تحميل رواية «حريم الباشا» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
البنت دي بنت مين يا فخري؟ __ أي بنت يا كبير؟ الشارع مليان بنات وستات. إللي هناك، إلى ماسكة في إيدها كيس عيش. __ تقصد البنت الصغيرة يا فارس بيه؟ صغيرة؟ دي صغيرة يا فخري؟ ركز فخري بعينه على البنت. __ عمرها يدوبك خمسة عشر ستة عشر سنة يا فارس بيه. ابتسم فارس الناطوري. __ لكن مش باين عليها خالص يا فخري. اللي يبص عليها يقول شابة. سحب فخري من السيجارة ونفخ دخان أزرق يتلوى مثل الحية. __ البنات يا بيه الزمن ده بتكبر ذي الفريرة. لكن معقول يا بيه مش عارفها بنت مين؟ رفع فارس الناطوري إيده وعلى وشه لمحة انزع...
رواية حريم الباشا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
ما قربش منها أكتر، وقف مكانه. كأن المسافة دي محسوبة، وكأنها جزء من الخطة.
قال بهدوء تقيل: "إنتي فاكرة إنك قوية علشان رفضتي توطي؟"
"القوة مش في الرفض يا مليكة."
"القوة إنك ترفضي وتدفعي التمن… وإنتي هتدفعي التمن."
سكت شوية، وساب الكلام يسقط فوق دماغها. سكات فارس كان دايمًا أسوأ من كلامه.
كمّل: "أنا مش محتاجك تنحني دلوقتي، أنا عايزك تمشي، تمشي وإنتي فاكرة إنك كسبتي."
رفعت مليكة عينيها، كانت متوترة، بس متماسكة غصب عنها.
"يعني إيه؟"
ابتسم، ابتسامة مالهاش ملامح.
"يعني تروحي بيتك، تدي الفلوس لسيد. تحسي إنك أنقذتي اليوم. وبكرة… ترجعي هنا بإرادتك."
رجفة عدّت في جسمها.
"ليه؟"
رد ببساطة مرعبة: "علشان إنتي بقى عندك دين، مش فلوس. وإنتي ست بتحب تسد دينها."
لفّ ضهره، وده كان الطرد الحقيقي. قال من غير ما يبص: "اتفضلي وخدى الفلوس معاكي."
رجعت مليكة بيتها وهي حاسة إن الشارع أطول من المعتاد.
البيوت كلها شبه بعض، بس هي مش شبه نفسها.
سيد كان قاعد مستني، وشه مرهق، وصوته متحفز.
"عملتي إيه؟"
طلعت الفلوس من شنطتها، حطتهم قدامه. من غير شرح، من غير قصة. خمسين ألف جنيه، أكتر من المعتاد.
بص للفلوس، وبصلها وسكت.
السكوت ده وجعها أكتر من أي سؤال. حست إنها اتعرّت من جوه، مش من برّه.
همس سيد: "يعني فنجان قهوه تمنه عشرين ألف جنيه؟ ياه؟ لو كان كده من بكرة تشتغلي خدامه في القصر. إحنا ممكن يكون عندنا فلوس كتير أوي."
لم ترد مليكة، تركته ودخلت المطبخ. عملت له الأكل. اتحركت في البيت كأنها آلة محفوظة الخطوات.
ليلها كان تقيل، نامت، بس ما نامتش. كل مرة تقفل عينها، تسمع صوته: "بكرة… ترجعي هنا بإرادتك."
تاني يوم صحيت بدري. بدري قوي.
فتحت الدولاب، الهدوم القديمة شكلها غلط، مش لأنها قليلة… لكن لأنها مش مناسبه. افتكرت كلامه.
اختارت فستان بسيط، مش ملفت بس يبين إنها "مرتبة، مش خدامة مكسورة… ولا ست شايفة نفسها."
سرّحت شعرها، وقفت قدام المراية. مش بتدور على جمال، بتدور على قبول. لكن الحقيقة إنها كانت عايزة تبان جميلة.
طلعت من البيت قبل ما سيد يصحى، مش هتستحمل نظرته. وأصلاً مش مهمة.
ركبت المواصلات. القصر بقى طريق معروف، وده كان أخطر إحساس.
دخلت القصر. نفس السكون، نفس التقل. وقفت تستنى من غير ما حد يأمر.
طلع صوته من جوه المكتب: "ادخلي يا مليكة."
دخلت. وقفت قدامه، قال من غير ما يبص: "همس كويس سمعتي الكلام."
رفعت عينها بهدوء مهزوم: "حضرتك قلت أرجع، وأنا رجعت."
ابتسم، المرة دي بابتسامة راضية.
"شاطره يا مليكة. بحب الإنسان اللي بيحكم عقله ويعرف حدوده، وإنتي عرفتي حدودك كويس."
كانت مليكة واقفه مهزوزه قدامه، فارس قعد على الكرسي.
وعاينها بعدها همس: "انحني يا مليكة، وطى والمسى رجلي عربون خضوع."
انحنت مليكة ولاحظ فارس جمالها ورشاقتها.
"شوفتي؟ الموضوع مش صعب يعني؟"
بيد مرتعشه لمست مليكه قدمه وظلت منحنيه منكسره.
رن هاتف فارس. فأشار لمليكه أن تظل في مكانها منحنيه أمامه.
كانت مكالمة من سكرتيرة صوفيا بتطلب منه يروح الفيلا يقابل المدام.
رفع فارس حاجبه، "ليه صوفيا متكلمنيش بنفسها؟"
"بعد ما فعلته بها أصبحت من ضمن ممتلكاتي." وكاد أن يرفض، إلا أنه رغب أن يلقنها درسًا في الطاعة حتى لو كان في بيت الزوجية بيت زوجها.
نهض فارس وترك مليكه منحنيه كأنه نسيها وركب سيارته تجاه فيلا صوفيا. ولم يلحظ السيارة التي تلاحقه منذ خروجه من القصر.
السيارة التي أجبرته أن يتوقف على جانب الطريق في حتة مقطوعة. ونزل منها تلت أشخاص في إيديهم سلاح.
رواية حريم الباشا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
لم يكن الطريق إلى فيلا صوفيا هي ما أقلق فارس، بل الفراغ الذي تمدد فجأة على جانبيها.
الهواء صار أثقل، والضوء انكسر على الزجاج الأمامي كأنه يتردد قبل أن يسمح بالمرور.
حين ظهرت السيارة خلفه، لم يلتفت فورًا.
فارس الناطوري لم يكن من الرجال الذين يفاجَؤون، بل من أولئك الذين يعترفون بالخطر قبل أن يعترف الخطر بهم.
السيارة لم تلاحقه بعجلة، كانت تسير بثبات بارد، ثبات يشبه قرارًا اتُخذ منذ وقت طويل.
وحين أُجبر على التوقف، كان المكان قد اختار نفسه، بقعة مهجورة.
أرض منسية.
نزل الرجال الثلاثة.
لم يصرخوا، لم يهددوا في البداية.
السلاح في أيديهم كان كافيًا ليختصر اللغة.
ملامحهم لم تكن قاسية بقدر ما كانت خالية، وجوه رجال لا يمارسون العنف بدافع الغضب، بل كجزء من وظيفة.
قال أحدهم، بصوت فيه شيء من السخرية المتقنة:
باشا كبير زيك… ما ينفعش يقف كده على جنب الطريق.
لم يرد فارس.
فتح باب السيارة بهدوء، كأنه ينزل إلى اجتماع يعرف وقته ومكانه.
قال الآخر:
اتفضل يا باشا.
قادوه دون مقاومة، ليس لأنه خائف، بل لأنه كان يعرف النهاية ويدرك أنها تتوقف على تفاصيل صغيرة جدًا.
البيت المهجور وقف في العتمة، كهيكل عظمي لزمن انتهى ولم يُدفن.
جدرانه مشققة، ورائحة العفن ممزوجة برطوبة الأسرار القديمة.
في الداخل، كان الصمت أكثر وقاحة من أي صوت.
ربطوه إلى الجدار، يداه مرفوعتان.
المعدن بارد، لكن فارس لم يرتعش.
الأسلحة صُوّبت نحوه، لا كتهديد، بل كتذكير.
اقترب رجل منهم، عيناه لامعتان بفضول غير بريء، وقال وهو يبتسم:
متقلقش الحفلة هتبداء بسرعه مش هتحس بحاجة زي شكة الدبوس.
ضحك الآخرون، ضحكة قصيرة، بلا فرح.
أخرج أحدهم كاميرا ثبتها على مقعد، كأنه إعلان رسمي لبداية شيء لا يُقال.
قال الرجل وهو يثبت العدسة:
الأوامر واضحة، كل حاجة لازم تتصور يا رجالة.
لكن مش لازم نشعر بالخجل أهم حاجة.
الدقة.
وأطلق ضحكة ضخمة.
اقترب رجل آخر، وهمس قرب أذن فارس:
أول مره هعملها مع باشا يا ترى انتو بتصرخوا زي الناس العاديين؟
ابتسم فارس ابتسامة بالكاد تُرى.
ابتسامة رجل، لم يُكسَر بعد، لكن بدأ يفهم اللعبة الجديدة.
قال بهدوء:
البدايات دائمًا بسيطة، لمن الجحيم اللي بعدها محدش يقدر يوقفه.
تبادلت العيون نظرات سريعة، لم يفهموا إن كان هذا تهديدًا أم اعترافًا.
الكاميرا ظلت تعمل.
قال الأول:
تخلصوا من بنطاله، لو مش عايز تشوف يا باشا غمض عنيك، الستات بتعمل كده.
تحسس فارس السكين الخفية الرفيعة التي ترافقه دومًا.
صديقه اعتاد رفقتها مهما ارتفع شأنه.
جردوه من ملابسه والأسلحة مصوبة عليه، لكن فارس الناطوري يفعل كل شيء وفق إرادته حتى لو كان الثمن الموت.
أصبح بالتيشيرت الأزرق والشورت الرياضي.
أطلق فارس ابتسامة عريضة تجاه الكاميرا ولوح بيده.
الحفلة بدأ.
شعروا أنه مجنون، لكن ذلك لم يثنيهم.
اقترب أول رجل لينزع بقية ملابس فارس.
قفز فارس وقبض على عنقه بساقيه.
كانت حركة مفاجئة.
لكن فارس يعرف أن كبرياءه وسلطته تتوقف على الحركة التالية.
كان فارس لاحظ تخليهم عن أسلحتهم وهذا ما يمنحه لحظات إضافية.
طقطق عنق الرجل وصرخ.
أكمل فارس لفة كاملة للتخلص من القيد.
حرر يد واحدة بالسكين وزرعها في رقبة الرجل.
لكنه تلقى رصاصة في ساعده.
تحرر فارس من قيوده ورقد على الأرض يحتمي بجسد الرجل المصاب.
رواية حريم الباشا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
لم يحتج فارس إلى سماع الاعتراف كاملًا كي يفهم. بعض الحقائق لا تُقال، بل تُشمّ في الهواء، تُقرأ في ارتجاف الأوامر، وفي نوع الكاميرا التي لا تُخرج إلا من أجل شيء محدد بعناية.
المهمة لم تكن القتل. لو كانت كذلك، لتمت في الطريق دون مسرح. المهمة كانت أعمق، وأقذر، وأكثر دقة.
كانوا يريدون نزع صورته، لا جسده. تشويهه، لا إنهاءه. كان المطلوب أن يُصوَّر… مكسورًا، منزوع السيطرة، موضوعًا في موضع لا يعود منه الرجل كما كان.
فهم فارس ذلك في اللحظة التي أُخرجت فيها الكاميرا قبل السلاح. الكاميرا لا تُستخدم للشهادة، بل للإذلال.
وحين فهم… ابتسم.
كان يعرف أنه في لحظة قد تكلفه حياته. وعمل بدقة لا متناهية على تنفيذ التدريبات الصعبة والشاقة التي كان يمارسها باستمرار منذ عشرة أعوام كاملة. لا أحد يعرف أن تحت هذا القميص يكمن جسد صلب العضلات مثل الحديد. أعضاء رشيقة خفيفة وسريعة الحركة.
لقد تخلص من رجلين بعد أن تحرر. لم ينهِ المسرحية فورًا. اختار أن يبقي واحدًا حيًّا.
اقترب من الرجل الأخير، الذي كان لا يزال يرتجف، لا من الخوف فقط، بل من إدراك أنه صار جزءًا من شيء أكبر مما توقع.
"إنه يقف أمام أكبر مخاوفه التي تحررت فجأة." همس فارس وهو يغرز السكين في جسده.
"مين بعتك؟"
"والله العظيم ما أعرف يا بيه. ولا واحد فينا يعرف. إحنا خدنا الفلوس بعد مكالمة تليفونية."
"فلوس كتير؟ ولا تعرف مين اللي ورا الموضوع؟"
بنظرة واحدة، عرف فارس أن الرجل يقول الحقيقة.
"طيب يلا قوم كمل المهمة." أمره فارس وركله بقدمه.
"أكمل إيه يا بيه؟ ما خلاص. ارجوك متقتلنيش! أنا معايا عيال."
"مش هقتلك. اختار واحد من صحابك وكمل الفيديو وابعته للرقم اللي طلبه منك. ادخن سيجارة بره قدامك خمس دقايق لو عايز تشوف عيالك ومراتك وبنتك."
همس الرجل بخوف: "انت إزاي عرفت إن عندي زوجة وبنت يا باشا؟"
برقت عيون فارس: "لأنك هتبعتهم القصر بعد ما تخلص يا كلب." ثم ركله مرة أخرى. ركلة دحرجته على الأرض.
"يا باشا مراتي وبنتي ملهمش ذنب، ابوس رجلك سيبهم وخدني أنا."
صرخ فارس: "أنا بس اللي أقرر إيه اللي يحصل وازاي. خلص وتعالى بره."
ارتجفت شفتا الرجل: "ولو ما صدّقوش؟"
ابتسم فارس، تلك الابتسامة التي لا تصل للعينين: "هيصدقوا. علشان اللي بيدفع للذل… بيحب يشوف نتيجته حتى لو كانت كذبة. أملي عليه التفاصيل، لا كتعليمات، بل كسيناريو. مواقع الزوايا، الظلال المناسبة، المساحة التي توحي بما لم يحدث."
وحين انتهى التصوير، أخذ الهاتف بنفسه. ألقى نظرة أخيرة. وعدّل ثانية واحدة فقط. لا ليحمي نفسه… بل ليزرع شكًا صغيرًا، غير ملحوظ، سيؤتي ثماره لاحقًا.
قال وهو يعيد الهاتف للراجل: "ابعت. تم الإرسال."
وفي تلك اللحظة، انتهى دور الرجل.
لم يكن فارس يعرف من الشخص الذي أراد كسره. كان لديه شك، لكنه لم يحتج أن يعرف. الذين يلجأون إلى هذا النوع من الانتقام لا يأتون إلا لاحقًا، حين يظنون أن اليد العليا صارت لهم. وكان فارس متأكدًا من شيء واحد فقط، هي تتواصل، ليس لتتأكد أن المهمة تمت… بل لتستمتع بالإحساس أنها نجحت. وعندها، لن تكون هي من يدير اللعبة. سيكون في انتظارها.
ثم قبض على الرجل من عنقه: "اتصل بمراتك وبنتك. دا عنوان القصر، قبل ما أوصل يكونوا هناك."
عاد فارس إلى القصر. لم يكن الوقت متأخرًا ولا مبكرًا، بل تلك الساعة الرمادية التي تشبهه. ساعة لا تُسأل فيها الأسئلة ولا تُقال فيها الاعترافات.
فتح الباب ودخل بلا صوت. خلع معطفه ببطء، كأن الجسد سبق العقل إلى التعب. وكأن ما حدث في البيت المهجور قرر أن يبقى خارج الأسوار، مؤقتًا على الأقل.
الدم يلطخ قميصه وذراعه. كان ذهنه مشغولًا بالسؤال الوحيد الذي لم يُجب عنه بعد: من التي ظنّت أنها قادرة على كسره؟
وعندما فتح باب المكتب، توقف. مليكة. كانت ما تزال منحنية. في نفس الموضع، في نفس الوضعية التي تركها عليها قبل خروجه. رأسها إلى الأرض، ظهرها مقوّس، ويديها ثابتتان على فخذيها، كأن الزمن مرّ من فوقها دون أن يلمسها.
لحظة واحدة… فارس لم يتذكر الأمر فورًا. الذاكرة تحتاج أحيانًا إلى دليل بصري، ومليكة كانت الدليل الصامت. نظر إليها نظرة سريعة، غير مصدقة. مرّ الوقت، الكثير من الوقت. وقف أمامها، ثم دار حولها ببطء، يتفحّص مشهدًا لم يتوقع أن يراه بهذه الدقة. كانت ترتجف، ارتجافًا خفيفًا، منتظمًا، ليس خوفًا فجًّا، بل إرهاقًا طويلًا.
قال أخيرًا: "أنا خرجت ومكنتش فاكرك." قالها كما هي، بلا تزويق، كاعتراف لا يحمل شفقة ولا اعتذار.
اهتز جسدها قليلًا، لكنها لم ترفع رأسها. خرج صوتها مبحوحًا، واطيًا: "حضرتك مقلتليش أقوم."
ظل صامتًا لحظة. هذه الجملة بالذات لم يحبّها، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها كشفت شيئًا أعمق مما كان يقصده. كشفت أن مليكة لم تنتظر رحمة، ولا فرصة، ولا حتى نسيانًا. انتظرت الأمر… فقط.
جلس على الكرسي خلف المكتب. مرر يده على جبينه، لا تعبًا، بل تركيزًا. قال بنبرة هادئة: "قومي."
لم تتحرك فورًا، كأن الجسد نسي كيف يعود إلى وضعه الطبيعي. كرّر: "قومي."
نهضت ببطء شديد، وقف دمها في أطرافها، وترنحت لحظة، ثم تماسكت. رفعت رأسها نصف رفعة، بالكاد، كأن العيون لا تجرؤ على النظر مباشرة.
نظر إليها فارس طويلًا. لم يرَ امرأة منهارة فقط، بل امرأة فهمت القاعدة… قبل أن تُشرح لها. قال: "الطاعة اللي بتيجي من الخوف مؤقتة. لكن اللي بتيجي من الفهم… دي اللي بتقعد." ثم أضاف، وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر منها: "واضح إنك فهمتي. مليكة، تقدري تمشي؟ شكرًا لطاعتك."
رفعت مليكة عيونها ولمحت الدم يغطي كتف فارس. فتحت فمها بخوف. لم تقصد باب الغرفة رغم أنها رغبت في الهرب. اقتربت منه. في يدها فوطة. ووضعتها على الجرح.
ارتعش فارس لا إراديًا. دفع يدها بعيدًا عنه بعنف. لكن مليكة لم ترحل. لم تخف. همست: "متخافش يا باشا، اسمحلي أساعدك."
رواية حريم الباشا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
فتح فارس الناطورى عنيه كأنه اول مره يشوف مليكه، اول مره يشوفها كأنسانه لها كيان مستقل.
رأى سمح لها فارس ان تنظف الجرح. استخدمت مليكة حقيبة الاسعافات الاوليه فى تطهير الجرح وتعقيمه.
"انت لازم تروح لدكتور يا فارس باشا."
"ملوش لازمه الدكتور. من فضلك حطى شريط لاصق واتفصلى. ارجعى بيتك قبل الوقت ما يتأخر."
انتَابت مليكة مشاعر مضطربه. شعرت بفارس كإنسان له قلب بعد ما كنت معتقده انه مجرد وحش متسلط.
تمدد فارس الناطورى على السرير. ولم تنجح مليكه فى منع نفسها من تأمله عن قرب للحظه.
"انها انسان فى النهاية."
"مليكه اقفلى الستاير قبل ما تخرجى." همس فارس قبل أن يغرق فى شرود عميق.
"تأمر بحاجه تانيه يا باشا؟"
وجدت مليكه فى نفسها رغبه للبقاء قرب منه. تحت قدميه دون أن يأمر او يتسلط.
"متشكر مدام مليكه، مفيش حاجه. انك ترجعى القصر تانى."
"الفلوس هتوصلك كل اول شهر، انتى حره من خدمتى ومن فنجان القهوة."
"ليه يا باشا؟" سألت مليكه تريد معرفة السبب. كان الفضول داخلها يكفى لاشعال حريق.
"مبقاش له لازمه يا مدام مليكه، انتى سددتى دينك بالكامل."
"وانا بعتذر ان كان بدر منى حاجه ضايقتك."
كل هذا الاسترسال لم تتوقعه مليكه. شعرت نفسها فى صدمه عنيفه بين توقعات غير مدركه وواقع كان يفرض نفسه.
"من فضلك وانتى نازله ابعتى رزان." بعدها اطبق فارس على فمه واشعل سيجاره.
خرجت مليكه من الغرفه فى حاله من التخبط.
"ليه عمل كده؟"
حتى شعور السعاده الى كانت بتحس بيه كل ما خرجت من غرفة فارس تبخر. مبقاش له طعم.
الحريه التى تاقت لها أصبحت بلا معنى. وضعت النقود على الطاوله آمام عيون سيد عبد الهادى.
"الباشا قال الفلوس هتوصلك كل اول شهر. مفيش داعى انى اروح القصر."
فتح سيد الحقيبه احصى الفلوس.
"بس كده معناه ان اجرتك كخادمه هتنقص؟"
"انتى عملتى ايه يا مره زعل الباشا منك؟"
"معملتش حاجة يا سيد."
"امال استغنى عن خدماتك ليه؟ انا محتاج فلوس كتير، لازم، ترجعى القصر وتشتغلى. انا داخل فى مشروع كبير ومحتاج فلوس."
"مش هينفع يا سيد، الباشا صرفنى من خدمته خلاص."
"لا هينفع. صرخ سيد. بكره الصبح هكلم فارس باشا واعرف السبب، لازم ترجعى تخدمى فى القصر."
قضى فارس الناطوري سوم كامل فى الراحه. لم يهاتفه إى شخص.
المهاتفه التى كان ينتظرها لم تصل بعد. اعتقد ان هناك شيء خطاء، لكنه يعرف ان خطته نجحت. ربما هذا الشخص يستمتع بتعذيبه من بعيد قبل أن يظهر فى العلن.
صوفيا ام تالين؟
لأول مره لم ينجح فارس الناطورى فى معرفة الاجابه.
كان الفيديو امام ضحى تعاينه وعلى وجهها ابتسامه عريضه.
"كده تالين تقدر تاخد حقها من فارس."
وبعد شوية تفكير تذكرت صوفيا هانم. صوفيا زوجة الرجل المرموق. وسألت نفسها ليه محققش استفاده من الفيديو؟ لو كانت صوفيا ذى ما انا متوقعه هتدفع فلوس كتير مقابل الفيديو ده.
بتردد اتصلت بصوفيا وغيرت صوتها. قالت ان معاها فيديويخص فارس الناطورى. فيديو يخلي رقبته تحت رجله. تتحكم فيه ذى ما تحب.
صوفيا سألت مين معايا بنبرة تهديد؟
ضحى همست من غير اسأله. عايزه الفيديو ولا لا؟
"الفيديو تمنه كذا والرد يوصلنى قبل نهاية اليوم. والا هبيع الفيديو لفارس. اعتقد هيدفع فلوس كتير عشان سمعته متتقضحش."
رواية حريم الباشا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
وافقت صوفيا من أول مرة. لم تسأل عن المصدر ولم تساوم كثيرًا، فقط طلبت أن ترى الفيديو بنفسها قبل التحويل. وحين وصلها المقطع، أغلقت الهاتف ببطء كأنها تغلق درجًا اعتادت أن تخبئ فيه أشياء أكثر قسوة. ثم أرسلت المبلغ كاملًا دون رسالة إضافية.
الأسبوع الذي تلاه كان أطول من اللازم. صوفيا لم تفعل فيه شيئًا ظاهريًا. استقبلت ضيوفها كالمعتاد، ضحكت في المناسبات، وردت على المكالمات العامة، وأرسلت لزوجها صورًا مطمئنة من البيت. لكنها في الداخل كانت تعد الأيام وتراجع كل كلمة قيلت لها، وكل تفصيلة في الفيديو، وكل وضعية، وكل ظل. كانت تعرف أنها لا تريد الانتقام السريع، كانت تريد السيطرة الهادئة التي تشبه فارس نفسه.
انتظرت حتى غادر زوجها في رحلة العمل الخارجية. انتظرت حتى أغلقت الفيلا على نفسها. انتظرت حتى صار البيت يعرف أنها سيدته وحدها. وحين اكتمل الصمت، أخرجت الهاتف واتصلت بنفسها التي لم تكن تستخدمها إلا في الأمور النهائية.
فارس رد بعد رنة واحدة كأنه كان ينتظر منذ أسبوع تلك المكالمة.
قالت له بصوت عادي بلا انفعال:
"محتاجة أشوفك النهارده في الفيلا، موضوع مهم وما يستناش."
فارس لم يسأل ماذا ولا لماذا، فقط قال:
"تمام."
فقد كان ينتظر تلك المكالمة منذ أيام. وحددت له الموعد كأنها تستدعي موظفًا لا رجلًا يخدمها تعرفه منذ سنين.
حين دخل فارس الفيلا، لاحظ منذ الخطوة الأولى. شعر برائحة السيطرة، ليست رائحته وحده. تقدم في الممر الطويل وصوته يتردد خافتًا على الرخام. صوفيا كانت تنتظره في آخر الممر. ارتدت ملابس بسيطة، لم تصافحه، لم ترحب طويلًا. اكتفت بنظرة ثابتة ثم أشارت له أن يتبعها. لم يتكلم ولم يحاول أن يستعيد عادته القديمة في التحكم، فقد شعر للمرة الأولى أنه داخل ملعب مرسوم بعناية.
تقدمت صوفيا خطوات قليلة وفتحت باب الغرفة، غرفة نومها الخاصة، ثم توقفت على العتبة جانبًا بحيث يمر قبلها. نظر فارس للغرفة للحظة واحدة فقط قبل أن يدخل، ولم يكن يعرف أن ما تبقى من توازنه سيتوقف عند هذه الخطوة بالضبط.
أشارت صوفيا إلى المقعد المقابل بهدوء محسوب وقالت:
"اقعد يا فارس."
صوتها كان ثابتًا كأنها تطلب حاجة معتادة، لا اختبار ولا معركة.
جلس فارس من غير تردد. جسده مطمئن أكثر من اللازم كأن المكان ما زال يعرفه.
لحظة صمت عدت قبل ما تكمل صوفيا كلامها. وبنفس النبرة الهادية قالت:
"انحني، وقبّل إيدي."
الكلمة نزلت ثقيلة. فارس رفع عينه ببطء وترسمت على شفايفه ابتسامة ساخرة، ابتسامة رجل شايف اللعبة من قبل ما تبدأ ومش مقتنع إن دوره اتغير. قال وهو لسه قاعد مكانه:
"انتي عارفة كويس جواكي إن ده تمثيل. عارفة إن مهما وقفنا وبدلنا أماكننا للحظة أنا السيد، وانتي اللي اتخلقتي علشان تنحني قدامي مش العكس."
ابتسامته وسعت شوية وهو بيكمل:
"السلطة مش طلب يا صوفيا، السلطة حالة، وانتي عمرك ما كنتي صاحبة الحالة دي."
صوفيا ما ردتش فورًا. وقفت وقربت منه خطوة صغيرة لا تهديد فيها ولا تراجع. وابتسمت، بس مش ابتسامة انتصار ولا شفقة. كانت ابتسامة الشخص اللي ماسك ورقة ما تتحرقش. ابتسامة العارف إنه يملك الشيء الوحيد اللي يخلي أقوى الناس يعيد حسابه. قالت بهدوء أخطر من أي صراخ:
"يمكن!! بس السلطة يا فارس مش دايمًا مين واقف ومين منحني. أحيانًا بتبقى في المعلومة، وأحيانًا في اللحظة. وأحيانًا في حاجة تخليك تعمل اللي عمرك ما تخيلت تعمله."
وسابته يبص لها، لأنها كانت متأكدة أن فارس سيخضع. وإن عليها أن تتمتع بمقاومته أطول مدة ممكنة.
"صدقني يا فارس، انت هتنحني قدامي. مش بس كده، هتعمل حاجات عمرك ما كنت تتخيل تعملها. هتنفذ أوامري وإشاراتي وهمساتي. فارس حبيبي، انت هتبقى كلبي المطيع."
تذوق فارس الكلمة، عاين صوفيا كلها، وسأل نفسه بخبث: حرام أمنعها المتعة دي كلها؟ ثم أراد أن يجعلها تشعر بالقلق والخوف. فأخرج سيجاره وضعها في فمه.
" هات لي سيجارة."
أمرته صوفيا وهي قاعدة على الكرسي بنرجسية.
وقبل ما فارس ما يبعد، أمرته بنبرة حازمة:
"ولّع."
كانت تثقب عينيه بنظراتها، تستمتع بملامح الهزيمة اللي بدأت تظهر على وش فارس.
رواية حريم الباشا الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
قرب فارس ببطء من صوفيا. كل خطوة كانت محسوبة.
طلع سيجارة، مسكها بين صوابعه. حتى في مسكته للسيجارة كانت قوته وسطوته مستفزة.
"همست صوفيا: انت ماسك السيجاره ليه كده؟ هى هتهرب مثلا؟"
رفع فارس إيده: "مفيش حاجة تعرف تهرب من إيدي يا صوفيا."
اعترضته صوفيا: "أسمى صوفيا هانم يا فارس، متنساش نفسك. يلا، ولعلى وكفاية فلسفة."
ابتسم فارس. لطالما أحب المرأة المتمردة. إخضاعها له مذاق خاص. ذاق فارس طاعة صوفيا ولم يرتوي منها بعد.
انحنى فارس انحناءة، مما جعل صوفيا تشهق.
لطالما انتظرت هذه اللحظة. أعدت له خطط، دفعت. لكن لم تتخيل أن تأتيها بتلك السرعة. وقبل أن تستمتع...
رفع فارس ظهره بسرعة بحركة نشيطة ولمس السيجارة.
"انت بتعمل إيه؟"
أطفأت صوفيا السيجارة وسحقتها في المنفضة.
"هات سيجارة تانية وولعها وانت منحنى..."
ضحك فارس: "انتي مصدقة نفسك؟ إيه اللي يجبرني أعمل كده؟"
همست: "حاجات كتير يا فارس تجبرك، صدقني. يفضل إنك تعمل اللي آمرك بيه من غير ما أجبرك."
"السيطرة دي فن يا صوفيا، كام مرة لازم أقولك كده؟"
"وأنا مش شايفة غير خاضع، سواء برضاكي أو غصب عنك."
انفعلت صوفيا. أمسكت هاتفها: "ده آخر تحذير ليك يا فارس."
فارس قعد على الكرسي اللي جنبها وحط رجل على رجل.
وبص على صوفيا: "يلا، اعملي الحاجة اللي بتحبيها ونفسك فيها. الحاجة اللي خلتك تيجي قصري من فيلتك واحنا منعرفش بعض كويس."
رأى فارس قدمه والشر يتطاير من عيونه.
"صوفيا، قربي مني هنا." كانت نبرته سلطوية، قوية، متحكمة.
شعرت صوفيا بقلبها يهتز. جسدها يموج بمشاعر متناقض.
"مش هسمح لنفسي أضعف. لازم أدوقه من نفس الكأس."
العيون بصت على بعضها بتحدي.
"صوفيا تهمس: انحني."
وفارس يهز قدمه باستمتاع وهدوء: "طيب يا فارس، أنا هوريك اللي يخليك تنحني قدامي زي الكلب الأليف وتبوس رجلي وإيدي وتنبح كمان، وإلا سمعتك وشغلك وكرامتك هتتمحي من الوجود. وعشان أكون عادلة، فيه شخص كمان لازم يتفرج على المسرحية اللي هتحصل هنا. تالين، اللي انت كسرتها وخليتها تركع تحت رجلك يا فارس."
"انتي كمان عملتي كده يا صوفيا؟ ولا تحبي أذكرك بطعم شفايفك على رجلي؟"
"ولا كلمة!" صرخت صوفيا وهي بتصفع فارس على وشه.
"بص على القرف ده؟"
رمت صوفيا التليفون في وش فارس. وقع على الأرض.
"وطي خدك واتفرج يا فارس باشا!"
تفاجأ فارس بالصفعة، لكنه قابلها باستسلام وابتسامة.
قبل أن يفتح الفيديو.
تحت نظرات صوفيا المقرعة وهمساتها المحذرة الساخرة:
"أيوه يا تالين، تعالي على الفيلا حالاً، عندي لكِ مفاجأة كبيرة أوي."
حاولت تالين تعرف إيه المفاجأة، خاصة إن علاقتها بصوفيا مش قوية.
لكن صوفيا رفضت الاعتراف.
"عايزاكي توصلي هنا بسرعة يا تالين."
خلصت صوفيا المكالمة ورمت التليفون على السرير.
"انت لسه قاعد على الكرسي؟ فز، قوم يا حيوان. بضغط زر، هخلي الفيديو بتاعك في أشهر مواقع البتنجان."
رواية حريم الباشا الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
وصلت تالين الفيلا، وهي على قناعة بأن هناك مصيبة تنتظرها.
راجعت في عقلها كل الأشياء الزفت التي فعلتها الأسبوع الماضي.
كم شاب أذلته وضربته واستمتعت بكسره.
كم فرش حشيش دخنته في غرفتها.
وكم شوب شمبانيا سال على شفتيها.
أظافر أصابعها طويلة مزخرفة بالمانكير باللون اللبني الذي يعشقه فارس وأثنى عليه ليلة إخضاعها.
أصابعها نحيلة محددة، من طول مسكت لفائف التبغ، وشفتيها الغارقة في الروج، وجذعها الساقط في بنطال جينز أزرق وتيشرت ضيق.
دلتها الخادمة على غرفة الهانم.
فتحت صوفيا باب الأوضة بيد ثابتة.
قالت وهي بتوسع طريق بنبرة أرادتها صارمة: "اتفضلي، هتشوفي عرض يستاهل المشوار."
عين تالين وقعت على فارس، قاعد على المقعد بهدوئه المستفز.
ضهره مفرود، تزينه ابتسامة ساخرة مخيفة.
لولا أن تالين تدرك مكانة صوفيا في البلد لظنت أن هناك خطأ.
إنه فارس نفسه الذي أذلها وأخضعها، ما من تغير طالما ارتسمت الصورة في ذهنها.
صوفيا قربت من تالين، مسكت ذراعها بخفة.
وبصوت واطئ واثق: "شايفة الباشا؟ ده بقى فارس الناطوري، في فيديو قذر. فيديو يخليه تحت رجل أي واحدة فينا."
تالين ما ردتش، بس نظرتها كانت بتتحرك عليه ببطء، من فوق لتحت.
سخرية تقيلة، وجع قديم، ولحظة انتصار مش قادرة تحس بيها.
"خدي اتفرجي لو كنت قادرة."
تالين شافت الفيديو، مش واضح لكن فارس مستسلم.
يبقى الفيديو حقيقي.
"يا برودك يا أخى؟ انت ايه مش عندك دم؟ بعد كل ده ولسه فى كبريائك ده؟ أنا هطلع ميت أمك."
دفعت تالين تضرب فارس على وشه وتبصق عليه.
لكن صوفيا منعتها.
"لا، أنا جبتك تتفرجي يا تالين مش علشان تلمسي. فارس الناطوري من اللحظة دي بقى الكلب المطيع بتاعي. خادمي الحقير المقرب. ها ها ها ها."
تالين ضحكت ضحكة ناشفة، وسحبت إيدها.
"تمام يا صوفيا."
"اتفرجي."
صوفيا رجعت تقف قدام فارس، عينها كانت بتلمع نشوة سيطرة.
قالت ببطء: "انحني على الأرض. وانبح."
صمت المكان لحظات، حتى الهوا وقف.
تالين حبست أنفاسها، مستنية لحظة الانكسار.
ابتسامة عريضة طلعت على وش فارس.
ابتسامة وسعت عينه وخلت صوفيا تحس بحاجة غريبة في داخلها.
قال بهدوء مريب: "حاضر يا صوفيا هانم. كأنه بيطلب معروف، بس اسمحلي أقفل باب أوضة النوم الأول."
بصلهم الاتنين، وثقب دواخل تالين بنظرته.
عرفت إن فارس كما هو.
وعلى قدر انزعاجها من ضياع الفرصة، لكن كان هناك توق وترقب للحظة القادمة.
كمل فارس: "علشان ناخد راحتنا ومحدش يقاطعنا، عشان تبقى ليلة محفورة في الذاكرة مدى العمر."
الابتسامة فضلت، والكلمة الأخيرة وقعت تقيلة زي وعد.
مش طاعة.
صوفيا نفسها ارتجفت، لكن لما تخاف؟
لديها فيديو هتك عرض يمسح تاريخ فارس الناطوري من على وجه الأرض.
رغم شعورها بالخوف، قعدت صوفيا على المقعد.
"اسمحلك يلا بسرعه، متعطلنيش."
أغلق فارس الناطوري باب الغرفة ووضع المفتاح في جيبه بنطاله.
ثم، وظهره لهم، كرمش كم قميصه واستدار.
رواية حريم الباشا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
توقف فارس بعدما استدار، كأنه يمنح الشقة والفيلا والحديقة والأشجار والكلب الذي كان يلعب على العشب فرصة لاستيعاب ما هو قادم على فعله.
نزع فارس سترته التي بلون الكرز ووضعها على ظهر المقعد بهدوء أكثر من اللازم، كأنه شخص متقاعد يخلع رتبته الرسمية لآخر مرة. ثم فك زر القميص العلوي، فقط واحد لا أكثر.
صوفيا راقبته، شعرت أن السيطرة التي تملكها تشتغل داخلها.
تالين كانت واقفة مترددة بجوار الحائط، وكل شيء داخلها ينظر تجاه فارس، مشتتة بين رغبة ورغبة. أخرجت سيجارة حشيش وأشعلتها وكتمت الدخان داخلها. الأدرينالين يضخ داخلها جرعات من النشوة والحماسة المتفجرة. ضوء المصباح المنعكس على وجهها يشطره نصفين، كأنه يشاهد الصراع المحتدم داخلها. نصف يريد رؤية فارس مكسور، ونصف آخر مش فاهم ليه المشهد ماشي بالعكس.
استدار فارس بالكامل وأصبح في مواجهتهم، بجسد سباح رياضي. ثم همس برأس نصف منحنية، كأنه يمنحهم الفرصة الأخيرة.
قبل ما أنحني لازم نتفق، أنا مش هعمل حاجة إلا وأنا اللى مختار أعملها، حتى لو كانت طاعة.
ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة واثقة.
هو انت فاكرة عندك اختيار؟ ثم لو هتعملها بمزاجك إزاي تبقى طاعة؟
ابتسم.
أحب الشخص الذي يحكم على نفسه.
ثم رفع فارس عينيه بمكر وبص في عيون صوفيا مباشرة.
الاختيار دايمًا موجود يا صوفيا. حتى المحكوم عليه بالموت من حقه يختار إزاي يستقبل الرصاصة.
أنا حاولت والله حاولت أساعدك وأساعد تالين، قاومت الرغبة المتضخمة جوايا ورميت الفرصة على الترابيزة قدامكم أكتر من مرة. لكن البني آدم طماع، دائمًا بيبص للي في إيد غيره. ولما يبص للي في إيد غيره، أعتقد غيره ليه الحق يختار الطريقة اللي يداوي بيها.
شعرت تالين المنتشية أن الكلمة اخترقتها غصب. تذكرت نفسها، تذكرت أول مرة ركعت، وأول مرة قالت أنا موافقة بكل اللي هتعمله فيا. تذكرت عندما كانت تطلب أن لا يستجيب لتوسلاتها، أن يضغط أكثر. لم تكن تعرف أن هذا الوغد لا يحتاج إلى نصائح، فهو من ابتكر اللعبة. لحظتها فقط أدركت أنها مجرد تلميذة تقف أمام أستاذها تنتظر المزيد.
صرخت صوفيا بنفاد صبر.
كفاية فلسفة! انزل على الأرض، قدامك لحظة واحدة و
تنهد فارس. سحب مقعد خطوة لقدام وقعد، براحة الذي يدخل منزله الخاص.
وهمس بنبرة صارمة.
مش كل الناس ينفع تقعد على الكرسي دا يا صوفيا، الموضوع مش موضوع شخص قاعد وشخص منحني تحته. إطلاقًا. الموضوع فن وإرادة، وزي ما قولتلك قبل كده، انتي بارعة جدًا في الطاعة. ليه متبقيش زي تالين؟ عارفة قيمة نفسها كويس، والأجمل إنها عارفة قيمة فارس الناطور.
هز فارس قدمه وأشعل سيجارة ونادى على تالين الملتصقة في الجدار بإشارة من يده.
تالين تعالي؟
واصل فارس هز قدمه بطريقة أرستقراطية محسوبة بدقة، وملامح وجهه باردة لا تشي بخوف أو قلق أو حتى ارتباك.
صوفيا، تسمرت دقيقة. المفاجأة خضتها. شعرت أنها تفقد السيطرة. أحست أن هذا الوغد لا يمثل الحركات أو الكلمات، لا يذوقها بل تنبع من داخله. مرتبكة بين التليفون المفتوح على الفيديو، وتالين التي تنظر إلى فارس، مقاومة رغبة قوية في الركض تجاهه والجلوس تحت قدميه.
أنا هفضحك يا فارس. ارتفع صوت صوفيا وتردد صداه داخل الغرفة. هخلي العالم كله يتفرج على وساختك. يا قذر يا... حيوان. انت مش راجل اصلا. انت...
قبض فارس على قميص صوفيا من عند الرقبة بعنف وجرها ناحيته بقوة في اللحظة التي تحركت فيها قدم تالين.
عيني صوفيا اتسعت، مش من الألم، من الدهشة. لأن القبضة دي بالذات ما كانش مفروض تحصل. مش في السيناريو اللي كتبته، ولا في الفيديو اللي اشترته، ولا في الأسبوع اللي انتظرته. نظرت تجاه تالين التي تقف إلى جوارها تطلب مساعدتها.
رواية حريم الباشا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
بأصابع مرتعشة، مررت تالين السيجارة من يد لأخرى. بدت رعشة في حاجبها الأيسر. سحبت الهواء من أنفها أكثر من مرة، وأطلقت ابتسامة وهي تعاين الموقف. تعرف تالين أنها في حالة لا ترغب خلالها بمناقشة نزاعات تافهة.
بينما فارس يفهم ويعرف ويملك المقدرة. تنهد فارس بنبرة جافة:
"تالين، أنتِ عارفة إني مش بحب أكرر كلامي. تعالي."
وترك الكلمة تدور في فضاء الغرفة الضيق.
همست صوفيا:
"متسمعيش كلامه يا تالين. مش هيقدر يعمل حاجة. معانا الفيديو."
"اسكتي يا..." صرخ فارس وضغط على رقبتها لتنحني أكثر.
"الفيديو اللي معاك مزور، مفبرك. أنا اللي صنعته بنفسي يا صوفيا."
لكن تالين لم تكن تحتاج مبررات. المخدر في دمها رفع النشوة إلى أقصى حد. تقدمت من فارس وانحنت، جلست تحت قدمه.
"مستنية إيه؟" همس فارس بنبرة سكنت صدر تالين وجعلت ملامح وجهها تتغير.
"اخلصي."
آه، كما تهوى تالين هذا الوغد. كم تحب أوامره وسيطرته. ورغم رغبتها في إخراج السكينة من حقيبتها وغرسها في صدره، كما تفعل دومًا عندما تثور، وكما فعلتها من قبل مع حازم حين ضربته بحذائها وداست عليه، إلا أنها لمست قدمه. ثم ببطء، مع صيحات صوفيا الرافضة، نزعت حذائه وجوربه ولمست قدمه، قبل أن تحتضنها.
شدت صوفيا عنقها بعنف بعيدًا عن فارس، ورغم القوة التي استخدمتها، إلا أنها لم تتحرك شبرًا واحدًا.
"كل حاجة هنا بتحصل من خلالي يا صوفيا، حتى حريتك وتنهيداتك وأنفاسك. لو بقيتي لطيفة هحررك. أنتِ عارفة إني مش برغم حد على طاعتي."
"قوليها يا صوفيا وهسيبك."
"سيبيني يا فارس من فضلك؟"
"مش هقول حتى لو فضلت كده شهر. وطالما وصلت لكده يا فارس، أنا هخلي جوزي ينتقم منك. هدمرك يا فارس."
"كنتِ عملتيها من أول مرة يا صوفيا. أنتِ بتعاندي نفسك. الصراع اللي شغال بين رغبتك وإرادتك مش في صالحك. ولا عايزة الباشا جوزك يوصل هنا ويشوفك مرمية تحت رجليه؟"
دخلت الفكرة في عقل صوفيا وحاولت استثمارها.
"فعلاً جوزي هيوصل في أي لحظة يا فارس. ولما يوصل هنا ويشوفني كده، هيطلع سلاحه ويقتلك."
"مش بتهددي يا صوفيا. ولما بدخل حكاية بكون مستعد أدفع الثمن كويس جدًا. معنديش مانع جوزك يوصل هنا ويشوفك تحت رجلي. أنتِ تستاهلي أكتر من كده يا صوفيا، عشانك هدفع الثمن بسرور."
"عشانك؟" سارت الكلمة بين مقاعد الغرفة وخلال السرير والشرفة والثريا والمنفضة. وفي كل مرة، تضرب عزيمة صوفيا المرتخية.
أكمل فارس كلامه:
"وبعدين جوزك مطيع ليكي. أنا عارف إنه لا بيهش ولا بينش."
سكتت. صرخت صوفيا:
"جوزي صعب جدًا ودلوقتي تعرف. لو كنت راجل سيبني أعمل مكالمة وخليك هنا لحد ما يوصل."
لم ينتظرها فارس تنهي جملتها. حررها من قبضته وهمس:
"اتفضلي يا هانم."
ثم أشعل سيجارة.
"وانتي،" وبص لتالين، "اشتغلي كويس."
أمسكت صوفيا الهاتف بتحدٍ. اتصلت وتحدثت، شتمت وهددت. وبصت على فارس باستمتاع:
"دلوقتي تشوفي لما تلعبي في أماكن أعلى من مستواك. يا أهبل، اهربي، اجري قبل ما يوصل. وانتي يا زفتة، وقفي اللي بتعمليه ده. انتي بنت وزير، يعني واحد زي الكلب ده المفروض يخدمك."
لا تشعر صوفيا بقفزة فارس إلا والصفعة تهوي على وجهها الأبيض. صفعة قوية جعلت وجهها يرتعش.
"بلاش قلة أدب!" صرخ فارس. "تتكلمي باحترام يا مدام."
"مش مصدقة!" صرخت صوفيا، "يا كلب، يا حيوان، يا غبي، يا قذر، يا..."
"هس." حذرها فارس بنبرة مرعبة أجبرتها على الصمت. "وشك مش هيستحمل أكتر من كده. وبعدين جوزك هيوصل في لحظة، مش لازم يشوف وشك أحمر من الضرب."
التصقت صوفيا بجدار الغرفة. لم تصرخ، لم تذهب تجاه الباب. فقط نظرت إلى الهاتف كأنها تنتظر النجدة.
"يلا بينا نكمل الحفلة في قصرك يا بيبي؟" همست تالين المغيبة. "فكك من صوفيا وعقدها."
همس فارس:
"لسه يا تالين، الحفلة لسه مكملتش. في شخص كمان لازم ينضم."
"تقصد جوزها؟" سألته تالين بلا مبالاة.
ابتسم فارس:
"لأ، شخص تاني زمانه على وصول دلوقتي. شخص يستحق المكافأة."
رواية حريم الباشا الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
برقت عيون تالين وازداد خضرها مثل الزهرة التي استوت قبل الأوان، وتطلب القطف بإمالة رأسها نحو المتنزهين.
"أنا مستنية مين يا فارس؟"
لم تتمكن صوفيا من كبح فضولها.
"مستنية جوزك يا صوفيا، هكون مستنية مين يعني؟"
تعرف صوفيا أن زوجها في مهمة خارجية ولن يعود لا اليوم ولا بالغد، رغم ذلك ابتسمت. أرادت أن تثبت شيئًا لنفسها. أرادت أن تختبر فارس. تعرف أنها جوهرة فاخرة، هكذا تعتقد، والفاخر لا ينصاع إلا للفاخر. وما حدث في القصر لم يكن بالنسبة لها إلا حالة غير منطقية وجدت نفسها داخلها. الآن تملك الاختيار وتعرف أنها لن تستسلم بسهولة، حتى لو أرادت. من يريد شيئًا باستماتة عليه أن يثبت جدارته، استحقاقه. ارتخت قسمات صوفيا، تلك الملامح الغاضبة المتوترة وانتظرت.
تابعت تالين المنتشية وشعرت بالغيرة. لن تمنح صوفيا نفسها لشخص لا يميزها، يعتبرها واحدة أخرى تضاف لدفتره، حتى لو كانت روحها تطوق إليه. تركت الجدار وجلست على المقعد وهزت ساقيها. رمقها فارس بطرف عينه بتركيز. إنه يعرف كيف تتغير أفكار الأنثى بين لحظة وأخرى، يعرف متى ترفض وهي تريد، ويعرف متى تريد وهي رافضة، ويعرف أكثر كيف يجعلها تريد، كيف يحرك المياه الراكدة داخلها. ولا يمكنه أن ينكر أن صوفيا تستحق، نعم تستحق أن يمنحها ما يجعلها مميزة.
تنهد فارس ونظر إلى ساعته بضيق، ثم بلا مبالاة أمر تالين أن تنتقل لقدم صوفيا. فتحت تالين عينيها بخفوت متردد. ولم تكن صوفيا أقل دهشة منها، لكنها لم تملك أمام نظرة فارس سوى الانصياع. إنها تريد أكثر، وكي تحصل على الأكثر لابد أن تمنح أكثر. لكن فارس لا يمنح خيارات بالمجان. حتى لو شعرت صوفيا بأنها مميزة، لابد أن يكون ذلك من خلاله.
"وانتي؟" أشار فارس بيده نحو صوفيا. "اقعدي على المقعد متتحركيش."
"يدس فارس السم داخل العسل. إنت مش تحت أمرك يا فارس؟" اعترضت صوفيا. "الحاجات القذرة دي يعملها مع حد غيري." ثم أبعدت تالين عنها بتحدٍ.
نهض فارس. بدأت اللعبة تعجبه. إن هذه الأوقات الفوضوية لا تحتاج لتفكير، بل فن وصرامة. إما الآن أو أبدًا. رفع تالين من على الأرض برفق، أزاح صوفيا عن المقعد وأجلس تالين، ثم بلا تردد ضغط على عنق صوفيا لتجلس تحت قدمي تالين. صرخت صوفيا وأغرقته بالسباب والوعيد، لكن أمام يده القوية لم تملك اختيارًا. وجدت نفسها تحت قدمي تالين.
"اللي بتفكري فيه يا فارس مش هيحصل غير على جثتي."
"إنتي جايباني هنا يا صوفيا عشان تخضعيني تنتقمي مني، وأنا كنت عادل ورحيم بيكي. بس اللي يرفض أوامر فارس الناطورى، يستحق أن يرى عقابه." صفق فارس فم صوفيا بحذاء تالين، ثم طرق الباب.
حاولت صوفيا أن تنهض، لكن فارس صفعها على عنقها.
"لو عملتي كده تاني يا صوفيا، مش هتلاقي فيكي مكان سليم."
فتح فارس الباب وعينه على صوفيا. كانت الخادمة المرتعبة فيه.
"عربية وصلت يا هانم."
نسيت صوفيا أنها منحنية حتى الآن أمام عيون الخادمة التي بدت مبتسمة. سأل فارس بهدوء.
"مين؟"