لم يحتج فارس إلى سماع الاعتراف كاملًا كي يفهم. بعض الحقائق لا تُقال، بل تُشمّ في الهواء، تُقرأ في ارتجاف الأوامر، وفي نوع الكاميرا التي لا تُخرج إلا من أجل شيء محدد بعناية. المهمة لم تكن القتل. لو كانت كذلك، لتمت في الطريق دون مسرح. المهمة كانت أعمق، وأقذر، وأكثر دقة. كانوا يريدون نزع صورته، لا جسده. تشويهه، لا إنهاءه. كان المطلوب أن يُصوَّر… مكسورًا، منزوع السيطرة، موضوعًا في موضع لا يعود منه الرجل كما كان.
فهم فارس ذلك في اللحظة التي أُخرجت فيها الكاميرا قبل السلاح. الكاميرا لا تُستخدم للشهادة، بل للإذلال. وحين فهم… ابتسم. كان يعرف أنه في لحظة قد تكلفه حياته. وعمل بدقة لا متناهية على تنفيذ التدريبات الصعبة والشاقة التي كان يمارسها باستمرار منذ عشرة أعوام كاملة. لا أحد يعرف أن تحت هذا القميص يكمن جسد صلب العضلات مثل الحديد. أعضاء رشيقة خفيفة وسريعة الحركة.
لقد تخلص من رجلين بعد أن تحرر. لم ينهِ المسرحية فورًا. اختار أن يبقي واحدًا حيًّا. اقترب من الرجل الأخير، الذي كان لا يزال يرتجف، لا من الخوف فقط، بل من إدراك أنه صار جزءًا من شيء أكبر مما توقع. "إنه يقف أمام أكبر مخاوفه التي تحررت فجأة." همس فارس وهو يغرز السكين في جسده. "مين بعتك؟ "والله العظيم ما أعرف يا بيه. ولا واحد فينا يعرف. إحنا خدنا الفلوس بعد مكالمة تليفونية." "فلوس كتير؟ ولا تعرف مين اللي ورا الموضوع؟
بنظرة واحدة، عرف فارس أن الرجل يقول الحقيقة. "طيب يلا قوم كمل المهمة." أمره فارس وركله بقدمه. "أكمل إيه يا بيه؟ ما خلاص. ارجوك متقتلنيش! أنا معايا عيال." "مش هقتلك. اختار واحد من صحابك وكمل الفيديو وابعته للرقم اللي طلبه منك. ادخن سيجارة بره قدامك خمس دقايق لو عايز تشوف عيالك ومراتك وبنتك." همس الرجل بخوف: "انت إزاي عرفت إن عندي زوجة وبنت يا باشا؟
برقت عيون فارس: "لأنك هتبعتهم القصر بعد ما تخلص يا كلب." ثم ركله مرة أخرى. ركلة دحرجته على الأرض. "يا باشا مراتي وبنتي ملهمش ذنب، ابوس رجلك سيبهم وخدني أنا." صرخ فارس: "أنا بس اللي أقرر إيه اللي يحصل وازاي. خلص وتعالى بره." ارتجفت شفتا الرجل: "ولو ما صدّقوش؟ ابتسم فارس، تلك الابتسامة
التي لا تصل للعينين: "هيصدقوا. علشان اللي بيدفع للذل… بيحب يشوف نتيجته حتى لو كانت كذبة. أملي عليه التفاصيل، لا كتعليمات، بل كسيناريو. مواقع الزوايا، الظلال المناسبة، المساحة التي توحي بما لم يحدث." وحين انتهى التصوير، أخذ الهاتف بنفسه. ألقى نظرة أخيرة. وعدّل ثانية واحدة فقط. لا ليحمي نفسه… بل ليزرع شكًا صغيرًا، غير ملحوظ، سيؤتي ثماره لاحقًا. قال وهو يعيد الهاتف للراجل: "ابعت. تم الإرسال."
وفي تلك اللحظة، انتهى دور الرجل. لم يكن فارس يعرف من الشخص الذي أراد كسره. كان لديه شك، لكنه لم يحتج أن يعرف. الذين يلجأون إلى هذا النوع من الانتقام لا يأتون إلا لاحقًا، حين يظنون أن اليد العليا صارت لهم. وكان فارس متأكدًا من شيء واحد فقط، هي تتواصل، ليس لتتأكد أن المهمة تمت… بل لتستمتع بالإحساس أنها نجحت. وعندها، لن تكون هي من يدير اللعبة. سيكون في انتظارها.
ثم قبض على الرجل من عنقه: "اتصل بمراتك وبنتك. دا عنوان القصر، قبل ما أوصل يكونوا هناك." عاد فارس إلى القصر. لم يكن الوقت متأخرًا ولا مبكرًا، بل تلك الساعة الرمادية التي تشبهه. ساعة لا تُسأل فيها الأسئلة ولا تُقال فيها الاعترافات. فتح الباب ودخل بلا صوت. خلع معطفه ببطء، كأن الجسد سبق العقل إلى التعب. وكأن ما حدث في البيت المهجور قرر أن يبقى خارج الأسوار، مؤقتًا على الأقل.
الدم يلطخ قميصه وذراعه. كان ذهنه مشغولًا بالسؤال الوحيد الذي لم يُجب عنه بعد: من التي ظنّت أنها قادرة على كسره؟ وعندما فتح باب المكتب، توقف. مليكة. كانت ما تزال منحنية. في نفس الموضع، في نفس الوضعية التي تركها عليها قبل خروجه. رأسها إلى الأرض، ظهرها مقوّس، ويديها ثابتتان على فخذيها، كأن الزمن مرّ من فوقها دون أن يلمسها.
لحظة واحدة… فارس لم يتذكر الأمر فورًا. الذاكرة تحتاج أحيانًا إلى دليل بصري، ومليكة كانت الدليل الصامت. نظر إليها نظرة سريعة، غير مصدقة. مرّ الوقت، الكثير من الوقت. وقف أمامها، ثم دار حولها ببطء، يتفحّص مشهدًا لم يتوقع أن يراه بهذه الدقة. كانت ترتجف، ارتجافًا خفيفًا، منتظمًا، ليس خوفًا فجًّا، بل إرهاقًا طويلًا. قال أخيرًا: "أنا خرجت ومكنتش فاكرك." قالها كما هي، بلا تزويق، كاعتراف لا يحمل شفقة ولا اعتذار.
اهتز جسدها قليلًا، لكنها لم ترفع رأسها. خرج صوتها مبحوحًا، واطيًا: "حضرتك مقلتليش أقوم." ظل صامتًا لحظة. هذه الجملة بالذات لم يحبّها، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها كشفت شيئًا أعمق مما كان يقصده. كشفت أن مليكة لم تنتظر رحمة، ولا فرصة، ولا حتى نسيانًا. انتظرت الأمر… فقط. جلس على الكرسي خلف المكتب. مرر يده على جبينه، لا تعبًا، بل تركيزًا. قال بنبرة هادئة: "قومي."
لم تتحرك فورًا، كأن الجسد نسي كيف يعود إلى وضعه الطبيعي. كرّر: "قومي." نهضت ببطء شديد، وقف دمها في أطرافها، وترنحت لحظة، ثم تماسكت. رفعت رأسها نصف رفعة، بالكاد، كأن العيون لا تجرؤ على النظر مباشرة. نظر إليها فارس طويلًا. لم يرَ امرأة منهارة فقط، بل امرأة فهمت القاعدة… قبل أن تُشرح لها. قال: "الطاعة اللي بتيجي من الخوف مؤقتة. لكن اللي بتيجي من الفهم… دي اللي بتقعد." ثم أضاف، وكأنه
يتحدث إلى نفسه أكثر منها: "واضح إنك فهمتي. مليكة، تقدري تمشي؟ شكرًا لطاعتك." رفعت مليكة عيونها ولمحت الدم يغطي كتف فارس. فتحت فمها بخوف. لم تقصد باب الغرفة رغم أنها رغبت في الهرب. اقتربت منه. في يدها فوطة. ووضعتها على الجرح. ارتعش فارس لا إراديًا. دفع يدها بعيدًا عنه بعنف. لكن مليكة لم ترحل. لم تخف. همست: "متخافش يا باشا، اسمحلي أساعدك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!