الفصل 1 | من 30 فصل

رواية حسن و ندى الفصل الأول 1 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
460
كلمة
4,796
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

اعشق كثيرا تلك الأحياء الشعبية التي يتميز قاطنيها بالبساطة وعيشهم جميعًا مثل الأسرة الواحدة. تجدهم جميعًا يعرفون بعضهم البعض ويتشاركون معًا أحزانهم قبل الأفراح. دعونا نعيش تلك الأجواء داخل حارة الطيبين، أو كما اشتهرت مؤخرًا بحارة الباشا، ونرى كيف يعيش أبطالنا داخلها وكيف ستكون حياتهم فيها.

داخل أحد البنايات المختلفة كليًا عن باقي مثيلاتها داخل حارة الباشا، فهي تتميز بتصميم رائع بعد أن أعاد حسن الباشا ترميمها وتجميل واجهتها لتصبح غاية في الروعة وكأنها قطعة من إحدى الأحياء الراقية. حينما نفتح الباب الحديدي الكبير وندلف منه نجد ساحة ليست بالكبيرة مغطاة بأرضية رخامية ذات اللون البني. بعد أن تمر من خلالها تجد خمس درجات سلم بعرض المدخل. وعندما تنتهي منها تمشي قليلاً لتجد أمامك باب شقة مغلقة في الدور الأرضي.

تصعد عدة درجات حتى تصل للطابق الأول، والذي توجد به شقة واحدة بمساحة البناية، وهي ملكًا لعبد الجواد الصعيدي، وقد أسسها بكل تلك المساحة لتكون مركزًا للعائلة. أما الطابق الثاني، نجد فيه شقتان، واحدة لعبد الرحيم الصعيدي، والمجاورة لها تركوها فارغة حتى يقرر ولده وليد الزواج، فتصبح وقتها مسكنًا له. الطابق الثالث شقتان، واحدة للحسين والأخرى لخديجة. الطابق الرابع شقتان أيضًا لزوجات الباشا.

أما الطابق الخامس فترك فارغًا كليًا، ومن فوقه سطح البناية الذي تستخدمه النساء في زراعة بعض النباتات وتربية الطيور. ولكن يوجد به جزء مخصص للباشا، وقد أقام فيه برجًا كبيرًا لتربية الحمام، فهذه هوايته منذ الصغر.

كان يبيت ليلته اليوم عند عزة، والتي لا تضيع أي فرصة للتقرب منه. وتكون هي المفضلة لديه، وبرغم محاولاتها في الثماني سنوات الماضية وهم عمر زواجها منه، إلا أنها لم تنجح حتى الآن وظل قلبه مغلقًا. لم تستطع حتى مواربة بابه. وقف يمشط شعره البني الغزير أمام المرآة بعد أن أخذ حمامًا منعشًا وارتدى بنطالًا من الجينز الأزرق وفوقه قميصًا رمادي اللون. وبينما انتهى ووقف ينثر عطره الفواح، وجدها تدلف له وهي تمسك بين يديها قدحًا من

القهوة وتقول بدلال مصطنع: "قهوتك يا حسن." نظر لها باستغراب وقال: "انتي إيه اللي مقعدك لحد دلوقت هنا ومنزلتيش لأمي تحضري معاها الفطار؟ تصنعت الحزن وقالت وهي تقترب منه بعد أن وضعت ما بيدها فوق الطاولة: "قلت يمكن تحتاج حاجة كده ولا كده، وبعدين ما الكل معاها تحت يعني وجودي مش هيفرق كتير." نظر لها بمغزى وقال: "روحي شوفي اللي وراكي تحت يا عزة، بلاش كيد النسوان ده على الصبح، أنا مش رايقلك." تصنعت عدم الفهم وقالت بطيبة:

"ليه مالك يا سيد الرجالة؟ قولي مين عكر مزاجك كده؟ صرخ بها بنفاذ صبر: "عززززززه! انزلي معاهم وخلصي." انتفضت رعبًا وقالت وهي تهرول للخارج: "حاااضر يا خويا، أنا مشيت خلاص." سحبت وشاحًا تغطي به رأسها وهبطت إلى الأسفل وهي تسبه بداخلها. فقط، وهل تجرؤ على أن تتفوه بما لا يليق به أمام أحد؟ لا والله. أما هو، فقد أخذ قهوته ليرتشفها داخل الشرفة وقال بعدما أشعل سيجاره:

"نسوان عايزة الحرق على الصبح، فكراني مش فاهم لوع الحريم اللي بتعملوه. الله يسامحك يا أمي." تجمعت العائلة حول مائدة الإفطار كما المعتاد دائمًا من أيام الراحل عبد الجواد. وقد أخذ مكانه على رأس الطاولة ابنه البكر حسن، ويجاوره عن يمينه أمه، وبعدها خديجة ابنته، يليها إيناس زوجته الأولى، بعدها عزة زوجته الثانية، يليها الأطفال.

وعن يساره يجلس أخيه الحسين، يليه كرم ابن خالته وزوج أخته، يليه وليد ابن عمه، ويجاوره صفية أمه. وعلى رأس المائدة في الجهة الأخرى يجلس عمه عبد الرحيم. بعد أن بدأوا الطعام، وجدوا الباشا يقول لولده الأكبر إياد: "ولا إياد، أنت من النهارده هتنزل معايا الشغل، جهز نفسك بعد الفطار." رد عليه الطفل بفرحة: "بجد يا بابا؟ ربنا يخليك. أخيراً وافقت." عزة بغيظ: "مش لسه بدري على الواد يا حسن، ده لسه صغير." رد عليها بفظاظة:

"انتي إيه اللي حشرك بيني وبين ابني؟ بعدين ولاد الباشا مش عيال، لازم يدوقوا الشقي من صغرهم عشان عضمهم ينشف ويبقوا رجالة. ومش ولادي بس، محمود ابن حسين، وبيجو وسيف ولاد كرم سنة ولا اتنين وهينزلوا معانا. قدام، في الإجازة، ومافيش مدارس." تنهد الباشا بفخر: "يسلم لسانك يا ولدي. أيوه كده، اعمل زي ما أبوك الله يرحمه ما عمل معاكم، نزلكوا معاه من وأنتم لسه عيال، وأهو بسم الله ما شاء الله، الكل بيحلف بيكم." عبد الرحيم:

"والله جدع يا حسن، أحسن ماهو عمال طول النهار يلعب في الشارع ومافيش وراه غير المشاكل." إياد: "ليه كده يا جدي؟ ماتخليك محضر خير، انت بتقوم أبويا عليا." حسين بضحك: "أبوك نفسه لو عرف بلاويك هيعلقك." إياد بغيظ: "هو كده يعني؟ معرفش، الله يكرمك يا عمي." ضحكوا عليه جميعًا، وقال جواد ابنه الأصغر: "وأنا يا بابا عايز أشتغل." إيناس: "ما شاء الله، طالعين رجالة زي أبوكم من يومكم." صفية بحقد:

"ربنا يكرمك بالواد اللي يخاوي بتك ويبقي معاهم يا بتي." حسن بعصبية: "ما تصبحووو! وقولوا يا صباح! انتوا هتقفلوا اليوم بتلقيح النسوان ده؟ حاجة تقرف." أعقب قوله بالقيام والخروج سريعًا من المنزل وهو يقول: "خلصوا وحصلوني، عندنا شغل كتير النهاردة." كان يقصد بهذا القول رجال العائلة. أما في منزل بطلتنا، فقد دخلت عليها أمها فوجدتها تقف أمام المرآة تنظر لشعرها بغيظ، فقالت بتعجب: "مالك يا بت؟ انت اتجننتي؟ بتتخانقي مع شعرك؟

ردت عليه وهي تمثل البكاء: "الصبغة ملحقتش تقعد شهرين وبدأت تروح." ردت عليها أمها بقله حيلة: "يابنتي حرام عليكي شعرك حلو وطويل وتقيل، كتر الصبغة هتبوظه. أنا مش عارفة إيه اللي عاجبك في لون الرقاصات ده." ضحكت بميوعة وقالت لتغيظ أمها: "أصل كان نفسي أووووي أطلع رقاصة، بس مجموعي ماجبش، هههههههه." خلعت الأم خفها من قدمها وألقته عليها وقالت بغضب: "صبرني يااااارب على بت الجزمه دي." تي على صراخها وجيه وقال: "مالكم في إيه؟

هو موال كل يوم ده؟ مش ناويين تاخدوا إجازة منه؟ قبل أن ترد تلك الأم المسكينة، وجدت تلك الشيطانه تقول: "أبدا يا بابتي، بقولها نفسي أتحجب وهي مش راضية." نظرت لها الأم بصدمة وقالت: "يخربيتك! ده أنا صدقتك وربنا." ضحك ثلاثتهم معًا، وقال الأب وهو يتوجه للخارج: "طب يلا عشان نفطر، اتأخرت على فتح المحل النهاردة." جلس أمام إحدى المعارض المملوكة له، وكان يجاوره صديقه والذي لاحظ تجهم وجهه فقال: "الباشا ماله معفر كده ليه؟

رد عليه بعصبية: "هو في غير الحريم... تحرق دمك قبل ما تفكر تغسل وشك ياخي، الله يحرقهم." قبل أن يرد عليه، جاء إليهم عامل القهوة ويدعى سعيد، وهو يحمل الأرجيلة وصينية صغيرة فوقها قدحان من القهوة وكوب ماء. وضعهم على الطاولة الصغيرة الموضوعة أمامهم وهو يقول بصوته المرتفع كالمعتاد: "صباحو فل ومنور يا باشاااا! حارة الباشا." حسن: "حط الحاجة يا سعيد واخلع عشان مش فايقلك النهاردة." سعيد بطيبة: "ليه يا باشا؟

الباشاوات، قولي مين عكر مزاجك وأنا أولعلك في أمه." ضحك بيبو على ما قاله، فابتسم حسن بغلب وقال: "روح يا سعيد شوف شغلك، الله يكرمك." تركه وغادر سريعًا، فقال بيبو: "مين فيهم اللي نكدت عليك يا جوز لتنين؟ مع إن أشُك إن حد يقدر لك على حاجة، هههههه." حسن:

"كنت عجنتهم لو واحدة بس فكرت تتعوج، بس كيد النسوان ده أنا مبحبوش يا صاحبي. الواحد دماغه مش فاضي للعمايل الوسخة دي. أنا أصلاً مكنتش ناوي أتجوز، بس أبويا الله يرحمه ويساامحه بقى دبسني في بنت عمي، وبعدها أمي." سحب نفسًا عميقًا من خرطوم الأرجيلة الذي يمسكه بيده اليسرى وأكمل: "ست الحبايب عايزة تشوف خلفة ابنها البكري، قامت مدبساني في التانية، وحاااااجة تقرف. هو أنا كنت طايق واحدة لما أتبلى باتنين؟

ضحك بيبو عليه بصخب، فهو يعلم كل هذا ويعلم أيضًا أن صديقه يكره النساء كثيرًا. قال بعد أن هدأ قليلاً: "شوف ربك يا أخي، واحد بيكره صنف الحريم، ربنا يديله اتنين. وواحد يحب واحدة، يطلع عين أمه على ما ياخدها." صمت لبضع ثوانٍ وأكمل: "بس عارف يا حسن، لو كنت حبيت، مكنش ده هيبقى حالك. كنت هتحب كلامها حتى لو كان تافه، وأوقات تلاقي نفسك سايب الدنيا بحالها عشان بس تبقى معاه." نظر له بغيظ وقال:

"سيبنالك أنت الحب يا نحنوح. حب إيه وكلام فاضي إيه يااااض؟ كل دي اشتغالات. اللي ميعرفش يطول واحدة يقولها بحبك، واللي عايز يمشي مع واحدة يقولها بحبك، حتى اللي عايز يتجوز واحدة برضو يقول كده عشان بس يخلي الحكاية تحلو بكلمتين من دول. بس في الآخر كل الحريم على السرير واحد، هههههههه." هكذا أطلق ضحكاته الرجولية التي توقع النساء من جمالها، بعد أن أكمل حديثه الوقح. وقف حسن من مجلسه بغضب وقال:

"يلعن أبو شكلك ياخي، يخربيت أم لسانك الزفر اللي عايز قطعه ده. أنا رايح أشوف اللي ورايا أحسن." أعقب قوله بالمغادرة سريعًا قبل أن يسمع المزيد من الكلام البذيء الذي يقوله ذلك المتجبر ويصف به أي علاقة حب على أنها مجرد كلمة افتتاحية لبدء أي عملية جنسية. هكذا رآه ولم يستطع أحد تغييره. أممم، حتى الآن.

بعد أن ساعدت أمها في ترتيب المنزل كما المعتاد، دلفت إلى حجرتها وارتدت بنطالًا من الجينز الثلجي فوقه قميصًا قطنيًا له قبعة ملتصقة به من الخلف، ثم قامت بعقص شعرها على هيئة كحكة غير مرتبة كما اعتادت، فهي لا تخرج به مفرودًا أبدًا، وانتعلت في قدميها الصغيرة حذاءً رياضيًا. وخرجت لتودع أمها، والتي قالت بنفاذ صبر بعدما رأت تلك الهيئة والتي تصيبها بالجنون:

"ياااا بنتي يا حببتي، نفسي أشوفك لابسة جيبة قبل ما أموت. ده إيه الغلب ده يا ربي؟ كل لبسك شبه الصبيان كده، أنا زهقت منك." اقتربت من أمها ثم حاوطتها بذراعها وقالت: "يا سنسن يا حببتي، اللبس ده خفيف وبيساعدني في الشغل مع بابا، يعني بتحرك براحتي. وبعدين، بزمتك الحارة المعفنة دي ينفع ألبس ولا أتشيك فيها؟ نظرت لها سناء باقتناع وقالت بطيبة:

"تصدقي صح، بس يا بنتي إحنا حياتنا كلها فيها، مالناش حد براها عشان نروح له، يبقى هتفضلي كده؟ البسي عشان نفسك يا ندي، مش عشان حد يا بنتي." لم تتأثر بهذا الحديث الذي اعتادت على سماعه، وقالت وهي تتجه للخارج بمزاح: "حاضر يا سنسن، هشتري فستان ببرق وأفضل قاعدة لك بيه عشان تحسي إني بنت، هههههه." أعقبت قولها بإغلاق الباب خلفها قبل أن يطالها (شبشب) أمها الغالية.

كانت تمشي وسط الحارة مثل الصبية وهي تلقي السلام على رجالها الكبار الذين يجلسون أمام محالهم، تاركين العاملين لديهم يقومون بمهام العمل. ندي: "صباحو فل يا عم سيد." المعلم سيد: "صباحك إشطة يا ست البنات." مرت من أمامه بعد إلقاء تحية الصباح، ولكنها وقفت حينما سمعت من يهتف باسمها، فالتفتت وقالت بنزق: "خلاص يا أم أحمد، الحارة كلها سمعتك وإنتي بتندهي عليا."

ردت عليها تلك المرأة الطيبة والتي تجلس على أحد الأرصفة وأمامها الكثير من الخضروات الطازجة حتى تقوم ببيعها لتنفق على أولادها الأيتام: "اصل أنا عارفاكي ما صدقتي تلاقيني مشغولة مع الولية أم محمد وكنتي هتخلعي مني. وأنا وصياكي من بالليل، صح ولا لأ؟ ندي: "هو مفيش غيري يجبلك عيش يا أم أحمد؟ ما تبعتي الواد ابنك اللي صايع طول اليوم بالعجلة." أم أحمد:

"إنتي الوحيدة اللي أبو صلاح بيديكي العيش من غير طابور، وكمان بينقيه بالواحدة ويديهولك كله قابب ووشه أحمر. اللهي يسعدك يا ندوش، خدي البطاقة أهه وهاتيلي عشرة زي كل مرة." قبل أن ترد عليها، وجدت ذلك السمج يتدخل في الحديث ويقول: "لازم يعمل كده يا أم أحمد، إنتي عايزة برنسيسة الحارة تقف مع شوية الغجر دول." نظر إليها بتسبيل وأكمل: "صباحك مسكر يا ست البنات." تخسرت بحدة وقالت: "صباحك خرااا على دماغك! إيش حشرك في الكلام يااااض؟

إنت لو ماتهزقتش مني الصبح متتكيفش باقي اليوم، صح؟ نظرت لها ذلك الشاب والذي يدعى محيي، وقد تقدم لخطبتها كثيرًا، ولكن تقابله بالرفض كل مرة، فقال بزعل: "ليه كده يا ست البنات؟ أنا متحمل بس عشان شاري، مش قلة رجولة مني." ندي: "وأنا قلت يفتح الله يا محيي، مش ناوية أتزوج، فوكك مني بقى وشوف حالك يا ابن الناس." نظرت إلى أم أحمد التي تكتم ضحكاتها غصبًا حتى لا تحرج هذا الشاب الطيب. سحبت منها البطاقة الخاصة

بشراء الخبز وقالت بغيظ: "طلعيها بدل ما روحك تطلع يا أم أحمد." و فقط تركتهم وغادرت وهي لا ترى أمامها من الغضب الذي ينقاد داخلها كلما فاتحها أحد الشباب في موضوع الخطبة، أو كلما رأت نظرات الإعجاب تملأ عيون المارة الذين يتمنون أن تبتسم لهم فقط. إلا هو، ذلك القاسي متحجر القلب. تتمنى أن ترى تلك النظرة داخل عينيه العسليتين والتي تذوب من جمالها، ولو لمرة واحدة، ولتفارق الحياة بعدها، لا يهم.

وبينما كانت مندمجة في حديثها الداخلي والذي دائمًا ما ينتهي بالسباب البذيء لذلك ال.... باشا... وجدتُه يهتف باسمها ويقول: "بت يا ندي، تعالي هنا. مالك ماشية تتخانقي مع دبان وشك ليه يا جلابة المصايب؟ نظرت له بعيون تقدح شررًا وهي تقول بداخلها: "والله ما حد هيجيب لي مصيبة تاخد أجلي غيرك." ردت عليه بغضب وقالت: "إنت متعرفش تقول صباح الخير زي البني آدمين أبداً." ابتسم حسن ليغيظها وقال: "وهما فين البني آدمين دول؟

هو الواحد بيشوف هنا إيه غير أشكال عكرة. المهم، العوق كان مع مين النهاردة؟ لمعت عيناها بحزن، ولكن سرعان ما أخفته وقالت بنزق: "محيي أفندي مش عايز يحس على دمه ويبطل يزاولني في الرايحة والجايه. أديته على دماغه يمكن يحس على دم اللي جابوه." نظر لها بقرف وقال: "دي ألفاظ تقولها يعني؟ نظر لها بتقييم وأكمل باستهزاء استشعرته بسهولة: "اللي مفروض إنها بنت، بس هقول إيه؟ الرجالة اتعموا في عيونهم، أنا عارف هيموتوا عليكي ليه."

هل تسمعون هذا الصوت؟ نعم، إنه صوت كسر جديد داخل قلبها المسكين، والذي يتحطم بداخلها ببطء كلما سمعت منه هذا الحديث المهين والذي دائمًا ما يقوله لها دون أن يشعر حتى بذرة ندم واحدة. ولكن هل تظنون أنها ستظهر له هو بالذات ما بداخلها؟ لا والله. رسمت البرود على وجهها ببراعة وقالت: "وإنت مزعل نفسك ليه إن شاء الله؟ رد عليها بلا مبالاة: "عشان المعرض اتقلب موقع للزواج يا قطة، كل شوية واحد يدخل عليا عشان يطلب إيدك مني." ندي:

"قولهم أبوها موجود... سهلة أهي وريح دماغك يا عم." حسن: "للأسف، عارفين إني أخوكي الكبير وليا كلمة عليكي وعلى أبوكي، عشان كده بيجولي. المهم، رايحة فين؟ كادت أن تقول له: وما شأنك؟ ولكنها لم تجرؤ، فقالت بلامبالاة: "رايحة أجيب عيش لأم أحمد، وبعدين هروح لأبويا السوبر ماركت." حسن: "طب يلا ومتغيبيش، وبطلي تهزري مع اللي رايح واللي جاي." ألقت عليه نظرة مغتاظة وتحركت من أمامه وهي تقول بهمس: "أنا لسه صغيرة على الجلطة وربنا...

هتجلطني ببرودك... منك لله يا باشا يا عسل أنت." جلست النساء يحضرن طعام وجبة الغداء كما اعتادوا، وكانت تجلس معهم صفية بوجه متجهم. لاحظته أم الباشا وتجاهلته كالمعتاد، ولكنها انتبهت بغضب حينما سمعت ذلك الحوار الدائر بين سماح زوجة الحسين وبين أمها، وفضلت أن تنتظر إلى آخر الحديث لتحاسبهم جيدًا. سماح: "مالك يا ماما من الصبح وإنتي شكلك زعلانة." إيناس: "تلاقيها واخدة على خاطرها من رد حسن عليها، بس هو ميقصدش والله."

خديجة: "إنتوا عارفين إن حسن الصبح بيبقى مش طايق نفسه ومش بيحب الرغي الكتير، يبقى إيه لزومه بقى اللي حصل؟ هو قال كلمتين لابنه، مكنش المفروض حد يدخل." عزة بكيد: "عندك حق يا ديجة، يعني هو غلط في إيه لما حب يعلم ابنه أصول الشغل؟ مش برضه ولاده دول هما اللي هيبقوا في ضهره وسند ليه؟ سماح بحقد كما اعتادت في الآونة الأخيرة: "ااااه يا حببتي، ولاده. أمال إيه؟ عايزهم يتوددوا من صغرهم عشان يكوشوا على كل حاجة زي ما هو عامل."

"سماااااااااح! هكذا صرخت الحاجة فاطمة، فانتفضت النساء جميعهم بخوف، ولكن ما أرعبهم حقًا حينما سمعوها تقول: "اااه يا نسوان وسخة! ملقيتش اللي يربيها... عايزين تفرقوا بين ولادي يا مرة منك ليها." إيناس برعب: "ليه بس كده يا ماما؟ م...... قاطعتها صارخة بغضب أعمى: "آخررررسي! مسمعش صوت واحدة فيكم. أنا سيباكم تتكلموا من الصبح." نظرت لسماح وأكملت: "وتبخوا سمكم اللي فاكرينو هيفرق بين ولادي، بس ده بعدكم اللللله!

فسمااااااه، لاخلي الاتنين يطلقوكم وتغوروا في داهية على بيوت أهاليكم اللي ما أساس معرفوش يربوكم. وكمــان، ملكومش ولاد عندنا، زي ما دخلتوا فاضيين هتطلعوا فاضيين. ومن بكررررره، هقعدهم حاطين رجل على رجل وقدامهم طابور نسوان ينقوا منهم على عجب عينهم. سااااامعين؟ صفية بخوف: "ليه بس كده يا حجة؟ دول بناتك برضه وتعتبري مربياهم، يهونوا عليكي تخربي بيتهم؟ فاطمة بتجبر:

"اااايوه يا أختي، يهونوا، وأهرسهم تحت رجلي كمان، بس أرجع وأقول إنتي السبب. عمالة تبوخي سمك في دماغ الكبير عشان يجيب الواد، والصغيرة اللي كان جوزها بيموت فيها، بقى مش طايقها بسببك بعد ما مليتي دماغها بكلامك اللي يخلي الأخوات تقطع بعض. بس نقفك طلع على شونة يا صفية، لأن ولادي رجالة من ضهر راجل وعمرهم ما يسمعوا للحريم ولا يخسروا بعض لو على مااااال الدنيا. وإنتي يا سماح...

ميغوركيش طيبة الحسين وصبره عليكي، لما هيجيب آخره هيرميكي زي الكلبة، وخلي أمك تنفعك." "لااااااا انتي وهي! كل واحدة على شقتها، مش طايقة أشوف خلقة واحدة فيكم." انتفضت عزة بزعر وقالت: "يا لهوي! يبقى إنتي ناوية تكبري الحكاية وتحكي لرجالتنا عالي حصل؟ سايق عليكي النبي يا حاجة، بلاش. إنتي عارفة حسن مش هيستنى يعرف مين اللي غلطان وياخد عاطل مع باطل." إيناس: "حقك عليا أنا يا ماما، خلاص والله." فاطمة:

"أنا قلت كلمة ومش هتنيها. هدخل أتوضى عشان أصلي الضهر، أرجع ملاقيش واحدة فيكم." و فقط اختفت في الداخل غير عابئة بمن يموتون خوفًا مما هم مقبلون عليه. في منزل يدل على الدفء بداخله، كانت مني تمسك هاتفها وتطلب رقمًا ما بعد أن جهزت هي وأطفالها. وحينما جاءها الرد قالت: "عامل إيه يا قلب مني." بيبو: "الحمد لله يا حبيبتي. إيه، لبستي إنتي والعيال؟ مني: "آه يا حبيبي، وقولت أكلمك قبل ما أنزل. أوعى تتأخر يا بيبو عشان أمي متزعلش."

بيبو: "لو مش هتتأخر عشان زعلها، مش هتتأخر عشان المحشي اللي محدش بيعمله زيه يا قلبي." ضحكت بميوعة وقالت: "طب خلي المحشي ينفعك، أنا بايته عندها النهاردة." بيبو بوقاحة: "بعد الضحكة دي، أنا ممكن أولع في المحشي وأجيلك جري، هههههه." ردت عليه بحب: "متشلش هم يا قلبي، العيال هتبات عند أمي النهاردة، وإحنا بقى... الليل وطوله." جلست بجانب أمها بعد أن وصلت منذ قليل، وجاورتهم ندي بعد أن بدلت ثيابها، فوجدت أختها تقول:

"يا بت، مش ناوية تسيبك من وقفة السوبر ماركت دي؟ أمال كملتي علامك ودخلتي كلية التربية ليه؟ واحدة غيرك كانت أجرت أي شقة وعملتها سنتر للدروس، ده المدرسين بيكسبوا دهب." ندي: "أنا كنت بذاكر لنفسي بالعافية، هطيق العيال دي كلها؟ هو أنا ناقصة عيل يتغابى وأفتحله دماغه، وتيجي أمه تعمل معايا عوق، ومش هسكت لها برضه. الله الغني، أنا مرتاحة كده." سناء: "يعني ولا عايزة تشتغلي بشهادتك ولا عايزة تتجوزي؟

هتفضلي على الحال ده لحد إمتى يا بنتين؟ نظرت لامها بحزن دارته ببراعة، ولكن أختها، والأكثر من يفهمها ويعرف ما بداخلها، قد لمحته. وسمعتها تقول: "أنا عاجبني حالي كده يا ماما لحد ما يجي النصيب." وقفت مني وقالت: "تعالي يا ندي، عايزة إيه في كلمتين." ندي: "حاضر يا أختي، أكيد عايزاني أشتري لك حاجة جديدة تشخلعي بيها بيبو عشان يعرف يجيب جون، هههههه." الأم بجنون: "اااه يابت الجزمة ياللي مشوفتيش ترباية." ضحكت لامها وقالت

قبل أن تغلق باب غرفتها: "لا شوفتها في التلفزيون يا سونسون، هههههه." أغلقت الباب وهي تضحك، ولكن قطعت تلك الضحكات والتي حتما لم تخرج من قلبها الحزين، حينما وجدت مني تقف وتنظُر لها بنظرات ذات مغزى. فقالت وهي تمثل عدم الفهم: "مالك يا مونا؟ بتبصيلي كده ليه؟ مني: "........... ماذا سيحدث يا ترى؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...