لم يكن الطريق إلى فيلا صوفيا هي ما أقلق فارس، بل الفراغ الذي تمدد فجأة على جانبيها. الهواء صار أثقل، والضوء انكسر على الزجاج الأمامي كأنه يتردد قبل أن يسمح بالمرور. حين ظهرت السيارة خلفه، لم يلتفت فورًا. فارس الناطوري لم يكن من الرجال الذين يفاجَؤون، بل من أولئك الذين يعترفون بالخطر قبل أن يعترف الخطر بهم. السيارة لم تلاحقه بعجلة، كانت تسير بثبات بارد، ثبات يشبه قرارًا اتُخذ منذ وقت طويل.
وحين أُجبر على التوقف، كان المكان قد اختار نفسه، بقعة مهجورة. أرض منسية. نزل الرجال الثلاثة. لم يصرخوا، لم يهددوا في البداية. السلاح في أيديهم كان كافيًا ليختصر اللغة. ملامحهم لم تكن قاسية بقدر ما كانت خالية، وجوه رجال لا يمارسون العنف بدافع الغضب، بل كجزء من وظيفة. قال أحدهم، بصوت فيه شيء من السخرية المتقنة: باشا كبير زيك… ما ينفعش يقف كده على جنب الطريق. لم يرد فارس.
فتح باب السيارة بهدوء، كأنه ينزل إلى اجتماع يعرف وقته ومكانه. قال الآخر: اتفضل يا باشا. قادوه دون مقاومة، ليس لأنه خائف، بل لأنه كان يعرف النهاية ويدرك أنها تتوقف على تفاصيل صغيرة جدًا. البيت المهجور وقف في العتمة، كهيكل عظمي لزمن انتهى ولم يُدفن. جدرانه مشققة، ورائحة العفن ممزوجة برطوبة الأسرار القديمة. في الداخل، كان الصمت أكثر وقاحة من أي صوت. ربطوه إلى الجدار، يداه مرفوعتان. المعدن بارد، لكن فارس لم يرتعش.
الأسلحة صُوّبت نحوه، لا كتهديد، بل كتذكير. اقترب رجل منهم، عيناه لامعتان بفضول غير بريء، وقال وهو يبتسم: متقلقش الحفلة هتبداء بسرعه مش هتحس بحاجة زي شكة الدبوس. ضحك الآخرون، ضحكة قصيرة، بلا فرح. أخرج أحدهم كاميرا ثبتها على مقعد، كأنه إعلان رسمي لبداية شيء لا يُقال. قال الرجل وهو يثبت العدسة: الأوامر واضحة، كل حاجة لازم تتصور يا رجالة. لكن مش لازم نشعر بالخجل أهم حاجة. الدقة. وأطلق ضحكة ضخمة. اقترب رجل آخر،
وهمس قرب أذن فارس: أول مره هعملها مع باشا يا ترى انتو بتصرخوا زي الناس العاديين؟ ابتسم فارس ابتسامة بالكاد تُرى. ابتسامة رجل، لم يُكسَر بعد، لكن بدأ يفهم اللعبة الجديدة. قال بهدوء: البدايات دائمًا بسيطة، لمن الجحيم اللي بعدها محدش يقدر يوقفه. تبادلت العيون نظرات سريعة، لم يفهموا إن كان هذا تهديدًا أم اعترافًا. الكاميرا ظلت تعمل. قال الأول: تخلصوا من بنطاله، لو مش عايز تشوف يا باشا غمض عنيك، الستات بتعمل كده.
تحسس فارس السكين الخفية الرفيعة التي ترافقه دومًا. صديقه اعتاد رفقتها مهما ارتفع شأنه. جردوه من ملابسه والأسلحة مصوبة عليه، لكن فارس الناطوري يفعل كل شيء وفق إرادته حتى لو كان الثمن الموت. أصبح بالتيشيرت الأزرق والشورت الرياضي. أطلق فارس ابتسامة عريضة تجاه الكاميرا ولوح بيده. الحفلة بدأ. شعروا أنه مجنون، لكن ذلك لم يثنيهم. اقترب أول رجل لينزع بقية ملابس فارس. قفز فارس وقبض على عنقه بساقيه. كانت حركة مفاجئة.
لكن فارس يعرف أن كبرياءه وسلطته تتوقف على الحركة التالية. كان فارس لاحظ تخليهم عن أسلحتهم وهذا ما يمنحه لحظات إضافية. طقطق عنق الرجل وصرخ. أكمل فارس لفة كاملة للتخلص من القيد. حرر يد واحدة بالسكين وزرعها في رقبة الرجل. لكنه تلقى رصاصة في ساعده. تحرر فارس من قيوده ورقد على الأرض يحتمي بجسد الرجل المصاب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!