الفصل 23 | من 39 فصل

رواية حرر هواك فالحب بات معلنا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم تسنيم المرشدي

المشاهدات
21
كلمة
7,033
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 59%
حجم الخط: 18

"يوسف" هتفت بإسمه بنبرة جهورية، تراجعت لينة للخلف مسرعة، وكذلك استقام يوسف في وقفته، نكس رأسه فلم يتحلى بالقوة التي سيواجه بها والدته، لعن ضعفه الذي وضعه في تلك المواقف. هربت لينة من الغرفة دون أن تنظر إلى السيدة ميمي، دلفت غرفتها وأوصدت الباب ثم أخذت تستنشق الصعداء، كادا أن يقعا في أمر محرم! لو لا تدخل السيدة ميمي! حتماً رأت وضعها ولن تمرق الأمر.

وضعت لينة يدها أعلى صدرها شاعرة بالإختناق يراودها تدريجياً حتى تملك منها، ركضت نحو النافذة تستنشق الهواء لربما تعود لرشدها. في الغرفة المجاورة، أدلفت ميمي بخطاها بقرب يوسف حتى وقفت مقابله، حدجته بنفور وهي ترى صدره بارزاً أسفل قميصه، عقلها لا يتوقف عن التفكير فيما رأته؟ ماذا كان يفعلان ليتقربا بهذا الشكل! حاولت طرد أفكارها التي يوسوسها لها شيطانها، تنهدت وقالت بجمود: _ارفع راسك وبص لي يا يوسف، بص في عيني.

حاول النظر إليها لكنه فشل، فكيف سيواجهها وهو متسبب في كارثة، فاضطرت هي إلى رفع رأسه بيدها، كان يهرب من عينيها فواجهته هي: _بص لي يا يوسف. صوب بصره في عينيها، حاول جاهداً السيطرة على عبراته والتماسك قدر المستطاع، ملست ميمي بيدها على وجنته التي قامت بصفعها ثم تسائلت بنبرة مهزوزة تهدد بالبكاء: _وجعك؟ سؤالها هدم حصون تمالكه، وانهمرت دموعه فتفاجئت والدته بما تراه، ملست على وجهه بحنو وقد شاركته في بكائه وأردفت:

_أنت بتعيط يا يوسف؟ دا أنت معيطش من يوم موت أبوك الله يرحمه، للدرجة دي وجعتك عشان تعيط؟ مسح بأنامله على عينيه وأردف بصوت متحشرج: _أنا كويس يا أمي. لم ترضيها إجابته، فتسائلت باهتمام: _هحاول أصدق، ليه عملت كدا مع زياد أنت عمرك ما مديت ايدك عليه يبقى يوم ما يحصل تعمل اللي عملته دا؟ آلامه قلبه للغاية على ما اقترفه في حق أخيه، أخرج تنهيدة مهمومة ثم توجه نحو الفراش وجلس على طرفه وقص عليها ما رآه:

_دخلت عليه لقيته بيتهجم على لينة!! اتسعت مقلتي ميمي بصدمة، لا تصدق أن صغيرها يفعل ذلك، اقتربت منه محاولة تبرير موقف الآخر: _أكيد أنت فهمت غلط مش يمكن... قاطعها يوسف بنبرة حادة: _أنا شوفته بعيني وهو بيحاول يقرب منها وهي بتبعده عنها وسمعتها وهي بتهدده إن لو مخرجش هتصوت، مشوفتش قدامي بعد كدا وحصل اللي حصل. ابتلع ريقه قبل أن يسترسل بعض المبررات:

_وأنا وعدتها يا أمي إن مفيش حاجة هتتغير، وكتب الكتاب مش هيغير حاجة وتعامل زياد معاها هيفضل زي ماهو، وأنا عمري ما وعدت وخلفت بوعدي. أخرجت السيدة ميمي زفيراً مهموماً وهتفت معاتبة: _هو غِلط وغَلط كبير، بس كنت تفهمه غلطه بالراحة يا يوسف من غير ضرب، لأن في الآخر مفيش حرمانية دي بقت مراته! وكأن الكون كله قد دعس على قلبه، رفض البتة كلمة زوجة التي قيلت في حق لينة لرجل آخر، انتفض من مكانه بصورة أرعبت والدته وصاح بانفعال:

_متقوليش مراته، دي مجرد حتة عيلة في أمانتي!! ثورته كانت تقلقها وتوضح بعض الصور الناقصة في عقلها، حاولت تهدئه روعه حتى يُمحى الخلاف الحادث وقالت بنبرة حنونة: _طيب أهدى يا يوسف، بس أنا عايزاك تنزل تدور على أخوك ومترجعش غير وهو في ايدك ومتصالحين، راضيه يا يوسف أنتوا ملكوش غير بعض. تلفت حوله مردداً بفتور: _أنا معرفش هو فين. نهضت هي واقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وأردف بحنو:

_دا أخوك يعني أكيد عارف الأماكن بتاعته اللي ممكن يروح فيها، يلا يا حبيبي ربنا يهديكم. تركته وغادرت الغرفة بينما أوصد هو عينيه لبرهة يستعيد رونقه من جديد، ثم بدل ثيابه بأخرى وخرج من غرفته فوقع تغريدها بصوت باكي على مسامعه، توقف ومال برأسه مستنداً على جدار غرفتها ليستمع إليها: يا من هــــواه أعــــزه وأذلـني كيف السـبـيـل إلى وصـالك دلـنــي تركـتـني حيـران صـباً هــائمــاً أرعى النجوم وأنت في عيش هني

أنت الذي حلفتني وحـلـفـت ليوحـلـفـت أنك لا تـخـون وخـنـتـني وحلفت أنك لا تميل مع الهـوى أين اليـمـيـن وأين مـا عـاهـدتـنـي لأقعـدن على الطـريـق وأشتكيو أقـول مـظـلــوم و أنت ظـلمـتـني ولأدعون عليك في غسق الدجى يـبـلـيـك ربي مـثـلـمــا أبلـيـتـنــي

غردت آخر كلماتها بصوت متحشرج غير مفهوم لفرط بكائها التي لم يتوقف، فكان قلبه يؤلمه بشدة لأنه لا يستطيع فعل شيء الآن، وما الذي في استطاعته بعد ما تسبب به، لم ينتظر دقيقة أخرى وغادر المنزل سريعاً ليبدأ في البحث عن أخيه. استيقظ بلال من نومه عازماً على عودته للعمل، يكفي ملل لهذا الحد، ارتدى ثيابه وخرج من الغرفة ظناً أنه سيراها، رسم الجمود على تقاسيمه وولج المطبخ لكي يعد طعاماً له قبل نزوله لكنه تفاجئ بعدم وجودها.

أعد بعض الشطائر وخرج باحثاً بعينيه عنها فلم تكن في الأرجاء، حتماً ليست غافية للأن، رفع يده وتفقد ساعته فإذا بالساعة العاشرة صباحاً، عقد حاجبيه وعينيه صُوبت مباشرة إلى غرفتها. كاد أن يعيد فعلته البارحة ليطمئن عليها لكن غروره منعه، تابع سيره إلى الأريكة وتناول شطائره حتى انتهى منها ثم غادر.

قبل أن يستقل سيارته لمح طيف يوسف غافياً في سيارته، تعجب من أمره وتوجه نحوه فكان الآخر مستنداً على طارة سيارته، دق بلال على زجاج النافذة فانتبه عليه يوسف. ترجل من السيارة والإرهاق كان مرسوماً على تقاسيمه، فتسائل الآخر بقلق: _نايم في العربية ليه؟ أردف كلماته بصعوبة فلم يكن لديه القدرة على الحديث: _كنت بدور على زياد وملقتهوش.. عقد بلال ما بين حاجبيه فلم يستشف ما وراء كلماته وسأله مستفسراً:

_يعني إيه بدور على زياد، هو راح فين؟ فرك يوسف عينيه وتثائب بقوة قبل أن يردف مختصراً: _حوار كبير، وأنا مش قادر أتكلم. تركه يوسف وصعد إلى منزله تحت نظرات بلال المتعجبة، وقف يوسف أمام الباب متردداً في الدخول، فكيف سيدلف بمفرده دون أخيه، حتماً تنتظر والدته عودتهما سوياً بفروغ صبر.

قرر الصعود إلى سطح البناية والهروب من عينيها فلا يتحلى بالقوة حتى يواجه عينيها ويقع إيلام آخر على عاتقه، توقف حينما سمع همهمات تصدر من الأعلى، تزداد كلما اقترب من السطح. تفاجئ بجلوس أخيه في زاوية يبكي، رمقه بشفقة لحالته وراحة لأنه وجده في النهاية، اقترب بخطاه منه بحرج شديد، مسح زياد عبراته فور رؤية شقيقه، احتدت ملامحه وتصنع القوة مطالعاً الفراغ أمامه بعبوس. جلس يوسف بجواره أرضاً، ساد الصمت لدقائق

قبل أن يقطعه يوسف بحديثه: _أنا آسف، عارف إني قسيت عليك ومكنش ينفع أعمل كدا، بس معرفتش أمسك اعصابي لما شوفتك.. أخفض زياد رأسه بحرج شديد، فتابع يوسف بنبرة منهكة: _لينة أمانة عندنا يا زياد وهتفضل أمانة والمفروض نحافظ عليها مش نستغل الفرصة كأنها واحدة من اللي أنت تعرفهم!!! أوصد يوسف عينيه محاولاً كبح غضبه، فلا يريد أن يخسر أخيه، عمل جاهداً على نفسه لكي تظهر نبرته هادئة رغم بركانه الثائر داخله كلما تذكر فعلته.

لكزه يوسف في كتفه قبل أن يردد ممازحاً: _متزعلش بقى، ياض أنت إبني وواجب الأب لو ابنه غلط يربيه. لم يبدي زياد ردة فعل، فنهض يوسف ثم مد يده له منتظراً تمسكه به، لم يمر الكثير حتى مد زياد يده وتمسك بيد يوسف فساعده على النهوض ثم ضمه بقوة إلى صدره وعانقه بحرارة: _أنا آسف. أبعده عنه ثم قبل جبينه وهتف: _صافي يا لبن؟ تقوس ثغر زياد ببسمة وأجابه: _حليب يا قشطة.

تبادلا الأخوين الإبتسام ثم أحاط يوسف كتفه فانحنى زياد ليكون في مستوى طول أخيه، حرك يوسف رأسه مستنكراً ذاك الطول اليافع وردد مزاحاً: _أقصر ياخويا أقصر، والله عيب في حقي. تبادلا الضحكات حتى وقفا كليهما أمام الباب، فتحه يوسف فركضت والدته نحوه، دقت أسارير السعادة قلبها حينما رأتهما يطلان يد بيد، أسرعت نحوهما وقامت باحتضانهما معاً هاتفة بسعادة: _أيوة كدا فرحوا قلبي، ربنا يحميكم يارب ويخليكم لبعض.

آمن كليهما على دعائها، بينما خرجت لينة على صوتها، فشعرت بالراحة لصلحهما، لم تقف كثيراً وعادت إلى غرفتها تحت نظرات يوسف الذي رآها. ربت على ظهر أخيه وقال بنبرة نادمة: _أدخل خد لك دوش سخن عشان أثر العلقة يروح. غمز إليها فرمقه زياد بغيظ ثم توجه إلى المرحاض ليحظى باستحمام ساخن يهدئ من آلام جسده، توجه يوسف إلى غرفته ولينة كانت شاغله الأساسي، لكن كيف سيواجهها بعد أن كاد يستسلم لشيطان غرائزه.

كان ضعيف النفس وقوته هزيلة، كان سيقع في إثمٍ كبير، أبطئ من حركته عندما اقترب من غرفتها وسمع كلماتها وهي تقول: _بقولك مش هعرف أقول لحد حاجة دلوقتي، ربنا يسهل ولما ألاقي الوضع هادي أشوف حوار التقديم دا. أنهت المكالمة فطرق يوسف بابها، فتحت له ثم أخفضت رأسها بحياء فأمرها قائلاً: _اجهزي عشان نروح نقدم في الكلية.

لم ينتظر رداً منها بل أولاها ظهره وغادر، بدلت هي ثيابها سريعاً وخرجت تنتظره في الخارج، تلك الأثناء خرج زياد من المرحاض فلمحها، اقترب منها بخطوات خجلة، حمحم ليجذب انتباهها ثم هتف نادماً: _أنا آسف على اللي حصل امبارح، معرفش عملت كدا إزاي. لم ترفع رأسها بل اكتفت بالرد دون النظر إليه: _محصلش حاجة.. أصر زياد على تصليح ما اقترفه: _يعني مش زعلانة؟ رفعت لينة رأسها وبعبوس هدرت: _لو وعدتني اللي حصل دا ميتكررش تاني!

أسرع في قوله: _والله مش هيتكرر تاني.. أومأت برأسها فلاحظ ثيابها وسألها بفضول: _أنتِ رايحة فين؟ بإقتضاب أردفت: _راحة أقدم في الكلية مع يو... قاطعها زياد بحماس: _طيب كويس استني هلبس وأجي معاكي. أولاها ظهره وتوجه إلى غرفته فتقابل مع شقيقه، مد له يده وقال: _يوسف هات مفتاح العربية هروح مع لينة تقدم في الكلية.

تفاجئ يوسف بطلبه، وزع أنظاره بينه وبين يده الممدودة، ابتلع ريقه ثم ناوله مفتاح سيارته، كانت لينة تتابع ما يحدث في ذهول، كيف قبل بهذا؟ لقد كانت المرة الأولى لعدم مشاركته لها في أمر. تبادلا النظرات فكان منهم نظرات معاتبة لاستغنائه عنها ونظرات قليلة الحيلة لا تقدر على فعل شيئ، هو فقط لا يريد خسارة أخيه يكفي ما قام به ليلة أمس.

حضر زياد والحماس كان كافياً على ملامحه وتعامله، اختفيا خلف الباب ولم يبرح يوسف مكانه، فلقد اتقدت نيران الغيرة داخله، كيف سمح له بأخذها والإنفراد لها؟ كيف يدعي الحب وهو لا يقاتل من أجله؟ المسألة كانت ستكون مختلفة لو لم يكن أخيه طرفاً في الأمر، خرج من شروده على صوتها المتسائل: _واقف كدا ليه يا يوسف؟ التفت إليها وطالعها لوقت دون حديث، حمحم فخرج صوته أجش: _لا مفيش، أنا نازل الشغل، لينة راحت مع زياد تقدم في الكلية..

كان يردف كلماته بتجهم شديد، لم ينتظر رداً منها وغادر، فوقعت هي في حيرة من أمره، تشعر وكأنه يخفي شيئاً عظيم عنها، لم يكن يوسف ذاته فهي حافظة لملامحه وأسلوبه وإن تغيرت تكن مُلمة بذلك، دعت له بصلاح الحال وعادت إلى المطبخ تعد وجبة الغداء. رنين تلاه رنين آخر دون جدوى، لا يوجد إجابة، لقد تسلل القلق داخلها، لماذا لا تجيبها؟ زفرت أنفاسها بضجر مخالط للقلق وتمتمت بحنق: _ردي بقى يا إيمان.. بعد مدة ليست بقصيرة أجابتها بنعاس:

_صباح الخير يا ماما. نهضت الأخرى من مكانها وعاتبتها قائلة: _أنتِ مش بتردي ليه مش معقول القلق اللي بقيت فيه بسببك دا. تثائبت إيمان وقالت بلامبالاة: _كنت نايمة.. كان القلق يزداد داخل قلبها، فتحدثت هادية بإصرار: _طب قومي اغسلي وشك وأنا معاكي خليني أطمن عليكي بدل التوهة اللي أنتِ فيها دي. نهضت إيمان وقامت بغسل وجهها ثم خرجت من الغرفة وتابعت مكالمتها مع والدتها بنبرة هادئة: _أنتوا عاملين إيه؟

"إحنا كويسين، بس أنتِ اللي مش كويسة معرفش حصلك إيه؟ جوزك فين من كل دا؟ أردفتهم هادية بحنق بينما كادت الأخرى أن تخبرها بعدم معرفتها بمكان زوجها إلا أنها قرأت الورقة التي تركها لها على الثلاجة فأجابتها قائلة: _نزل الشغل.. صاحت هادية بعدم إعجاب لتصرفاته: _شغل إيه؟ وليه نفس يشتغل كمان! قهقهت إيمان بسخرية ثم تحولت ضحكاتها تدريجياً إلى بكاء مرير، تفاجئت هادية ببكائها وتوجست خيفة في نفسها: _ريحي قلبي وقوليلي مالك؟

تحدثت إيمان من بين بكائها بنبرة غير مفهومة: _قولتيلي وافقي وهتنسى يوسف بيه، قولتيلي هيعوضك وقولتيلي كمان إنه بيحبني! كل دا طلع كدب، دا أنا بدأت أخد مهدئات عشان مشوفوش وميجرحنيش، بقيت بهرب منه ومن كلامه اللي زي السِم، بهرب من نفسي عشان عشمت نفسي مرة تانية وعشمي راح على الفاضي، أنا تعبت اوي تعبت.

تركت إيمان هاتفها من يدها فسقط أرضاً، سقطت بجواره واستندت برأسها على الثلاجة وواصلت بكائها الموجوع، كانت تتألم وتطلق آهات من آن لآخر، أجبرت والدتها على البكاء على حالتها. قلبها يتألم على فلذة كبدها، احتدت تعابيرها وشعرت بالكره يطغى عليها، حاولت مراراً الإتصال على بلال لكن هاتفه كان مغلقاً، كزت أسنانها بغضب شديد ولم تنتظر لحظة بل بدلت ثيابها سريعاً وهي تتوعد لذاك الوغد أشد الوعيد.

في مكتبه، يحاول إلهاء عقله عنهما، لكنه يعود دوماً إليهما، كيف يقضيان الوقت معاً، هل يتسامران؟ هل تخبره بماذا تتمنى وتريد تحقيقه؟ هل يتطاول عليها؟ أم أنه يتمتع برؤيتها وهي إلى جانبه! هل سيسيران يد بيد؟ عقله سيجن، سيصاب بالجنون حتماً إن ظل يفكر فيهما، نيران غيرته متقدة لا تهدأ وكذلك بركان غضبه لا يخمد، فماذا يفعل حتى يهدئ من مشاعره المحترقة؟! تذكر أحدهم فلم يتردد في مهاتفته، حتى جائه الرد بعد قليل: _أستاذ يوسف.

بجدية قال: _أنا عايزك تجيلي يا عيسى وياريت النهاردة أنا وعدتك إني هشغلك معايا ومحتاجك ضروري. بسعادة وعدم تصديق هتف الآخر: _ساعة زمن وهكون عندك. أنهى يوسف المكالمة وتفاجئ بإقتحام أحدهم المكتب، كاد أن يفرغ شحنة غضبه على الدخيل إلا أنه تريث حينما رآها زوجة خاله، نهض عن مكانه وردد بغرابة: _مرات خالي، اتفضلي. كان وجهها لا يبشر بالخير، رفضت الجلوس وبنبرة لا تحتمل النقاش صاحت: _تعالى وديني مكان شغل صاحبك.

أثارت غرابته حول اندفاعها وحاول معرفة الأمر: _هو فيه حاجة حصلت؟ تغاضت عن سؤاله وهتفت بإقتضاب: _هتوديني ولا لأ؟ أومأ بالإيجاب ثم أسبق للخارج واستعار سيارة من أحد الموظفين وانطلق بها قاصداً مكان عمل بلال، حتماً اقترف كارثة لكي تكون زوجة خاله في تلك الحالة التي لا يرثى لها. حاول مراراً مهاتفة بلال لكي يخبره بقدومهم لكن هاتفه كان مغلقاً، فتفاجئ بجمود قولها: _متحاولش، حاولت قبلك كتير.

حدجها يوسف ثم تابع قيادته حتى وصل لمرادها، صف السيارة أمام المعرض وأشار إليه: _دا المعرض اللي هو واقف فيه. ببرود أردفت وهي تطالع المكان: _شكراً يا يوسف، ارجع لشغلك معلش عطلتك. لكن ما كان عليه مرافقتها للداخل بعد جملتها التي تعني عدم تدخله في الأمر، ترجلت وداهمت المكان بوجه عابس باحثة عنه، قابلها أحد العمال وسألها باحترام: _حضرتك محتاجة حاجة؟ بجمود هتفت: _بلال فين؟ "أستاذ بلال في مكتبه، تحبي...

لم يكمل جملته فكانت قد صعدت الأدراج مهرولة، أسرع العامل خلفها وهو يناديها: _يا فندم لحظة، طيب نديله الخبر الأول. لم تكترث له وتابعت صعودها ثم اقتحمت مكتب بلال الذي تفاجئ بوجودها، ولج خلفها العامل ورمق بلال بخوف: _والله قولتلها نديله خبر الأول بس هي... قاطعه بلال أمراً إياه: _خلاص روح. توجه نظريه نحوها ورحب بها بحفاوة: _اتفضلي يا طنط، إيه الزيارة الجميلة دي. خرجت هادية عن صمتها وصاحت بنبرة مرتفعة:

_اسمع يابني، أنا وافقت أجوزك بنتي عشان شوفت فيك الراجل الطيب اللي هيتقي ربنا فيها، لكن اللي بيحصل غير كدا وطلعت لا تعرف ربنا ولا راعيت أنها خارجة من بيت أبوها معززة مكرمة يعني مجتش بيتك عشان تتهان، إيه مشكلة بنتي اللي خليتك تقلب عليها؟ إنها حبت؟ عايز تفهمني أن أنت مكنش ليك علاقات قبل الجواز؟

طب هي كل اللي عملته أنها حبت وخبت حبها جواها، مأجرمتش يعني، ومتحاولش تفهمني إنك طول السنين دي كلها مع صاحبك ومقالكش أنه كان رافض بنتي، يعني لا مشت معاه ولا اتكلموا حتى، إيه الذنب اللي عملته عشان يكون دا جزائها؟ أخرتها تاخد مهدئات عشان اللي أنت بتعمله؟ لما تاخد مهدئات من أول أسبوع جواز أومال بعد كدا هتعمل إيه؟ مش بعيد تفكر تنتحر!!

خفق قلب بلال بذعر عند سماعه كلمة انتحار، شعر بغصة في حلقه ولم يستطيع الرد عليها، فكان شاعراً أنه عارياً أمامها، لم يجرأ على مواجهتها فظل منكس الرأس يصغي لكلماتها دون تعقيب. بينما تابعت الأخرى مسترسلة:

_أنا كنت بقولها نستنى فترة ولو حالكم متصلحش تطلقوا عشان كلام الناس بس أنا أقسم بالله ما عاد هاممنى لا ناس ولا غيره، بنتي عندي أهم، مش هستنى لما يحصلها حاجة وأرجع أقول ياريت اللي جرا ما كان، أنا هطلع الوقتي على البيت وأخدها معايا، أرجعها لبيتها معززة مكرمة ولا أنت فاكر إن ملهاش أهل يقدروا يحموها؟ وتبقى تتكلم مع أبوها تتفقوا على الطلاق.

هدأت رويداً رويداً بعدما أخرجت مافي جوفها، ألقت عليه نظرة أخيرة ثم أولاته ظهرها لتغادر فتحرك هو نحوها مسرعاً، وقف أمامها مانعاً إياها من المغادرة. حاول بلال جاهداً أن يهديها بكلماته:

_مفيش طلاق هيحصل، أنا عمري ما هسمح بكدا ولا هخليها تبعد عني، أنا كمان مش ذنبي إني بحبها، أنتِ متعرفيش أنا عشت قد إيه أتمنى لحظة وقوفي أنا وهي في بيت واحد لوحدنا، كنت بنام بحلم بيها، أصحى أفكر فيها، متتخيليش أنا اتخذلت إزاي وقت ما هي نطقت بإسم واحد تاني وهي في حضني! مش هنكر إني كنت عارف إنها بتحب يوسف وقاوحت وقولت هقدر أنسيهولها، بس الواقع كان أصعب بكتير من مجرد خيالات وهمية رسمتها في عقلي.

أنا لسه بحبها بس مش قادر، كل ما أبص لها صوتها وهي بتهمس بإسمه بيتردد في وداني بيخليني اتجنن، أنا في الآخر راجل ودمي حر، مببقاش شايف قدامي وأي حاجة أنا بعملها عشان بحبها عايز أوجعها زي ما وجعتني عشان تحس وتقدر أنا في إيه وحاسس بإيه. تقوس ثغر هادية للجانب مشكلة بسمة ساخرة ورددت مستاءة:

_أنت فاهم الحب غلط خالص، اللي بيحب بجد عمره ما يوجع اللي بيحبه بالعكس دا يستحمل هو أي وجع ولا إنه يشوف اللي بيحبه موجوع مش يكون هو السبب فيه! هدأت من نبرتها حينما رأت عيناه تهدد بالدموع، لم تريد أن تقسو عليه أكثر من ذلك وقالت بهدوء:

_أنا عارفة إنك ملكش ذنب، وهي برده ملهاش ذنب، نصيبكم أنتوا الإتنين كدا، بس طلاما فيه حب زي ما بتقول يبقى نعدي ومش مرة لا دا إحنا نفضل نعدي ونتغاضى طول اليوم طلاما اللي بيحصل مش بيمس كرامتنا ولا بيهينا، منعديش عشان المركب تمشي لأ، نعدى عشان نفسنا متكونش عايشة في صراع طول الوقت، طلاما نقدر نعفو يبقى منطولش في الزعل والخصام ونرد الإساءة بالإساءة، عارف القوامة إيه هي يا بلال؟ أجبر أذنيه على الإصغاء جيداً فتابعت هي:

_مش بس إنك تصرف فلوس، تصرف قصاده حنان وطيبة وحب وعطاء، تحتوي أي موقف ممكن يوصل لمشاكل كبيرة، تديها أكتر ما تاخد، تخليها أولى من نفسك، تبدأ أنت بالصلح حتى لو كانت غلطانة ومفيش مشكلة لو فهمتها غلطها بهدوء من غير صوت عالي، الراجل اللي بيزعق دا راجل ضعيف بيعلي صوته بس عشان يفرض سيطرته ويبان أنه قوي وهو ولا قوي ولا نيلة، متنيمهاش زعلانة وحسسها إن زعلها غالي وإنها متهونش عليك، قصاد كل اللي هتعمله دا هي هتديك كل حاجة عندها، هتديك قلبها وعقلها، وهتحترمك وتكبرك وتصونك، وتطيعك وكل طلباتك أوامر حتى لو هي ميتة من التعب، أنا عمري ما حبيت خراب البيوت، بس دي بنتي، عندي تقعد جنبي ولا إنها تعيش تعيسة!

أخرج بلال تنهيدة على مهل، فكلماتها قد محت أي غضب داخله، وتبدل بحماس شديد وود أن يبدأ حياته من أول وجديد، ابتلع ريقه وأردف برجاء: _لو بتحبي بنتك بلاش تعملي اللي قولتي عليه، وادينا فرصة نتأقلم على بعض ونتعرف على بعض، اللي أقدر أقولهولك اطمني عليها والله ما أقدر أأذيها أبدا، كل اللي محتاجة فرصة ليا وليها نعيد فيه ترتيباتنا يمكن ننجح! بعد مدة أخذتها في التفكير قالت:

_بس اوعدني تاخد بالك منها مش عايزة أكون قلقانة زي ما أنا قلقانة الوقتي كدا. ابتسم لها وأعطاها وعداً: _اطمنى، أوعدك إن كل حاجة هتتغير. شهيقاً وزفيراً فعلت هادية ثم رتبت على ذراعه بحنو: _ربنا يهدي سركم يابني. أصر بلال على توصيلها فقبلت تحت ضغط منه، بينما ذهب هو للتسوق، يريد شراء بعض المستلزمات التي يحتاجها المنزل حتى يعود إليه. خرج كليهما من الجامعة، لم تتغير ملامحها قط منذ مرافقته لها، بينما هو صاح بحماس:

_مبروك مقدماً يا باشمهندسة. بإقتضاب رددت: _الله يبارك فيك. استقلا السيارة ثم قام زياد بالإتصال على أحد الأرقام وحادثه بعد لحظات من الإتصال: _إزيك يا علي، أنا تمام الحمد لله، أنت فين دلوقتي؟ تمام إحنا جاين مسافة الطريق. وضع هاتفه أمامه ثم مال برأسه لليسار ناظراً إليها وتسائل بجدية: _مش هتسألي كنت بكلم مين؟ نفت بحركة من رأسها مرددة ببرود: _الموضوع ميخصنيش عشان أسأل. أخذ ملفاً دائرياً كان أمامه وأردف:

_ميخصكيش إزاي، دا علي أخوكي!! التفت إليه ورمقته بريبة قبل أن تنطق: _مين دول اللي هيقابلوه؟ أجابها بجدية: _أنا وأنتِ.. احتدت تعابيرها فأسرع هو في توضيح الأمر: _علي أخوكي ولازم تقعدي معاه وتفهمي منه بدل ما أنتِ سايبة عقلك يألف أفلام من نفسه كدا. تأففت بضجر وصاحت بعصبية: _أنا مش جاهزة أقابله، وبعدين يوسف مش معايا و.. قاطعها زياد بحدة: _بس أنا معاكي.. مال برأسه ناظراً إليها وتابع:

_وياريت تتعودي على كدا عشان أغلب المشاوير إن مكنتش كلها أنا اللي هكون معاكي. عقدت لينة ذراعيها بتمرد، كانت ضجرة من ذاك الدخيل كيف عليه تحمله طيلة الوقت، شعرت أنها أخطأت حينما عاندت أخيها وقبلت بإتمام عقد القِران إنها لا تتحمله منذ أول يوم، ماذا ستفعل بقية الأيام؟

وصلا حيث كان مبنى نادي رياضي هائل الحجم، وكان علي في استقبالهما، كان مبتسماً بسعادة لرؤية توأمه، اقترب منها ثم عانقها بحرارة لكنه قابل منها برود عكس الحنين الذي يطغي داخلها، تود معانقته بشكل متبادل لكن ليس بتلك السهولة، عليها معرفة أسبابه أولاً وعليه يترتب علاقتهما فيما بعد.

تفاجئت لينة بوصول يوسف، تقوس ثغرها تلقائياً بإبتسامة عذبة تعكس سعادتها الداخلية لوجوده، بينما لم تكن مفاجأة سارة بالنسبة لزياد، فهو يريد الهروب من أخيه بشتى الطرق، يريد أخذ حصته معها حتى تعتاد وجوده لكنه دوماً يلقاه ويقطع عليه لحظاته. تنهد زياد بضيق وسأله مستفسراً: _أنت عرفت منين إننا هنا. قام علي بالرد عليه من الخلف: _أنا اللي كلمته وقولتله إننا هنتقابل هنا، مينفعش يوسف ميكنش موجود.

اكتفى يوسف ببسمة لم تتعدى شفتيه وهو يرى حبيبة فؤاده تقف بجوار أخيه، حاول عدم النظر إليها قدر المستطاع لكن عينيه تفتقد إليها كثيراً، كان يفشل ويطالعها بهُيام شديد، بينما هي شعرت بالإطمئنان لوجوده ولم تستطيع إخفاء ذلك فكان واضحاً للجميع خصيصاً زياد الذي لاحظ هذا التحول الكبير منذ وصول أخيه لكن ما باليد حيلة لم يريد تعكير صفو اليوم وهو من رتب له.

جلس أربعتهم حول المائدة في الداخل، قام علي بطلب بعض المشروبات الطازجة لهم ثم بدأ يقص عليها ما مر به منذ وصوله بعد أن أخذ شهيقا عميق: _طبعاً أنتِ مضايقة مني إني مسألتش عليكي طول السنين اللي فاتت، وطبعاً فاكرة إني كنت عايش حياتي وناسيكي. أخفض رأسه بآسى شديد وفرك أصابعه محاولاً عدم البكاء وتابع بنبرة مهزوزة خفق قلبها لأجله:

_أول ما وصلت لقيت عمك واقف واستقبلني ووقتها كلم يوسف طمنه عليا، أخدني البيت وقابلت مراته وكان واضح عليها إنها رافضة وجودي، بس مكنش في أيدي حاجة أعملها أنا مش مجرد في بيت جديد عليا دا أنا دولة تانية معرفش فيها أي حاجة. أخرج زفيراً ليكمل مالم ينهيه: _شوفت بنته ودي اللي كانت مهونة عليا المعاملة الباردة ورمي الكلام طول الوقت، كانت أصغر مني بشهور.

تعجب يوسف من ذكره لوجود فتاة فهو على حد علمه أن عمه لديه صبي وليس فتاة فردد متسائلاً بغرابة شديدة: _بنته! بس دا قالي إنه معاه ولد. تقوس ثغر علي ببسمة متهكمة قبل أن يوضح: _لا ماهو قالك كدا عشان تبعتني أنا ولما أروح يرميني زي ما عمل!! أصل هيرمي بنت في الشارع إزاي؟ عيب برده!!

أردف آخر جملته بسخرية تحت نظرات الآخرين المذهولة، فكم كان دنيئاً ذاك الرجل، ولم يكف يوسف عن تأنيب ضميره فهو من أصر على سفره، بينما انعسكت تعابير علي وابتسم بخفة عندما تذكرها وتابع: _كانت جميلة أوي إسمها كيندا، هي اللي كانت بتجيبلي الأكل وقت ماهما يناموا.. قاطعته لينة مذهولة مما استنتجته ورددت متسائلة: _هما مكنوش بيأكلوك؟ راوده شعور السعادة لكونها تبادلت معه الحوار بتأثر وأجابها بتلقائية:

_عشان مبقاش مبالغ هما كانوا بيحطو الأكل وينادوا عليا بس لو اتاخرت ٥ دقايق كان الأكل بيتشال. نكس رأسه بحزن وشفقة على مر به: _آل يعني بيعودنوني على النظام وإن كل حاجة ليها وقتها فكنت معظم الوقت مش باكل. تابعت لينة أسئلتها بفضول شديد لمعرفة بقية القصة: _وأنت ليه مكنتش بتخرج وقت ما ينادوا عليك، ليه كنت بتتاخر؟ بهدوء شرح لها:

_ببساطة لأن الدراسة كانت بالفعل شغالة، وأنا رايح دولة أجنبية بمنهج مختلف تماماً عن اللي كنت باخده بلغة جديدة مكنتش أفقه عنها حاجة، فالموضوع كان محتاج مني جهد كبير عشان أقدر أفهم وأكون في مستوى زمايلي وهناك مفيش دروس في كورسات بس في الصيف بس، الموضوع كان صعب عليا ومكنش حد بيساعدني فكنت بفضل المذاكرة على حساب الأكل، قعدت فترة كبيرة مش متأقلم وحسيت إني مضغوط ومطلوب مني أفهم ناس مش فاهم حتى قواعد لغتهم، حاجات كتير مريت

بيها لوحدي، لغاية ما حسيت إني خلاص ضعت واتمنيت حياتي تنتهي لأني مكنتش قادر أسابقها ولا حتى أمشي معاها، بس بعد حوالي سنتين كنت اتأقلمت كنت بروح كورسات في الصيف عشان أقدر أساعد نفسي في الدراسة وعشان أفهم الناس هناك ومش عايز أقولك إن مصاريف الكورسات دي أنا اللي كنت بدفعها!

جحظت عيناي لينة وهتفت والدموع تتسابق على مقلتيها: _بتدفعها إزاي؟ شاركها علي البكاء وهو يجيبها بصوت متحشرج:

_كنت بشتغل، ماهو مكنش بيصرف عليا، ولأني لسه صغير ومش معايا شهادة والشهادة دي هناك أهم منك شخصياً كنت بشتغل في مطابخ المطاعم بغسل أطباق وأغسل حمامات كل دا عشان أجيب مصروف أقدر أخد بيه كورسات، الحياة هناك غالية أوي وكل حاجة ليها مقابل مفيش حد بيعطف على حد ولا بقى أنت عمرك صغير ولا الكلام دا وكنت بشتغل عند ناس معينة لأن هناك مرفوض شغل اللي سنهم صغير فكنت بلاقي صعوبة عشان حد يقبلني عنده.

مسح علي عبراته وحاول التحلى بالقوة أمامهما وتابع مسترسلاً:

_مكنش عندي وسيلة أوصلك بيها، كانت كيندا بتحاول تساعدني من خلال موبايلها بس مرة مامتها عرفت من سجل البحث بتاعها ومن يومها رفضت تساعديني تاني لأنهم أخدوا الموبايل وفضلوا فترة مقفلين عليها كل حاجة وبدأوا يهددوها لو ساعدتني تاني هيتمنع عنها حاجة بتحبها فبدأت تبعد عني لغاية مابقت زيهم أو يمكن أجبروها تكون زيهم، المهم بعد ما تميت ١٦سنة مراته قالت إن مينفعش أفضل في نفس البيت مع بنتها تاني وعمي طردني من البيت.

ابتسم بسخرية قبل أن يوضح: _بس كتر خيره وداني شقة مليان شباب وقالي اتصرف أنت بقى، عشت هناك وبدل ما كنت باخد كورسات تساعدني في مذاكرتي بقيت بشتغل عشان أسد إيجار السرير اللي بنام عليه. زفر أنفاسه بضجر، لم يريد إحزانها بهذا الشكل وتابع بندم:

_والله العظيم حاولت كتير أوصلك بس معرفتش مكنش عندي وسيلة ومكنش معايا موبايل وكل اللي بيجي كان عشان أقدر أعيش بس، حاولت أوصلك من موبايل حد من اللي كنت قاعد معاهم بس كانوا لازم ياخدوا مني فلوس وأوقات كنت بقدر أوفر وأوقات لأ، بعد كدا اقتنعت أن الحل الوحيد إني أنزل بس مش هينفع أنزل إلا لما أتم ١٨ سنة عشان أكون خلصت الثانوي وبعد ما تميت ١٨ سنة اشتغلت ويتر تخيلي أسبوع شغل واحد خلاني قدرت أحجز تذكرة وأنزل مصر، والله يا لينة كان غصب عني أنا حتى مش عارف هبات بكرة فين لأن فلوسي يدوب..

نهضت لينة عن مكانها واقتربت من شقيقها الذي وقف تلقائياً لاقترابها وقامت بعناقه بكل ما أوتيت من قوة وظلت تردد بندم شديد من بين بكائها: _أنا آسفة، آسفة أوي مكنتش أعرف كل دا. بادلها علي البكاء ثم حاول تهدئتها بقوله: _والله كل دا هان أول ما شوفتك، وحشتيني أوي. عادت لينة إلى حضنه وظلت تربت على ظهره بحنو وأردفت بشوق كبير: _وأنت كمان وحشتني، كنت بستنى اللحظة دي من زمان أوي.

ابتعدت عنه وحدجته بأعين لامعة، قلبها يؤلمها على ما عاشه بمفرده، في الخلف يتابعوا ما يحدث بتأثر شديد فما كان منهم سوى تركهم لعل جروحهم تدواى هكذا. التفت يوسف ونظر حيث يجلس أخيه، كان كل ما يشغل عقله أن لينة لا تعود برفقته، ففكر قليلاً حتى وصل إلى فكرةٍ وعزم على فعلها، نهض وهتف: _علي تعالي لو سمحت عايزك.

أومأ علي بقبول ثم ابتسم لشقيقته بحب وتركها وتبع يوسف، وقف كليهما على مقربة من الآخرين ثم أخبره يوسف بما يريد بعدما أخرج من جيبه بعض الورقات النقدية: _عايزك تخرج أنت ولينة عوضوا بعض عن غياب الـ ٨ سنين اللي فاتو. رفض علي البتة أن يأخذ منه أي نقود: _لا لا مش هاخد حاجة أنا معايا. بإصرار واضح قال يوسف مازحاً: _خليهم معاك، وخد دول مش عشانك عشان لينة عايزك تدلعها أصلها متعودة على كدا.

قهقه علي لكنه رفض أيضاً أخذ النقود فما كان من يوسف إلا أنه يضعهم في جيب بنطال علي حتى يقطع عليه سُبل الرفض، غمز إليه وأسرع بقوله حينما رآه يريد إرجاعهم إليه: _والله ما أنا أخد حاجة عيب بقى. أسبق يوسف بالعودة إلى طاولتهم، ثم وجه حديثه لمشاكسته التي تطالعه بعينان لامعة: _روحي مع علي يا لينة هيخرجك النهاردة. غمز إليها بمرح قبل أن يمازحها: _لما نشوف مين خروجته أحلى، أنا ولا هو.

تشكلت إبتسامة عذبة رقيقة على شفتيها الوردية ووجهت نظريها نحو أخيها وسألته بفضول يشوبه الحماسة: _هنروح فين؟ رفع كتيفه مبدي عدم معرفته بالأماكن هنا ثم قال: _معرفش أماكن هنا دي هتبقى مهمتك أنتِ. عضت على شفتيها ثم صاحت مهللة: _خلاص سيبلي نفسك خالص اليوم كله عليا. "ربنا يستر" هتف علي بينما قهقه الآخرين قبل أن يوجه يوسف حديثه لصغيرته: _خدي بالك على نفسك. استشفت من عينيه الإهتمام فأماءت برأسها، حمحم وقال: _تعالي عايزك لحظة.

ابتعدا عنهما تحت نظرات زياد المذهولة، كم شعر أنه لا قيمة له، وأنه فقط عدد زائد بينهم، حاول تهدئة روحه الغاضبة فهما معتادان على ذلك ولن يتغير الأمر بين ليلة وضحاها، عليه فقط أن يتحلى بالمزيد من الصبر. على جانب آخر، أعطاها يوسف بعض النقود موضحاً: _خليهم معاكي احتياطي. بحرج أخذتهم وقالت وهي تطالع أخيها بشفقة: _عارف، نفسي أوي أعوضه عن اللي شافه، عايزة أجيب له كل حاجة عارفة إن مفيش حاجة تعوضه بس المهم إنه فرحان.

تقوس ثغره ببسمة وأردف: _يابخته بيكي يا لينة. أخفضت رأسها في حياء، فأخذ يوسف نفساً عميق وأخرجه بحرارة شوقه إليها، عادوا إليهما ثم تعلقت لينة في ذراع شقيقها وغادرا المكان تحت نظرات زياد ويوسف التي لم تُرفع من عليهما. تبادلا الأخوين النظرات ثم سار كلاً منهما في طريقه عائداً في مكانه. حل المساء وقد عاد علي ولينة بعد أن قضيا وقت ممتعاً للغاية، كان يوسف يجلس في الأسفل في انتظار عودتهما بفروغ صبر، استقبلهم

بحفاوة ثم تسائل بعفوية: _اتبسطوا؟ أجابت لينة بحماس وسعادة بالغان: _جداً جداً، روحنا الملاهي واتمشينا على الكورنيش وأكلنا درة وأيس كريم و... قاطعها يوسف بحرج حينما لم تتوقف عن الحديث: _خلاص يا لينة المهم إنكم اتبسطتو. لم تهتم لاعتراضه وتابعت: _لسه مخلصتش، ركبنا عجل وجبنا بيتزا وأكلناها وخلصت كل الفلوس اللي أنت ادتيهالي. نكس علي رأسه بحرج شديد فأصر يوسف على إيقافها: _خلاص يا لينة قولت.

أشار يوسف على أخيها من خلال عينيه فنظرت إلى علي وقد اجتاحها الخجل، تعلقت في ذراع علي وهتفت بنبرة حنونة: _اليوم كان حلو اوي. رفعت رأسها وطالعته وقالت: _يا خسارة إنه خلص. تدخل يوسف قائلاً بنبرته الرخيمة: _الأيام قدامكم كتيرة، تعوضوا كل اللي فاتكم. انحنى "علي" على رأسها وطبع قبلة على جبينها وأيد رأي يوسف: _يوسف عنده حق، يلا اطلعي الوقتي عشان الوقت اتاخر، تصبحي على خير. بحزن يكسو ملامحها ردت:

وأنت من أهله، كلمنى أول ما توصل. أومأ لها ثم استأذن منهما وغادر بينما صعد يوسف برفقتها، لم تكف عن الثرثرة وقص ما فعلته، وفي النهاية رمقته بنظرات ممتنة وهتفت: _شكراً يا يوسف عشان خلتيني أعيش يوم حلو زي دا. بلامبالاة قال على الرغم من سعادته الداخلية: _أنا معملتش حاجة. أسبقت بخطوة ووقفت مقابله على درجة من درجته واعترضت قوله: _إزاي معملتش حاجة، علي قالي إنك اديته فلوس واديتني كمان كل دا ومعملتش؟! ، بلاش تواضع.

أسبل عينيه في عينيها وبنبرته المتيمة العاشقة أردف: _كله لاجل ضحكتك دي! اتسعت ابتسامتها وتبادلا النظرات لبرهة ثم ولج كليهما المنزل، كانت السيدة ميمي قد غفت منذ وقت، تثائب يوسف بنعاس شديد فلم ينم منذ يومان وقال: _أنا معتش شايف قدامي، تصبحي على خير.. هتفت لينة بهمس داخلها: _وأنت من أهلى يا يوسف..

راودتها فكرةٍ فازادت من حماسها، دلفت غرفتها وخلعت ثيابها، ارتدت عباءة نومها البيضاء وحررت خصلاتها المموجة الذهبية، ثم وضعت أحمر الشفاه خاصتها فهو يزيدها جاذبية وإثارة. انتظرت وقت كافٍ حتى يكون قد غفى يوسف ثم خرجت من غرفتها وتفحصت المكان جيداً قبل أن تتجه ناحية غرفته، فتحت الباب ببطئ حتى تتأكد أولاً من نومه ثم دلفت وسرعان ما أغلقت الباب ووقفت خلفه تطالعه وهو غافي.

عضت على شفاها السفلية ووضعت يدها أعلى يسار صدرها فشعرت بخفقان قلبها المتزايد، أخرجت زفيراً حار ثم شكلت ابتسامة عريضة على محياها وخطت أول خطوة من حلمها لطالما تمنت تحقيقه..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...