الفصل 8 | من 43 فصل

رواية حريم الباشا الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
1,467
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

خرجت تالين من القصر بعد منتصف الليل، والسماء فوقها ثقيلة بلون رمادي لا يريح القلب. كانت خطواتها ثابتة أكثر مما ينبغي، كأن جسدها قرر أن يقوم بالمهمة وحده دون استشارة عقلها. لم تلتفت خلفها، ليس شجاعة، بل خوفًا من أن تعود إلى القصر لو نظرت. جلست في السيارة وأغلقت الباب، ثم أسندت رأسها إلى الزجاج البارد. عقلها كان يعيد المشهد دون ترتيب، كأن الذكريات تتصارع على من يظهر أولًا.

شعرت بالمهانة، نعم، لكنها شعرت أيضًا بشيء آخر لم تحب الاعتراف به. كان هناك فضول مؤلم يتحرك داخلها ببطء، فضول لمعرفة كيف تمكن فارس من الإمساك بها دون أن تصرخ. كيف جعلها تصمت وتستجيب رغم أنها بنت هويتها كلها على فكرة التمرد. حدثت نفسها قائلة إنها أقوى من ذلك. لكن صوتًا آخر همس داخلها بأنها لم تكن ضعيفة، بل كانت مُربكة، والارتباك أخطر من الضعف. في المساء، جلست في مقهى راقٍ اعتادت التردد عليه.

كانت تحاول استعادة صورتها القديمة، تلك التي لا يهزها رجل ولا مكان. لكنها لم تكن تصغي للأغنية في الخلفية، ولا لطعم القهوة. "ضحى، مالك يا تالين شارده كده مش عوايدك؟ لاحظت تالين الكأس الفارغ في يدها. قربت من ضحى وهمست: "فارس الناطورى اتجنن رسمى، ورحمة أمى لابهدله." ضحى: "فارس ماله، عمل إيه؟ رفعت تالين عين متمردة: "القذر حاول يخضعني، فاكرني واحدة من بناته الرخاص." ضحى بلهفة: "بجد عمل إيه؟

حكت تالين وهي تضحك، حريصة على أن تجعل موقفها أقوى وتوضح مع كل كلمة أنها رفضت ولم تستجب وجعلت ليلته كحل. التقط سمعها صوت امرأة خلفها، نبرة واثقة تعرف أنها مسموعة. زوجة رجل مهم في الدولة، امرأة تتحرك دائمًا محاطة بالمعرفة لا بالحراسة. كانت تالين تعرفها من بعيد، لم يجمعهم حديث طويل سوى السلامات. سألت المرأة: "فارس عمل كده بجد؟ وكانت تعرفه من بعض الحفلات المشتركة التي كان يحضرها فارس الناطوري.

تالين: "آه حصل بجد، لكن أنا بهدلته." راحت المرأة تسأل أكثر، مهتمة بكل تفصيلة حتى لو كانت صغيرة، وتالين ترد. "هي صافيناز مهتمة ليه كل ده باللي حصل مع فارس؟ سألت ضحى بفضول بعد أن اختفت المرأة. "فكك"، همست تالين وهي تفرغ كأس خمر في جوفها. لكن تالين لحظتها شعرت بالحيرة والغيرة، لا تعلم من أين أتى ذلك الشعور، لكنه إحساس كان حاد وممض. بعد أسبوع كامل، كان سيد عبد الهادي يجلس على حافة السرير في شقته الضيقة.

كانت النقود قد نفدت، ومعها نفدت القدرة على التمثيل. جسده بدأ يتمرد عليه، كما يتمرد الخادم المهمل. كان العرق يخرج من جبينه دون سبب ويده ترتجف رغم أنه لم يمسك شيئًا، رأسه كان أثقل من أن يُحتمل. حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مؤقت، قال إن الرجولة صبر، وإنه لا يحتاج لأحد. لكن حاجته كانت أعلى من شعاراته. تذكر القصر. تذكر مكتب فارس. تذكر نظرته التي لا تهدد ولا تطمئن. كره نفسه لأنه يفكر فيه، وكره نفسه أكثر لأنه كان يعرف الحل.

جلس مع مليكة مساءً، مختلفًا عن عادته. لم يصرخ، لم يهين، وهذا أربكها. قال لها بصوت منخفض إنه يريدها أن تذهب للقصر، قالها وكأنها مسألة محسومة لا نقاش فيها. قال إن الحياة تحتاج تنازلات. نظرت إليه مليكة طويلًا. رأت الضعف الذي لم تعتد رؤيته. رأت رجلًا لا يملك سوى صوته، وصوته بدأ ينهار. قالت له إنها قالت لا ورفضت الذهاب، وهذا أمر منتهٍ. قال لها إنه لا يملك رفاهية الرفض، إن الجوع لا يفهم الكرامة.

صرخت مليكة: "قفا يا راجل عايزني أروح هناك بعد ما قلت لأ؟ طب بأي وش هقابله؟ همس سيد: "فيه ستات كتير بتخدم في البيوت وبتساعد رجالتها، انتي مش هتعملي حاجة غلط، دا مجرد فنجان قهوة. فكري في بنتنا اللي بتكبر وعايزة تتعلم وتتجوز." في تلك الليلة، نام سيد مرتاحًا لأول مرة منذ أيام. أما مليكة، فبقيت مستيقظة. تعرف أنها لن تذهب لأن فارس أمرها. ستذهب لأن سيد سقط. وفي مكان آخر، كان فارس الناطوري يشعل سيجارته بهدوء.

لم يسأل عن أحد، لم يتعجل شيئًا. كان يعرف أن اللعبة وصلت إلى مرحلتها الطبيعية. فالذين يرفضون أولًا، يأتون لاحقًا وهم أكثر طاعة. يأتون وهم مستعدين للذي لم يحدث بعد، وهذا ما يعجبه في النفس البشرية التي ترفض من مكان قوة ثم تأتي صاغرة منكسرة كأنها لم تتخذ قرارًا بالأمس. راح يتخيل وجه مليكة وكيف سيكون عندما تقف أمامه. قشعر بنشاط وسعادة. هذه الأمور تنشيه أكثر من المخدر.

كان قد مضى ثلاثة أيام على مغادرة تالين ولم يصله عقابها الذي توعدته به. تأسف فارس لأنه كان مستعدًا أكثر من اللازم للوقوف في وجه أبيها الوزير وإخراصه. إنه يملك من الأدلة ما يجعل الرجل يترك وزارته، لكنه لا يريد ذلك، بل يريد تالين خاضعة بقواعده دون الاستعانة بأي أشياء أخرى. وكانت الشمس تتسحب خلف الأشجار مخلفة شفقًا أحمر. عندما توقفت سيارة فارهة على بوابة القصر قبل أن يسمح لها الحارس بالدخول. نفخ فارس

دخان سيجارته وهو يفكر: "من تلك؟ ثم نزلت من السيارة على وجهها نظارة سوداء ترتدي فستانًا من الساتان الضيق، في أواخر الثلاثين من عمرها، أنيقة ورشيقة. ثم عرفها فارس الناطوري، أن صورها تملاء الجرائد مع زوجها المهم. فكر للحظة: "ودي عايزة إيه كمان؟ لم يتأخر الرد. طرقت رزان باب غرفة مكتبه: "صوفيا هانم تحت، طالبة تقابلك يا فارس باشا." "غريب؟ " تعجب فارس، "ما الذي تريده تلك المرأة؟ "لطالما كانت رزينة وحريصة."

"هي ما قالتش سبب الزيارة إيه؟ "لا يا فارس بيه، أنت عارف اللي زي صوفيا مش بيقول حاجة." فعل فارس، فرّغ الموسيقى واشعل سيجارته. "خليها تتفضل يا رزان! فتحت رزان الباب لصوفيا ثم استأذنت في المغادرة. صرفها فارس بإشارة من يدها، حرص أن يجعلها ملحوظة. "أهلاً صوفيا هانم." مدت صوفيا يدها تنتظر القبّلة المتعارف عليها في وسطها، لكن فارس الناطوري اكتفى بسلام عابر. "تفضلي يا هانم، تشربين إيه؟ نزعت صوفيا وشاحها، مسحت المكتب بعينها.

لا وجود لزجاجات خمر أو ويسكي، مكتب أنيق اختير ديكوره وأثاثه بدقة. "سيجارة؟ "طبعًا يا هانم." قرب فارس سيجارة من فم صوفيا وقرب لها الولاعة، ثم نظر في عينيها مطولًا. لطالما كان قادرًا على قراءة النساء من عيونهن، لكنها تبدو باهتة وعميقة، عصية على الفهم. بينما كانت تفكر صوفيا، لطالما رأت نظرة الخضوع في عيون الرجال عندما يعرفون اسم زوجها. لطالما راهنت على ذلك وفكرت أنه ليس شخصًا مختلفًا.

كل ما هنالك أنه حقن نفسه بجرعة مخدر زائدة منحته الشجاعة لفرض سيطرته على تالين. "طبعًا بتسألين نفسك أنا هنا ليه يا فارس؟ وضعت صوفيا قدمًا على قدم وأخذت راحتها في الجلسة. ابتسم فارس الناطوري بلا مبالاة مما أزعجها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...