ما قربش منها أكتر، وقف مكانه. كأن المسافة دي محسوبة، وكأنها جزء من الخطة. قال بهدوء تقيل: "إنتي فاكرة إنك قوية علشان رفضتي توطي؟ "القوة مش في الرفض يا مليكة." "القوة إنك ترفضي وتدفعي التمن… وإنتي هتدفعي التمن." سكت شوية، وساب الكلام يسقط فوق دماغها. سكات فارس كان دايمًا أسوأ من كلامه. كمّل: "أنا مش محتاجك تنحني دلوقتي، أنا عايزك تمشي، تمشي وإنتي فاكرة إنك كسبتي." رفعت مليكة عينيها، كانت متوترة، بس متماسكة غصب عنها.
"يعني إيه؟ ابتسم، ابتسامة مالهاش ملامح. "يعني تروحي بيتك، تدي الفلوس لسيد. تحسي إنك أنقذتي اليوم. وبكرة… ترجعي هنا بإرادتك." رجفة عدّت في جسمها. "ليه؟ رد ببساطة مرعبة: "علشان إنتي بقى عندك دين، مش فلوس. وإنتي ست بتحب تسد دينها." لفّ ضهره، وده كان الطرد الحقيقي. قال من غير ما يبص: "اتفضلي وخدى الفلوس معاكي." رجعت مليكة بيتها وهي حاسة إن الشارع أطول من المعتاد. البيوت كلها شبه بعض، بس هي مش شبه نفسها.
سيد كان قاعد مستني، وشه مرهق، وصوته متحفز. "عملتي إيه؟ طلعت الفلوس من شنطتها، حطتهم قدامه. من غير شرح، من غير قصة. خمسين ألف جنيه، أكتر من المعتاد. بص للفلوس، وبصلها وسكت. السكوت ده وجعها أكتر من أي سؤال. حست إنها اتعرّت من جوه، مش من برّه. همس سيد: "يعني فنجان قهوه تمنه عشرين ألف جنيه؟ ياه؟ لو كان كده من بكرة تشتغلي خدامه في القصر. إحنا ممكن يكون عندنا فلوس كتير أوي."
لم ترد مليكة، تركته ودخلت المطبخ. عملت له الأكل. اتحركت في البيت كأنها آلة محفوظة الخطوات. ليلها كان تقيل، نامت، بس ما نامتش. كل مرة تقفل عينها، تسمع صوته: "بكرة… ترجعي هنا بإرادتك." تاني يوم صحيت بدري. بدري قوي. فتحت الدولاب، الهدوم القديمة شكلها غلط، مش لأنها قليلة… لكن لأنها مش مناسبه. افتكرت كلامه. اختارت فستان بسيط، مش ملفت بس يبين إنها "مرتبة، مش خدامة مكسورة… ولا ست شايفة نفسها."
سرّحت شعرها، وقفت قدام المراية. مش بتدور على جمال، بتدور على قبول. لكن الحقيقة إنها كانت عايزة تبان جميلة. طلعت من البيت قبل ما سيد يصحى، مش هتستحمل نظرته. وأصلاً مش مهمة. ركبت المواصلات. القصر بقى طريق معروف، وده كان أخطر إحساس. دخلت القصر. نفس السكون، نفس التقل. وقفت تستنى من غير ما حد يأمر. طلع صوته من جوه المكتب: "ادخلي يا مليكة." دخلت. وقفت قدامه، قال من غير ما يبص: "همس كويس سمعتي الكلام."
رفعت عينها بهدوء مهزوم: "حضرتك قلت أرجع، وأنا رجعت." ابتسم، المرة دي بابتسامة راضية. "شاطره يا مليكة. بحب الإنسان اللي بيحكم عقله ويعرف حدوده، وإنتي عرفتي حدودك كويس." كانت مليكة واقفه مهزوزه قدامه، فارس قعد على الكرسي. وعاينها بعدها همس: "انحني يا مليكة، وطى والمسى رجلي عربون خضوع." انحنت مليكة ولاحظ فارس جمالها ورشاقتها. "شوفتي؟ الموضوع مش صعب يعني؟ بيد مرتعشه لمست مليكه قدمه وظلت منحنيه منكسره.
رن هاتف فارس. فأشار لمليكه أن تظل في مكانها منحنيه أمامه. كانت مكالمة من سكرتيرة صوفيا بتطلب منه يروح الفيلا يقابل المدام. رفع فارس حاجبه، "ليه صوفيا متكلمنيش بنفسها؟ "بعد ما فعلته بها أصبحت من ضمن ممتلكاتي." وكاد أن يرفض، إلا أنه رغب أن يلقنها درسًا في الطاعة حتى لو كان في بيت الزوجية بيت زوجها. نهض فارس وترك مليكه منحنيه كأنه نسيها وركب سيارته تجاه فيلا صوفيا. ولم يلحظ السيارة التي تلاحقه منذ خروجه من القصر.
السيارة التي أجبرته أن يتوقف على جانب الطريق في حتة مقطوعة. ونزل منها تلت أشخاص في إيديهم سلاح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!