هبطت من سيارة الأجرة، ودلفت لجامعتها وهي تسير برأس مرفوع غير عابئة بأي أحد يمر بجوارها أو من أمامها. يرمقها الجميع بإعجاب، وبعضهم بحقد وغيظ من تعاليها عليهم، ولكنها غير مبالية ولا منتبهة لأحد. تخفي عيناها خلف نظارتها الشمسية، أو بمعني آخر تخفي دموعها العالقة بها، تأبى الهطول خشية من الضعف أو الاستسلام. تقدمت من أدراج الجامعة وكان يجلس هناك ثلاثة شباب وفتاة يتحدثون بمرح، وصوت ضحكاتهم يملأ المكان. في البداية
سنتعرف على أبطالنا: "حسن العارف": شاب بالـ 23 من عمره، يدرس بكلية التجارة. يعيش مع والدته وشقيقته الصغرى ملك. والده رجل أعمال ولكنه يعيش منعزلاً عنهم لأسباب سوف نتعرف عليها فيما هو قادم.
"مريم الشاذلي": بنفس عُمر "حسن" وصديقته منذ الطفولة. تمتلك جمالاً غير عادي بملامحها الفاتنة بقوة، وأناقتها بطلتها وملابسها ذات التصميمات العالمية، وسيارتها الأحدث من نوعها. ابنة رجل أعمال ثري للغاية يعمل بالخارج، ووالدتها من أصول إنجليزية ودائماً تنتقل من بلد لأخرى. تعيش "مريم" بمفردها بمنزل شبيه بالقصور وأعظم من ذلك.
"هادي الخولي": صديقهم الثالث منذ الطفولة. والده مستشار قانوني كبير ومن أثرياء البلدة أيضاً، و"هادي" نجله الوحيد. والدته متوفاة ويعيش مع والده وزوجة أبيه. متمرد عن أي قوانين، ولكن سلطة والده دائمًا تحكمه، حتى أنه أجبره ألا يدخل الكلية المحببة له مع أصدقائه، وأجبره على دخول كلية الحقوق مثله.
"محمود القاضي": بنفس عمرهم ويدرس معهم بنفس كلية التجارة. يتيم الأبوين، وألقاه أقاربه بملجأ بعد وفاة والديه بحادث سير، ونجا هو وحيداً من ذلك الحادث. ومنذ أن كان عمره السابعة أخذه زوجان من عائلة كبيرة ونشأ بينهما حتى مات ذلك الرجل، وتيتم للمرة الثانية ويعيش مع تلك المرأة الحنونة بمفرده بمنزل راقٍ. تعرف على "حسن" و"هادي" و"مريم" بالمرحلة الابتدائية، وكذلك "ليلي" التي تسكن بمنزل مجاور له.
"ليلي محمد": تلك الفتاة التي دلفت داخل الجامعة منذ قليل، تدرس معهم بكلية التجارة. ابنة تاجر بسيط يمتلك محل عطارة بأحد الأحياء الراقية. توفت والدتها منذ أن كان عمرها 5 أعوام، وكانت متعلقة بها بشكل غير طبيعي. وتزوج والدها من امرأة قاسية للغاية عاملتها منذ الطفولة بطريقة قاسية. فتاة متمردة ومغرورة إلى حد لا يوصف. رغم أنها جميلة للغاية ومن أسرة بسيطة، إلا أنها دائمًا ترتدي ملابس غالية ودرست بمدارس خاصة، وكان كل ذلك من أموال والدتها التي تركتها لها مع خالها حتى انتهت من صرفها، وأجبرت على تحمل والدها وزوجته.
جلست "ليلي" بجوار "محمود" وأزالت نظارتها الشمسية وهي تزفر بضيق. "حسن" بقلق: في أي مالك؟ تجاهلته قائلة لـ"محمود" بحدة: أنت مستنيني ليه تجيبني معاك؟ "محمود" بضيق: قعدت عشان سمعت مرات أبوك بتزعق معاكي، فمشيت عشان لو كنت دخلت كنت قطعت في زمارة رقبتك. "ليلي" بابتسامة واسعة: ما تقلقش، قمت بالواجب. "مريم" بقلق: قتلتيها يا "ليلي"؟! ضحك جميعهم بقوة على تلك البريئة، فحين ردت "ليلي" قائلة بهدوء: "ليلي": ضربتها بالقلم. "حسن"
بضيق: ليه يا "ليلي" كده؟ دي قد أمك و... قاطعته غاضبة: ما تذكرنيش مع ماما يا "حسن"، دي عمرها لا هتكون زي أمي ولا أنا هشوفها كده. "هادي" بهدوء: خلاص متتعصبيش، وبعدين مانتي ضربتيها زعلانة وقلبة خلقتك ليه؟ "حسن" بسخرية: تلاقيها مضربتهاش بضمير. "ليلي" بضيق: بابا طردني من البيت. نظر لها الجميع بصدمة، هل فعل ذلك حقاً؟ يطرد ابنته؟ هل هذا الرجل مجنون؟ "ليلي" بتصحيح: مش بطريقة مباشرة،
قالي بشياكة كده: "شوفي لك كده واحدة من صحابك اقعدي عندها يومين لحد ما "ثريا" تهدي". "مريم" بحماس: الله حلو جداً، هتيجي تقعدي عندي صح؟ "حسن" بمرح: سيبك من "مريم"، أنا بيتي مفتوح وقاعد لوحدي في أوضتي. ضحك جميعهم بقوة، فحين رمقته هي بغيظ. تحدث "محمود" بجدية: سيبك منهم وتعالي اقعدي مع ماما، وأنا هروح أقعد مع "هادي" نطفش في مرات أبوه. "هادي" بخبث: نطفي في مرات أبوه ولا نعاكس ونطبل لمرات أبوه؟ "حسن"
بنبرة واهنة: أما هي مرات أبوك تتعاكس بصراحة. "ليلي" بجمود: بعيد عن فقرة التقشف العاطفي اللي بتطلعوها على مرات أونكل "فاروق"، أنا مش هسيب بيتنا واللي مش عاجبه يمشي هو. "حسن" بجدية: جدعة يا "ليلي"، ده أصلاً بيت أمك مش بيتها هي، بس برضه نبقى محترمين. "محمود" بتأييد: أتفق معاه يا "ليلي"، لما تعملك حاجة قولي لأبوكي. "ليلي"
بضيق: ما هو شايف، خناقة النهارده سببها إن أستاذ "لؤي" ابنها بات عندنا امبارح وأنا معرفش، وصحيت لقيتُه قاعد لي في الصالة بالفنلة والشورت الكاستور. "محمود" بغضب: وما قولتيش لي؟ وأبوكي سايبه عادي؟ "ليلي" بسخرية: ما هو زي أخويا بقى، واللي نقطني وشلني راح جاب عربية جديدة امبارح ودي طبعًا من فلوس أبويا وأنا متشحبطة في المواصلات. "هادي" بابتسامة واسعة: لولا العربية بتاعتي ملكك، المهم متزعليش نفسك.
"ليلي" بابتسامة واسعة وهي ترسل له قبلة بالهواء قائلة: "ليلي": قلب أختك والله وأجدعهم. "حسن" وهو يخبئ وجهه خلف كتف "محمود" قائلاً: "حسن": الحق يا "هادي" "غادة" جاية. "محمود" وهو يضع كتبه الدراسية على وجهه قائلاً بضيق: "محمود": أعوذ بالله من الخبث والخبائث. أتت لهم تلك الفتاة وجلست بجوار "هادي" الذي نظر للجهة الأخرى بضيق. واردفت بنبرة متعالية قائلة: هاي يا جماعة. "ليلي" بسخرية: اللي اسمه جماعة يرد عليها.
ضحك جميعهم بقوة، فحين رمقت هي "ليلي" بغيظ، ثم وجهت بصرها لـ"هادي". "غادة": بكلمك من أسبوع وانت بتتهرب مني، حتى الجامعة مبقتش تيجي. "هادي" ببرود: فكك مني يا "غادة"، قلت لك، وروحي شوفي حتعملي إيه. رمقته بحدة وصاحت بها: آه يعني الكلام بجد؟ الست الشيخة لحست دماغك وخلتك تسيبني وتجري وراها؟ "هادي" بغضب: فوقي يا "غادة"، انتي اللي جيتي وقولتي نرتبط، وأنا قلت لك أوك لفترة ومش هكمل.
تابع وهو ينظر لرفاقه قائلاً: غلطان أنا كده يا شباب؟ أشار له الجميع بلا، وهم يكتمون ضحكاتهم ويتابعون ما سيحدث وكأنهم يشاهدون فيلم كوميدي. "غادة" بغيظ: ماشي يا "هادي"، بس أنا مش بسيب عشان البنت الكحيانة دي. ذهبت من أمامهم، فحين ركضت "ليلي" وجلست بجوار "هادي". قائلة بحماس: البت الصفرا دي قصدها مين بالكحيانة؟ "مريم" وهي تجلس بجوار "هادي" من الجهة الأخرى قائلة بخبث:
"مريم": انتي متعرفيش إنه بيكراش على بنت في دفعة سنة أولى عنده في الكلية. أخذ جميعهم يصفق بقوة وحماس، تحت نظرات الغيظ من "هادي" تجاه "مريم". "هادي" بغيظ: تصدقي يا "مريم"، اللي يقولك حاجة تاني يبقى عيل. "حسن" بحدة: هي قالت قدام حد غريب، وبعدين إحنا من امتى بينا أسرار أو نقول حاجة لحد والباقي لأ؟ "هادي" بهدوء أجاب: لأ مش قصدي، بس هو الموضوع لسه في البداية، وبعدين دي غير أي واحدة قبل كده. "ليلي" بسخرية: وإيه الجديد؟
مانت كل شقطتهم قبل كده كانوا غير أي حد. "مريم" بجد: لأ دي بجد مختلفة، بنت بريئة أوي، مُحجبة ولبسها شيك، بس بيقولوا على الستيل ده مشحم. "محمود" بضحك شديد: مشحم إيه يخربيتك، اسمه مُحتشم. "مريم" بمتابعة: آه هو اسمه كده، المهم إنها بنت رقيقة وجميلة أوي، والأهم إنه لما فكر يكلمها صدته، والمرة اللي بعدها هزأته على الجزمة قدام دفعته كلها. انفلتوا جميعهم ضاحكين بقوة، فحين رمق هو "مريم" بغيظ. "ليلي"
بخبث قائلة: طيب كنت قولي، كنت ظبط لك الدنيا معاها الأول وخلبتك تشقطها. "هادي" بسرعة وخوف مصطنع: ولا حياة أبوكي، البت مش قدك، وبعدين أنا هعرف أظبط الدنيا معاها. "حسن" بهدوء: ربنا يوفقك يا ابني. "محمود" بقلق قائلاً: طيب أنا هقول حاجة ومحدش يضحك. انفلتت "ليلي" ضاحكة بقوة، فرمقها هو بغيظ. "محمود": أنا لسه مقولتش، واتلمي. "حسن" بهدوء: سيبك منها خير يا "حودة"، أنا "حسن" حبيبك مش هضحك. "محمود"
بقلق: متيجوا نحضر محاضرة الاقتصاد. انفلتت "ليلي" و"هادي" ضاحكين بقوة، فحين ابتسم "حسن" و"مريم" بهدوء. "محمود" بضيق: طولوا استظراف، إحنا آخر سنة ومش عايزين نطلع بمواد، وانت يا حج "هادي"، أبوس إيدك عدّي من سنة تالتة وادخل رابعة لوجه الله. "هادي" بملل: يا "محمود" فكك مني، روح احضر الاقتصاد بتاعك. نهض "محمود" قائلاً: آه هروح، مين هيجي معايا؟ "مريم" وهي تقف أيضًا: أنا جاية معاك يا "حودة". "حسن" وهو ينهض أيضًا قائلاً
بجدية: وأنا كمان جاي معاكم، يلا يا "ليلي". "ليلي" بغيظ: أنت مالك بـ "ليلي"؟ متسبها في حالها يا عم، وبعدين أنا قاعدة أونّس الواد الغلبان ده في وحدته ونخطط إزاي نخلص من مرتات أبوهاتنا. رد عليها "حسن" وهو يلحق برفاقه قائلاً بضيق: طيب يا "ليلي" براحتك. تابع وهو ينظر لـ "هادي": خلي بالك منها، مش ناقصين مشاكل. أومأ له "هادي" بنعم، فحين ذهب "حسن" لمحاضراته وجلس "هادي" و"ليلي" بمفردهم. "ليلي" بصوت هامس: اصطباحه فين؟
رد عليها "هادي" بضيق: بس يا "ليلي"، مش هديكي حاجة، حرام عليكي. "ليلي" برجاء: عشان خاطري يا "هادي"، ومش هكتر المرة دي. "هادي" بضيق شديد: وحدة: لا يعني لا، مش هديكي حاجة تاني. "ليلي" بغضب: خلاص بقي يا "هادي"، مانت بتاخد ومقولتلكش حاجة. "هادي" بحدة: آه أنا باخد، بس أنا عارف نفسي باخد إيه وممكن أقعد شهور من غير أي حاجة، إنما انتي بقيتي كل يوم بتاخدي الزفت ده.
تنهدت بقوة وغضب وأجابته: من الآخر هتديني ولا أتصرف وأجيب لوحدي؟ رمقها بحزن وصمت، فتابعت هي برجاء: والله هحاول أبطل، بس عشان خاطري هات أي حاجة. زفر بضيق وهو ينظر حوله، ثم نهض وجذبها من يدها معه قائلاً: "هادي": تعالي بس نروح في العربية. والله يا "ليلي" لو "حسن" أو "محمود" شموا خبر عن اللي عملتيه فيكي ده هيقتلوني. "ليلي" بجد: أنت معملتش حاجة، أنا بعمل كل حاجة بمزاجي.
ذهب الاثنان إلى السيارة، وأغلق هو الزجاج باكمله، وأخرج لها إحدى أنواع المخدر التي التقطته هي منه سريعًا واستنشقته بأنفها، ثم اتكأت برأسها على المقعد خلفها وهي تتنهد بصعوبة ودموعها أخذت تتسابق على وجنتيها. "هادي" بضيق وحزن شديد: "ليلي" وغلاوتي عندك ورحمة أمك بطلي، وإلا أنا اللي هقولهم، مش هقدر أشوفك كده. "ليلي" بابتسامة
ساخرة قائلة من وسط دموعها: لو هي كانت عايشة، أنا كنت بقيت زي البنت اللي وصفتها "مريم"، عشان "مريم" وصفت ماما يا "هادي". امتلئت عيناه بالدموع وهو ينظر لحالتها، أمسك يدها بهدوء. قائلاً بنبرة حزينة: هدي يا "ليلي"، إحنا هنا كلنا معاكي، وانتي أجمل وأحسن بنت في الدنيا. ابتسمت له بهدوء وهي تجفف دموعها، فحين نظر هو أمامه وهو يتنهد بضيق.
وفي منزل راقٍ جدًا دلف "حسن" لمنزله فوجد شقيقته صاحبة الثمانية عشر عام تجلس على الأريكة الخاصة بصالة منزلهم الراقي وتنتفض بخوف شديد. تنهد بضيق وذهب وجلس بجوارها ولمعت الدموع في عينه. واردف بحزن قائلاً: هو هنا؟ أجابته شقيقته قائلة ببكاء: جه وزعق لي عشان عليت التلفزيون وضربني وأخد ماما فوق وكانوا بيتخانقوا من شوية و... صمتت وهي تنظر أرضًا، فتابع هو بسخرية متألمة: ضربها صح؟ أمسكت شقيقته
يده وأردفت ببكاء مرير: أنا خايفة منه أوي يا "حسن"، وخايفة على ماما. ربت على يد شقيقته بهدوء ونهض وقف بمنتصف المنزل، وأخذ يصيح عالياً بوالدته، فجاءت هي سريعًا تركض على الدرج. وقفت أمامه وأردفت بخوف قائلة: وطّي صوتك عشان خاطري، وخد "ملك" وروحوا اقعدوا عند مريم ولما يمشي هكلمكم. دفعها "حسن" بعيدًا عنه بقوة وصاح فيها بغضب متزامنًا مع هبوط دموعه: "حسن": أنتِ ليه كده؟ ليه بتعملي في نفسك وفينا كده؟ وضعت هي يدها
على فمه قائلة وبكاء شديد: عشان خاطري اسكت، عشان خاطري. جاء صوت والده الذي كان يقف أعلى الدرج قائلاً بغضب: لا متخليهوش يسكت، أنا بحبه يتكلم. انتفض بقوة ودموعه كفت عن الهطول، وأخذت عيناه تتابع هبوط والده من على الدرج وقلبه ينتفض بخوف، ولكنه جاهد لإخفائه، فحين وقف والده أمامه وهو يرمقه بغضب دفين. اردف والده بجمود: إزاي تتجرأ وتعلي صوتك وأنا هنا؟ "حسن" بغضب مكتوم: أنت جيت ليه؟
أجابه والده بصفعة قوية على وجهه، ليميل هو بجزعه العلوي للجهة الأخرى، انتفضت والدته وشقيقته ببكاء مرير وخوف. صاح والده بغضب وصوت عالٍ: ده بيتي، أجي وقت ما أنا عايز وأعمل فيه اللي عايزه، انتوا هنا تحت أمري أنا، ولآخر مرة اسمح لك تعلي صوتك هنا. صفعه مجددًا بقوة أكبر وصاح فيه بحدة: فاهم ولا لا؟ هبطت دموع "حسن" مجددًا وهو ينظر أرضًا مكورًا قبضة يده بغضب وأجابه بصوت هادئ: "حسن": فاهم حضرتك.
ابتسم والده بانتصار وذهب للأعلى، لينظر هو لوالدته بحزن ولوم كبير، ووقفت أمامه وجذبته لأحضانها. واردفت ببكاء قائلة: أنا آسفة، سامحني يا حبيبي، أنا آسفة. جاء صوت والده من الأعلى وهو ينادي والدته بقوة، فتركت ابنها وذهبت سريعًا للأعلى بخطوات شبه راكضة، فنظر هو لأثرها وابتسم بسخرية ودموعه لا تتوقف عن الهطول. وقفت شقيقته أمامه وأردفت بابتسامة جاهدت لإخراجها:
"ملك": متزعلش يا "حسن"، روح لأصحابك وأنا هدخل أوضتي وهقفل عليا، متقلقش. قبل رأس شقيقته بهدوء قائلاً: هكلمك طول ما هو ماشي، ماشي.
أومأت له بنعم وذهب هو وأخذ سيارته وقادها بسرعة كبيرة، توقف بعد مدة ليس بالقليلة أمام إحدى البنايات الراقية، هبط من سيارته ودلف داخل البناية واتجه إلى إحدى الشقق المكتوب بجوارها على تلك اللوحة الصغيرة "د/باهر المنشاوي، طبيب الأمراض النفسية"، تنهد بقوة وذهب للداخل، وبعد قليل دلف للطبيب، الذي كان شابًا في منتصف عقده الثالث. "حسن" بجمود وهو يجلس أمامه: سوري يا "باهر" إني جيت لك قبل معادنا بس.
صمت وهو ينظر أرضًا وقد لمعت الدموع في عينه مجددًا، ابتسم له "باهر" بهدوء. واردف بنبرة جامدة: باباك جالكم النهارده وحصل مواجهة بينكم. أومأ "حسن" برأسه وتحدث وقد هبطت دموعه لتصف مدى ألمه. "حسن": أيوه، وأنا زي كل مرة خوفت منه واستسلمت لإهانته وسكت على ذل ليا ولأختي وأمي، أنا بقيت بكرهه وبكره نفسي لما بخاف منه، بكره تصرفاتي المتسرعة اللي بعملها لما بخاف. "باهر"
بجدية: بس إحنا اتفقنا منتكلمش كده وننكر شعور الخوف ده، عشان تقدر تواجهه. "حسن" بجمود: أنا بفكر آخد أمي وأختي وأمشي من بيته وأبدأ لوحدي من غير ما يكون في حياتنا. "باهر" بهدوء: الهروب مش حل، هيفضل يطاردكم، وإنك تاخد قرار في الوقت ده غلط ومش هتنجح فيه. أنا عايزك توصل إنك تقدر تواجهه حتى لو مد يده، انت متخافش، انت لازم تسيطر على الخوف ده عشان أي قرار تاخده وقتها تكون واخدُه بكل نضج مش واخدُه بسبب خوفك.
مسح "حسن" على وجهه بضيق قائلاً: أنا تعبت من نفسي ومن كل حاجة، نفسي بجد آخد "ملك" وأمي وأبعد عنه وأعيش معاهم ومع صحابي وبس. "باهر" بجدية: بص يا "حسن"، تعالي نعتبر إن ده حصل فعلاً، انت هتتخلص من الخوف اللي جواك كـ كابوسك اللي بتجيلك من الطفولة، هل هتنتهي؟ "حسن" بانفعال وغضب: طيب أعمل إيه؟ ما أنا مش قادر أنسى ولا أتعافى منه وهو قدامي وبيأذيني. "باهر"
بعملية: يا "حسن"، حالتك دي لازم المواجهة فيها، وقبل المواجهة لازم تخلص من خوفك وده مش هيحصل غير لما انت تواجه نفسك، زي مثلاً موضوع "ليلي". نظر له "حسن" بعيون حمراء دامعة واردف بتوتر: مالها "ليلي"؟ "باهر" بابتسامة هادئة: أنت لما حكيت عن كل اللي في حياتك سيبت "ليلي" للآخر، ولما حكيت عليها أول وصف وصفته عنها إن كل حاجة حلوة بتحصل معاها، الدنيا بتضحك مع ضحكتها وبتزعل مع زعلها. "حسن"
بتوتر وهروب من حديثه: أنا أيوه حكيت عليها كده، بس عشان هي كده وزيها بالنسبالي زي "ملك" و"مريم"، مفيش زيادة. "باهر" بضحكة هادئة: هنا المشكلة يا "حسن"، إنك حتى خايف تعترف لنفسك بشعور وإحساس جواك. نظر حسن لأسفل وهو يغمض عينيه بقوة، تحت ملاحظة "باهر" له، تحدث "حسن" وهو مازال على وضعه. "حسن": أنا مش عايز أتكلم تاني وعايز أمشي. "باهر"
بجدية: تمام يا "حسن"، اتفضل ومعادنا زي ما هو، دي مقابلة استثنائية يا عم، وبلاش تروح بيتك، روح لـ "مريم" واجمع صحابك واخرج وغير جو، وقبل ما تنام خد حباية من الدوا بتاعك. "حسن" وهو يذهب للخارج: تمام يا "باهر"، وسوري عطلتك وجيت من غير معاد. "باهر" بنبرة مرحة: وإيه الجديد؟ عادتك ولا هتشتريها. ضحك "حسن" بهدوء وذهب للخارج، فحين نظر "باهر" لأثره بحزن شديد.
في بيت مريم الشاذلي كانت "مريم" تجلس بغرفتها بذلك المنزل الكبير والراقي للغاية، أمسكت بقلمها بدأت برسم ذلك الطائر الذي يجلس وحيداً مكسور الجناحين، وأجنحته واقعة بجواره على شكل أبويه. هبطت دموعها على تلك الرسمة، فمسحتهم وتنهدت بقوة وامسكت هاتفها وحاولت الاتصال بوالدتها للمرة التي لا تعلم عددها، ولكنها لا تجيب. ابتسمت بسخرية وكادت أن تذهب للنوم حتى أطرقت الخادمة باب غرفتها. "مريم" بهدوء: نعم. الخادمة
بإيماء بعد أن دلفت للداخل: أستاذ "حسن" تحت يا هانم، وطالب يشوفك ضروري. ابتسمت "مريم" باتساع وهبطت للأسفل راكضة، لتجده يقف أمام الباب الزجاجي وهو يضع يديه في جيبي بنطاله وشاردًا للغاية. "مريم" بابتسامة واسعة: يخي أنت قلبك ده إيه؟ أنا فعلًا كنت زهقانة ومخنوقة، كويس إنك جيت. "حسن" بضيق: كنت هكلمك قبل ما أجي بس موبايلي فصل شحن. "مريم" بقلق: إيه ده مالك؟ أونكل سعيد برضه صح؟ "حسن"
بهدوء: كبري دماغك، المهم أنا هبات هنا النهاردة، كلمي "هادي" يجيب لي هدوم معاه، وكلمي العيال وخليهم ييجوا، هنخرج نسهر. قفزت بحماس قائلة: حالًا هجيبهم، وهخلي البنات يجهزوا أوضتك فوق. "حسن" بابتسامة هادئة: والله طلع حوار إنك عاملة لكل واحد فينا أوضة في بيتك ده ليه فايدة أهو. تنهدت بقوة قائلة: هو على الأقل حاسة بـ ونس في وجود أوضكم هنا. تابعت وهي تذهب للأعلى: روح أنا أجهز وأكلم العيال وهبعت لك الشاحن. فماذا سيحدث؟
دي البداية ويدوب بنتعرف على الأبطال ومستنية رأيكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!