ما بيننا، لم يكن حبًا، بيننا ارتباط روحي، شيءٌ ما بي لا يطمئن… إلا معك. منذ أن حدثتها "مريم" وهي تتجهز لتذهب وتلتقي بهم، دلفت خارج غرفتها لتجد والدها وزوجته وابن زوجة أبيها جالسين بالخارج، وكان أول من تحدث هو ابن زوجة أبيها الذي يكبرها بسنوات قليلة. قال وهو يتفحصها بغموض: فين يا لولا؟ أجابته بنبرة جامدة: وأنت مال أمك؟ طالعها بغيظ هو ووالدته، فتحدثت والدته بضجر موجهة حديثها لوالد "ليلي". قالت بحزن مصطنع:
عجبك كده يا "محمد" قلة أدب بنتك؟ "ليلي" بنظرات نارية: هي دي قلة أدب بالنسبة لك، أومال اللي حصل من سنين بيني وبينك كان اسمه إيه؟ كانت ليلي تقصد أيام طفولتها التي كانت تتفنن تلك المرأة بتعذيبها، غير عابئة بطفولتها. "محمد" بقلق من أن تتطور الأحداث بينهم: خلاص، أنتي كنتي رايحة فين يا "ليلي"؟ أجابته بجمود كعادتها: خارجة مع صحابي وهبات عند "مريم". "محمد" بهدوء:
لو "محمود" هيخرج معاكِ روحي، لو مش هيروح يبقى تروحي لـ "مريم" على طول ومتروحيش أي مكان. تحدث "لؤي" ابن زوجة أبيها بغيظ: هو مين "محمود" ده يا عمو اللي هتخليها تخرج معاه؟ "ليلي" بتجاهل لحديث ذلك السمج: آه، يا بابا، هعدي عليه وهنروح سوا. "لؤي" بغيظ أكبر: يا عمو "محمد"، أرجوك متخليهاش تخرج مع الواد اللي مالوش أهل ده. صاحت "ليلي" فيه بغضب وصوت عالٍ قائلة:
ولاااااا إياك ثم إياااااك تغلط في "محمود" أو حد من صحابي، لأني وقتها، ورحمة أمي، هخليك متفرقش حاجة عن أمك اللي قاعدة جنبك. صحابي خط أحمر، هتغلط في حد فيهم هزعلك، أنت فاهم؟ "ثريا" بغضب تحت خوف ابنها من غضب "ليلي"، فهو يعلم مدى جنونها. "ثريا": خلاص يا أختي، مغلطش في البخاري هو؟ تجاهلتها "ليلي" ونظرت لوالدها بهدوء، وكأنها شخص آخر غير الذي كان غاضباً منذ لحظات، قائلة: عايزة فلوس يا بابا بعد إذنك.
وضع والدها يده في جيب سترته وكاد أن يخرج لها النقود، ولكن نظرات زوجته الرافضة جعلته يتراجع وهو يتنحنح بإحراج. "محمد" قائلاً بضيق: ما أنتي واخده مني الصبح يا "ليلي"، مش معايا. ابتسمت بسخرية وهي تنظر لهم جميعاً نظرات خالية من التعبير، وذهبت للخارج، فحين غمز "لؤي" لوالدته التي أومأت له بنعم. وتحدثت لزوجها قائلة بجدية: بقولك إيه يا "محمد"، أنت هتفاتح "ليلي" امتى في موضوع خطوبتها من "لؤي"؟ توتر "محمد" قليلاً ورد عليها:
بعد ما تخلص الجامعة يا "ثريا"، عشان ما أشغلش تفكيرها عن المذاكرة. رفعت حاجبها بسخرية معترضة على حديثه، وأردفت بنبرة حادة. "ثريا": مذاكرة إيه يا خويا، هي البنت دي فالحة غير في الخروج والصرمحة مع العيال اللي مصاحباهم؟ بقولك إيه، أنا مش عايزة حد يقول عليا معرفتش أربيها، إحنا نقطع عرق ونسيح دم ونخطب العيال و"لؤي" يخلي باله منها ويهتم بيها ويشيل عنك همها شوية. "محمد" وهو ينهض ويذهب لغرفته:
إن شاء الله يا "ثريا"، هروح أنام أنا. رمقه "لؤي" بغيظ، ثم نظر لوالدته بحدة، ونهض يقف أمام النافذة يتابع دخول "ليلي" خارج بنايتهم متجهة إلى البناية التي يوجد بها منزل "محمود" جارهم وصديقها. ذهب مجدداً وجلس بجوار والدته. قائلاً بغضب: جوزك بيتوه في الموضوع وهيفضل يعمل كده لحد ما يجوزها لغيري. "ثريا" بحدة:
ماتخافش، ورحمة أبويا، البت دي ما هتبقى غير ليك، سيب الموضوع عليا، بس عايزة إياك تفضي نفسك الفترة الجاية وتمشي وراها تعرف كل حتة بتروحها وتعمل إيه، فاهم؟ "لؤي" بضيق: طيب يا ماما، هبقى آخد إجازة من الشغل وأفضى لها. "ثريا" بسخرية: هتبقى مش فاهم يا عين أمك، خليك كده قاعد زي خيبتها. "لؤي" بعدم فهم: هي مين دي اللي زي خيبتها؟ "ثريا" بنفاذ صبر وهي تنهض من جواره: أمك يا حبيبي، هي في خيبة أكبر من خيبتها.
أمام منزل محمود، أطرقت "ليلي" باب المنزل، ففتحت لها والدته وابتسمت باتساع ما أن رأت "ليلي" أمامها. "يسرا" بهدوء: حماتك بتحبك، تعالي، كنت طالبة بيتزا و"محمود" قالي إنك جايه وعملت حسابك. أغلقت "ليلي" الباب خلفها، دلفت للداخل خلف "يسرا" وعانقتها بقوة قائلة: حبيبتي، والله حاسة بيا، أنا أصلاً متعشيتش ولا اتغديت، الولية اللي اسمها "ثريا" مجوعاني ومبهدلاني آخر بهدلة وبتطفي السجاير في كعوب رجليا. "يسرا" بلوم:
طيب ينفع كده، لا غدا ولا عشا، لما تقعي من طولك حد هينفعك؟ "ليلي" وهي تجلس على طاولة الطعام وتتناول طعامها بشهية مفتوحة قائلة: ما تخافيش، أنا ديماً مع ابنك أبو عضلات ده، لما هقع هيلفحني على كتفه زي الكوفيات اللي بيلبسها. "يسرا" وهي تربت على ظهرها بحنان: ربنا يديكِ الصحة يا حبيبتي، هدخل أستعجله لكِ لحد ما تخلصي أكلك.
ذهبت "يسرا" لغرفة "محمود"، تحت نظرات "ليلي" لها، فتلك المرأة تمتلك حنان وطيبة كبيرة، وهذا ما يجعل "ليلي" تتعامل معها بطبيعتها، على عكس الباقين. "محمود" وهو يغلق أزرار قميصه الأسود: "ليلي" جات يا ماما؟ "يسرا" وهي تنظر له بابتسامة واسعة: آه، وبتاكل بره. "محمود" بسخرية: البت دي مش بتشبع. "يسرا" بحزن: أنت عارف إنها مبتاكلش من إيد "ثريا" مرات أبوها، وعشان كده بعمل حسابها في الأكل. قبل "محمود" جبهتها بهدوء قائلاً:
ربنا يخليكي ليا يا أحن أم في الدنيا. ابتسمت له بدموع وكادت أن تجيبه، ولكن صدح صوت "ليلي" القوي من الخارج. وهي تقول بحدة: يا "حودة"، هاتلي السويت شيرت الرمادي بتاعك ألبسه عشان الدنيا برد النهاردة. "محمود" بغيظ: أنا بقول كنتِ اتبنيتِها معايا وربيتينا إحنا الاتنين. "يسرا" بضحكة هادئة: والله يا ريت كان ينفع. "محمود" وهو يذهب لخزانة ملابسه ويخرج ما طلبته "ليلي" قائلاً بحزن مصطنع:
لا، أنتي محدش هيشاركني فيكي، أنتي أمي أنا وبس. ضحكت هي له بهدوء وذهبت للخارج، وهو خلفها، ألقى بذلك الرداء على وجه "ليلي" بغيظ قائلاً: آخر مرة يا "ليلي" هسمحلك تاخدي حاجة من هدومي ألبسها. "ليلي" بابتسامة بلهاء: مش هيحصل، لما تبطل تجيب هدوم حلوة هبطل آخد منك. "يسرا" بفضول: بنتي، إنتي إيه هوايتك في لبس الولاد؟ مانتي لبسك حلو أهو بتبوظيه ليه بلبس الولاد ده؟ "محمود" بسخرية: قولي لها دي، يعني، مخلصة على هدوم هادي كلها.
"ليلي" بمرح: الواد "هادي" بيجيب هدوم براندات، أنا بقى آخدها وأروح للترزي يظبطها ليا وتبقى بناتي. ضحكت "يسرا" و"محمود" عليها وعلى جنونها، فحين نهض "محمود". وأردف بنفاذ صبر: طيب يلا عشان مانتأخرش، العيال زمانهم وصلوا أصلاً. "يسرا" بهدوء: ما تتأخرش يا "محمود" عشان الجامعة. "محمود" وهو يقبل جبهتها بهدوء: من عينيّا يا ست الكل.
ذهب هو و"ليلي" للخارج، وركب سوياً السيارة ذاهبين إلى وجهتهم، فحين صعد رجلان إلى منزل "يسرا"، وما أن فتحت الباب ووجدتهم حتى انتفضت بفزع و… وداخل النادي الليلي… دلف "محمود" و"ليلي" إلى ذلك المقهى الشبابي الذي يضم بعض من أبناء العائلات الأثرياء، الأجواء مشتعلة والموسيقى العالية تغمر المكان، ويبدو على الجميع أنهم سعداء للغاية، ولكن هل هذا صحيح؟ ربما لا، سوف نقترب من أحدهم لنعلم هل هم سعداء أم لا؟ "مريم" بحماس:
أتأخرتوا لي، ده إحنا هنا من ساعة؟ "ليلي" بخبث: "محمود" آخرنا كان بياكل. "محمود" بسخرية: على أساس إنك لما تقولي كده هيصدقوا. "حسن" بهدوء: معروف إنك أكتر حد بيتأخر يا "ليلي". "ليلي" بغرور: تقدروا تستغنوا عني ولا عن تأخيري؟ رمقها الجميع بلا مبالاة، فضيقت عينيها. قائلة بغيظ: فين "هادي"؟ هو الوحيد اللي بينصفني فيكم؟ "مريم" بقلق: آه بجد، فين "هادي"؟ كان هنا؟ "ليلي" وهي تنهض من جوار "حسن": أنا هروح أشوفه.
ذهبت هي، فحين رمقها "حسن" بنظرات مطولة وهو يتناول مشروبه بهدوء، أشار "محمود" لـ "مريم" على "حسن" بمعنى انظري كيف ينظر لها. "مريم" بخبث ونبرة غنائية: ليلي يا ليلي يا ليلي 🎶… ابتسم "حسن" رغماً عنه قائلاً: والله أنتو فاضيين. "محمود" بغمزة مرح: اعترف لها بقى يا أخي وخلصنا. صاح فيهم بنبرة غاضبة: اعترف لا إيه انت وهي، بطلو كلامكم السخيف ده. تابع وهو ينهض من مجلسه: أنا هروح أشوفهم فين. "مريم" بضيق بعد أن ذهبا:
وكل سعيد مدايقه على فكرة. "محمود" بحزن على رفيقه: كنت حاسس من لما دخلت، هو لسه بيروح عند الدكتور باهر ده؟ "مريم" بإيماء: بالأسف أيوه، لسه بيروح هناك. "محمود" بجدية: وبالأسف لي، دي حاجة كويسة، على الأقل بقى أحسن من الأول شوية، وحسن بيتعامل معاه كصديق مش كـ دكتور أصلاً. "مريم" بخبث وهي تجلس بجواره: بقولك إيه، سيبك من "حسن"، أنت مش ناوي تقوله إنك معجب بـ "ملك" أخته؟ رمقها بحدة قائلاً:
وحياة أمك هنسى إنك بنت ناس وكيوت وهلطشك بقلم يعلم سنة على وشك، اكتمي يا "مريم". "مريم" بضحك شديد: وأنا عملت إيه، الحق عليا عايزة أوفق رصيد في الحلال. ضحك هو رغماً عنه ورد عليها بسخرية قائلاً: اسمها راسين في الحلال، وبعدين ماتقعديش مع "ليلي" كتير بتعلمك حاجات بتقوليها غلط. على الجانب الآخر، دلفت "ليلي" إلى مكان ما بذلك الملهي، لتجد "هادي" يقف مستنداً على الحائط وبيده ذلك المخدر الذي يستنشقه، كان يستنشقه منذ قليل.
"ليلي" بسخرية: فالح بس تعدل عليا وتقولي حرام عليكي وبطلي. "هادي" بابتسامة هادئة مثله: ماما، أنا بقالي شهر مأخدتوش ويدوب واخد حاجات بسيطة. "ليلي" بحماس: طب هات… "هادي" بحدة: إنتي أخدتي الصبح، مش هديكي دلوقتي. "ليلي" وهي تحاول أخذ ذلك الشيء رغماً عنه: ملكش دعوة أنت وهات. أبعد يده وهو يضحك قائلاً بتسلية: بعينك، والله ما هتاخدي أسبوع لقدام كمان.
كانت تحاول أخذه منه رغماً عنه وهو يبعد يده ويضحك بقوة، وأيضاً هي، ولكن توقفا وأخذا ينظران لبعضهما بتوتر ما أن جاء "حسن" لهم وهو يرمقهم بحدة. "هادي" بتوتر وهو يحاول إخفاء ذلك الشيء من يده: في إيه يا "حسن"؟ "حسن" بحدة: إنتو بتعملوا إيه، وفي إيه أصلاً؟ "ليلي" بحدة: هيكون في إيه يعني، عادي بنهزر يا "حسن"، مالك أنت في إيه؟
ألقت كلماتها وذهبت قبل أن يجيبها، عائدة لمجلسهم، وكاد "هادي" أن يلحق بها ولكن جذبه "حسن" من ذراعه بقوة. "هادي" بقلق: في إيه يا "حسن"؟ "حسن" بغضب: "ليلي" مش من البنات اللي بتشقطها يا "هادي"، أنت فاهم. رد عليه "هادي" بحدة: إنت بتخرف تقول إيه، "ليلي" أختي زي "مريم" برضه ما هي أختي، وعمري ما أبص لواحدة فيهم غير إنهم أخواتي. "حسن" بضيق وهو يمسح بيده على وجهه قائلاً:
ماشي يا "هادي"، وسوري، ما قصدتش أدايقك، أنا بس أعصابي مشدودة شوية. "هادي" وهو يربت على كتف الآخر قائلاً بابتسامة بسيطة: عادي يا عم، إحنا أخوات ومفيش بينا كده، تعالي نلحق السهرة من أولها. جلس جميعهم سوياً تحت أجواء مليئة بالمرح، يخفي جميعهم فيها حزنه، أو بالأصح يهرب منه. "مريم" بحماس: أنا هقوم أرقص. "حسن" بحدة: أتزعي يا بت أنتِ، شايفانا بقرون قاعدين؟ "ليلي" بضيق: كان غيرك أشطر، ده كل ما أجي أقوم بيجرني يقعدني. "هادي"
بمرح: سيبكم من جو النكد، تعالي أنا هرقص معاكم. "محمود" وهو ينهض معهم: سوري يا أبو علي، بس أنا جوايا طاقة ولازم تطلع.
ذهب ثلاثتهم للرقص في الساحة وهم يضحكون بحماس، وكان "حسن" جالساً على الطاولة وعيناه لا تفارق "ليلي"، وحركاتها، ضحكاتها، قامتها القصيرة، وشعرها الطويل للغاية، ووجهها البريء. أقسم بتلك اللحظة أن النظرة لها كافية على أن تنسيه العالم بأكمله. لاحظت هي نظراته، فذهبت له وجذبته رغماً عنه ليشاركهم بذلك الحماس والمرح.
بعد مدة من الوقت، كان الوقت يقرب الساعة الثانية بعد منتصف الليل، دلف جميعهم للخارج ليجدوا أن العاملين بذلك المكان جلبوا لهم سياراتهم، كانت "ليلي" مستندة على "مريم" وتسير بعدم اتزان، تحت نظرات الغضب والغيظ من "حسن" و"محمود" لـ "هادي". "هادي" بقلق: في إيه يا جماعة بتبصولي كده لي؟ أجابه "حسن" بحدة: بص لـ "ليلي" وهتعرف إحنا بنبصلك كده لي. "هادي" بغيظ: وبعدين معاك ي "حسن"، أنا مقولتلهاش تشرب. "محمود" بضيق:
إنت اللي روحت جبت القرف ده قدامها. رد عليهم "هادي" بغضب: أنا جبته لنفسي، وبعدين أنا يدوب مشربتش غير حاجات بسيطة، هي اللي داست جامد. جذبه "حسن" من مقدمة ملابسه قائلاً بانفعال وغضب: وإنت عارف إنها بتتنيل تقلدك وبتعمل زيك، حتى طريقة كلامك الزبالة دي بتقلدك فيها. دفعه "هادي" بقوة قائلاً بحدة: ماتمدش إيدك عليا يا "حسن"، وبعدين زي ما أنت بتخاف على "ليلي"، أنا بخاف عليها، ووالله العظيم ما كنت أقصد. تابع بحزن وهو يشير لهم:
وبعدين لو أنتو شايفيني وحش وبخربكم بتصرفاتي، ماتكلمونيش تاني، اتزفت اخرج معاكم. ألقى كلماته وذهب باتجاه سيارته، حاول "محمود" إيقافه ولكن الآخر وصل لزروة غضبه وأخذ سيارته وغادر سريعاً. "محمود" بحدة: براحة يا "حسن" لي الطريقة دي؟ "مريم" بملل: طيب يا عم منك ليه، "ليلي" نامت على الأرض لو مش واخدين بالكم.
نظر كلاهما إلى "ليلي" التي وضعت الحقيبة أسفل رأسها أرضاً وتغوص في ثبات عميق، فانفلت "محمود" و"مريم" ضاحكين تحت غضب "حسن" من هيئتها هكذا، تقدم منها وحاول إيقاظها ولكنها لم تجيبه، فجذبها بقوة من ذراعها، لتنتفض هي بفزع قائلة. "ليلي" بحدة: وعي يا "ثريا"، زفت بدل ما أقوملك بالشبشب. "حسن" بغيظ تحت ضحكات "مريم" و"محمود": هي وصلت لـ "ثريا" وشبشب، قومي يا قامة قيامتك.
نهضت معه فسندها بهدوء وجعلها تصعد بسيارته، وذهبت "مريم" وجلست بجوارها وصعد هو معهم مغادراً لمنزل "مريم"، وكذلك "محمود" الذي أخذ سيارته وعاد لمنزله، وما أن دلف حتى وجد الأجواء هادئة للغاية، يبدو أن والدته نائمة، ذهب لغرفته ونام دون حتى أن يبدل ملابسه. وصل "حسن" بسيارته لمنزل "مريم"، فهبطت هي من السيارة وخلعت حذاءها. قائلة بصوت نائم: ادخل أنت "ليلي" يا حسن، عشان أنا حرفياً فصلت.
ذهبت "مريم" للداخل، فحين تقدم "حسن" من السيارة مجدداً، وجدها نائمة وهي تحتضن حقيبتها بقوة، ابتسم باتساع ثم حاول إيقاظها ولكنها كانت غارقة بقوة بالنوم، فجذبها للخارج بهدوء وحملها بين يديه ودلف للمنزل ثم لغرفتها بمنزل "مريم"، وضعها على الفراش وقام بإزالة حذائها ووضع الفراش عليها بهدوء، وهو ما زال مبتسم باتساع وقلبه لا يتوقف عن النبض بقوة، لاحظ عبوس وجهها. وأردفت هي بصوت واهن متقطع وسط نومها:
هي اللي ضربتني يا بابا، هي اللي ضر… صمتت مجدداً وقد ارتخت ملامحها وأصبحت هادئة، اقترب منها قليلاً ووضع قبلة طويلة على جبهتها ولمعت عيناه بالدموع. أردف بصوت هامس وهو يمرر يده على خصلاتها: أنا لو بتعالج دلوقتي فهو عشانك أنتِ وماما وملك، عشان لما أعترف لك بعشقي ليكي ما أكونش خايف وأكون قادر أحميكي وأعوضك بجد يا "ليلي".
مسح دموعه وذهب إلى الغرفة الخاصة به، خلع سترته وألقى بنفسه على الفراش وهو ينظر لسقف الغرفة بشرود، مر عليه عدة دقائق حتى غفى رغماً عنه وراوده ذلك الحلم المخيف لوالده وهو يضربه بقوة، فانتفض جالساً وهو يتنفس بصعوبة وينظر حوله بقلق ليتأكد بأنه ليس بمنزله، ركض إلى ملابسه التي كان يرتديها قبل أن يجلب له "هادي" ملابس أخرى، وأخرج عبوة الحبوب الخاصة به وأخذ واحدة منها وذهب لفراشه وتمدد عليه وهو متكور على ذاته ويغمض عيناه بقوة، ورغماً عنه ذهب في ثبات عميق بسبب تلك الحبوب.
وأمام منزل راقٍ للغاية وأشبه بالقصور. توقف "هادي" بسيارته أمام منزل والده، استقبله الحارس الخاص بالمنزل وأخذ منه مفتاح سيارته ليقوم بوضعها بجوار باقي السيارات، فحين دلف هو للمنزل وهو غاضب بقوة من ما حدث منذ قليل، يعلم أن "حسن" على حق وأنه المتسبب الأول فيما يحدث لـ "ليلي"، ولكنه هو أيضاً يعاني من أجلها وبقوة من ما يحدث. كان بمنتصف الدرج ذاهباً لغرفته حتى دلف والده خارج غرفة مكتبه وهو غاضب بقوة. قائلاً بحدة:
تعال هنا يا ولد. هبط "هادي" ووقف أمامه قائلاً بهدوء: نعم يا بابا؟ "فاروق" بحدة: كنت فين لحد دلوقتي؟ "هادي" بابتسامة مصطنعة: كنت سهران مع صحابي شوية. رد عليه "فاروق" بغضب: والجامعة هتروح إزاي وأنت راجع لي وش الفجر كده. "هادي" بملل: عادي يا بابا هروح، مش مشكلة. "فاروق" بغضب: بني آدم أفهم صحابك دول هيخربوك، دول عايزينك تبقى فاشل زيهم وعايزين يبقوا هما الأحسن منك. صاح فيه "هادي" غاضباً:
لا هما مش كده، ولو سمحت ماتتكلمش عليهم كده تاني. "فاروق" بغضب: طيب أثبت لي إنهم مش كده، أكبر دليل على إنهم أصحاب فاسدة إنهم كلهم نجحوا السنة اللي عدت وراحوا سنة رابعة وأنت الوحيد اللي سقطت وبتعيد السنة يا فاشل. "هادي" بنظرات مليئة باللوم، رد عليه قائلاً: مش يمكن أنا شلت السنة عشان مدخلتش تجارة معاهم زي ما كان نفسي. "فاروق" بحدة:
يا غبي يا متخلف، أنا اخترت لك الكلية اللي ليها مستقبل وقلت لك انجح بس بأي تقدير وأنا هظبط الدنيا وهرفعك وأدخلك نيابة وتبقى راجل ملوي هدومك مش صايع وماشي ورا شوية صيع. "هادي" بحدة: هما مش صيع، أنا اللي وحش، هما كلهم أحسن مني وأنا أوحشهم، أنا لو بقيت ربعهم هكون أحسن واحد في الدنيا. تابع وقد لمعت الدموع بعينه قائلاً: بس تعرف، أنت مينفعش ابنك غير "هادي" الصايع بتاع البنات والسهرات الحشاش الخمورجي يا "فاروق" بيه.
ألقى كلماته على والده وتركه ذاهباً لغرفته وهو يمسح دموعه بظهر يده، غير عابئ بصياح والده الغاضب خلفه. "فاروق" بغضب ونبرة عالية جعلت جميع الخدم وزوجته يدخلون للخارج: إنت غصب عنك هتبقى على مزاجي، وأنا مش هصبر عليك كتير وعلى عنادك ده ويتظبط، أقسم بالله هخليك تندم على اللحظة اللي بقيت فيها ابني يا صايع. جاءت له زوجته قائلة بقلق: خلاص يا "فاروق"، صحتك يا حبيبي مش كده. "فاروق" وهو يذهب لغرفته:
هو خلي فيا صحة، ده هيجلطني، ده جزائي إني عايز أخليه بني آدم محترم. تابع بحدة: روحي يا "رانيا" كلميه وقولي له الصبح لو مراحش الجامعة هاخد منه العربية وكل حاجة، روحي يلا. "رانيا" بهدوء: حاضر، أنا هروح أتكلم معاه بس ممكن تهدى عشان خاطري، وبعدين مش كل مرة تزعق كده فيه قدام الخدم، ما يصحش يا "فاروق". "فاروق" بنبرة شبه هادئة:
أنا اتكلمت معاه بهدوء ومستني من الصبح، النتيجة إيه، يقولي أنا يا "رانيا" أستاهل إن ابني يبقى صايع وفاشل، لي عملت له إيه، دلوقتي بقا ذنبي إني عايز أخليه كويس. "رانيا" بهدوء: يا حبيبي عارفة والله، بس خليه كده وسيبه يختار مليون مرة، يا "فاروق"، أقولك بلاش تفرض عليه قراراتك، أنت حتى الأكل بتخليه ياكل على مزاجك من وهو صغير ولبسه وكل حاجة، فطبيعي لما كبر وعدى مرحلة المراهقة عايز يبقى حر وياخد قراره من نفسه و… قاطعه غاضباً:
وإيه الحرية إنه يبقى قليل الأدب ووقح، ده فاشل مش هيعرف يختار حاجة صح، المهم روحي قوليله بكرة بروح الجامعة من قبل ما أنا أصحى وإلا… "رانيا" بضيق: حاضر يا "فاروق"، أنا هروح أكلمه وهفهمه وجهة نظرك، بس بليز أنت أهدى.
أومأت له بهدوء وذهبت هي للخارج متجهة إلى غرفة "هادي"، طرقت الباب بهدوء فسمح هو لها بالدخول، ولكن ما أن رآها أمامه تهجمت ملامحه بغضب شديد وهو يهبط من على حافة النافذة التي كان يجلس عليها، واتجه لها واقفاً أمامها. قائلاً بغضب: إنتي إيه اللي جابك هنا، اطلعي بره، وقولت لك مليون مرة متجيش هنا تاني. امتلأت عيناها بالدموع وهي تنظر أرضاً قائلة بحزن: أنا أسفة إني أزعجتك، بس ممكن ما تزعلش، والله باباك كان قلقان عليك وهو ك…
قاطعها بقوله الحاد: إنتي مال أهلك أصلاً، دي حاجة بيني وبين أبويا، خليكي في حالك واتفضلي بره. "رانيا" ببكاء: إنت لي بتعاملني كده يا "هادي"، على العموم أنا جيت هنا مش عشانك ولا عشان باباك، أنا جيت عشان "مروة" مامتك اللي كانت أقرب صديقة ليا. "هادي" بسخرية لازعة:
"مروة" أمي اللي صدقت إنها تموت عشان تتجوزي جوزها اللي كنتي بتحبيه وعلاقة بيه وهي عايشة وفاكرة إنك خدتي مكانها هنا، بس وغلاوتها عندي لفأقرب وقت هرميكي في الشارع لأن هي محدش هياخد مكانها لا هنا ولا عند أي حد. هزت رأسها بنفي وردت عليه ببكاء قائلة: والله أنا بعدت عن باباك وما خنتهاش وهي عايشة، والله، ولما هو صارحني بحبه أنا رحت اتجوزت ابن عمتي عشان أقطع أي إحساس جواه بيا، وما كانش قصدي يحبني بس… صاح فيها غاضباً
وقد هبطت دموعه بقوة: اسكتي، مش عايز أسمع منك حاجة، اطلعي بره، وإياكِ تدخلي الأوضة دي تاني، لأن واحدة زيك ما أضمنش هي بتدخل هنا بتفكر في إيه ولا عايزة مني إيه. نظرت له باستنكار ودموع هبطت بألم وحزن، ثم نظرت أرضاً وأردفت بنبرة مهزوزة. "رانيا": "فاروق" بيقولك بكرة تروح الجامعة قبل ما هو ينزل من أوضته، يارب تسمع كلامه عشان متحصلش مشاكل. أجابها بحدة: اطلعي بره أحسن لك.
أومأت برأسها بنعم وذهبت للخارج، ثم إلى غرفتها وذهبت للنوم بجوار زوجها ودموعها تهبط بلا توقف. "فاروق" بضيق: قولتيله على اللي قولتهولك يا "رانيا"؟ مسحت دموعها وأردفت بنبرة جاهدت لتخرج منها طبيعية وأجابت: آه ي "فاروق"، قولته، وكمان هو كان زعلان وندمان عشان دايقك وبيقول إنه كان متعصب وقال كلام من غير ما يقصد. احتضنها بقوة وهو يتنهد بارتياح، غير منتبه لبكاءها المرير على إهانة "هادي" لها.
أما "هادي"، ما أن ذهبت هي للخارج حتى قام بإغلاق جميع أضواء الغرفة بأكملها وأغلق نوافذ الغرفة وأصبح لا يوجد أي منفذ لأي ضوء، ثم قام بإمساك هاتفه وأخرج صورة والدته المتوفية، وهبطت دموعه وهو ينظر لتلك الصورة باشتياق شديد، ظل هكذا حتى ذهب إلى النوم. وفي صباح اليوم التالي. هبطت "مريم" للأسفل فوجدت "حسن" يجلس على مائدة الإفطار ويتناول مشروب القهوة الخاص به بهدوء. مريم وهي تجلس بجواره قائلة بابتسامة واسعة:
مورنينج ي "أبو علي". "حسن" بهدوء: صباح الفل، "ليلي" لسه نايمة كده هنتاخر؟ "مريم" بهدوء وهي تبدأ بتناول إفطاره: لا، صحيتها بعد حرب عشان تقوم وبتغير هدومها ونازلة. "حسن" بضيق: "مريم"، هو إيه الفطار ده؟ "مريم" وهي تبتلع طعامها بهدوء أجابته: دي أكلات فرنسية مناسبة لنظام الأكل بتاعي و… "حسن" بضحكة هادئة:
طيب وحياة أمك لما تنزل "ليلي"، قوليلها إن ده أكل فرنسي جاي مخصوص ليكي، بلاش تجيبي سيرة النظام الغذائي بتاعك عشان ما تبقيش أنتِ وجبة الإفطار بتاعتها. "مريم" بخوف: لي هو الأكل وحش؟ "حسن" بهدوء: جداً. جاءت لهم "ليلي" وجلست بجوار "حسن" بعد أن ألقوا عليهم تحية الصباح، ثم أخذت تستنشق رائحة تلك الملابس التي ترتديها. "مريم" بغيظ: إنتي ماشية إيه دي؟ هدومي أكيد يعني نضيفة. "حسن" بضحك شديد: مش متعودة على الهدوم الغالية دي.
"ليلي" بغيظ موجهة حديثها لـ "حسن": خف برود على الصبح، أنا بس عجباني ريحة المعطر بتاع الهدوم دي وبفكر أجيبه. ردت عليها "مريم" بتهكم قائلة: لا ده برفيوم بتاعي الجديد مش معطر، يا بيئة. "حسن" بهدوء: بس ريحته مش عالية، مش واصلالي. "مريم" وهي تتناول طعامها: آه، هي هادية، جايباها من تركيا. نظرت لها "ليلي" وهي تغمض عينيها وتفتحها بهدوء متصنعة البراءة. "مريم" بابتسامة هادئة: متبصيش كده، هجيب لك واحدة. "ليلي" بحماس:
أختي اللي مجبتهاش أمي؟ "حسن" بخبث: "ليلي"، هو مش ده السويت شيرت اللي في إيدك ده بتاع "محمود"؟ "مريم" بانتباه: آه، صح، مش ده اللي جابه من فترة كده لما كنا بنعمل شوبينج و… قاطعتها "ليلي" بثقة: عجبني واخدته، في مشكلة؟ وهلبسه بره عشان السقة؟ "حسن" بهدوء: لا، براحتك، المهم ملكيش دعوة بحاجتي. "ليلي" بغيظ: إنت ليك الشرف إني آخد هدومك أصلاً. "حسن" ببرود: خلي شرف معاكي يستي، مش عايز. "مريم" بجدية: طيب نتكلم جد.
تابعت وهي توجه حديثها لـ "حسن" قائلة: إنت لازم تصلح اللي عملته مع "هادي" امبارح، بجد كنت سخيف معاه أوي. تحولت ملامح "حسن" للضيق، فهو يعلم أنه أخطأ بحق صديقه، فحين رمقتهم "ليلي" بعدم فهم. قائلة: إيه هو حصل إيه، ماله "هادي"؟ "حسن" بغضب: طبعاً لازم ما تكونيش عارفة، ما أنتِ وقتها كنتِ مش دريانة بحاجة ولا إني دايقت "هادي" بسببك. "ليلي" بقلق: إزاي يعني بسببي أنا؟ هو حصل إيه؟
خشيت هي أن يكون قد علم بما تتعاطاه وتأخذه من "هادي"، ولكنها هدأت قليلاً عندما تحدث هو. "حسن" بغضب: مليون مرة أقولك، إنتي بنت و"هادي" ولد راجل، يعني مش لازم كل ما يعمل حاجة إنتي تجري تقلديه. "ليلي" بنفاذ صبر: ابن الناس، فهمني حصل إيه وماله "هادي". "مريم" بضيق: حسن اتخانق مع "هادي" لأنه شرب وإنتي روحتي شربتي معاه وسكرتي وكده يعني. "ليلي" بضيق: و"هادي" دخله إيه؟ هو أنا صغيرة يعني عشان هو يقولي أعملي كده ومتعمليش كده؟
"حسن" بسخرية: آه، إنتي كده فعلاً، وأي حد بيعمل حاجة قدامك بتقلديها من غير ما تفكري ده ينفع ولا لا. "ليلي" بهدوء: ماشي يا "حسن"، أنا كده مال "هادي" بقى لي تدايقه؟ "هادي" بيخاف عليا زيكم بالظبط وهو ما أجبرنيش على حاجة. "حسن" بضيق: أنا هراضيه أصلاً، أنا متضايق لأني رخمت عليه بسببك. "ليلي" بغضب: ولاااااا، لم نفسك، هو أنا قولتلك تزعله؟ إنت اللي طربشت. "مريم" بفضول: "ليلي"، يعني إيه تربش؟ دي تلخيص كلمة متربتش صح؟
ضحك "حسن" بقوة وأيضاً "ليلي". "ليلي" بخبث: اسمها طربشت، وبصي لـ "حسن" هتفهمي معنى الكلمة. لكمها "حسن" بقوة في ذراعها، فتاوهت بخفة وهي تضحك بقوة. "ليلي" بغضب: استنوا فين الفطار؟ "مريم" بخوف وهي تنظر لـ "حسن": بصي ده مش فطار خالص، سيبك منه وأنا هطلب لك فطار حالاً. "حسن" بضحك شديد على خوف "مريم" المبالغ به: لا متطلبيش، تعالوا هفطركم على حتة عربية فول جامدة. "ليلي" بحماس: آه كده ي بو علي ي جامد، يلا بينا.
رمقها بابتسامة واسعة وهو يذهب خلفها هو و"مريم" التي ابتسمت بهدوء على نظرات "حسن" لتلك المعتوهة. وفي منزل محمود. دلف "محمود" خارج غرفته صباحاً وجد والدته ما زالت نائمة، فذهب للمطبخ أعد كوباً من القهوة لشعوره بالخمول، دلفت والدته خارج غرفتها وعيناها منتفختين بقوة ووجهها شاحب كثيراً. أردفت بابتسامة خفيفة: صباح الخير يا حبيبي. "محمود" بقلق: صباح النور يا ماما، مالك، أنتِ تعبانة ولا إيه؟ "يسرا" وهي تجلس أمامه قائلة بنفي:
لا، مش تعبانة ولا حاجة، قولي أنت رايح الجامعة صح؟ "محمود" بقلق ما زال يسيطر عليها: آه، بس لو ما قولتيش مالك وحاسة بأي مش هروح وهقعد جنبك لحد ما أشيل السنة وأبلط فيها زي الواد "هادي". ابتسمت والدته بهدوء وهي تربت على يده وأجابته بدموع: روح جامعتك واطمن عليا ولما تيجي نتكلم. "محمود" بسخرية مرح: هي "يسرا" على أساس إنك مش إنتي اللي مربياني وعارفة طبعي إني مبحبش استنى على حاجة أو أصبر. "يسرا" بضيق:
حازم وماجد كانوا هنا امبارح بعد ما مشيت مع "ليلي". "محمود" بضيق: آمم، وكانوا عايزين إيه؟ "يسرا" بتنهيدة طويلة: ع موضوع الورث، هيكونو عايزين إيه؟ "محمود" بجدية: بصي يا ماما، ده حقك أنتِ، أنا مليش ورث، أنا أخدت حقي وزيادة لما ربنا عوضني عن أهلي اللي رموني في الملجأ بيكي أنتِ وبابا عزت، الله يرحمه. "يسرا" ببكاء: ده حقك أنت، أنت ابني وابن عزت، وفلوسنا وكل حاجة لينا بتاعتك أنت يا "محمود".
"محمود" وهو يمسح دموعها بهدوء قائلاً: وأنا مش عايز غيرك أنتِ، لو عايزة الفلوس دي والورث بتاعك خديه وأنا هساعدك تاخديه بس هيفضل باسمك أنتِ. "يسرا" بغضب: المفترين عايزين يدوني ورثي بس ياخدوا ورق إني لما أموت يبقى كل حاجة ليا ملكهم هما، ولو عرفوا إنك أخدت حاجة مني تاني هياذوني فيك يا ضي عيني. تنهد "محمود" بضيق قائلاً: هما كل مشكلتهم إنهم مش عايزينيني في عيلة الزيتي وعايزينك ترميني في الشارع و… "يسرا" ببكاء شديد وحدة:
إنت بتقول إيه، يتحرقوا هما وفلوسهم ولا إني أفرط في شعرة واحدة منك، هو أنا عشان مخلفاتكش يبقى خلاص مش ابني؟ لا، أنا اللي تعبت عليك من أول يوم جبتك من الملجأ وأنا شايفاك حتة مني، كنت كل ما تكبر قدامي قلبي كان بيكبر ليك، أنا عشت باقي حياتي وبطلت آخد المنوم الأدوية النفسية لما أنت ظهرت، أنت عمري يا "محمود"، أنا لو كنت خلفت بجد عمري ما كنت هحبه زي ما حبيتِك واتعلقت بيك كده يا قلب ونور عيون يسرا.
احتضنه وهو يبكي بقوة وكذلك هي، ظل دافناً وجهه بين أحضانها وهو يبكي مثل طفل صغير يريدون حقاً إبعاده عن حبه الأول والأصفى والأنقى وهو حب وحضن الأم، ابتعد عن أحضانها. وأردف بنبرة صادقة: أنا عمري ما هسيبك ومش عايز من الدنيا دي أي حاجة غير إن أمي تفضل معايا على طول. مسح لها دموعها وتابع بابتسامة هادئة: وعشان خاطر ابنك أنا هروح أجهز الفطار وأجي نفطر سوا قبل ما أروح الجامعة. "يسرا" بابتسامة واسعة: أنا هاجي أجهزه معاك.
"محمود" بمرح: والله ما يحصل، إنتي اقعدي زي البرنسيسة وأنا هجهزه، فرصة بقى أستفرد بيكي بعيد البت "ليلي" اللي بتطبق على نفسنا كل يوم. ضحكت والدته بهدوء، ولكنها تخفي الكثير من الحزن بداخلها، تعلم بأن أشقاء زوجها لا يحبون "محمود" وينكرونه وأيضاً يريدون إبعاده عنها بشتى الطرق.
أعد هو الإفطار وتناوله معها وحاول بكل جهده التخفيف عنها ومراضتها، ثم أخذ أحد كتبه الدراسية ومتعلقاته الشخصية وذهب لجامعته، وصل بعد مدة قليلة ودلف للداخل بعد أن قام بركن سيارته بالخارج، رأى صديقه "هادي" جالساً في المكان الخاص بهم، فذهب له وجلس بجواره. قائلاً: يعني جاي بدري النهارده؟ "هادي" بضيق وهو يخفي عيناه أسفل نظارته الشمسية التي زادته وسامة فوق وسامته. "هادي":
"فاروق" بيه حلف لو ما خرجتش على الجامعة قبل ما هو يصحى هينفخني. "محمود" بضحكة هادئة: زعل طبعاً عشان كنت معانا. "هادي" وهو يقلد نبرة والده: آه ي شوية صيع ياللي خربتوني. ضحك "محمود" بقلة حيلة على صديقه ذلك فاقد العقل، فحين لاحظ "هادي" دخول تلك الفتاة إلى الجامعة وهي تسير بهدوء وعيناها مصوبة أمامها بجمود. "هادي" وهو ينهض سريعاً: خليك هنا دقيقة وجايلك. "محمود" بحدة: أتزعق يالا، إنت بتروح وبتختفي، وحلني على ما ألاقيك.
"هادي" بغيظ: لو "نار" جات هناك أهي هروح أكلمها وأجي على طول. "محمود" بابتسامة واسعة: أجي معاك. "هادي" بغيظ: مش وقت هزارك، هتمشي يا زفت سيبني. "محمود" بحماس: هتفرج من بعيد بس، والنبي، أنا هموت وأشوفك وانت بتتهزأ، والنبي. "هادي" بثقة: غالي والطلب رخيص، تعالي هتتفرج لايف بس من بعيد. "محمود" بحماس: أوك يلا بينا.
ذهب "هادي" سريعاً ليلحق بـ "لونار" تلك الفتاة التي تدرس بالسنة الأولى من كلية الحقوق، صاحبة الملامح الهادئة الخالية من مساحيق التجميل والجسد شبه النحيل وقامتها المتوسطة وملابسها الفضفاضة بشكل كبير وحجابها الطويل ولكنها تنظمها وترتديها بشكل راقٍ يريح الأعين لها. وقف "هادي" خلفها وأردف بصوت شبه عالٍ: "لونار"، استني. وقفت "لونار" واستدارت له بضيق، تحت متابعة "محمود" لهم من بعيد، وأيضاً تلك الفتاة التي تدعي "غادة".
"لونار" بجمود وهي تنظر أرضاً: نعم؟ "هادي" بابتسامة واسعة ارتسمت على وجهه رغماً عنه قائلاً: عاملة إيه؟ رمقته بحدة وذهبت من أمامه، فركض هو سريعاً ووقف أمامها. "هادي": استني طيب، أنا قولتي حاجة زعلتك يعني؟ "لونار" بحدة: لو سمحت حضرتك ابعد عن طريقي وملكش دعوة بيا، إنت تعرفني أصلاً عشان تقولي عاملة إيه ومعملش إيه؟ تنهد "هادي" بضيق وهو ينظر لـ "محمود" الذي يقف على مقربة منهم ويضحك بقوة. ثم رد عليها بهدوء قائلاً:
أنا جاي أتعرف أهو يا "لونار" وبكل أدب واحترام، يعني مفيش داعي إنك تعلي صوتك وتقطميني كده. "لونار" بتوتر: لو سمحت حضرتك ابعد عن طريقي ومتحاولش تكلمني تاني، أنا جايه هنا أتعلم وأدرس وبس، مش جايه أتعرف على حد، اديني أهو كلمتك بهدوء وبالراحة وبكل أدب. تابعت بنبرة شبه حادة: لكن لو وقفت في طريقي تاني والله هروح لعميد الكلية، واتقي الله شوية، لأن دي مش طريقة محترمة توقف بيها بنت وتكلمها يا أستاذ "هادي". "هادي"
بابتسامة واسعة: إنتي كمان عارفة اسمي. "لونار" بغضب: أستغفر الله العظيم يا رب. تركته وذهبت سريعاً من أمامه إلى محاضراتها، فحين كان هو يرمقها وهي تسير من أمامه بابتسامة هادئة، اختفت سريعاً ما أن ظهرت أمامه "غادة" وهي تقف أمامه عاقدة ساعديها أمام صدرها وترمقه بحدة. "هادي" بنفاذ صبر: هي مالها ضلمت كده لي؟ "محمود" الذي وقف بجواره قائلاً بخبث:
عشان الحجة الفاضلة "لونار" مشيت، لا أحيك عرفت تختار والله، هي دي اللي هتظبطك يا "هادي". "غادة" بحدة: مش هتلحق عشان لو البنت دي فكرت تديك وش حلو هحرقه لها. رمقها "هادي" بغيظ ولكن أردف "حسن" الذي جاء هو و"مريم" و"ليلي" ووقفوا بجوار "هادي" و"محمود". "حسن" قائلاً ببرود: هو إنتي تنين ي "غادة"؟ إيه هحرق وشها والجو ده. "ليلي" بسخرية: تنين إيه يا أبو علي، دي عود كبريت أصفر.
"غادة" بتجاهل لهم أردفت بحدة وهي توجه نظراتها لـ "هادي": أنا قولتي لك اللي عندي، يا تكون لـ "غادة" يا "هادي" يا مش هتكون لحد. "هادي" بغيظ: إنتي عندك دم؟ بقولك مش عايزك ومش هكمل معاكي، ملكيش دعوة بيا بقى. أردف كلماته وغادر من أمامها وخلفه رفاقه الذين يرمقون "غادة" بغيظ واشمئزاز. "حسن" وهو يضع ذراعه على كتف "هادي" قائلاً بمرح: هي البومبناية المتغلفة اللي كنت واقف معاها من شوية هي دي اللي شغلاك.
"هادي" وهو ينفض يده قائلاً بضيق: أحترم نفسك واسمها "لونار" ها. "حسن" بمرح: بتغيري ي بطة؟ بتغيري ي ننة. "محمود" بجدية: بعيد عن الهزار، البنت دي لو "هادي" ناوي يشقطها ينسى تماماً لأنها محترمة وحرام بجد تأذي بنت، أما لو… قاطعه "هادي" بثبات وجدية قائلاً: أنا عايزها بجد، لأني قولتلكم دي غير أي حد، حابب أتعرف عليها، بفكر فيها بشكل غبي من أول مرة شفتها فيها، ورغم إنها بهزأتني بس مش عارف أبطل منكوشهاش.
"حسن" وهو يعانقه بقوة قائلاً: ألف مبروك، وقعت ي قلب أخوك. "مريم" بخبث: إنت أدرى بقى يا أبو علي. "ليلي" بتغير مجرى الحوار: المهم "حسن"، حب على دماغ أخوك "هادي"، وإنت ي "هادي" خلاص بقى أخوك حسن مكنش يقصد. "هادي" بجدية:
أنا مش زعلان أصلاً، وبعدين إنتوا حتى لو قولتو لي ابعد عنكم أنا قاعد على قلبكم، بس اللي عايزكم كلكم تعرفوه إن "ليلي" و"مريم" دول صحابي وأخواتي وخلاتي وعماتي وأمهاتي وكل حاجة ليا، ولو "محمود" و"حسن" بيخافوا عليكم أنا بخاف أكتر منهم تمام. "حسن" بهدوء: عارف، بس أنا اتعصبت لما شفتها مش عارفة تسند طولها، وقولت أي كلام، وبعدين عمك سعيد كان معكنن عليا وطلعتهم عليك، هتستحملني ولا لا؟ نظر "هادي" لـ "مريم" قائلاً بغرور:
إنتي رأيك إيه ي ميمي، استحمله ولا أسيبه يتربى شوية. "مريم" بخبث: مش أنا خالتك وعمتك وأمك وأختك بأمرك بقى تصالحه. "هادي" ببرود مصطنع: أفكر ي سونه وأرد عليك. "حسن" بغيظ: طيب وحياة أبوك لأروح أجيب لك "غادة" تكمل عكننة عليك. "هادي" وهو يحتضنه بقوة قائلاً: ياه عليك وع قلبك، يعم أنا مسامحك من قبل ما نتخانق. "ليلي" بغرور: خلاص بقى يا شباب، متقطعوش نفسكم عليا بقى. "حسن" بسخرية:
يا شيخة اتنيلي، ده أنا خايف أشيل ذنبك بما إن مالكيش أهل وإحنا في مقام أهلك. "هادي" بضحكة واسعة: هو رد عليكي. "ليلي" بغيظ: نينيني، ماليش أهل أحسن ما يبقى عندي أب زي عمو "سعيد" ناقصه قرنين وسيخ حديد ويبقى أخو إبليس. "محمود" بسخرية: الله وأكبر عليكم، بتنزلوا بعض بحياتكم الفقرية. "حسن" بجدية:
نبطل هزار بقى ونتكلم جد، "ليلي"، أقسم بالله لو عملتي أي حاجة مجنونة تاني هسجنك إنتِ وأبويا في أوضة واحدة، ووقتها هطلع من الأوضة دي متوحدة وعندك أمراض الدنيا. أومأت له بنعم تحت ضحكات رفاقهم، ثم ذهبوا لإتمام يومهم الدراسي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!