الفصل 10 | من 30 فصل

رواية حسن و ندى الفصل العاشر 10 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
118
كلمة
4,716
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 33%
حجم الخط: 18

جلست وحيدة داخل غرفتها بعد أن تركته جالساً مع أخيه وكرم، واللذان يحادثانه في شيء هام يخص العمل. شردت في كل ما حدث معها منذ أن كتبت على اسمه. تبتسم مرة، وتقطب جبينها مرة، وتتنهد بألف مرة. زفرت بحنق وقالت: "جالك إيه يا ندى؟ مانتي عارفة إن طريقك طويل ومليان مطبات. إيه هتتعبي من أول خطوة كده؟ قدرك إنك عشقتي واحد عنيد وممكن يضحي بنفسه وسعادته عشان غيره، يبقى استحملي بقى لحد ما تقدري تفتحي قلبه." نظرت لنفسها بتحدي بعد

أن وقفت أمام المرآة وقالت: "أنا ماكنتش أحلم أبقى مراتك حتى لو على الورق، ولا إن يتقفل علينا باب واحد في يوم من الأيام. بس أدام ده حصل، يبقى إنت نصيبي الحلوة من الدنيا. ولو هحارب الكون كله وأنت أولهم، لازم أوصل لقلبك. أدام ربنا من غير ترتيب مني وصلني لبيتك." ابتسمت بحب وقامت بفتح خزانتها ووقفت تنتقي منها شيئاً مثيراً باحتشام. كيف ذلك لا نعلم، ولكن مع تلك العنيدة يجب أن نتوقع منها كل شيء ونقيضه.

ارتدت قميصاً قطنياً قصيراً ملتصقاً على جسدها الفتان ذو حمالات رفيعة، وتركت سلاسلها الذهبية حرة خلف ظهرها الظاهر نصفه، واتجهت إلى المطبخ لكي تصنع له كيك البرتقال الذي يعشقه. ستحضره بمقادير العشق القابع داخلها.

اندامجت فيما تفعله، ولم تشعر بمن يراقبها بصدمة. فبعد أن ذهب ضيوفه، كاد أن يدلف لغرفتها، ولكن سمع صوتها وهي تغني مقطوعة لأم كلثوم. فاتجه نحو المطبخ، وحينما رآها بكل تلك الفتنة وصوتها العذب، زاد المشهد ابهاراً. وجد حاله يقف فقط يتطلع لها بمشاعر جديدة عليه، ولاول مرة تطأ قدمه ساحة الحب. فوجد حاله تائهاً غريباً فيها. "هل ستأخذي بيدي أيتها الصغيرة، أم ستتركيني أتخبط بين طرقاتها وحدي؟

تحرك إليها دون أن يفكر مرتين، ثم قام بضمها من الخلف. وحينما انتفضت من المفاجأة، مال عليها هامساً في أذنها بصوت شجي. "عيني عيني على العاشقين... حيارى مظلومين... على الحب مش قادرين... هكذا أكمل باقي المقطع الذي كانت تتغنى به بصوت شجي يجعلك تذوب من جماله. لفت رأسها له وقالت بذهول: "انت صوتك حلو قوي يا حسن. عمري ما تخيلت إنه يبقى بالجمال ده، أو إنك أصلاً ممكن تغني في يوم." ابتسم بهدوء وداعب أنفها بأنفه وهو يقول:

"دي حاجة محدش يعرفها عني غير بيبو. من زمان وأنا بحب الغنى، واممم يعني كنت ساعات بدندن مع نفسي أنا وبيبوه لما كنا نسهر. واحنا شباب." قال كلمته الأخيرة بهم لكي يذكرها ويذكر حاله بفارق السن بينهما، وهي أكثر من يفهم عليه. فمدت يدها تلامس وجنته وقالت بعشق يلمع داخل عينيها: "بس انت لسه شباب يا حسن. اللي قدك أصلاً لسه بيفكر يتجوز. بس انت اللي أبوك الله يرحمه كان مستعجل عشان يفرح بيك."

نظر لها بطريقة لم تفهمها، ولكن ما لمحته داخل عينيه هو الحيرة. لفت جسدها المحاط بذراعيه حتى تصبح مواجهة له، وقالت: "مالك يا حسن؟ إيه اللي محيرك؟ احكيلي. مش كنا ديماً صحاب وبتقولي على اللي جواك؟ ابتسم بحنين وقال: "وكنت بعد ما أطلع كل اللي جوايا، أبص لك بقرف وأقول مش عارف إيه اللي هبلني عشان أففضف لعيلة." ردت له الابتسامة بأجمل ما يكون وقالت: "عشان كنت متأكد إن العيلة دي عمرها ما هتطلع كلمة لحد. اللي بتقولها؟

وساعات كنت بقولك رأي تنكره؟ هز رأسه يميناً ويساراً وقال: "لا مش هنكر. وطالما إحنا صحاب من زمان برغم فرق السن، هسألك سؤال وأتمنى إنك تجاوبيني بصراحة وما تكدبيش عليا ولا تحوري." "وأنا عمري ما كذبت عليك يا حسن. اسأل وأنا أقسم لك إني هقول الصدق." رفع رأسه لأعلى ليخرج نفساً كان مكتوماً بداخله، ثم أخفضه مرة أخرى، ونظر لها بعمق، ثم قربها أكثر حتى التصقت به وقال: "عايزة توصلي لإيه يا ندى؟

أنا مش تلميذ وبشوف جوه عينيكي حاجات أنا مش حابب أصدقها، وكلامك اللي بيحمل معنيين. بس إنتي تقصدي كل حرف بتنطقيه. قوليهالي الصراحة مهما كانت وأنا هصدقك وهفهمك." صمت حل بالمكان، ولم تحيد عين أحدهم عن الأخرى، وكأن لغة العيون هي من تتحدث الآن، ولكل منهم حديثه الخاص ما بين العشق، والتوهة، والحيرة، والتصميم، والكثير من الرفض. حسمت أمرها، فالعشق لا يمكن مداراته أبداً. تنفست بعمق وقالت:

"هقولك يا حسن عشان أريح نفسي وأريحك، وعشان ما اتعودتش أكدب عليك. والأكتر إني حابة أقولك عشان تعبت." نظر لها باهتمام، فاكملت: "تعبت. تعالي نقعد بره عشان نتكلم براحتنا." جلس فوق الأريكة ظناً منه أنها ستجلس بجانبه، ولكن تفاجأ بها تجلس أمامه على ركبتيها. فقال: "ليه قاعدة؟ وضعت يدها فوق فمه حتى تسكته وقالت: "إنت سألتني وأنا هجاوبك، بس يا ريت ما تقاطعنيش."

هز رأسه علامة الموافقة. سحبت كفها من فوق فمه، ثم قامت بإمساك كفيه بخاصتها، وقالت بحروف تقطر عشقاً دون أن تضع أي حدود أو فوارق يحكمها الكبرياء بينهم: "أنا كدبت عليك يا حسن. إنت عمرك ما كنت ولا هتكون أخويا. أنا قاعدة كده وأنا بكلمك عشان أقولك." تحفزت جميع خلايا جسده لما هو قادم، ولكن صدم حينما أكملت:

"أنا بركع تحت رجلك وبقولك أنا بعشقك يا حسن. عمري ما شفت راجل غيرك ولا عايزة أشوف. كنت حلم مستحيل يتحقق، بس ربنا جمعنا من غير معاد. ياما اتمنيت إنك تحس بيا وتعرف قد إيه بحبك. بس إنت ماكنتش شايفني غير أختك الصغيرة. في كل مرة أسمعها منك كنت بتجرح، والجرح يكبر لما تيجي تقولي في واحد اتقدملي. فضلت أتجرح منك جرح ورا جرح لحد ما حسيت إن قلبي اتقطع مليون حتة." مسحت دموعها التي تهبط بهدوء لتؤازرها في هذا الموقف العصيب، وأكملت:

"بس كانت مجرد ضحكة منك، ولا حاجة حلوة تجبهالي، بطبطب على قلبي ويرجع عشقي ليك يداوي جراحي. أنا بقولهالكم من غير ما أحس إن بقلل من نفسي، بالعكس، أنا فخورة بحبي ليك وباللي هقوله حالا." أخذت نفساً عميقاً وقالت بحروف تقطر عشقاً يغلفه التمني:

"أنا بعشقك وبتمنى أكون جارية تحت رجليك يا حسن. بره الباب ده أكون الزوجة المحترمة اللي بميت راجل، وجوه البيت ده أكون مراتك وحبيبتك وعشيقتك اللي بتتمنالك الرضا ترضي. أنا مش بعرض نفسي عليك ولا بجبرك إنك تحبني، أنا بس قلتلك كل اللي جوايا عشان محتاجة إنك تدي لنفسك ولحياتنا مع بعض فرصة." حاوطت وجهه بكفيها وأكملت بوله:

"حبي ليك يكفينا إحنا الاتنين يا حسن. خلينا نجرب في الفترة اللي عايشينها مع بعض. اديني فرصة أعيشك مع ندى اللي بتحبك وبتنموت في التراب اللي بتمشي عليه. مش طمعانة في قلبك كله. كفاية بس إنك تبقى حابب تكمل معايا، وأنا وقتها هكون أسعد واحدة في الدنيا ومش عايزة حاجة منها تاني." صدمة... ذهول... قلب يخفق بشدة مع كل حرف خرج منها، وعينيها تؤكد على صدق حديثها.

لأول مرة حسن الباشا يجد حاله عاجزاً عن النطق بحرف أو التفكير في كلام يناسب ما قالته تلك العاشقة الصغيرة. وهي تنظر له بأمل يكبر بداخلها كلما رأت عينيه تناظرها بارتياح وتعجب. لا يهم، المهم أنها لا تجد بهم الرفض. قبل جبينها بتمهل وقال: "إنتي تاج على راسي يا ندى. عمرك ما تبقي جارية أبداً. إنتي ست البنات وألف مين يتمناك." ردت عليه بسرعة: "وأنا مش عايزة منهم غيرك يا حسن." نظرت له برجاء وأكملت: "ممكن تبقى في يوم منهم؟

من اللي بيتمنوني يا حسن." رفعها من فوق الأرض مجلساً إياها فوق ساقيه وضمها بحنان جديد عليه. وجد حاله يقبلها. عدت قبلات فوق رأسها، وشيء ما بداخله يطالبه بل يلح عليه بالموافقة على طلبها. لم لا، مجرد فرصة ولنرى ماذا سيحدث. هكذا أقنع حاله برغم أن وجيب قلبه يقول غير ذلك. أبعدها عن صدره لتنظر له، وقال بهدوء ينافي ثورته الداخلية والمعارك الطاحنة التي تدور بين عقله وقلبه: "فاكرة لما بوستك أول مرة وبعدها بوست دماغك؟ هزت رأسها،

فاكمل: "قلت لك دي بوسة تقدير واحترام ليه، عشان اتأكدت إن أول واحد لمسك يا ندي، خدت أول بوسة منك." نظرت له بحزن وقالت: "وإنت كنت شاكك فيا؟ رد بحسم: "ابداًااا، عمري ما أشُك في أخلاقك لحظة يا بت. أنا مربياكي على إيدي، بس كل الحكاية إن أي راجل بيفرح لما يحس إنه أول واحد لمس واحدة فاهمة." ابتسمت بعشق وقالت:

"إنت أخدت مني أول كل حاجة يا حسن. أول دقة قلب وآخرها كانت ليك. أول دمعة كانت بسببك. أول جرح كان منك. أول فرحة حقيقية عشتها لما اتكتبت على اسمك. وأول بوسة ومسكة إيد كانت من نصيبك يا... حبيبي." أغمض عينيه يستشعر حلاوة الكلمة، والتي أحدثت تصدعاً داخل جدران قلبه، ولكنه تحدث بتعقل:

"أنا مش عايز أظلمك معايا يا ندي. إنتي عارفة ظروفي، ده غير طبعي الذبالة مش هتستحمليني. كنا الأول بنتشاكل ونعند قصاد بعض، بس كنت أقول أختك الصغيرة وبتدلع عليكِ. إنما دلوقتي الوضع هيختلف. مش هقبل عنادك ده، غير المشاكل اللي هتعيشيها مع ضرايرك. إنتي تستاهلي حياة أحسن من كده."

"لو حياتي معاك ظلم ليا أنا راضية، ولو هعيش معاك في نار أنا راضية. ولو إنت مربيني على إيدك زي ما بتقول، هتبقى واثق إني هعرف أفرق كويس عن طريقتي معاك قبل كده وأسلوبي معاك بعد ما بقيت... مراتك. مرات حسن الباشا." هل للحديث مكان بينهم الآن؟

لا والله. كل خلية في جسده طالبت بها، ولم يجد رداً على حلاوة حديثها غير أن يهدي ذلك الثغر الذي يقطر شهداً. أجمل قبلة خرجت منه، لم يقبلها لأحد يوماً. وبالأساس لم يشعر بطعم التقبيل وحلاوته إلا من بعد أن ذاق ثغرها المغوي. أخذ يقبل ويقبل، وكانها آخر ما سيفعله في حياته. وبعد فترة فصلها وهو يلهث بعد أن وضع جبينه فوق خاصتها لبعض الوقت، ثم ابتعد وقال:

"هديكي وهدي نفسي فرصة يا ندي، وأنا كمان هفتح لك قلبي وهكلمك بصراحة، بس أتمنى ما تستغليش اللي هقوله بعد كده، تمام؟ "تمام." سحب نفساً عميقاً وقال: "أنا عمري ما حبيت. كنت بستغرب من بيبو لما كان بيحكيلي على حبه لأختك، لا واتريق عليه كمان. بس كان جوايا نفسي أجرب اللي بيحكيه وأعيشه. كنت أوقات بتخيل نفسي وأنا واقع في الحب هبقى عامل إزاي؟ هتوحشني؟ هغير عليها؟ هضربها لو ما سمعتش كلامي ولا هاخدها في حضني؟ ملس على وجنتها برقة

وأكمل وهو يتفرس ملامحها: "كنت بتخيل شكلها. بس لما ما ألاقيش ملامح واحدة عجبتني، كنت بتخيلها شبهك." ابتسم بحلاوة مع اتساع ابتسامتها وأكمل: "أصل إنتي كنتي أحلى بنت في الحارة، وأنا ما خرجتش كتير بره الحارة عشان أشوف بنات تانية. كنت حابب الشعور نفسه وكان نفسي أوي أجربه. لما كنت أسمع أغنية لأم كلثوم، بعيش مع كل كلمة بتقولها وأحس بيها." زفر بحزن وأكمل:

"بس مع قرار أبويا بجوازي من بنت عمي وأنا كنت لسه عندي 22 سنة، ضاعت كل الأحلام دي. وواحدة واحدة اتلهيت في شغلي والجواز اللي ما حسيتش بفرحته، ومشاكل الخلفه، وملحقتش أتأقلم على كل ده. أبويا مات، بعدها أمي جوزتني تاني عشان تشوفلي عيل يشيل اسمي. ودخلت في دوامة ضيعت آخر أمل ليا إن ممكن أعيش الحب." نظرت له باستغراب، فاكمل:

"أيوه يا ندي، الحب بيتعاش مش بيتحس بس. بتعيشي فيه كل حاجة وعكسها. ناره وجنته. حلاوته ومرارته. شوقك وغربتك وإنتي بعيد عن حبيبك. والأمان اللي بتحسي بيه جوه حضنه، لأنه ببساطة حضن حبيبك هو الوطن اللي بتشتاقيله لما بتبعدي عنه." تنفس بارتياح بعد أن أخرج ما في جعبته وقال:

"وطريقة حياتي إنتي عارفاها، ما فيهاش جديد أحكيه. عشان كلامك صحي فيه الأمل اللي ضاع مني من سنين. أنا مش هقول لك هناخد فرصة مع بعض، لا. أنا هحارب عشان الفرصة دي تنجح. يعني مش هتتعبي لوحدك معايا، خصوصاً... صمت للحظات يحاول أن ينتقي كلمات مناسبة يكمل بها حديثه، ولكنها لم تعطيه الفرصة ليفكر، فقالت بلهفة: "خصوصاً إيه يا حسن؟ قول عشان خاطري." ابتسم وقبلها بسطحية ثم أكمل:

"خصوصاً إني حاسس إن البت الصغيرة اللي كانت بتتشعلق في دراعي مكان ما بروح، ولما كبرت وبقت صاحبتي ومخزن أسراري... ملس على وجهها وهو يأكلها بعينيه وأكمل: واللّي بقالها فترة مجنناني بجمالها وحركاتها اللي كانت بتحاول توصلي بيها حبها ليا...

امممم، تقدري تقولي ليها حتة جوه قلبي محدش وصل ليها قبلها. يعني مش هتتعبي أوي معايا، وإنتي وشطارتك بقى يا ندوش. أنا ساعدتك وحطيت رجلك على أول السلم. يا ترى هتقدري تكملي ولا في نص الطريق هتقفي وتقولي تعبت؟ هل تشعرون بتلك الفرحة التي غزت روحها لدرجة أنها عجزت عن النطق؟ ولكن عيناها وبريق العشق اللامع بها يشي بالكثير. وما كان منها إلا أن تأخذ نفساً عميقاً وتقول: "هقدر...

هقدر يا حسن. ولو تعبت حبي ليك هيقويني. بس إنت مش هتسيب إيدي صح؟ أمسك كفها وطبع قبلة دافئة بداخله وقال: "عمري ما هسيبها غير لو إنتي طلبتي يا ندى." نظرت له برجاء مغلف بالعشق وقالت: "أوعى... أوعى تسيبها يا حسن. حتى لو في يوم اتجننت وطلبت منك تسيبني، مع إني واثقة عمرها ما هتحصل لو بموتي، بس لو ده حصل، وقتها اضربني، اكسرني... احضني وخبيني من غدر الدنيا، بس متسبنيش يا حسن."

تلك القبلة الممزوجة بحلاوة عشقها له ومحاربتها من أجله، وبداية حب قد نُثرت بذوره داخل أرض قلبه القاحلة. كانت حقاً أروع من أن توصف ببعض الكلمات. هنا وصمتت الحروف عن وصف ذلك اللحن الذي عزفه فوق ثغرها، وكأنه ينهل من عشقها ليروي عطش قلبه الذي يحلم بالحب منذ سنوات. ابتعد قليلاً وقال:

"اتفقنا. بس أنا مش هقرب منك غير وأنا واثق إنك حبيبتي اللي اتمنيت أكمل حياتي معاها، عشان ما أظلمكيش يا ندي. ممكن القسوة اللي اتعودت عليها تغلب قلبي اللي بيتمنى يحبك، أو إنتي ما تستحمليش طريقتي وظروفي وتتعبي. يبقى على الأقل أكون سبت لك حاجة بدل ما أنا أخدت... أول كل حاجة." احتضنته و... فقط. أراحت رأسها فوق صدره بأمان. بحب... بعشق احتل خلاياها... وأخيراً... بتمني وتصميم على كسب معركة عمرها.

بعد وقت ليس بالقليل، كسر الصمت وقال بمزاح حتى يلهي حاله عن حربها الداخلية: "الأنتِ كنتي بتعملي إيه جوه المطبخ؟ انتفضت من داخل حضنه وقالت: "يا لهوي! عجينة الكيكة نسيت أحطها في الفرن. منك لله يا حسن. نسيتني الدنيا." أمسكها من شعرها برفق وقال: "ياااا بت لسان أهلك اللي عايز أقطعه ده. أنا لسه قايلك إيه؟ ضحكت بصخب، ثم أهدته قبلة شقية فوق وجنته وقالت: "معلش، على ما أتعود نفسي ولساني معاك. متبقاش أفوش كده."

ضحك بفرحة لاول مرة يشعر بها داخل قلبه، ثم ترك شعرها وقال: "طب روحي شوفيها، ولو باظت اعملي غيرها، بس بالرّقان ماشيين." نظرت له بعشق وقالت: "أنا أصلاً عاملاها كده عشان عارفة إنك بتحبها وكنت بتيجي لامي مخصوص عشان تعملهالك، وأنا اتعلمتها عشان كان من ضمن أحلامي إن أعمهالك. في بيتنا."

أغمض عينيه برفق، وقامت هي بهدوء لتكمل ما كانت تفعله، ولتتركه يختلي بنفسه حتى يرتب تلك الفوضى التي أحدثتها بداخله. وما كان منه إلا أن يشعل سيجاره، ولأول مرة أيضاً يستمتع بتدخينها وهو يعيد كل ما حدث بينهم، وقلبه يخبره أنها هي... وهي فقط من ستحيي قلب الباشا.

انقضى اليوم بسلام، ولم يخلُ من مشاكساتهم معاً حتى أتى الليل، وأتى معه عذابه. فقد صدم حينما وجدها تندس داخل صدره متخذة منه وسادة. زفر بحنق رافضاً الوضع حتى لا يضعف مع تلك الفاتنة العاشقة له حتى النخاع، ولكن ذراعه الخائن تحالف معها والتف حولها دون إرادة منه. ضمها إليه بقوة، وكأنه أراد أن يخبئها داخل ضلوعه، ثم طبع قبلة حانية فوق رأسها و... فقط.

أغمض عينيه وراح في ثبات عميق، لاول مرة أيضاً ينام بدون أن يفكر بأي شيء، وبداخله راحة لم يشعر بها من قبل. وصغيرتنا الفاتنة نامت براحة بال وقلب فرح دون جراح. ولكن هل يستطيع النوم وتلك الهرة تفرك جسده وهي غارقة في النوم؟ وإذا حاول، هل الوحش الثائر بضراوة سيتركه ينام؟

لا والله، كل شيء تأمر ضده. لم يفكر مرتين بعدما تأملها برغبة، وجد نفسه يتقدم منها وينثر قبلات رقيقة حاول ألا يجعلها تشعر به، ويده بدأت تتحسس مفاتنها بتمهل. ولكن هل تلك الفتنة التي بين يديه ستجعله يتحكم في ذاته؟ استحالة. أراد أن يبتعد، أن يكتفي بما طاله منها، حتى أنه ذكر نفسه بوعده لها. فعل كل شيء يجبره على الابتعاد. ولكن رغبته بها كانت أقوى. "لا بأس حسن، بضع قبلات فقط. تمتع بجسدها الغض الطري بين أحضانك فقط."

لم تنهل منها الكثير. هكذا كان يخبره عقله، ولكن عجز تماماً عن إكمال تلك الاقتراحات البليدة حينما وجدها تلف ذراعها حول عنقه وتطبع قبلة جاهلة فوق ثغره وهي لا تزال مغمضة العينان. أي قديس يستطيع أن يتمالك حاله ولا يقع في تلك الخطيئة؟ حارب جيوش احتياجه لها وهو يعتصرها بين يديه، ولكن... هزم أمام سلاح عشقها. فانتقم منها على ضعفه والتهم ثغرها بقبلة جامحة، قاسية، شغوفة. قبلة مفادها: "مرحباً بك أيها العاشق الجديد في جنة ندى."

سرحت يده تحت قميصها القصير الذي ترتديه وهو يمتع حاله بنعومة بشرتها حتى فقد سيطرته على جسده حينما وجد فمه يترك ثغرها وينتقل إلى عنقها، والجميلة تئن بخجل وترفع رأسها لتعطيه المساحة التي يحتاجها ليلتهمها كما يحلو له. وما كان منه إلا أن يمتص جلدها بقوة ليطبع أولى علامات ملكيته عليها بعد أن استباحت يده العبث في نهديها. هل يمزق تلك الثياب التي تحجبهم عنه؟

نعم نعم، لا بأس، سأراهم فقط. سأطبع قبلة رقيقة فوقهم فقط. ولكن كل هذا ذهب هباءً حينما مزق ملابسها بهمجية، والتقم وردتيها بجوع طفل حرم من مقدمة أمه طوال اليوم. لم يعطها الفرصة لتمنعه، وهل تقوى على ذلك؟ لا يعرف ماذا أصابه حينما وجد حاله يمتصها بنهم، ولم يتمالك حاله حينما انتقمت أسنانه من جمال نهديها وقضمتهم حتى صرخت ندى بتاوه مؤلم.

وهنا فاق من حالة الجنون التي أصابته، ليس بسبب صراخها، بل بعد سماعه طرقاً شديداً فوق باب المنزل. رفع رأسه لينظر لها بزهول، ليس منها ولكن من حاله. "ما الذي كنت أفعله أيها الحقير؟ أهذا وعدك لها؟ وبينما تنطلق من عينيه موجات اعتذار، بادلته هي بنظرات عشق وفرحة لاقترابه منها. زاد طرق الباب مما جعله ينتفض من جانبها وهو يطلق سباباً بذيئاً وهو يتجه نحو الباب دون أن ينتبه لحالته المشعثة. وحينما اقترب منه، صرخ بغضب:

"اصبر يا خراااابيك ياللي بره، يلعن... قبل أن يكمل، وجد أمامه تلك الشمطاء والتي كانت تنظر لحالته بحقد وغِل بعدما فهمت ما كان يفعله، فقالت بغضب: "معلش يا عريس قطعت عليك، بس ابنك وقع وعمال يصرخ." جمع شتات حاله سريعاً وقال: "ابني مين يا ولية؟ ووقع إزاي؟ "جواد كان بيلعب مع أخوه ووقع على دراعه، قولت أقولك توديه المستشفى أحسن يكون دراعه اتكسر." انقبض قلبه بخوف على ولده وقال: "انزلي وأنا هغير وأجي وراكِ، يلاااا."

وأغلق الباب في وجهها. فوقفت تنظر مكانه بصدمة، ثم قالت بغضب مكتوم: "ماااااشي يا باشا، إن ما طلعت كل ده على جتتك إنت والصفرا اللي جوه دي، مبقاش أنا." أعقبت قولها بالهبوط سريعاً إلى الأسفل. أما هو، فدلف إلى غرفته واتجه نحو الخزانة وقال دون أن يقوى على النظر إليها بعد ما حدث: "جواد وقع على دراعه، وهاخده أوديه المستشفى." انتفضت من جلستها دون أن تنتبه لملابسها، فهي ظلت مكانها سارحة فيما حدث، والذي كانت تعتقده حلماً.

فقالت بخوف حقيقي: "ليه كده؟ طب ثواني أغير وأجي معاك." هنا فقط كان يبدل ثيابه، ونظر لها، وحينما رأى هيئتها، أغمض عينيه بندم وقال: "لا خليكي، وأنا هطمنك بالفون. زفر بحزن وأكمل: أنا آسف." وفقط انطلق من أمامها دون أن ينتظر ردها عليه، وأغلق خلفه الباب بقوة اهتزت لها أركان المنزل. أما هي، فبرغم قلقها على الصغير وانتفاضها من صوت الباب المرعب، إلا أنها شعرت بداخلها براحة لم تزورها من قبل، وقالت بابتسامة حالمة:

"قلبك هيتفتح يا حسن، وهصبر عليك، وهحبك فوق الحب حبين لحد ما أسمعها منك، إن شاء الله أموت بعده." ماذا سيحدث يا ترى؟ نرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...