إما يغلبك الكلام فتفيض، أو يغلبك الشعور فتصمت. يجتمعون هم الخمسة سوياً، جالسين أرضاً بالحديقة الخاصة بمنزل "مريم"، وصوت ضحكاتهم يملأ المكان، وكل منهم ممسكاً بدفتر خاص به وقلمه. "مريم": اختار حرف التاء. صمت جميعهم، وظل كل واحد منهم يدون كلماته بدفتره. "محمود": أنا خلصت، سيبوا أقلامكم يلا. "ليلي": أبو شكلك مكتبتش غير اتنين. "محمود": ماليش فيه، جاهلة أنا خلصت. تابع وهو ينظر للورق: اسم ولد بحرف التاء. "حسن": تامر.
"ليلي": كتبتها زيك تامر كده، هاخد نص. "مريم": أنا كتبت توفيق. "هادي": تــارق. انفلتوا جميعهم ضاحكين بقوة، حتى هو ابتسم باتساع رغماً عنه. "هادي": طيب أعمل لكم إيه، دماغي مش راضية تجمع حاجة. "محمود": طيب اسم البنت. أنا كتبت تمارة. "مريم": وأنا كتبت تاليا. "هادي": هو معروف إن اسمها داليا، مضحكتوش عليها لي بقى؟ "ليلي": توكس في اسم تاليا. "هادي": ولا كأني قولت حاجة، كملوا. "حسن": تغريد. رمقه الجميع بضحكات ساخرة.
"حسن": اسم بنت ده ولا مش اسم بنت ده؟ "ليلي": اسم بنت طبعاً، سيبك منهم. أنا مكتبتش لسه اسم بنت. "هادي": حم، أنا كتبت اسم بنت. توتا. "محمود": الواد ده ميلعبش معانا. "هادي": طيب أعمل لك إيه، والله ما جاية معايا أسماء غير كده. "محمود": ركز يا هادي هتجيب، اسم بلد. أنا كتبت تركيا. "مريم": وأنا كتبتها زيك. "ليلي": مكتبتش، ملحقتش. "حسن": تونس. "هادي": تنــتا. "محمود": أنا مش هتكلم، رُدوا أنتم.
"مريم": طيب والله بيجي منه أهو يعني. "هادي": والله محد ناصفني فيهم غيرك. "حسن": بس يا مريم. وأنت يا تلعب كويس يا تتفرج ومتشاركش. "محمود": تقلية. "ليلي": تــوم. "محمود": مش ناقص غباء، أنتِ كمان اسمه ثوم. "ليلي": طيب الله، ما أنا لاعبة تاني. مطول عمرنا بنقولها توم. "حسن": تونة. "مريم": ملحقتش أكتب. "هادي": بصوا اعتبروني مكتبتش. "مريم": لا ونبي قول بتضحكني. "هادي": طعمية. انفلتوا جميعهم ضاحكين بقوة، حتى محمود.
"ليلي": خلاص طيب مدام أنا مش هلعب، هقولكم الحروف. أمممم.. حرف اللام. ظل جميعهم يدونون بأوراقهم باندماج. "محمود": أنا خلصت. "هادي": الواد ده بيغش على فكرة. "محمود": أغش منين وهغش إيه، دي سرعة بديهتي يا غبي. تابع وهو ينظر للورقة بيده: اسم ولد. كتبت لمعي. "مريم": لطفي. "حسن": لطيف. "هادي": لويس فونسي. رمقه الجميع بتعجب. تابع هو بثقة: لويس فونسي يا جاهل منك ليها، بتاع ديس با سيتو. "محمود": ما علينا، اسم البنت بحرف اللام.
ابتسم بخبث قائلاً: لونار. "مريم": وأنا كتبت لونار. "حسن": حسنسوري يا صاحبي، بس أنا برضو كتبت لونار. "هادي": لا والله، أنتوا كده بتستظرفوا. مانتو عندكم ليلي أهي بحرف اللام ومش لاعب. "ليلي": خلاص صدفه ميقصدوش. المهم أنت كتبت إيه اسم البنت؟ تنحنح بتوتر قائلاً: لونار طبعاً. انفلت جميعهم ضاحكين بقوة. "مريم": استنوا، تعالي نلعب لعبة أجمل من دي. "محمود": لا نكمل دي. "هادي": خلاص يا أبو بديهة سريعة، أنت اللي كسبان وباكتساح.
"حسن": إيه اللعبة يا مريم؟ "مريم": كل واحد فينا يقطع ورقة من الدفتر ويكتب شوية أسئلة، ويقطعهم ورق صغير ونطبقهم ونحطهم قدامنا ونلخبطهم، وكل واحد فينا يسحب ورقة ويبقى سؤال للكل. "محمود": حلوة اللعبة دي يلا. أمسك الجميع دفاترهم وأخذوا ينفذون ما قالته "مريم" بحماس. وبعد قليل كان أمامهم عدد كبير من المقصوصات الصغيرة مطبقة بإحكام. "محمود": أنت كتبت إيه يا هادي، إيه الورق ده كله؟ "هادي": دول عشرين سؤال بس.
"حسن": بعيد عن إننا عارفين كل حاجة عن بعض ومش محتاجين عشرين سؤال، إحنا مش هنقعد هنا للصبح. "ليلي": في إيه انت وهو، مالكم بيه؟ سيبوه براحته. "مريم": حساكِ مامته أوي يا ليلي. "هادي": والله ما في حد حنين عليا غيرها. "محمود": خلاص، إحنا هنلعب لحد ما نزهق. "هادي": أنا هسحب الأول. "حسن": خلصنا، اسحب. أخذ "هادي" إحدى المقصوصات، وفتحها بهدوء تحت مراقبة الجميع له بحماس. ابتسم هو باتساع. قائلاً: أول جواب عاطفي بعته لمين وامتى؟
"مريم": اللي سحب هيجاوب آخر واحد. أنا بقي أول جواب عاطفي كتبته وأنا عندي تسع سنين وبعته لهادي عشان كنت بحبه أوي وهو صغير. "هادي": حصل ده، أنا لسه محتفظ بيه. "مريم": أصلاً الكلام اللي فيه مش مفهوم، أنا وقتها مكنتش عارفة أكتب كويس ولا أنت كنت عارف تكتب ولا تقرأ برضو، بس كنت سو كيوت والبنات كلها وقتها كانت بتبعت لك جوابات. "هادي": حصل، بس أنا كنت بحبك أنتِ وحسن بس في المدرسة، عشان كده الجواب الوحيد اللي شلته بتاعك.
"ليلي": أبو أم القصة اللي سمعناها عزوميت مرة دي. "هادي": في إيه يا حاجة، بنستعيد ذكريات طفولتنا قبل ما نعرفك أنتِ والحج محمود. "محمود": ما علينا من المعرفة اللي تعر دي. أنا أول جواب عاطفي كتبته لبنت جميلة أوي كانت معايا في الملجأ، بس للأسف بعد ما مديتها الجواب، هي مكنتش بتعرف تقرأ وعملته مركب صغير ورمته من الشباك. ضحك جميعهم بقوة، فحين "محمود" تصنع الحزن والضيق. "حسن": أنا بقي عمري ما كتبت حاجة لحد.
"ليلي": عشان دايماً خايف تعترف باللي جواك. "حسن": لا مش كده، أنا بس ملقتش واحدة تستاهل إني أعمل لها حاجة زي كده. نظرت له مطولاً واردفت بمرح: محسسني وأنت بتتكلم على الجواب كأنك بتتكلم على حلة باميه. تابعت وهي تقلد نبرته: قال ملقتش واحدة تستاهل أعمل لها حاجة زي كده. رمقه "حسن" بغضب، فتحدث "محمود" مغيراً مجرى الحوار قبل أن يحدث شيء سيء بينهم. "محمود": وأنتِ يا ليلي، عمرك عملتي حاجة زي كده؟
ابتسمت بحزن وأجابته: آه، كتبته لبابا. لآني كنت زمان بحبه أوي وكنت من حبي ليه عايزة أتجوزه لما أكبر وكنت بحبه هو بس، محبتش أي راجل غيره وقتها وكنت بكتب له جوابات وماما كانت بتغير مني وتقولي هو مش هيتجوز غيري. تابعت وهي تجاهد لتخفي دموعها وحزنها: بس للأسف طلع في الآخر راجل زي أي راجل، حرمة توديه وحرمة تجيبه.
ضحك جميعهم بهدوء على حديثها المازح، ولكنهم يعلمون جميعاً أنها تعاني مما يحدث، ولكنها دائماً تخفي ما بداخلها خلف قناع الغرور والسخرية. "حسن": الدنجوان هادي بيه الخولي باشا. "هادي": أنا لو قولت هتتريقوا. "مريم": قول أنا وحسن كنا دايماً بنشوفك بتبعت جوابات للبنات كلها في المدرسة. "هادي": اسكتي أنتِ متعرفيش أنا كنت بعمل إيه من وراكم. "ليلي": احكي طيب، مبحبش التشويق ده. هادي بابتسامة رقيقة: كانت عندنا خدامة.
قبل أن يتم باقي حديثه، وجدهم يضحكون بقوة. "هادي": طيب، يعني هكمل ولا خلاص كده اسكت؟ "محمود": كمل، كمل. بس أصلاً خدامة يا هادي وأنت طفل حاجة صعبة. "هادي": اصبر بس واسمعوا الباقي. أنا مكنتش بحب الخدامة، أنا فيوم ماما كانت عندها شغل مهم وراحت، أدتني للخدامة في بيتهم وهناك شوفتها وحبيتها. "مريم": بنت الخدامة صح؟ "هادي": بنت الخدامة. "حسن" و"ليلي" و"مريم": بتهزر؟ "محمود": مش هستغرب، أنا هادي شفت منه العجب.
"هادي": بس بقي من وقتها وأنا فضلت هيمان فيها وأكتب لها جوابات متتقريش ومتتفهمش وأديها لها، لحد ما فيوم جواب منهم وصل لـ فاروق بيه، معرفش إزاي، بس اللي فاكره إني أخدت علقة معتبرة يعني. "محمود": والله حقه، أنا لو عندي ابن زيك أدفنه. "ليلي": اعتراف جواك عايز تقوله لحد. "محمود": ده سؤال يعني ولا إيه؟ "ليلي": أيوه سؤال يعني اعتراف جواك عايز تقوله إيه هو؟ أومأ لها محمود بنعم وتفهم، وقد علم مقصدها.
"مريم": هعترف أنا لـ حسن وليلي إني زعلانة أوي منكم إنكم هتمشوا وهتسيبوني النهارده. "حسن": والله غصب عني، لازم أرجع لماما وملك عشان هما لوحدهم. وليلي عمو محمد قافش عليها جداً ولازم ترجع. "ليلي": وأنت يا حسن هتعترف؟ "حسن": لا مفيش حاجة أعترف بيها يا ليلي. "ليلي": متأكد؟ تنهد هو بضيق قائلاً: أيوه متأكد. نهض من جوارهم وهو يمرر يده بخصلاته بتوتر. واردف وهو يتجه للخارج: أنا تعبت وهروح.
ذهب من أمامهم ولحق به "محمود" الذي يرمقه بغضب، وكذلك الجميع، فهم يعلمون أنه يعشق "ليلي" ولكنه خائف من الاعتراف لها، وأيضاً هي تعلم ذلك ولكنها سئمت من تجاهله لمشاعره ومشاعرها. "هادي": أنا هروح أجيب الفون بتاعي نسيته فوق في أوضتي وهمشي. استني يا ليلي هوصلك في طريقي. "ليلي": استني، خديني أجيب حاجتي أنا كمان من فوق. الندل محمود سابني ومشي. "هادي": طيب متتأخريش. "ليلي": طيب هات أي حاجة من اللي معاك.
رمقها بحدة قائلاً: مش معايا زفت. "ليلي": عشان خاطري يا هادي، والله تعبت أوي وأخدت مسكنات كتير وبرضو حاسة دماغي هتتفرتك وبالعافية قاعدة معاكم أصلاً. "هادي": ليلي بقي، كفاية ارحمي نفسك وارحميني معاكي. "ليلي": والله آخر مرة عشان خاطري. "هادي": هاديدول اللي معايا بس. وعلى فكرة ورحمة أمي أنا مش هجيب البتاع ده تاني، يعني انسى إنك تاخديه. استحملي كام يوم من غيره وهتتعودي. "ليلي": إن شاء الله.
بعد قليل كان الاثنين ذاهبين للخارج منزل "مريم"، وكانت "ليلي" تحسنت حالتها نسبياً. وجدوا "مريم" متممدة أرضاً وتنظر للسماء وهي تحرك قدميها بهدوء. "ليلي": روح أنت يا هادي، أنا هبات معاها. "هادي": طيب وباباكي هيدايق أكتر؟ "ليلي": اللي يحصل يحصل، مش هسيب مريم تزعل. "هادي": جدعة يا لولا. خلي بالكم من بعض ولو احتاجتوا حاجة كلموني. كان نفسي أقضي باقي السهرة معاكم بس فاروق يسجني فيها.
"ليلي": لا وع أي، طريقك أخضر ومنور بالنار ها. "هادي": الدنيا مظلمة في عيني من غيرها والله. ضحكت هي بهدوء وتمددت بجوار "مريم"، التي ابتسمت باتساع واحتضنتها بقوة. "مريم": كنت عارفة إني مش ههون عليكم، واحد منكم هيبات معايا. "ليلي": تعالي بقي عشان سهرتنا طويلة. أولاً هنشوف حل نظبط بيه موضوع هادي وإنه يتعرف على لونار، لأنه بجد البنت دي شكلها تستاهل إنها تدخل حياة هادي وتعوضه وتربيه وتلمه.
"مريم": أتفق معاكي جداً، وخصوصاً إنه المرة دي بيتكلم عنها غير أي واحدة. "ليلي": الموضوع التاني بقي، إني اتعرفت على طارق الظابط المز اللي في النادي. "مريم": بجد؟ طيب إزاي؟ "ليلي": بصي، هو ابن ناس أوي أوي زيك كده، ويمكن أغنى من أبوكي كمان. فعشان كده لما سألني عن اسمي قولتله اسمي مريم خالد الشاذلي. "مريم": لا، أنتِ بجد المرة دي بتهزري. إزاي تقولي اسمي أنا على إنه اسمك؟
"ليلي": عشان لو قولته اسمه واتحري عني هيعرف إني أقل منه بكتير ومش هيرجع يكلمني ولا يبص لي. "مريم": تعالي معايا فوق نتكلم وتحكي لي اللي حصل من الأول. بمكان آخر، قصر كبير راقٍ جداً، دلف للداخل ذلك الشاب صاحب البنية القوية والملامح الجامدة بعينيه البنيتين وهيئته المنظمة للغاية. ذهب وجلس بجوار تلك المرأة صاحبة الخمسين عام وبجوارها طفلة صغيرة لا تتخطى الأربع سنوات. "طارق": حبيبة بابا، وحشتيني.
اردفت تلك المرأة بجمود: دنيا كانت هنا. تنهد هو بضيق، وأشار للخادمة بأن تأخذ الصغيرة للأعلى، فحين وضع هو رأسه بين يديه بضيق. وضعت هي يدها على كتفه قائلة بهدوء: جات تشوف بنتها، أنا مقدرش أمنعها. رفع رأسه ورد عليها بحدة: لا يا شادية تمنعيها، عشان هي متستهلش تشوفها. مش دي اللي رمتها زمان وهي عندها سنة ومشيت مع الواد اللي كانت بتحبه.
"شاديه": يا طارق، مش معنى إنكم منجحتوش في الجواز إن تيا تدفع تمن جوازكم الفاشل. دي مامتها وهما من حقهم يشوفوا بعض. "طارق": وهو كان فين حقي أنا لما راحت، رفعت عليا قضية طلاق بعد جوازنا بتلات شهور وبعدها سابت البلد ومشيت وهي حامل وأنا معرفش، وتخلف بنتي وتربيها سنة وأنا معرفش، وتفضل الفترة دي كلها كل يوم والتاني مع راجل مختلف وبنتي معاها. كان فين حقي، ولما زهقت من بنتها رمتهالي أنا عشان تفضي للزبالة اللي بتعملها.
"شاديه": معاك حق بس ا... قاطعه بضيق: لو سمحتي يا خالتو، أنا عارف أنا بعمل إيه وبنتي مش هتحتك تاني بالست دي. ويا ريت لما تيجي والحراس يمنعوها من الدخول متمنعهمش، أرجوكي. "شاديه": اللي يريحك يا حبيبي، المهم متزعلش. اخليهم يجهزوا لك العشا. "طارق": أكلت أنا وحازم في الشغل. "شاديه": وهو حازم مجاش معاك لي؟ "طارق": طلع مأمورية خفيفة كده شوية وجاي، متقلقيش. فين الناس اللي ساكنة هنا، سابوكي لوحدك لي؟
"شاديه": باباك سافر أمريكا عنده شغل مهم هناك وهيطمن على يارا ويرجع كمان كام يوم ومالك لسه مرجعش من الشركة وسارة نازلة اهي. "طارق": على فين يا هانم؟ "ساره": خارجة مع صحابي، ساعة مش هتأخر. "طارق": السواق معاكي، ولا تستني حازم يوصلك. "ساره": لا مش هستنى حد، هروح مع السواق. "شاديه": خلي بالك من نفسك يا حبيبتي وابقي ردي عليا أما أكلمك. "ساره": حاضر يا شوشو.
ما إن فتحت الباب لتذهب للخارج حتى وجدت أمامها ذلك الشاب الذي يدعي حازم يدلف للداخل. تنهدت بضيق وكادت أن تذهب، فوقف أمامها بنظراته الغاضبة. قائلاً بحدة: رايحة فين؟ "ساره": خارجة مع صحابي، عندك اعتراض؟ "حازم": يعني لو عندي اعتراض، أنتِ هتقعدي ومش هتخرجي. ابتسمت بسخرية وأجابته: أنت عارف ردي كويس هيكون إيه، زي برضه ما أنت عارف ردي إيه في حاجات تانية أنت مصمم تجبرني عليها يا حازم باشا.
ألقت كلماتها وتركته وذهبت من أمامه، ليرمقه هو بحزن ممزوج بالغضب، ثم دلف للداخل. "طارق": الوش ده إن دل على شيء دل إنك شفت سارة وهي خارجة. "حازم": أنا طالع أنام. "شاديه": طيب متزعلش نفسك، هي صغيرة و... "حازم": بعد إذنكم. "طارق": أغبي بني آدم في الدنيا هي سارة أختي. "شاديه": سارة بنتي زي ما حازم ابني، وأنا عارفة ومتاكدة إن حازم بيعشقها، بس لو هي رافضة محدش هيجبرها على حاجة.
"طارق": سارة لو عنّدت هتتغصب، اختي وأنا أدري بيها. "شاديه": وأنا خالتكم ومرات أبوكم انتوا الاتنين وأعرفكم أكتر من نفسكم. "طارق": بعيد عن الحوار ده، أنا كمان هطلع أنام. عندنا قضية رخمة شغالين عليها وابنك مطلع عيني فيها. "شاديه": روح يا طارق. ذهب طارق للأعلى، فحين رمقته هي بتنهيدة طويلة مردفة بصوت هامس: ربنا يوفقك يا طارق أنت وحازم ويريح بالكم وقلبكم ويهدي كي يا سارة، ويصلح حالك يا مالك يا مغلبني معاك.
دلف "طارق" لغرفته ثم خلع جاكيته الجلدي وألقاه على الأريكة الخاصة بغرفته، ثم ألقى بنفسه على فراشه وهو ينظر لسقف الغرفة بشرود. ابتسم باتساع وأمسك هاتفه وكاد أن يفتحه ولكنه لاحظ حركة بجانبه وما إن استدار برأسه لمصدر هذه الحركة ليجد صغيرته تجلس بجواره وهي ترمقه بابتسامة بريئة. اعتدل في نومته وهو ينظر لها بابتسامة واسعة. قائلاً بهدوء: أنتِ إزاي دخلتي هنا من غير ما أحس بيكي؟ "تيا": دخلت من الباب يا بابي.
"طارق": أي الحلاوة دي يا قلب بابي. قولي لي بقى جاية لي؟ "تيا": ماما قالت لي أقولك إني عايزة أروح لها. تنهد هو بضيق قائلاً بابتسامة هادئة: طيب وقالت لك إيه تاني يا حبيبتي؟ "تيا": قالت لي إنها هتعرفني على انكل زياد وخلتني أكلمه في الفون وقالت لي إنه هيكون زي بابي. كتم غيظه وغضبه من طليقته وجاهد في رسم ابتسامة على وجهه قائلاً
وهو يمسد على شعر ابنته: طيب لما ماما تقول لك كده قولي لها مفيش حد زي بابي، هتعرفي تقولي كده يا تيا؟ "تيا": آه هعرف، هقولها بابي مفيش حد زيه غير اتنين. "طارق": مين دول بقى إن شاء الله يا هانم؟ "تيا": تيتا ديما تقول إن أنت ومالك وعمو حازم زي بعض، كده في اتنين زيك. أمسك "طارق" يدها وهو يقبلها بضحكة عالية مردداً: صح يا لمضة، صح. هما دول بس اللي زيي ومفيش حد تاني زيي.
أومأت له برأسها بنعم، فحين نهض هو وحملها بين ذراعيه بهدوء. قائلاً: يلا بقى أوديكي أوضتك تنامي عشان الحضانة الصبح. "تيا": لا أنا عايزة أنام في حضنك عشان خاطري. "طارق": خلاص خلاص هتنامي في حضني وبكرة كمان وبعده إيه رأيك.
احتضنته بقوة وحماس، فحين دثرها هو أسفل الفراش وتمدد بجوارها وأخذ يمسد على رأسها بحنان حتى ذهبت للنوم، وكان هو غاضباً بقوة من ما حدث من تلك التي أصبحت طليقته وما تريد فعله مع صغيرتهم. مسح على وجهه بضيق، ولكن سرعان ما ابتسم باتساع ونهض من جوار صغيرته وذهب للشرفة وهو ممسك بهاتفه وقام بالاتصال بها. أتاه صوتها الهادئ قائلة: ألو. "طارق": ألو، مريم معايا؟ "ليلي": أيوه أنا مريم، أنت مين؟
"طارق": طيب أهدي، أنتِ خايفة لي كده. أنا طارق اللي اتقابلنا في الجيم من كام يوم. بقالي فترة مشوفتكيش هناك فقلقت لتكون حصلت مضاعفات لرجلِك وحبيت أطمن. ولتكوني ناسيه، أنا طلبت رقمك عشان أطمن عليكي وأنتي أدته لي. ابتسمت "ليلي" بانتصار تحت نظرات "مريم" الغاضبة، وأجابت "طارق" بهدوء قائلة: آه افتكرت، وسوري بس مكنتش أعرف إن أنت اللي بتتكلم وافتكرت حد غريب. "طارق": لا غريب إلا الشيطان. المهم يعني أنتِ كويسة؟
"ليلي": يعني هي بس كانت رجلي تعباني شوية امبارح، بس النهاردة خفت يا طارق بيه. "طارق": لا طارق بيه إيه، أرجوكي أنا مبحبش الرسميات و... "ليلي": بصراحة ولا أنا، بس أنا خوفت تكون مقفل ونكدي وقولت أعمل حدود. ضحك "طارق" بقوة وأجابها: طيب يا مريم ممكن بقى نوثق الصدفة الجميلة اللي شوفتك فيها دي بأنك تقبلي تشربي معايا حاجة بكرة في الكافي اللي جنب النادي. "ليلي": مش عارفة يعني أشوف الجامعة والكورسات، لو فضيت أجي.
"طارق": لا ثواني كده، أنتِ لسه في الجامعة، طالبة يعني؟ أحيه. ضحكت بهدوء وأجابته بنفس المرح: لا أنا فاخر سنة في تجارة إنجلش، وبعدين أنا مش بتاعت دراسة. المهم أجلك الساعة كام بكرة؟ ضحك بقوة قائلاً: لا الدماغ دي مش طبيعية. على العموم هبعت لك اللوكيشن والساعة اتنين هكون هناك ومستنيكي يا مريم، اتفقنا؟ "ليلي": أوكي، هشوف برضو مواعيدي وأقولك. "طارق": مقلتليش بقى أنتِ لسه بتدرسي وصغيرة و...
"ليلي": هي سطا، الساعة اتنين هكون في وشك. ضحك بهدوء قائلاً: تصبحي على خير يا مريم. "ليلي": وأنت من أهل الخير. أغلقت معه وهي تنظر لمريم بقلق، فحين كانت الأخرى ترمقها بضيق وغضب من تصرفاتها. "ليلي": بلاش النظرة دي وسيبيني أدوب في الحلاوة والجمال اللي وقع في طريقي ده. "مريم": أنتِ اتجننتي يا ليلي؟ بتضحكي على ظابط شرطة ومباحث كمان، أنتِ عايزة توصلي لأيه؟
"ليلي": هتجوزه ويحبني ويتجوزني. أنا أه بكذب عليه بس ده لحد ما أعرف أوقعه فيا ولما يحبني صارحه بكل حاجة وبخوفي من إنه كان يسيبني، بس وقتها هيكون حبني وهيقبل بيا بقلبه وعقله وكل حاجة. "مريم": أنتِ بتعكي يا ليلي، والعك ده هيوديكي في داهية ولو حد من العيال عرف هـ... هبت "ليلي" جالسة قائلة بحدة: يا كي يا مريم حد منهم يعرف حاجة، والله هزعل. أنا في الوقت المناسب هعرفهم عليكي تمام.
"مريم": طيب وأنتِ وقعتيه إزاي ومش خايفة يعرف إنك مش مريم خالد الشاذلي ووقتها ممكن يبهدلك ويمرمطك و...
"ليلي": اسكتي يا مريم، إيه الفتحة دي. وبعدين أنا عاملة حسابي، عملت أكونت باسمك وحطيت فيه صوري وفبركت صورك مع باباك بصوري وبعت له إعلان وعملت له فولو على الإنستا. إنما بقى اتعرفت عليه إزاي، أنا كنت بشوفه في النادي وحاولت ألفت نظره ملتفتش، فروحت الجيم اللي بتدرب فيه وعملت إني وقعت بسببه ورجلي وجعتني وهو بيسندني أقعد وجاب لي ميه كان جانو أوي يا بت يا مربم وطلب رقمي عشان يطمن عليا بعد ما عرفني بنفسه وأنا عرفته بيا باسمك أنتِ.
"مريم": مش مطمنة وحاسة إن اللي جاي في الحوار ده مش سهل. "ليلي": متقلقيش، أنا مظبطة كل حاجة. بعيادة الطبيب النفسي "باهر المنشاوي" كان يجلس "باهر" على مقعده، وأمامه على ذلك السرير الطبي يتمدد "حسن" وهو ينظر أمامه بدموع. "حسن": أنا عارف إنها كانت قصدها تسأل السؤال ده ليا أنا، ويمكن مكنش موجود في الأسئلة. أنا أكتر حد يعرف ليلي وبيفهمها من نظرة عين. "باهر": طيب وأنت رديت بأيه على سؤالها.
"حسن": قولت مفيش حاجة أعترف بيها لحد. تابع بنبرة شبه حادة: أنا لي كده، لي بخاف؟ لي أنت متقوليش، ابعد عن باباك. هو مش بيقولوا اعتزل ما يؤذيك.
"باهر": حسن أنت مش مريض، أنا بتعامل معاك كأخويا الصغير وصديق قبل ما تكون حالة عندي، وعشان كده هكلمك عادي جداً وأقولك إن علاج حالتك المواجهة. أنت باباك هو سبب تعبك وخوفك، لو بعدت هتاخد سنة اتنين تلاتة عشرة بعيد مرتاح، بس هيفضل مجرد اسمه يتعبك. لو ظهر قدامك هترجع تنتكس أكتر من دلوقتي. الهروب مش الحل. علاج خوفك ده المواجهة، لأنك مش كده. أنت كويس مع الناس كلها بس والدك للأسف سبب لك خوف داخلي، هز قلبك وثقتك من جوه خلاك خايف تفكر وتحس وتحب. وده أصعب من الأعراض التانية، لأنه مع الوقت ممكن يتسبب في جفاف داخلي ليك وده هيتعبك أنت واللي حواليك.
"حسن": يعني أروح أتخانق معاه، أزعق وأكسر قدامه؟ بعيد عن إني مش هقدر أعمل ده، أنا أضعف من إني أرفع عيني في عينيه. بس حتى لو عملت كده أنا مش هرتاح، مش ده اللي هيريحني. أنا عايز أعيش عادي، مخافش من كل فكرة في دماغي، مخافش من إحساسي ومشاعري. "باهر": اعمل لهم مواجهة لوالدك بعيد عن كل اللي بتكلم فيه واللي وصلنا له. أنت المواجهة ليك دلوقتي هتبدأ من أول حاجة دمرها الخوف اللي كان بسبب والدك، وهي التفكير. تابع "باهر"
وهو يرمقه بجدية: يعني حسن الطفل اللي كان بيخاف يعمل ذنب في المدرسة من عقاب باباه قدام زمايله، وتفكير في كل حاجة حتى اللي نفسك فيه بقيت تخاف تحققه. نظر له "حسن" بعدم فهم، فتابع "باهر" بجدية: قولي يا حسن أنت نفسك تعمل إيه من غير ما تفكر في عواقب أو نتيجة اللي تعمله. "حسن": نفسي أشتغل، أنا بحب الرسم جداً، نفسي أشتغل الحاجة دي.
ابتسم بسخرية وتابع: بس طبعاً مينفعش عشان فاروق بيه مستني على نار إني أخلص جامعة وأمسك الشغل بتاعه. "باهر": دي أول حاجة في المواجهة، واجه أفكارك بأنك تحققها واتحدي الخوف اللي يمنعها. "حسن": يعني أشتغل؟ "باهر": مدام نفسك في كده، اعمله. ولو باباك اعترض قوله إنك بتتسلّي، أو شوف أنت هترد عليه بأيه. "حسن": وهو مش هيسمح لي بكده.
"باهر": اسمح أنت لنفسك تخرج من حصار الخوف اللي مقيد تفكيرك ومشاعرك وكل حياتك. إحنا يا حسن مش هنبدأ العلاج من سبب الخوف، لأ، إحنا هنبدأ نصلح الحاجات اللي الخوف دمرها. ولو اتصلحت وقتها أنت هتكون جاهز تواجه والدك وتحمي أمك واختك وتكون قادر تاخد قرار في حياتك مع والدك. "حسن": طيب لو معرفتش أو مقدرتش؟
"باهر": نحاول تاني وتالت، بس بلاش تفكر في إنك متقدرش. أنت تقدر يا حسن. أنت جواك شخص شجاع وجدع وقوي. الخوف عمل له سور ومنعه يخرج، بس هو قوته كبيرة محتاج إشارة منك عشان يهدم السور ده وهيخرج. وأنا واثق إنك هتقدر تعمل كده. ابتسم "حسن" بهدوء، فكلام "باهر" جعله يشعر ببعض الحماس فيما هو قادم عليه.
"باهر": كده تمام يا حسن، خلصنا النهارده وهنتقابل الأسبوع الجاي ومش محتاج أقولك إن أي وقت هتحس إنك عايز تتكلم تيجي، وبلاش تراكم حاجة جواك. والعلاج يا ريت نوقفه شوية تمام يا حسن. أومأ له حسن وذهب للخارج، وهو يعزم أمره على فعل شيء ما. وباليوم التالي في الجامعة. "هادي": لا لا. دي بحاول أكلمها بتهزأني، عايزني أعمل اللي بتقولوا عليه ده. "ليلي": في إيه يا ولا، متنشف كده ومتخافش، إحنا معاك.
"هادي": أنا مش خايف يا ليلي، هخاف من حتة بنت طولها ما يتعداش المية وخمسين سنتي. "مريم": طبعاً ده هادي اللي شاقط بنات الجامعة كلهم، هيخيب قدام بنت؟ مش معقول. "ليلي": طيب ينفذ بقى اللي قولناله عليه. "هادي": لا يعني لا. مش على آخر الزمن هادي الخولي ياخد نصايح منكم أنتوا. "ليلي": شيخ اتنيل. أنت عارف توقع حتة بت عيلة عشان تتأنعر كده. "مريم": يعني يتنعر؟ "هادي": عجبك كده، بطلي تقولي كلامك ده قدامها.
"مريم": بس يا هادي، ليلي يعني إيه الكلمة دي؟ يتنعر. "ليلي": اسكتي عشان مخليكي تنعري كويس. انضم لهم "محمود" و"حسن" الذين جاءوا للتو، وجلس الاثنين بجانب "ليلي". "حسن": ليلي عايزك معايا في حاجة مهمة. "ليلي": خير، إيه هي؟ "هادي": أنا أقولك. حسن عايز يشتغل رسام لوحات وكده يعني. "ليلي": بجد؟ دي حاجة حلوة أوي يا حسن. "مريم": أنا أول واحدة هطلب منك ترسميني. "محمود": ثواني بس، أنت متأكد يا حسن؟
"حسن": أكيد طبعاً متأكد، وإلا مكنتش طلبت الشقة بتاعة مامت هادي الله يرحمها عشان أبدأ فيها شغل، ولا كنت جيت دلوقتي أعرض على ليلي تشتغل معايا. "مريم": إيه ده بقى؟ واشمعنى ليلي؟ "حسن": عشان ليلي من فترة كانت بتدور على شغل، ومفيش حد أثق فيه يشتغل معايا وأنا ببدأ كده غيرها. "ليلي": أهم حاجة يا حسن إن الموضوع ده ميسببش ليك مشاكل مع أونكل سعيد، لأن كلنا عارفين إنه هو عايزك تمسك شغله بعد ما تتخرج.
"محمود": أنا عشان كده سألتك من شوية أنت متأكد ولا لا. "حسن": وهو يعرف حاجة، بس دي حاجة أنا بحبها فهعملها ولما يعرف عدلها ربنا. "هادي": وإحنا معاك وفضهرك، المهم تنجح. "مريم": طبعاً معاه، ده غصب عنه كمان. "حسن": ربنا يخليكم ليا، مش عارف من غير وجودكم في حياتي كان هيحصلي إيه أو كنت هبقى إزاي. "ليلي": إحنا من حسن حظنا إننا عرفنا بعض. ربنا أخد مننا كتير بس كرمنا بوجودنا سوا بيهون أكتر. "مريم": طيب بس بقى عشان متقلبش نكد.
"ليلي": يلا بقى يا هادي عشان ننفذ الخطة. "هادي": ربنا بقى، قولت لا يا ليلي، أنا مش ناقص تهزيء. "محمود": خطة إيه؟ وإيه الحكاية؟ "مريم": ليلي عايزة تخلي هادي يروح يكلم لونار وهو خايف. "هادي": الله يخيبك، بطلي تقولي كلامك ده قدامها. بعد قليل من الوقت كانو جميعهم يقفون أمام المدرج الذي توجد به "لونار". "هادي": ده مدرج سنة أولى وهي هنا عندها محاضرة هتبدأ كمان عشر دقايق وبعدها عندها محاضرة برضو تانية.
"محمود": أراهن بعمري كله إن كان يعرف محاضراته إمتى. "هادي": مبقاش أنت كمان يا محمود. "حسن": بص، أنت ادخل وإحنا قبل ما الدكتور يجي نكلمك تخرج. "ليلي": لا، إحنا هنمشي خالص وهو هيكلمها. عرف يظبط الدنيا يخرج، معرفش يفضل قاعد معاها للآخر. "هادي": أقعد فين؟ هو أنا بحضر محاضرات ليا عشان أحضر لسنة أولى. "ليلي": تدخل ولا أ... "هادي": داخل يا ليلي، ومنك لله على التهزيء اللي هاخده.
"محمود": متنشفش كده يا هادي، وافتكر انجازاتك السابقة. ده أنت موقف بنات الجامعة كلها على رجل. "هادي": الا دي يا محمود، دي شغلت البال والقلب ومرمطتهم ومرمطت أخوك معاها. "حسن": أنا هدخل للبنت دي أعمل لها تعظيم سلام على اللي عملته في الواد الصايع ده. "ليلي": بطلو رغي وأنت يا زفت، ادخل.
تنهد "هادي" بقوة، ثم دلف للداخل بحثاً عنها بعينيه حتى وجدها تجلس بالمقاعد الأمامية تنظر لكتابها الدراسي غير عابئة بمن حولها من طلاب تتحدث وتتحرك هنا وهناك. ابتسم باتساع وتقدم منها وجلس بذلك المكان الفارغ بجوارها بعد أن وضع حقيبتها أمامه. "لونار": في حد قاعد هنا بعد إذنك. ابتسم باعجاب شديد وهو يراها تبتعد قليلاً للجهة الأخرى واضعة الحقيبة بينهم مجدداً وأجابته دون أن تنظر له أو تعرف هويته: لما تيجي هقوم.
رفعت رأسها تنظر له بغضب من تواجده، فحين ابتسم هو باتساع ما إن نظر لعيناها عن قرب هكذا. "لونار": أنت بتعمل إيه هنا؟ اتفضل قوم. "هادي": طيب ممكن تهدي، أنا مش جاي أعمل حاجة وهمشي والله. قاطعته بحدة: طيب اتفضل امشي. نظر لها بغضب قائلاً: قولت لك أهدي. وبعدين أنا جاي أحضر المحاضرة بتاعتي، أنتِ بتعملي إيه هنا؟ نظرت حولها بقلق ثم أردفت بهدوء: ده مدرج سنة أولى، أنت بتعمل إيه هنا؟
"هادي": أي ده، أنتِ عارفة بقى إن أنا مش في سنة أولى يعني مهتمة أهو. "لونار": لا مهتمة ولا غيره، سمعت حضرتك سبقاك وياريت تتفضل من هنا وتبعد عني. "هادي": والله معرف، وعايز منك طلب واحد بس وبعدها اللي عايزاه أعمليه. "لونار": أنا مش عايزة غير إنك تسيبني في حالي أرجوك، أنا مش زي البنات اللي أنت تعرفها و...
قاطعه بجدية قائلاً: من قبل ما تتكلمي، أنا عارف كل ده، وده اللي مخليني لحد دلوقتي مش عارف أفكر في حاجة غيرك. وبعدين هنفذ لك طلبك وهبعد عنك خالص بس تقبلي نتقابل بعد ما تخلصي محاضرات نشرب حاجة وتسمعيني واللي تؤمري بيه هنفذه. ممكن توافقي بقى؟ "لونار": لا، مش ممكن لأني مش بقعد مع حد معرفوش. ولو قعدت معاك لوحدي غلط زي كلامنا دلوقتي غلط. "هادي": يستي مش هنكون لوحدنا، هجيب صحابي البنات يقعدوا معانا. "لونار": أفندم؟
"هادي": لا مش قصدي اللي فهمتيه، أنا بقصد مريم وليلي دول أصدقاء طفولتي وأخواتي، وأوعدك هما عشر دقايق بس. صمتت وهي تنظر حولها بضيق، فدلف في ذلك الوقت الدكتور الخاص بالمادة، فصمت الجميع وأخذوا مجالسهم بهدوء. "هادي": أنا بقالي سنتين مدخلتش محاضرات وبسببك هحضر مع دفعة أصغر مني. حاولت كتم ابتسامتها ولكنها نمت بهدوء على وجهها. "هادي": ضحكتي دلوقتي وأنا بتمرمط عشانك. صدح صوت الدكتور قائلاً بجمود: هادي، أنت بتعمل إيه هنا؟
"هادي": بحضر المحاضرة يا دكتور فؤاد. "فؤاد": طيب مش واجب تحضر مع دفعتك الأول وبعدين تحضر مع سنة أولى؟ نهض "هادي" واقفاً تحت مراقبة الجميع له واردف بابتسامة واسعة: "هادي": طبعاً أنا لو قولت لحضرتك إني داخل هنا غلط مش هتصدقني. ضحك الدكتور بهدوء وأجابه: بالظبط كده. وبعدين متقلقش، كلها سنة كمان غير دي والدفعة كلها هتجيلك. أنت بالاهمال بتاعك ده مشرف معانا كتير. جلس "هادي" مجدداً واردف بمرح جعل الجميع يضحك:
"هادي": إذا كان كده بقى خليني منوركم وأهو نروح سوا. "الدكتور": اطلع بره يا هادي، ويا ريت تحضر وتنجح عشان سيادة المستشار ميزعلش أكتر من كده. أومأ له "هادي" بابتسامة صفراء، ثم مال قليلاً على "لونار" دون أن يلاحظ أحد. قائلاً بصوت هامس: هستناكي بره.
توترت هي بقوة من نظرات الجميع المصوبة لهم وخصوصاً الفتيات، وأيضاً من قربه الذي جعل وجنتيها تتورد بتوتر وخجل. تابعته بعينيها وهو يذهب للخارج، ثم ابتسمت بهدوء على تلك التصرفات ولكن سريعاً ما نهرت نفسها بقوة من التفكير به وأخذت تنصت لدروسها. بمنزل البحيري. نعرف الأبطال أولاً: "فضل البحيري": رجل أعمال مرموق بمجال العقارات، يمتلك من العمر ستون عام، طيب وحنون للغاية ولكنه صارم وحاد بقراراته.
"شاديه البحيري": زوجة فضل، كانت شقيقة زوجته السابقة، ولكن زوجته توفت وهي تنجب ابنتها الصغرى وكانت شادية مطلقة ومعها ابنها الكبير حازم وابنتها الصغرى يارا، تزوجت من فضل البحيري وأنجبت منه أصغر شخص بأبناء البحيري وهو مالك. "حازم البحيري": ابن شادية من زوجها الأول، شاب جاد وصارم ذو طابع هادئ، يمتلك من العمر 32 عام، تخرج من كلية الشرطة ويعمل رئيس مباحث ومعروف بكفاءته بعمله.
"طارق البحيري": الابن الأكبر لفضل، يعمل أيضاً بالشرطة ولكنه مساعد لحازم لأنه أصغر منه عمراً، فهو يمتلك من العمر 29 عام، تزوج صغيراً بناءً على رغبة والدته وأنجب ابنته الصغرى وانفصل عن زوجته. "ساره البحيري": شقيقة طارق، خريجة كلية الألسن تبلغ من العمر 26 عام، توفت والدتها وهي تنجبها وتربت بين يدي خالتها شادية التي تزوجها والدها.
"مالك البحيري": الابن الأصغر لعائلة البحيري وحلقة الربط بين أبناء شادية وأبناء فضل، يمتلك من العمر 24 عام، يدرس بآخر كلية الهندسة بإحدى الجامعات الخاصة وأيضاً يعمل مع والده بشركاته ويشهد الجميع له بالمستقبل الباهر. "يارا البحيري": شقيقة حازم، تمتلك من العمر 27 عام، تقيم مع والدها بأمريكا وتقوم بتطوير دراستها هناك. "طارق": شوشو، تيا راحت الحضانة إزاي؟
"شاديه": متقلقش يا حبيبي، أنا جيت خدتها من جنبك الصبح وجهزتها وراحت الحضانة. "طارق": تعبينك معانا يا شوشو. "شاديه": وإنا لما أهتم بحفيدة الأولى أبقى تعبانة؟ بطل كلام سخيف على الصبح. "مالك": ماما، هي سارة جت إمتى بالليل؟ نظر له الجميع باهتمام، فاجابته "شاديه" بقلق: رجعت على الساعة عشرة يا حبيبي، خير؟
"مالك": سوري يا ماما بس دي مش الحقيقة، سارة جت امبارح متأخر، لأن الهانم كانت لايف على الإنستا وهي بره الساعة اتنين بالليل. "حازم": الكلام ده بجد يا ماما؟ "شاديه": أنا كلمتها وزعقت لها وهي قالت مش هتتأخر تاني و... "مالك": ماما، هي اتأخرت ساعة ولا شوية صغيرين دي راجعة البيت وش الفجر، الجيران لما يشوفوها راجعة كده بالليل يقولوا عليها إيه. "طارق": ورحمة أمي ما هسيبها النهارده غير لما تتربى.
ذهب الجميع خلفه ما عدا "حازم" الذي كان ينظر أمامه بشرود وغضب شديد. دلف إلى غرفة شقيقته ليجدها نائمة بهدوء شديد، أشعل ضوء الغرفة وذهب لها، جذبها بقوة من ذراعها لتستيقظ هي بفزع. "طارق": كام مرة أقولك تأخير بره البيت ممنوع، ردي؟ "ساره": دي طريقة دي تصحيني بيها؟ "طارق": متعصبنيش عشان مدفنكيش هنا، قولت ولا مقولتش مفيش تأخير؟ "شاديه": عشان خاطري يا طارق سيبها، وهي مش هتعمل كده تاني.
"مالك": خلاص يا طارق لما يرجع بابا من أمريكا نقوله وهو يتصرف معاها. "طارق": دي لو متربية أصلاً وبتعمل حساب لأبوها أو لينا مكنتش عملت كده. "ساره": ملكش دعوة، وبعدين أنا كنت مع نادين وسلمى وأصحابي مكنتش مع حد غريب. جذبها "طارق" من خصلاتها بقوة: وكمان بتردي؟ أعمل فيكي إيه؟ "ساره": الحقوني ي شادية ومالك، انتوا واقفين تتفرجوا عليه، حد يبعده عني. اقترب منه "مالك" وبصعوبة خلصها من قبضته، لتركض هي بعيداً بخوف شديد.
"طارق": أوعي يا مالك، دي محدش مالي عينها. "ساره": ملكش دعوة وأنا مش صغيرة عشان أسمع كلامك وأمشي على مزاجك. دفع "طارق" "مالك" بعيداً وركض لها بغضب قائلاً: والله لربيكي يا بت ال... "مالك": اجري يا سارة، هيموتك. ركضت "سارة" للأسفل بقوة وخوف، وجدت "حازم" يجلس على طاولة الإفطار ويتناول طعامه بهدوء، فذهبت له. قائلة بخوف ورجاء: حازم الحقني، طارق هيموتني، قوله يسيبني. "حازم": اسمع كلامك لي دلوقتي أنا، وأنتِ ولا مرة سمعتيني.
"ساره": أقسم بالله مشوفت في حياتي إنسان استغلالي زيك. لاحظت مجيء "طارق" وعلامات الشر تتطاير حوله، فركضت واختبأت بجوار "حازم" من الجهة الأخرى. قائلة بخوف شديد: اعمل لك كل اللي عايزه وهسمع كلامك بس متخليهوش يضربني، إيده تقيلة والله. ابتسم بانتصار وتسلي من تقربها منه وتمسكها به بهذا الشكل، هبط "طارق" للأسفل وكاد أن يصل لها ليكمل وصلة تعنيفه لها، ولكن وقف "حازم" أمامه. قائلاً بجمود: خلاص يا طارق أنا هحل الموضوع.
"طارق": بلاش الحنية دي يا حازم وسيبني أربيها. "ساره": أنا متربية وزي الفل، كفي نفسك أنت. "طارق": شايف اللسان اللي عايز قطعه. "حازم": خلاص يا طارق قولت، وأنتِ يا سارة اسكتي. وأنت يلا على الشغل قدامي، عندنا قضية مهمة. وأنا هتكلم مع سارة كلمتين وأجي وراك. "طارق": هعديها عشان حازم، بس ورحمة أمي وأمك يا سارة دي آخر مرة. أنا جيبت آخري منك ومن تصرفاتك. "مالك": وأنا كمان لاخر مرة هداري عليكي ومش هقول لبابا.
"شاديه": فضحتونا قدام الخدم وارتحتوا. اتفضلوا بقى، اللي هيكمل فطاره يكمل واللي هيمشي يتفضل، نكدتوا عليا اليوم من أوله. "مالك": أنا ماشي رايح الشغل. "طارق": خدني في طريقك، العربية بتاعتي في التوكيل. ذهب الاثنين للخارج، فحين بقيت "سارة" و"حازم" بمفردهم، كادت أن تصعد للأعلى ولكن جذبها بهدوء من يدها لتستدير له وقد عادت لجمودها معه مجدداً. "حازم": أمم، المصلحة خلصت ورجعنا للوش الخشب.
"ساره": لا طبعاً، شكراً إنك دافعت عني، ما أنت أخويا برضه و... "حازم": مش أخوكي، أنتِ أخواتك طارق ومالك. أنا ابن خالتك وخطيبك يا هانم. تنهدت بضيق قائلة: آه الخطوبة اللي مغصوبة عليها. مسح على وجهه بغضب قائلاً: مش موضوعنا دلوقتي، المهم تأخير بره البيت تاني مش هيحصل. "ساره": ولو حصل؟ "حازم": من غير محلف ولا أهدد، لو اللي حصل اتكرر تاني هكون كاتب كتابي عليكي يا سارة ووقتها محدش هيربيكي غيري. أحمر وجهها بغضب وكادت أن تجيبه
فصاح بنبرة عالية وغضب: خلص الكلام، واعقلي عشان أنا مش هسيبك لغيري ولا هسيبك تتصرفي على مزاجك تمام. تابع وهو يجذب يدها بقوة: وابقي البسي الدبلة.
ألقى كلماته عليها وذهب من أمامها للخارج متجهاً لعمله، فحين ذهبت هي لغرفتها وهي غاضبة بقوة. تعلم بأنه يريدها وبقوة، بل أقنع الجميع بأن يتزوجها ورغم رفضها ألح عليها والدها أن توافق بالخطوبة وإعطاء هذه العلاقة فرصة، ولكنها لا تعلم بأن هذه الخطوبة رابط لا تستطيع فكه ولا تمتلك سوى التأجيل لعل وعسى أن تتخلص من هذا الأمر. عودة للجامعة.
كانت تجلس بتلك الكافتيريا الخاصة بجامعتها وتنظر حولها بقلق تتمنى أن لا يأتي أو يحدث شيء يمنع هذا اللقاء، ولكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. جاء "هادي" وجلس أمامها ومعه "ليلي" و"مريم". "هادي": سوري اتأخرت عليكي بس كل واحدة فيهم كانت في مكان فجمعتهم وجيت. تابع "هادي" حديثه وهو يشير لـ"لونار": أعرفكم لونار، أجمل وأرق بنت شوفتها في حياتي.
تورّدت وجنتيها بخجل ونظرت للأسفل بتوتر شديد، تحت نظراته العالقة بها وضحكات "مريم" و"ليلي" المكتومة. لكمته "ليلي" في ذراعه فتنحنح بتوتر قائلاً وهو يشير لهم: ودي بقى مريم صديقتي من الحضانة ودي ليلي اتعرفت عليها في ابتدائي، دول بقى أخواتي وفي محمود وحسن إن شاء الله قريب أعرفك بيهم. "لونار": أهلاً وسهلاً، اتشرفت بمعرفتكم. بادلتها "مريم"
الابتسامة وردت عليها: الشرف لينا، بجد أنا مبسوطة إني اتعرفت عليكي، سمعت عنك كتير من هادي، دايماً بيتكلم عليكي بحاجات حلوة بس الحقيقة طلعتي أحلى بكتير كمان من كلامه. أخذت أنفاسها تتسارع بقوة من هذا الموقف المربك لها، وبدأت تفرك يديها بتوتر ووجنتيها تصبغّان بحمرة الخجل. ابتسم هو باتساع وهو لا يشيح نظره عنها، تلك التصرفات التي لم يشهدها من قبل جعلته متيم بالنظر لها. قطع شروده الجميل بها "ليلي" وقولها المرح.
"ليلي": الله، أنا أول مرة أشوف حد متربي. ضحكت "مريم" بقوة وأيضاً "لونار" التي ابتسمت باتساع، فحين رمق "هادي" "ليلي" بغضب محذراً إياها بيده أن تصمت. "هادي": أولاً آسف على طريقتي معاكي من شوية بس أنتِ تعبتيني بجد عشان نوصل لهنا. تنحنحت بهدوء قائلة: حصل خير، ياريت بقى حضرتك تقول عايز مني إيه عشان نخلص وياريت بعدها تبطل تظهر قدامي في كل مكان وتسيبني في حالي. أومأ لها بهدوء، ولكم "مريم" بقدمه في قدمها، ففهمت مقصده.
واردفت بقلق مصطنع: أي ده يا ليلي، ماما بترن عليا. "ليلي": ومن إمتى أمك بتكلمك؟ لتكون رايحة تموت. "مريم": بعد الشر يا جزمة، وبعدين يا بنتي ماما بتكلمني عشان عايزاكي تديلها مساحة. أشاحت "ليلي" بنظرها من على "لونار" وهي تنظر لـ"مريم" بعدم فهم، ولكن فهمت من نظرات الأخرى و"هادي" ما يريدونه. فأردفت وهي تتصنع التذكر: آه افتكرت، طنط فريدة عايزاني عشان المساحة بتاعة الـ الـ... الـ إيه؟
"هادي": مساحة البيت بتاعكم اللي هتعمل فيها حفلة وكده. "مريم": يلا يا ليلي عشان نكلمها، سوري يا لونار نتقابل مرة تانية. "لونار": هو إيه اللي حصل ده؟ "هادي": لا دول مجانين، سيبك منهم. ممكن بقى أتكلم أنا، قصدى أمشيهم عشان أكلمك براحتي. تنهدت بضيق وهي تنظر حولها قائلة بخوف: ممكن طيب بسرعة عشان والله اللي بيحصل ده غلط جداً. "هادي": بصراحة كده، أنا معجب بيكي وعايز نرتبط.
توقع خجلها أو أنها ستغضب أو تنهض وتذهب من أمامه، ولكنها صدمته عندما لا تتبدل ملامحها وكأنها استمعت لشيء عادي، بل ونظراتها هادئة غير متأثرة، على عكس الأخريات التي من أقل كلمة منه كانت تظهر السعادة عليهم. ردت عليه بهدوء قائلة: تمام، بس ممكن تفهميني نرتبط إزاي؟ "هادي": عادي يا لونار نرتبط زي أي اتنين بيتعرفوا. "لونار": يعني هتيجي وتكلم بابا ونتعرف ولا حاجة تاني؟
صراحتها وأسئلتها المباشرة جعلته في وضع لاول مرة يوضع به، وتوتر أكثر وهو خائفاً من ردوده. ولكنها أجابته بثبات جاهد ليظهر عليه قائلاً: بصراحة أنا مكنتش ناوي دلوقتي أخد الخطوة دي، بس لما نتعرف الأول ونعرف بعض كويس، أكيد هكلم باباك و... "لونار": أنا آسفة، أنا مش كده ولا الارتباط بالشكل ده من مبادئي ولا أخلاقي. "هادي": هو أنا بقولك نعمل حاجة حرام؟ أنا بطلب منك نتصاحب ونعرف بعض كـ صحاب يستي مش أكتر.
"لونار": وأنا جاوبت حضرتك وقولت لك إني مش مستعدة أدخل في علاقة بالشكل ده، لأن الشيخ أحمد والدي والست منال والدتي علّموني وربوني على إن الارتباط ده بيكون قدامهم، بيكون من واحد بيدخل البيت من بابه في النور زي ربنا قال في كتابه "لا تأتوا البيوت إلا من أبوابها"، وإن اللي بيحصل بعيد عن كده فهو غلط. ربوني على إني أصون كرامتهم في غيابهم قبل وجودهم. أنا لو وافقت على طلبك دلوقتي أبقى مستاهلش إني أخرج من البيت ثانية واحدة،
لأني لو وافقت هأتر أخبي عنهم اللي هيحصل بينا وبكده هكذب وهخون الثقة اللي أنا ماشية وخارجة من بيتنا بيها. وهما بصراحة يا أستاذ هادي ميستاهلوش مني كده، ميستاهلوش من بنتهم الوحيدة اللي اتعذبوا وتعبوا عشان يجيبوها إنها تزعلهم أو تكون سبب حزنهم. أتمنى بعد كده مشوفش التصرفات اللي كنت بشوفها من حضرتك تاني، بعد إذنك.
ألقت كلماتها عليه وتركته وذهبت بهدوء شديد، فحين كان هو ينظر لأثرها بشرود. كلماتها، نبرتها الواثقة، لمعت عيناها أثناء ذكر والديها، حركة يدها الهادئة، وأهم من ذلك تلك الكلمات التي أصابت قلبه قبل أذنيه جعلته يبتسم تلقائياً وقلبه يطرق بقوة لأول مرة من أجل فتاة، ولكنها ليس بأي فتاة. "ليلي": أي سبع ولا ضبع؟ "هادي": ملااااااك يا ليلي، ملااااااك. "مريم": يعني إيه مش فاهمة، وافقت إنكم ترتبطوا؟
"هادي": موفقتش وأنا غلطان إني طلبت منها الطلب ده. هي أغلى من كده بكتير. "ليلي": أحيه، الواد اتهطل. "مريم": وهو ماله عامل كده لي؟ "ليلي": فكي الحجارة وعضضيها، طيب يمكن يشتغل. "هادي": وهو في كده، مش معقول. ملااااااك حرفياً. "مريم": وهو حصل إيه، أنا أول مرة أشوف هادي كده؟ "ليلي": المهم أنا همشي عشان معادي مع طارق قرب، لو هنتقابل النهارده قولي لي. "مريم": براحتك يا ليلي، ولا أقولك يا مريم. "ليلي": خلاص بقى يا مريم، باي.
على الجانب الآخر من الجامعة، كانت تجلس "غادة" مع أصدقائها، تلك الفتاة التي كانت صديقة "هادي" سابقاً، فأتت لها فتاة ما وهي ترمقها بشماتة وجلست بجوارهم. قائلة: أخبارك إيه يا غادة؟ "غادة": كويسة يا روحي. ردت عليها الفتاة بخبث قائلة: آه، مكنتش أتوقع كده خالص بصراحة من اللي بسمعه وخصوصاً بعد اللي شوفته النهارده. اعتدلت "غادة" في جلستها قائلة بضيق: سمعتي إيه وشوفتي إيه؟ اتكلمي من غير لف ودوران.
الفتاة بهدوء شديد: يعني سمعنا كلام كده إنك أنتِ وهادي الخولي انفصلتو، وإنه مش راضي يرجعلك. كتمت "غادة" غيظها وأجابتها بثقة وثبات: أبدعت في إتقانها يا روحي ده كلام، هما أي اتنين بيحبوا بعض يتخانقوا شوية يبقى انفصلوا، دي ناس بتحقد علينا وبتطلع الكلام ده مش أكتر. ابتسمت الفتاة بسخرية قائلة: بجد؟
سوري مكنتش أعرف يعني، كمان لما شفته النهارده قاعد مع واحدة في الكافتيريا من شوية كده فكرته ارتبط بيها لأنه بقاله فترة بيقف مع البنت دي في الجامعة. احتدمت ملامح "غادة" بغيظ قائلة: عادي تلاقيها واحدة عادية. الفتاة بخبث: آه معكِ حق، هي أصلاً البنت عادية وبلدي أوي. أنا صورتهالك على الفون قولت يمكن تعرفيها البنت دي وتقوليلنا هي مين.
أخرجت هاتفها ووضعته أمام أنظار الجميع الذين كانوا يحولون أعينهم بين هاتف تلك الفتاة و"غادة"، ومنهم من ينظر لها بشماتة وأخريات بشفقة. أضاف أحد الشباب الذي كان يجلس معهما: إيه ده ذوقه انحدر أوي هادي، بقي بعد ما كان مرتبط بغادة دلوقتي يمشي مع البتاعة دي. ردت عليه إحداهما: البنت دي أعرفها، بسمع عنها في جروب الدفعة إنها متفوقة ودحيحة كده.
غادة بغضب شديد وعيون تطق شراراً: هي اللي جابته لنفسها، ست الدحيحة تستحمل بقى إنها بصت لحاجة مش بتاعتها. فماذا ستفعل غادة، وهل الذي ستفعله سيكون سبب في القرب بين هادي ولونار أم سبب ابتعاد للأبد؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!