار قبل أن تعدل مفاهيمها الخاطئة:
"مين اللي قال كدا، الحب لو مصانش الكرامة وحافظ عليها ميتساهلش يتقال عليه حب، الراجل اللي معاكي لو محترمكيش وزعلك مفرقش معاه، ميستاهلش يتقال عنه راجل، الرجالة بتصون وتحافظ وتغير ولو غلط يعتذر ويصلح غلطه، وتكوني أبقى عنده من نفسه، لكن أنتِ مش فارقة معاه يبقى هو كمان ميفرقش معاكي، وأنا بعد كدا مش هسمع لك تاني، ولو جه عريس محترم أنا أول اللي هيوافقوا طلاما أنتِ مش عارفة مصلحة نفسك."
تركتها هادية بعدما انتهت من قول ما يحتم عليها قوله، لعلها تعود إلى رشدها وتنظر إلى مصلحتها. لم تقتنع إيمان بذلك الهراء بسهولة، فكيف تبدله برجلاً غيره بتلك البساطة وكأنه مزهرية ستغير مكانها.
ألا تعلم والدتها ما عاشته فيما مضى؟، ألم ترى كم عانت لأجل نظرة منه، ألم تشعر بقلبها المحطم في كل مرة يقسو عليها بها، شاهدت رفضه المستمر ولم تستطيع كرهه، فكيف تنساه الأن لأن والدتها من أرادت ذلك؟
جلست إيمان على طرف الفراش بإهمال ورددت من بين بكائها الغزير:
"هو اللي عايز كدا، هو اللي طلب مني كدا.."
طالعت الفراغ أمامها معيدة جميع ذكرياتها المؤلمة معه فتملك الغضب منها حتى ظنت أنها كرهته حينها..!
عادت راكضة بعدما أحضرت دفتراً وقلم، وقفت أمام ثلاثتهم وبدأت تشرح اللعبة التي اقترحتها بحماس:
"كل واحد هيكتب كلمة توصف أنت شايف اللي قدامك إزاي، وليكن ماما ميمي هتكتب لزياد وزياد يكتب لها وأنا أكتب ليوسف والعكس، بعد كدا هنلزقها على جبينا والمفروض شرح للي هنبتدي بيه كل حاجة معناها نفس معنى الكلمة وهو المفروض يعرفها من نفسه."
وافقوها ثم بدأوا في تدوين الكلمات لبعضهم البعض. انتهوا مما يفعلونه ثم قاموا بلصق الورقة على جبهتهم.
اقترحت لينة اختيار السيدة ميمي أولاً لأنها تكبرهم عمراً. بدأ يوسف في شرح ما دونه زياد على جبينها:
"حاجة بتساعد المرضى إنهم يمشوا."
عقدت ميمي حاجبيها وهي تفكر جيداً في تفسير ما قاله يوسف، اتسعت عينيها وهي تهلل:
"العكاز؟"
صفقوا لها جميعاً فتعجبت من ذلك اللقب ووجهت لزياد سؤالاً قبل استكمال لعبتهم:
"اشمعنا عكاز يا زياد؟"
على الرغم من خجله الذي كان ظاهراً للجميع إلا أنه لم يدعه يسيطر عليه، وأجابها بأسلوبه الساخر:
"ياستي مدققيش."
أصرت ميمي على معرفة اختياره لتلك الكلمة التي وصفها بها بنبرة ملحة:
"خلاص مش هكمل طلاما مش هتقول."
تذمرت لينة وصاحت بحنق موبخة زياد:
"لا قولها بقى عايزين نكمل."
أخفض زياد رأسه وحدج كفوفه التي كان يفركها بتوتر ثم أردف بنبرة هادئة لا تشبه قط:
"عشان أنتِ اللي شيلتي البيت بعد ما بابا الله يرحمه مات، إحنا كبرنا وبقينا في العمر دا بسببك..."
شعر زياد بحماقته، فلم يعتاد البوح بتلك الصراحة ناهيك عن نبرته الرقيقة. بالله شعر بالإهانة في حقه فتراجع ساخراً كما كان:
"وكفاية كدا عشان حسيت إني أهبل أوي."
انفجرا جميعهم ضاحكين، وعلى الرغم من المرح الذي تسبب به زياد، إلا أن والدته قد غمرتها السعادة بكلماته، واستحثت مدى حبه لها رغم أنه لم يعترف لها من قبل.
تابعوا لعبتهم باختيار لينة ليوسف، فبدأت هي موضحة ما دونته خصيصاً من أجله:
"طبعاً أنا اللي لازم أوضح، مش عارفة ليه بس مش مهم."
ابتسمت بعفوية فأجبرت يوسف على الإبتسام لذلك الغموض المريب، ثم واصلت استرسالها:
"حاجة مينفعش البيت من غيرها، بيتبني البيت على أساسه، ومن غيره البيت يتهد."
حاول يوسف مراراً الوصول إلى معنى كلماتها فلم يستطيع، هز رأسه نافياً لمعرفته بالكلمة وقال:
"مش عارف، أنتِ كاتبة إيه."
ردت عليه بتلقائية:
"فكر شوية يا يوسف، طيب بص هسهلها عليك، عندنا منه ٣ في البيت، يبقى إيه؟"
"بعد لحظات ردد يوسف ما أخبرته به في عقله ثم هتف غير متأكداً من إجابته:
"عمود؟"
صاحت لينة بفرحة:
"برافو."
تشدق يوسف مع عقده لحاجبيه متسائلاً بفضول:
"اشمعنا عمود؟"
هربت لينة منه بإرتشافها بعضاً من كأس العصير وأجابته دون أن ترفع عينها عليه:
"إجابتي في كلامي اللي قولته في الأول."
لم يعقب يوسف وأعاد كلماتها وشعر بالسعادة تغلغلو داخل قلبه. تدخل زياد بقوله:
"دوري أنا بقى، هقول لينة مكتوب لها إيه؟"
حمحم وهو يعتدل في جلسته ليكون مقابلها، ثم فكر قليلاً فيما سيخبرها به قبل أن يردف باستخفاف:
"حاجة بندبحها في العيد."
صعقت لينة مما قاله ورمقت يوسف بذهول وهي تردد:
"خروف يا يوسف؟!!"
كاد يوسف أن يوضح لها إلا أنها أسرعت في إزالة الورقة لكي تتأكد بنفسها. ارتخت ملامحها حين قرأت المدون بها وتمتمت:
"أمانة."
أخرجها زياد من حالتها بضحكه الذى دوى في الأرجاء. رفعت لينة نظريها إلى يوسف بنظرة خجولة نادمة لتصديقها ألاعيب زياد. بادلها يوسف إبتسامة هادئة لكي يمحي خجلها البائن. تحدثت السيدة ميمي معاتبة زياد:
"بطل رخامة ياواد، دوري أنا بقى أقولك مكتوب لك إيه."
ابتسمت بعفوية ثم قالت مازحة:
"والله ما أنا عارفة أقولك إيه، الكلمة ملهاش معنى تاني."
تدخل يوسف ساخراً منه:
"معناها مبتريحش نفسك."
قطب زياد جبينه، ولم يستطيع صبراً حتى أزال الورقة ليقرأ المدون بها. رفع شفتيه العُليا باستهزاء وهو يقرأ:
"شقاوة!!"
طالعته لينة بتهكم وهي تردف مشاكسة إياه:
"دي الشقاوة دي ثغره في قاموسك."
ضحك جميعهم عدا زياد الذي قلب عينيه ضجراً من كلماتها. وكعادته لن يمرق الليلة دون أن يتصرف بحماقة. صوب عينيه على الكأس خاصتها وبحركة سريعة لم ينتبه لها أحدهم، سرقه من على الطاولة ثم ارتشف قدراً منه.
انتبهت له لينة فصرخت وهي توبخه:
"أوف على الرخامة، مبحبش حد يشرب من مكاني، بقرف."
هدر به يوسف بغضب:
"زياد، هات الكاس، ودي آخر مرة تعمل كدا تاني."
ناوله زياد الكأس وهو يطالع لينة بنظرات متشفية. نهض يوسف عن أريكته وتوجه إلى المطبخ ثم أحضر كأساً آخر من العصير. كاد أن يهم بالخروج، إلا أن قدميه توقفت وعاد ينظر إلى الكاس الذي ارتشف منه أخيه.
شيء ما داخله يحثه على أخذ رشفة، فما المانع؟، رفع الكأس ونظر إليه بغرابة فحاجته المُلحة على تذوقه تبدوا مريبة. لم يمانع من أخذ رشفة واحدة. رفع الكأس عند فمه ثم تراجع وبحث عن المكان نفسه التي شربت منه لينة وقام بأخذ رشفة سريعة.
لا يعلم سبب تلك الإبتسامة التي تشكلت على محياه، ولا عن ذلك الشعور الذي راوده، أعاد وضع الكأس على الطاولة الرخامية وعاد حيث يجلس الجميع.
توسط أريكته بعدما ناول لينة الكأس فشكرته بلطف. صدح رنين هاتفه فتعجب من ذلك المتصل في وقت متأخر. تفاجئ برقم السيد عبد الرحمن، فأجاب على الفور:
"أستاذ عبد الرحمن!"
جائه صوتاّ باكي متحشرج:
"أستاذ يوسف، بابا مات!"