أنت مرحب بيكي في أي وقت يا صوفيا هانم. ابتسمت صوفيا، تحب الشخص الذي يقدرها، كان ينقصها ذلك الشعور، فكل البقية تخشاها، تخضع لها. إلا أنها لم تحضر من أجل كل ذلك الهراء، لم تكلف نفسها مشوار لم تضعه في اعتبارها من أجل كلام فاضي. "طبعًا أنت عارف أنا مين ومرأة مين؟ ابتسم فارس بسخرية، أخيراً قبض على نقطة ضعف. "المرأة القوية لا تتبجح بقيمة زوجها." "عارف،" همس فارس وسحق السيجارة في المنفضة، "لكن دا مش مهم، المهم انتي هنا ليه؟
فتحت صوفيا فمها بانزعاج، كيف يتجرأ ويخاطبها بتلك الطريقة؟ أيظنها تالين أخرى؟ "تالين حكتلك؟ " همس فارس وهو يشعل سيجارة ثانية. كانت الموسيقى تتراقص خلفه. مشى تجاه لوحة ولمسها بأصابعه ووضع صوفيا خلف ظهره. "هو دا اللي جابك هنا؟ واصل فارس كلامه: "أنا مش مندهش من أكاذيب تالين ومنح نفسها قيمة أكتر من اللازم." ثم استدار فجأة تجاه صوفيا، واللمعت عيناه وثبت نظره عليها كلها. "لكن انتي هتتحملي مزاجية فارس الناطوري؟
"انت بتقول إيه؟ " خاطبته صوفيا وهي تنفخ الدخان. "أنا مالي ومال مزاجيتك؟ أنا جايه في حاجة تانية خالص؟ واصل فارس تثبيت نظره على صوفيا وابتسم. "عايزة تقنعيني إنك تعبتي نفسك ووصلتي هنا تحلّي مشكلة تالين الضعيفة؟ اقترب فارس أكثر من صوفيا. "لازم تعرفي إن كل اللي يدخل القصر هنا ملكي." مصدومة، صرخت صوفيا. "يا ابني أنا مرأة زياد المليجي." "أوديك ورا الشمس من غير ما تحس." "زياد المليجي دا في الفيلا بتاعتكم يا صوفيا، مش هنا."
"أنتي مش مهتمة بجوزك عشان كده انتي هنا." همست صوفيا بنبرة محذرة. "أنت قليل أدب فعلاً، تالين مكدبتش." كان فارس يفصله خطوة واحدة عن صوفيا، لكنها كانت تقف في ثبات مقلق. "وإنتي ست جميلة ورقيقة يا صوفيا، لكن محطوطة في فاترينة عرض للفرجة." "احترم نفسك،" حذرته صوفيا. لا يحب فارس الناطوري المماطلة، لطالما كان تهوره أهم صفاته. "اقفي هناك يا صوفيا." سمعت صوفيا الأمر بنفور، ارتفع غضبها.
"الظاهر إنك إنسان سوقي فلاح نضيف مش أكتر." "قلتلك اقفي هناك." دفعها فارس بيده جنب اللوحة. صرخت صوفيا. "ابعد إيدك القذرة عني! أنا هعرف أوريك إزاي تكلمني بالطريقة دي يا حيوان! وأخرجت هاتفها، لكن الصفعة التي تلقتها جعلت رأسها تلف وسقط الهاتف على الأرض. "قلتلك زياد المليجي دا في فيلتكم مش هنا." "حيوان قذر ابن... كلب كتم فارس فمها بيده ومنعها من إطلاق الشتائم. ***
وصلت مليكة إلى بوابة القصر قبل الظهر بقليل، والحرّ يضغط على صدرها كما يضغط الخوف على التفكير. وقفت لحظة أمام السور العالي، تشعر أنها أصغر من ظلها، وكأن المكان ينكمش ليبتلعها لا ليستقبلها. سألها الحارس عن اسمها، فقالته بصوت خافت لم تعتد أن تسمعه يخرج منها. لم تسأل إلى أين تذهب، ولم تعترض، فقط تبعت الإشارة بقدمين مترددتين. كل خطوة داخل القصر كانت تخلع شيئًا منها. خلعت نظرتها القديمة لنفسها كزوجة فقط.
خلعت فكرة أنها زائرة. خلعت وهم المؤقت. في الردهة، أوقفتها رزان. لم تكن مبتسمة ولا قاسية، فقط تؤدي دورها كما اعتادت. تناولتها زي الخدم دون كلمة زائدة. نظرت مليكة إلى القماش بين يديها طويلًا. لم يكن اللبس ما أوجعها، بل ما يعنيه. هذا اللبس إعلان صريح، لا لبس فيه، ولا رجعة عنه. دخلت الغرفة المخصصة، وبدّلت ثيابها ببطء. كانت يداها ترتجفان وهي تغلق الأزرار، وكأن كل زر يُغلق بابًا خلفها.
نظرت إلى صورتها في المرآة، فلم ترَ امرأة مهزومة، بل امرأة تخلت عن المقاومة. حدثت نفسها أنها تفعل هذا من أجل ابنتها، ثم من أجل سيد. ثم، في لحظة صمت صادقة، اعترفت أنها تفعل هذا لأن لا خيار آخر لديها. خرجت من الغرفة مطأطئة الرأس. لم تُطلب منها هذه الحركة، لكنها جاءت وحدها. الجسد أحيانًا يسبق الأوامر. أوقفتها رزان مرة أخرى. "اسمك؟ "مليكة." قالتها هذه المرة بوضوح أقل. "شغلك إيه؟ ترددت ثانية واحدة، ثم قالت: "خدامة."
لم تشعر بالذل وهي تنطق الكلمة. شعرت بالفراغ، وكأن الكلمة أزاحت عنها عبئًا ثقيلًا اسمه الرفض. قادتها رزان عبر الممر الطويل المؤدي إلى مكتب فارس الناطوري. الجدران كانت صامتة، والهدوء مخيفًا. لم تسمع صوت خطواتها، كأن القصر لا يعترف بوجودها بعد. توقفت أمام الباب، قالت رزان بهدوء محسوب. "لما تدخلي، ما تتكلميش غير لما يُطلب منك." أومأت مليكة، هذه القاعدة كانت سهلة بشكل مقلق.
فُتح الباب، دخلت. كان فارس الناطوري يقف قرب نافذة مكتبه، ظهره لها. لم يلتفت فورًا، ولم يعطها شرف النظرة. تركها واقفة، منتظرة، معلّقة بين الدخول والوجود. شعرت مليكة بحرارة في عينيها، لكنها لم تبكِ. البكاء يحتاج إذنًا، وهي هنا بلا إذن. قال فارس بصوت بارد دون أن ينظر: "اسمك؟ "مليكة ياباشا." "جايه ليه؟ تقدّمت خطوة دون أن يطلب. انحنى رأسها أكثر مما قصدت، وقالت بصوت انكسر رغم محاولتها ضبطه: "جايه أشتغل يا باشا."
التفت أخيرًا. نظر إليها نظرة باردة، فاحصة، لا رغبة فيها ولا غضب. نظرة رجل يرى النتيجة لا المعركة. سكت لحظة، ثم قال: "قوليها تاني." ابتلعت مليكه ريقها. رفعت عينيها نصف رفعة ثم أنزلتهما سريعًا، وقالت بوضوح: "جايه أقدّم نفسي خدامة لحضرتك." في تلك اللحظة، لم تعد مليكة تشعر بالخوف. شعرت بالانكسار الكامل. الانكسار الذي لا يصرخ، لا يعترض، لا يطلب رحمة. "تعالى قربي يا مليكه." وجدت نفسها صغيرة وهي أمام عيون فارس.
"لازم تعرفي إن فارس الناطوري مش بيقول الكلمة مرتين، وطلباته أوامر." "كنتي بتقولي جوزك بس إلى بيديكي أوامر؟ كنتي غلطانة، لكن أنا عديتها بمزاجي. وجوزك بنفسه هو اللي أمرك تيجي هنا، ودا يوضحلك مين السيد الحقيقي. فاهمه؟ "فاهمه يا باشا." "فاهمه،" همست مليكة وهي منحنية لا إراديًا. ***
نفخ فارس الناطوري دخان سيجارته وشرد لبعيد حيث الشرفة المطلة على الحديقة التي أمر بتغيير أشجارها. رمق الورد والزهور وتذكر صوفيا عندما كانت واقفة هنا في نفس المكان أمس تنظر إليه بتحدٍ. نقص فارس السيجارة وشعر بيده تهتز، يده التي وجهت إليها أول صفعة في حياتها. ابتسم عندما لمح الدهشة على وجهها، كأنها في عالم تاني مفصولة عن الواقع وفمها يردد: "هخلي جوزي يطين عيشتك هدخلك السجن يا كلب انت."
ثم هجومها عليه مثل القطة المفترسة. قبض فارس على يدي صوفيا بقوة ومنعها من الحركة وعيناه الثابتة ترمقها بتحكم. "قلتلك جوزك في بيتك يا هانم، إنتي هنا في قصري. وأي إن كان اللي هيحصل أنا مش مهتم ولا خايف. وكلما زاد وعيدك زاد عقابك." لكن هيهات أن تصمت صوفيا بنت الأكابر وزوجة الرجل المرموق الخطير. خربشته أظافرها وفمها لم يتوقف عن السباب. ببرود صفعها فارس مرة ثانية
وثالثة وهمس في أذنها: "اصمتي، اتعلمي من تالين الصمت في وجودي." "مش هسكت، مش هسكت! " صرخت صوفيا حتى ظن فارس أنها ستنهار عصبيًا وبريق التحدي في عيونها يزيده نشوة. قيد فارس حركتها وأجلسها على الأريكة بعنف. "صراخك مش هيفيدك ولا هيفرق في حاجة." ثم لمس شعرها الطويل الناعم وجذبه. "اتكلمي بالعقل وبأدب، إنتي متعرفيش أنا ممكن أعمل فيكي إيه."
همسها فارس كأنه مجنون وأدركت صوفيا الحقيقة. فارس مجنون فعلا، هاذي ومش فارقة معاه. تخيلت للحظة أن الأصعب قادم، فهمت وصمتت. *** استدار فارس وتفاجأ أن مليكه لسه واقفة. "اتفضلي اعمليلي قهوة وهاتيها بسرعة من فضلك أحسن دماغي هتنفجر." "حاضر يا فارس باشا." همست مليكه وفي طريقها للمطبخ. "غمغمت دماغه هتنفجر ليه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!