الفصل 2 | من 30 فصل

رواية حسن و ندى الفصل الثاني 2 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
403
كلمة
0
وقت القراءة
1 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

بعد أن عاد رجال العائلة وقت الغداء كما المعتاد، وقف حسن ينظر بغرابة لأخته التي تضع أطباق الطعام فوق الطاولة وحدها، ولا يرى الأطفال حول أمه كما اعتاد. فقال: "هو البيت فاضي كده ليه يا ديجة؟ وأمك فين؟ أكمل بقلق: "أوعي تكون تعبانة." وقفت تلك المسكينة لا تعرف ماذا تقول. سمعت الحسين يسألها برفق: "مالك يا ديجة؟ وشك أصفر ليه يا حبيبتي؟ احكيلي حصل إيه." خرجت في

تلك اللحظة فاطمة وهي تقول: "أنا كرشّتهم، هتلاقوا كل واحدة مرزوعة في بيتها." عبد الرحيم: "ليه يا حاجة؟ عملولك إيه؟ وأنا أكسرلك رقابيهم." محسن: "ليييه؟ ما لهمش رجالة يحكموهم يا عمي؟ ولا إحنا مش ماليين عينك؟ وليد: "أنت عارف إن أبويا ميقصدش يا حسن، هو بس بيراضي الحاجة." أكمل بغيظ حاول أن يكتمه: "حاول تهدي نفسك شوية يا باشا، بلاش تقف على الكلمة كده."

حسن بقوة: "لأ يا أخويا، ده أنا أقف على الحرف والنقطة كمان. الزمن ده اللي بتفوتله مرة، بيركبك." "أياااااد! " هكذا صرخ على ولده، والذي وقف أمامه بأدب يقول: "نعم يا بابا؟ حسن: "اطلع نادي أمك وباقي الحريم من فوق بسرعة." جلسوا جميعًا برعب أمام هذا المتجبر الذي تنطلق من عينيه شرارات الغضب، بعد أن قصت له أمه ما حدث بالحرف. وبعد سكوت هالك للأعصاب،

قال بهدوء مميت: "كل واحدة فيكم تلزم بيت أبوها، ولما تتربى وتعرف إن ولاد عبدالجواد الصعيدي مفيش حريم تنفع توقع بينهم، ولا هيسمحوا لحد حتى لو كان ابنه اللي من صلبه يفرق بينهم، ولو عشان كنوز الأرض."

نظر للجميع بغضب وأكمل: "أنا وأخويا، وكمان كرم جوز أختي، واللي اتربى في وسطنا من صغره وبقى زيه زي أي واحد فينا، بنعلم ولادنا من صغرهم إنهم إخوات وميخلوش حد يدخل بينهم. لما يجي بقي شوية حريم مالهومش لازمة، بكلمة مني أغورهم وأجيب بدلهم وأحسن منهم كمان، تبوخ سمها في ودان العيال من صغرهم عشان كل واحد يطمع فيما في إيده غيره، يبقى متلزمنيش." كانت الثلاث نساء يبكين بقهر،

ولكن سماح قالت بحقد: "طب أنت ليك حكم على الاتنين اللي على ذمتك، تمام، مقولناش حاجة. إنما أنا تكرشني ليه؟ مليش راجل." صفعة... صفعة قوية هبطت فوق وجنتيها من يد الحسين، وبعد سماع صراخها قال: "كلمة كمان وهتكوني طااالق، ساااامعة؟ وكلمة أخويا تمشي على الكل." وليد بغضب: "أنت بتمد إيدك عليها قدام أبوها وأخوها؟ جري إيه؟ انتوا محدش مالي عينكم ليه؟ كرم: "اهدّي يا وليد، متشعللهاش أكتر ما هي والعة."

عبد الرحيم: "أختك اللي غلطانة وعايزة كسر رقبتها كمان." صرخ وليد بغل: "خليك أنت كده، كل حاجة يعملوها ولاد أخوك تبقى صح، لحد ما خليتهم ركبونا." أعقب قوله بالهرولة خارج المنزل قبل أن ينال عقابه من ذلك الذي يجلس بهدوء ما قبل العاصفة. وما زاده غضبًا هو قول أمه: "شوفتوا يا اللي عايزين حش رقابيكم؟ البيت ولع والرجالة هتمسك في بعضها بسببكم، منكم لله." أعاد ظهره للخلف بعد أن أشعل سيجارًا ووضع ساقًا فوق الأخرى،

ثم قال ببرود أغاظ الجميع: "حضّري الأكل يااما عشان جعان، ولسه ورايا شغل كتير." نظر للثلاث نساء وقال: "مش عايز أشوف خلقة واحدة فيكم قدامي، كل واحدة تلزم بيت أبوها، يلا." جلست عزة تندب حظها بجانب أمها بعد أن جمعت بعض أغراضها وعادت إلى بيت أبيها كما أمر هذا المتجبر، وهي تغلي من القهر. فقالت

لها أمها وتدعي وجيدة: "أنتي غلطانة يا بنت بطني، قولتلك ميت مرة، انتي معاكي راجل جامد بس جدع والكل بيحلف بيه. قولتلك عيشي بما يرضي الله وبلاش عمايلك السودة دي. مسمعتيش كلامي لحد ما جيتي تقعدي جنبي حتى من غير عيالك." عزة بغل: "أعيش مزلولة صح؟ اتدوس عليا بالجزمة وأقول حاضر؟ صح؟ هو ده اللي انتي عايزاه؟

بس ده عمره ما هيحصل. أنا عمري ما هبقى زيك يااما. عشتي مزلولة ومكسورة مع أبويا يهينك ويذلك، وأنتي تقولي حاضر ونعم، وفالآخر راح اتجوز عليكي ومقدرتيش بردو تقولي لأ. أنا لازم يكون ليا وضع فالبيت وفي وسط العيلة دي عشان ميدوسوش عليا زيك." حزنت الأم من كلام ابنتها القاسي وقالت: "وأنا استحملت ده كله ليه؟ مش عشان خاطرك انتي وإخواتك يا بنت؟ عزة: "وأنتي اصلا عملتيلنا إيه؟ ها؟

أي حاجة أبويا يقول عليها مكنتيش تقدري تعترضي، حتى لما كان بيضربنا كنتي تخافي تحوشي عننا. ولما جه يجوزنا، جوز أختي لابن أخوه عشان يضمن الورث في كرشه، وجوزها لواحد هلهولة ملوش كلمة ولا شخصية. وأناااااا جوزيني للباشا اللي متجوز قبلي عشان يستفيد منه بردو فالشغل. يعني إحنا مجرد مصالح بيمشي بيها شغله، ياما عشان يكوش على الملايين واللي فالآخر هيورثها إسماعيل ابنك الصايع الحشاش ويضيعها على الهباب اللي بيطفحه."

جيدة بغضب: "دلوقتي الباشا بقى وحش؟ انتي مش كنتي هتموتي عليه وطيرتي من الفرحة لما اتقدملك؟ عزة: "أيوه، منكرش. كنت فرحانة عشان هطلع من البيت ده، وأخلص من ضرب أبويا وبخله، وأعيش في العز والنغنغة. وكنت فاكرة إني هقدر أميل قلبه ناحيتي وأمشيه تحت طوعي لحد ما أخلص من ضرتي. بس لا هو قلبه مال ولا قدرت أخلص منها، خصوصًا بعد ما خلفت منه." جلست بطلتنا ليلا بعد أن تركتهم مني وغادرت مع زوجها الحبيب، وهي سارحة فيما قالته لها أختها.

فلاش باك "بتبصيلي كده ليه يا مني؟ سحبتها الأخيرة وجلست معها فوق الفراش وقالت: "وآخرتها يا بنت أبويا؟ هتفضلي متعلقة في الحبال الدايبة لحد إمتى؟ اللي قدك وأصغر منك اتخطبت واتجوزت كمان، وأنتي أحلاهم يا ندى وأجدعهم كمان. كل يوم والتاني ترفضي عريس أحسن من اللي قبله، ومعيشة نفسك في وهم استحالة يحصل، وأنتي عارفة كده كويس."

دمعت عيناها، ولكن كبرياؤها منعها أن تسيل دموعها حتى ولو أمام أختها الغالية. فسحبت نفسًا عميقًا وقالت وهي تضع يدها فوق قلبها الخافق وتقول بحروف تقطر عشقًا: "طب وده أعمل فيه إيه يا مني؟

أنا فتحت عيني على حبه وفضل يكبر ويكبر جوايا لحد من غير ما أحس، لقيته بقى يجري في دمي. عارفة إنه متجوز بدل الواحدة اتنين، وعارفة إنه مستحيل حتى يفكر فيه، ولا يخطر على باله. مش قلبه، وعارفة إني مش هقبل بيه ويكون مشاركني فيه واحدة مش اتنين." "بس أعمل إيه؟ مفيش في إيدي حاجة غير إني أحبه وبس." مني: "طب ما تدي نفسك فرصة يا حبيبتي ووافقي على أي واحد، ما الهيموتوا عليكي، يمكن تنسي." ندي: "أنسي؟ ههههه. أنسي إيه يا مني؟

ولا أنسي مين؟ ولا مين؟ أصلاً يقدر ياخد مكانه. عايزاني أبقى خاينة يا مني؟ يبقى قلبي مع واحد وجسمي مع غيره. مش هطيق حتى إنه يلمسني. أنتي ممكن متحسيش بيا لأنك حبيتي واحد كان بيحبك أصلاً، والحمد لله على النعمة اللي انتي فيها. ربنا ما يكتب على أي واحدة تحب واحد وهو مش شايفها أصلاً." ههههه.

ضحكت بقهر وأكملت: "ده بيجي يقنعني بأي واحد يتقدملي عن طريقه ويكون شايف إنه كويس، ده غير تريقته عليا في الرايحة والجايّة. الناس كلها شيفاني حلوة إلا هو." مني: "مانتي اللي عاملة كده في نفسك يا قلب أختك. طول الوقت رابطة شعرك كحكة، ده غير لبسك الرجالي ده اللي مش بتغيريه. وهو ما شاء الله معاه اتنين يحلو من على حبل المشنقة، وكل واحدة فيهم بتعمل البدع في نفسها عشان تملي عينه." ردت عليها بغيرة: "بس ولا واحدة فيهم ملت قلبه.

تنهدت بحزن وأكملت: "ويمكن ده اللي مريحني شوية. قلبه مدقش الحب ولا انكوى بناره." مني: "طول عمره مش بيأمن بالحب أصلاً، ههههه. بيقول ده موحن." ابتسمت بحزن وقالت: "ربنا يدوقهوله ويخليه يتكوي بناره ياااااااارب." أكملت بداخلها: "بس معايا." باااااااااااك تنهدت بهم، ثم تمددت فوق فراشها وهي عازمة على أمر ما. وها قد أتى الصباح سريعًا، والجميع قام بعمل نفس الروتين اليومي وذهب كل في طريقه.

أما بطلتنا فقد أخرت نفسها قليلًا عن موعدها التي اعتادت أن تذهب فيه مع أبيها. وبعد أن نظرت من شرفتها التي تطل على إحدى المعارض التي يملكها الباشا، ابتسمت بحب حينما وجدته يجلس بهيبة وغرور غير متعمد يدخن أرجيلته الصباحية والتي لا يبدأ يومه إلا بها. عادت إلى غرفتها وارتدت ثيابها المعتاد، ولكنها اليوم قررت أن تغير من شكلها قليلًا. فلم تعقص شعرها الحريري، بل تركته حرًا خلف ظهرها، وكان مظهره حقًا... رائع.

مشت داخل الحارة وهي تلقي السلام على الجميع كما المعتاد، ولكنها شعرت بزهو داخلها حينما زادت نظرات الإعجاب ممن يروها. فتشجعت وتمنت أن يلاحظ هو الآخر ذلك التغيير البسيط. وبينما وقفت تلقي عليه تحية الصباح، نظر لها بذهول تزامنا مع مرور نسمة هواء جعلت شعرها الطويل يتطاير حول وجهها الحليبي، مما جعل منها أيقونة للجمال برغم بساطة مظهرها.

بعد أن كانت ممتلئة بالثقة، اهتزت بداخلها وخافت من نظرته الغاضبة. وما كادت أن تسأله لما لم يرد عليها تحيتها، حتى وجدتَه يقف من مجلسه ثم اتجه إلى الداخل وهو يقول: "تعاااالي." وفقط. زوت بين حاجبيها بحيرة، ودلفت خلفه. وبمجرد أن وقف داخل مكتبه، صرخ بها: "إيه الهبااااب ده عالصبح يا بت؟ إنتي ربنا خلقك عشان تحرقي دم اللي جابوني كل يوم؟ نظرت له باستغراب وقالت: "لله! وأنا عملت إيه طيب لكل ده؟ أنا يا دوب قولتلك صباح الخير."

حسن: "إنتي من إمتى بتفردي شعرك يا ندي؟ ماشية فرحانة بطوله ولون الرقاصات اللي مش بتغيريه. بس عالأقل مكنش باين عشان بتلميه، إنما تتجني وتمشي في الحارة بالمنظر ده، مش هسمحلك." تعلم أنه يفعل كل ذلك من باب الأخوة المزعومة، ولكن قلبها العاشق رأى ضوءًا صغيرًا ينير بداخله، وتمنت أن يكون كل هذا بدافع الغيرة. فسألت دون تفكير، وهي تتمنى أن ترى داخل عينيه ما يرضيها. ولكنّه زادها جرحًا آخر حينما قال: "وإنتِ مزعلة نفسك ليه؟

أبويا نفسه مش بيعلق على شكلي، ولا أنتِ شايفة إن أنا حلوة بزيادة وخايفة الخطاب يكتره؟ ضحك بصخب وقال بقسوة تعود عليها: "مين اللي ضحك عليكي وقال لك كده يا قطة؟

أوعي يا بت تفكري نفسك تسوي حاجة في سوق الحريم. إنتي اللون الأصفر اللي بتضربي شعرك بيه هو اللي محليكي عشان بيضة شوية. روحي بصي لنفسك في المراية وشوفي نفسك عاملة إزاي، ده إنتي مش باينلك ضهر من وش بلبس الرجالة اللي ماشية بيه ده. أراهنك لو لبستي فستان هتبقي زي الهبلة فيه. وبعمل كل ده عشان خاطر أبوكي اللي كل يوم لازم تجيبيله مصيبة بسبب طريقتك الزبالة مع الناس. أنا مش عارف إنتي مسترجلة ولا شايفة نفسك بت وعايزة تتعاكسي؟

مترسّمي لك على بر عشان الواحد يعرف يتعامل معاكي إزاي." كانت تنظر له بوجه خالٍ من أي تعابير، ولكن قلبها ينزف دمًا. تلك المرة هي أكثر المرات التي أهانها فيها، ولكنّه دعس على قلبها بقوة حتى أدماها. لم تتفوه بحرف، ولكنها التفتت تاركة له المكان بهدوء ينافي ثورتها الداخلية. عادت إلى منزلها وهي تحارب دموعها ألا تهبط أمام أحد، وبمجرد أن أغلقت باب غرفتها عليها، أجهشت في بكاء مرير. أما هو، فوقف مكانه يلوم حاله...

قليلًا فقط، ولكنّه عاد إلى قسوته حينما سمع بيبو يقول: "ليه كده يا حسن؟ إنت دوست عليها جامد المرة دي. أنا سمعت كلامك ليها ومردتش أدخل عشان محرجهاش. هي عملت إيه لكل ده؟

حسن: "ندي سقت فيها يا بيبو، وبدأت تتغر من كتر الرجالة اللي بتموت عليها. وأبوها غلبان مش حمل مشاكل، وانت عارف لو مكنش الحوش اللي هنا عارفين إنه يخصني، الله أعلم كانوا عملوا فيه إيه. دماغي لفت يا جدع لما لقيت النسوان قبل الرجالة هيكلوها بعنيهم، وهي ما شاء الله حلوة وبيتبصلها. كان لازم أكسرها كده عشان ترجع لعقلها. انت عارف إنها زي خديجة بالظبط، وأنا اللي مربيها من ساعة ما جت الحارة وهي عمرها لسه سنتين."

بيبو: "أيوه فاكر، ومن وهي عندها خمس سنين بعد ما بدأت تنزل مع أبوها وهي متعلقة بيك، وطول ما إنت في الحارة مكنتش بتسيبك أبداً. ده أنا حتى فاكر يوم فرحك على بنت عمك، كانت لسه عندها حوالي عشر سنين، يومها موتت نفسها عياط، كانت فاكرة إنك كده مش هتبقى معاها ولا هتجيب لها حاجات حلوة عشان اتجوزت." جلس حسن بهم وقال: "ويارتني ما تهببت يا جدع." هل تظنون أن تلك العنيدة تستسلم بسهولة وتغلق على حالها وتسمح لنفسها أن تنهار؟

لا والله. إذا لم تعلموا من هي ندي بعد. أنهت حاله البكاء التي انتابتها سريعًا قبل حتى أن تشعر بها أمها. وبعد أن غسلت وجهها، وقفت تنظر إلى المرآة المعلقة فوق حائط المرحاض وهي تقول بتصميم: "أنا هخليك تشوف مين اللي ملهاش وش من ضهر، ومتسواش في سوق الحريم حاجة. ماشي يا... باشا." دلفت إلى أمها المطبخ، والتي استغربت من عودتها فقالت: "يووه، إنتِ رجعتي إمتى يا بت؟ ولا تكوني نسيتي حاجة؟

ندي: "لأ، منسيتش. بس إنتي عارفة بابا مش هنا النهارده، وأنا يدوب بصيت على حمادة لقيته شغال كويس، فقولت أطلع أقولك على حاجة نسيت أقولك عليها امبارح." نظرت لها سناء باهتمام، فاكملت: "واحدة صاحبتي من أيام الجامعة خطوبتها النهارده، وعازماني. وأنا الصراحة عايزة أروح." سناء: "ومن إمتى بتحبي تحضري أفراح؟ ده أنا بتحايل عليكي تيجي معايا أي مناسبة وأنتي مش بترضي."

ندي: "يا ماما، كل المناسبات جوه الحارة. إنما صاحبتي عاملة فرحها في فندق كبير، يعني هشوف ناس جديدة وأغير جو شوية. بالله عليكي وافقي بقى، أنا زهقانة." ظلت تحايلها وتقنعها حتى نالت موافقتها، ولكنها قالت لها بتحذير: "ماشي يا ندي، روحي بس هي ساعة واحدة وترجعي، ساااامعة؟ قبلت أمها فوق وجنتها بفرحة وقالت: "ربنا يخليكي ليا يا سونسون يا جميل." ابتسمت الأم بحب وقالت: "ماشي يا بكاشة. المهم هتمشي من هنا الساعة كام؟

ندي: "يعني على تمانية كده." سناء: "بس أنا مش هكون موجودة في الوقت ده." ندي باستغراب: "ليه؟ رايحة فين؟ سناء: "شويه كده وهروح لأم الباشا. كلمتني وهي مدايقة، قولت أروح أطول عليها وأهي تفضفض معايا بكلمتين يريحوها." ندي باهتمام: "وهي إيه اللي مزعلها؟ تلاقي حسن عملها حاجة." قالت ذلك بخبث حتى تعرف ما حدث. سناء: "لأ والله، هو فيه زي حسن؟

ربنا يحميه يا رب. دي اتخانقت مع مرات عيالها، وأول ما رجع وعرف اللي حصل كرش التلاتة، حتى مرات حسين." لمعت عيناها بفرحة وقالت: "طلقهم يعني؟ ضحكت الأم وقالت: "بقولك وداهم بيت أهلهم يا هبلة. أنا لسه معرفش تفاصيل. لما لقيتها زعلانة كده قولت لها هخلص الأكل وأجيلك." تركت أمها واتجهت إلى غرفتها لتجهز حالها لأول معركة حقيقية ستبدأها معه، وهي تدعو بداخلها أن يطلق زوجاته، وحينها لن يكون لغيرها.

تعلم أن تفكيرها خاطئ، وتعلم أنه لا يجب أن تبني سعادتها على شقاء الآخرين. ولكن هكذا القلب يجعلك تفعل كل شيء خارجًا عن المنطق. مر اليوم دون جديد، وبعدما ذهبت أمها إلى أم الباشا. الباشا الذي أهلكها بحبه المستحيل. أصبح المنزل خاويًا إلا منها. دلفت إلى حجرتها وتجهزت بأجمل طلة.

ارتدت فستانًا أحمر يصل طوله إلى بعد الركبة، ذو أكمام طويلة واسعة وفتحة صدر مثلثة. وضعت زينة مبهرة فوق وجهها البهي، وما زاده بهاءً حينما وضعت طلاء باللون الأحمر القاني فوق ثغرها المغوي، فأصبح قابلًا للالتهام. تركت سلاسل الذهب خاصتها تتمايل خلف ظهرها بحرية، وارتدت حذاءً فضي اللون ذو كعب عالٍ ومعه حقيبة يد صغيرة من نفس اللون.

نظرت لنفسها بغرور بعد أن انبهرت هي نفسها من جمالها وجسدها المهلك الذي أظهره هذا الثوب. خافت قليلًا، ولكنها شجعت نفسها وقالت: "هيعملي إيه يعني، ولا يقدر لي على حاجة." خرجت من المنزل بقلب مرعوب، ولكن لم يظهر عليها أي شيء. وأخذت تمشي بثقة وغرور يزداد كلما رأت أفواه المارة مفتوحة وعيونهم جاحظة من هول جمالها. غير صافرات الشباب التي انطلقت إعجابًا بها وهم لا يصدقون أن تلك هي ندي (المسترجلة) كما يطلقون عليها.

أخذ قلبها يخفق بشدة كلما اقتربت من المرور أمامه. وهو كان يشرب أرجيلته ويقول لصديقه باستغراب: "هي العيال دي بتصفر كده ليه؟ اتخبلوا ولا إيه؟ الواحد مصدع خلقة. هو... قطع حديثه... آلان... قد علم لما كل تلك الجلبة. لم يصدق عينيه، إنها هي من تمشي بخيلاء أمامه، وأنها تمتلك كل هذه الفتنة. ألقى خرطوم الأرجيلة من يده وهو يقول بغضب جم: "يا نهااااار أبوك أسووووود... ندددددي."

انتفض وارتعش جسدها أثر صراخه باسمها، ولكنها أبدًا لن تظهر خوفها منه. بل وقفت ببرود تنظر له وهي تقول بدلال: "بتزعق ليه يا باشااا؟ هو أنا طرشة؟ وقف قبالتها بعيون تقدح شررًا، ولم يهتم بمن يقف ليشاهد ماذا سيفعل بها حسن الباشا، فالجميع يعلم أنها بمثابة أخت صغيرة له، حتى في بعض الأحيان يذهب إليه هو من يريد أن يتقدم لخطبتها ليتوسط له عندها. جز على أسنانه بغيظ وقال: "إييه اللي مهبباه في نفسك ده يا بت؟

أغتاظت منه وقالت: "ليا اسم على فكرة، إنت فاكرني عيلة صغيرة؟ نظر لها بصدمة غاضبة وقال: "وإنتِ كبرتي إمتى يا ست ندي؟ ده إنتي يا بت لسه من كام سنة كنتي بتعمليها على بنطلون." عمى عيناها الغضب وضربت بكعبها فوق الأرض وقالت بدون وعي: "أنا كبرت و من زمااااان على فكرة، بس إنت اللي أعمى ومش شايف يااااا... حسن."

لا يعلم لما خفق قلبه بعد نطقها اسمه بتلك الطريقة، ولكنّه جن جنونه حينما تحدثت معه بجرأة أمام الجميع. فما كان منه إلا أن يمسكها من ذراعها بقوة ويسحبها خلفه داخل المعرض الخاص به، ولم يهتم بصراخها عليه، فهي تزيد حسابه معه. أما من كان يقف ليشاهد، فقد أشفقوا عليها مما ستلاقيه على يد هذا الهمجي. ضرب بيبو كفًا على كف من هذا الجنون الذي يحدث أمامه وقال بصوت عالٍ: "يلا يا أخينا منك ليه السيما، شطبت، كل واحد يروح يشوف حاله."

وقف يغلي كالمرجل، ولم يترك ذراعها بعد. وبرغم رعبها منه، إلا أنها تحاملت على الألم ووقفت تنظر داخل عينيه الغاضبة بثبات يحسد عليه، ولأول مرة تطيل النظر داخلهم، حتى قالت بداخلها: "إذا كان هذا جمال عينيك عند الغضب... كيف يكون حالهما حين... تحب؟ أفاقها من إبحارها داخل إبريق العسل خاصته صراخه بها وهو يهزها بعنف: "يعني أنا الصبح بهدلت كرامتك عشان بس نازلة بشعرك مفرود، ميفوتش كااااام ساااااعَة و تبقي رقاصة بجددددد؟

حاولت أن تنزع ذراعها من يده الحديدية، ولكنها لم تستطع، فقالت بغضب قد تحكم بها بعد أن فاض بها الكيل: "اااانت مزعل نفسك ليه كده؟ مش أنااا مسواش في سوق الحريم، ومليش وش من ضهر، يعني مهما أعمل محدش هيبصلي، يبقى ااااايه بقي؟ لأول مرة يجده حاله منجذبًا لملامحها الفاتنة، وقد انبهر بثغرها المغوي وشفتاها تتحرك مع حديثها الغاضب بطريقة جعلت عقله يتخيل ماذا سيحدث إذا قامت بإزالة ذلك اللون المثير من فوق شفتيها بخاصتي.

عند تلك النقطة شعر أنه صعق بكهرباء، فانتفض بداخله وهو يتركها بهمجية وقال حتى يلهي حاله عن هذا التفكير القذر: "إنتي مبقاش ليكي حااااكم، وأنا بقي هعرف أشكومك يا خراااااا." وقفت قبالته تجابهه بقوة، وتعمدت أن تكون قريبة منه للغاية دون تلامس، ولكن أنفاسها الساخنة قد لفحت عنقه وهي تقول بحزن: "هو إنت ليه شايفني وحشة كده يا حسن؟

كل شوية تقلل مني وتهني، وأنا أخلقلك ألف عذر وأقول مش قصده، وفالآخر شايف إن ماليش حاكم، مع إني متربية على إيدك، وإنت أكتر واحد عارف أخلاقي."

لمعت عيناها بالدموع لأول مرة أمامه، ولم تمنعها. وما زاده قلبه خفقانًا هو صوتها الذي خرج بنبرة لم يسمعها منها قط، وكانها تستجديه أن يشعر بها دون أن تنطق كلمة واحدة تدل على ذلك. ولكن ملامحها، لمعة عينيها، صوتها الشجي، كل هذا يطالبه أن يفهم ما بين السطور، وهو يمتلك من الخبرة والذكاء ما يجعله يشعر بما تريد إيصاله له. ولكنّه كذب حاله ورفض تلك الأفكار، بل ونفضها خارج عقله.

ثم رد عليها برفق لأول مرة: "عارفك أكتر من نفسي، وواثق في أخلاقك يا ندي، بس لازم أحجمك عشان متضوريش نفسك. إنتي بقالك فترة متغيرة، ومشاكلك زادت عن الحد، وإنتِ مبقتيش صغيرة، لازم تعرفي إنك بنت وطريقتك دي متنفعش، خصوصًا في منطقة شعبية زي دي. تفتكري أنا هقبل إن حد يقول عليكي كلمة متعجبنيش؟ طبعًا لأ، عشان كده بقسي عليكي. إنتي زي خديجة عندي، ويعلم ربنا أنا بتمنالك الخير قد إيه، ونفسي النهارده قبل بكرة أجوزك للي يستاهلك."

كسر جديد، ولكن قد اعتادت على ذلك، لا يهم. ردت عليه بنبرة تصرخ عشقًا وقالت ردًا على حديثه: "ساعات الحنية مفعولها بيبقى أكبر وأحسن من القسوة يا..... باشا." وفقط. تركته مغادرة المكان بعصبية مفرطة واتجهت إلى منزلها، وهي لا تسمع غير جملة واحدة تعاد داخل عقلها: "نفسي النهارده قبل بكرة أجوزك للي يستاهلك." أغلقت باب غرفتها بقوة وألقت بحالها فوق الفراش وهي تجذب شعرها للخلف بجنون، و...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...