وصلت عائلة الصعيد أمام بيت كبير يشبه الفيلا، ووجدوا في انتظارهم حشدًا آخر من عائلة عوضين، والذي أبلغهم أحد كبار القرية أن النائب وهدان الصعيدي ورجال عائلته سيحضرون إليهم في أمر هام. وبرغم توجسهم من هذه الزيارة غير المتوقعة، إلا أنهم قاموا بتجهيز استقبال يليق بهذه العائلة الكبيرة قيمة وقامة. عبد الغفور، وهو نائب لمجلس الشعب عن هذه القرية: "يا مرحب يا مرحب... نورتوا الجزيرة كلياتها يا سيادة النايب."
وهدان: "منورة بأهلها يا عبد الغفور." أخذ الترحيب بهم وقتًا حتى جلسوا جميعًا في قاعة كبيرة تسمى "المندرة". وقد تعرف حسن على المدعو عوضين وأطلق ناحيته شرارات الغضب والوعيد، تحت استغراب الأخير من تلك النظرات. وقف مجموعة من الرجال المسلحين أمام بيت حماد العزيزي، وتحدث كبيرهم معه قائلًا: "سيادة النايب وهدان الصعيدي رايدك أنت وخواتك دلوك حدي دار عوضين." تصنم حماد مكانه من هول المفاجأة، وارتعش داخله... وقال: "وااااه!
النايب وهدان بذات نفسه رايدني... أنا أجيلكم مكان ما يكون، بس هو ما خبرش إن بناتنا تار ومهينعش أدخل دارهم ولا إيه؟ الرجل بقوة: "خااابر! قلت ديه وبرضك مستنيك... هو وعائلة الصعيدي تمام." حماد بخوف: "طب جولي يا ولد عمي رايدين مننا إيه؟ أنا ما فيش بيني وبينهم سابقة معرفة، بس خابر زين إنهم عيلة واعرة جوي، وأدام جايين لحدت أهنه يبقى في حاجة كبيرة جوي."
الرجل بفظاظة: "انت لسه هتاخد وتدي فالحديث وهتخلي سيادة النايب يجعد مستنيك... هو فاضيلك ولا إيه؟ هم يلاااا! شيع لخواتك وتعالوا معانا."
نفذ حماد ما قاله الرجل مجبرًا، وطوال الطريق يفكر فيما يريده هذا الرجل المتجبر هو وعائلته. لم يربط اسم حسن عبد الجواد الصعيدي بتلك العائلة حينما أخبره، اعتقد أنه مجرد تشابه أسماء، أو هو لم يكلف نفسه عناء معرفة أصل عائلة حسن من الأساس. ولكن حينما دلف إلى مجلس الرجال ورأى أخيه وجيه يجلس بجوار حسن، الذي نظر له بقوة وقال: "أنا جيت لك لحد بلدك و خليتك تدخل بيت الناس اللي معاديهم، وعايز تتصالح معاهم على قفايا...
يا حمااااد... إيه رأيك؟ تمام كده ولا لسه في نظرك صايع؟ وقف حماد ينظر له بصدمة، والآن تذكر فقط اسم عائلته هذا المتبجح. وقد قرأ حسن ما يدور داخل عقله الغبي، فقال باستهزاء وتفاخر: "آآآيوه مظبوط، هو اللي جيه في بالك. أنا قلت لك من عيلة الصعيدي وأنت مهتمتش... النايب وهدان يبقى عمي وأهل أبويااا كلهم هنا... إيه رأيك؟ اقترب منه ووقف قبالته يناطحه بقوة، وأكمل: "عرفت أنت عاديت مين؟
أنا لولا الرجالة اللي قاعدة دي ما كنتش سبتك حي... بس ملحوق." أعجب وهدان بقوة وجرأة حسن، فابتسم بتعقل وقال بتأكيد: "تعالي يا ولدي اجعد، وحقك هجيلك... تحت رجليك." عبد الغفور: "صلوا على النبي يا رجالة وفهمونا في إيه...
حضرتك يا سيادة النايب، كل اللي جولتهولي إن أجمع عائلة عوضين في داره وأكون وياهم، أنا وكبرات النجع من غير ما تجول سبب. وأني ولا أي حد أهنه يجدر يكسر لك أمر. وأهه كل اللي أمرت بيه لجيته جاهز، فهمني بجي إيه الحكاية؟ عوضين: "أني سكت على دخول العزايزة دارنا عشان خاطرك، بس انما... حسن: "انت تسكت خالص، عشان دورك جاي." قبل أن يرد عليه، طرق وهدان عصاه في الأرض بقوة، فحلت الصمت على الجميع.
فنظر لهم وقال: "إحنا لينا حق عند الاثنين دول وجايين ناخده... بدراعنا وفي قلب بلدكم... إيه جولكم؟ تحدث عبد الغفور، والذي اتفق الجميع أن يكون هو الناطق باسمهم جميعًا: "حقك على رجابينا يا بيه، بس جولنا إيه اللي حصل؟ نظر وهدان إلى حماد بغضب، ثم إلى عوضين، وقام بتفجير قنبلة قبل أن يقص لهم ما حدث: "لأول، حابب أسأل عوضين وحماد، أخبار مصنع اللحمة اللي متشاركين فيه إيه؟ هيكسب زين على أكده؟
تعالت الأصوات المستنكرة داخل القاعة، كيف لهم أن يتشاركوا وبينهم تار منذ سنين. أما الاثنان، اصفر لون بشرتهما من تلك الكارثة التي وقعت على رأسيهما. طرق عصاه بقوة ليصمت الجميع، ثم أكمل: "دلوقت هقولكم على اللي عمايلوه للعلم بالشىء، لكن حق ولد أخوي هاخده من حباب عينيهم... جول اللي حصل يا ولدي."
حسن: "أنا كنت خاطب بنت عم وجيه، هو عايش معانا بقاله سنين من ساعة ما هاج مالبلد. ومن فترة حماد كلمه وقاله إنه عايز يجوز بنته اللي عندها عشرين سنة لده... " شاور بعينه على عوضين باحتقار، وأكمل: "... عم وجيه قال له دي مخطوبة. وبعد رغي كتير وتهديد منه لأخوه، صمم يجي ياخدها بالعافية. لما عرفت اللي حصل، كتبت عليها."
نظر لهم بغضب وأكمل: "ماهي مش مخطوبة لخول يعني. المهم، جه حماد ومعاه ناس واستقبلته في بيتي، واتكلمنا واتلم أدبه هو وابنه، وبيطلب مني بكل بجاحة أسيب مراتي. المهم خلصت القعدة بعد ما رفضت كلامهم، بس عزمتهم على الدخلة وما جوش. سكت شوية وقلنا الحكاية خلصت على كده، بس لقيته امبارح بيكلم مراتي في نص الليل ويهددها يا إما تطلق مني وتوافق تيجي البلد، يا إما هيعرف ال... " كاد أن يسب، ولكن تمالك حاله وأكمل: "...
هيعرفوا طريق عم وجيه وتيجوا تاخذوا تاركم منه. نظر للاثنين المرتعبان وأكمل بتجبر: "أنا بقى قولت أوفر عليكم المشوار وأجيلكم أنا وعم وجيه لحد بيتك... وعايز دكررررر يبصله بس بطريقة متعجبوش، إيه قولكم يا.... رجالة." تعالت الأصوات المستنكرة،
فقال وهدان بصوت جهوري: "أني أول ما ولد أخوي حدتني، شكيت في الموضوع مش اللي جالهولي حسن، لااااه، في حكاية عوضين وحماد. وبعد ما استقصيت عرفت إنهم مشاركين بعضهم في مصنع لحمة في السر وعاملين قدام الكل إن فيه عداوة بينهم. وطبعًا الباقي مش محتاج نباهة، يعني أكيد اتفجوا ويا بعضهم على حكاية الجواز دي لجل ما يقدروا يشتغلوا في النور. بس مش على حسابنا يا وااااد منكم ليهم... ديه حسن ولد عبدالجوااااد الصعيدي...
كلياتكم عارفين مين هو عبدالجواد، رغم إنه عايش في مصر بس ما قطعش رجله مالبلد، ومن بعده أولاده حذوا حذوه وبيجوا يطلوا على عائلتهم وناااسهم." تعالت الأصوات المستنكرة، وذلك العار الذي لحق بكلا العائلتين من وراء هؤلاء الحمقى. قال وحيد، وهو أخ عوضين الأكبر: "اخص عليك يا كلب، صغرتنا جدام الخلج... أتحرىك عمال تتزن على الصلح لجل ما تمشي مصالحك مع الكلب التاني."
وجيه بغضب: "عشاااان كده كنت مصمم تاخد بتي لدرجادي الطمع عماك، منك لله ياخي منك لله." حسن: "خالي الدعي للنسوان يا عم وجيه، إنما دول لازم يتربوا." عبد الغفور: "اهدوا يا رجالة، أنتوا كده ليكم حق كبير عند العيلتين، واللي يرضيكم هنعمله على رجابينا." همس سامح لأبيه: "ربنا يستر، والخبيث ده ما يقولكش عرفت منين إنها قاعدة لحالها." حماد: "اجفل خاشمك يا حزين، لحسن حد يسمعنا."
أراد عوضين أن يخرج نفسه من تلك الكارثة، ولا يعلم أنه يقودها إلى التهلكة. وقف ممثلًا القوة وقال: "أني مليش صالح بكلت ديه، أني صوح مشارك حماد في السر، لكن هو اللي شار عليا بحكاية الجواز دي لجل ما نقدر نفضوا التار اللي بيناتنا ونشتغلوا في النور، وجالي البيت حلو وزينة... و......
و فقط." لم يستطع إكمال ما يقوله، حينما هجم عليه حسن مثل الثور الهائج، وقد أبرحه ضربًا حتى وقع أرضًا. فقام بإكمال ضربه بقدميه في جميع أجزاء جسده السمين. وحينما هم رجال عائلته لإنقاذه، وقف وهدان وقال بتجبر: "لو حد فيكم دخل، هقلبها مجزرة وهصفيكم كلياتكم." مع نهاية حديثه، قام رجاله برفع السلاح في وجه الجميع. وبينما حسن يكمل ضربًا في ذلك المسجى أرضًا، وقد فقد وعيه، لمح حماد يهم بالهروب، فصرخ
به وهو يتجه إليه بجنون: "رايح فين يا #########؟ بتهرب زي النسوان بعد ما عملت فيها دكر." كانت تلك آخر كلمات نطق بها قبل أن يفعل فيه مثل الآخر وأكثر، ولم يتركه إلا بعد أن فقد وعيه. وسامح يصرخ بقهر لعبد الغفور: "يرضيك أكده يا سيادة النايب... أضربنا في بلدنا وركبنا العار باقي العمر." نظر لوجيه وأكمل: "عاجبك اللي بيعمله جوز بتك يا عمي؟ صغرت أخووك قدام الخلج لجل ما يرضي عنيك."
أغاظ الحسين من حديثه، وهو أيضًا لم ينس ما فعله حينما أتى إلى منزلهم، فقام من مجلسه واتجه إليه ثم لكمه بقوة، وأكمل ضربه وهو يقول: "عشان تونس أبوك في المستشفى وما يبقاش لوحده، قدام زعلان أوي يا #####." ترك الإخوان هؤلاء الأنذال بعد أن أفرغوا طاقة الغضب بهم، ووقفا يلهثان. وهدان باستهزاء: "هم يا ولد منكم له، شيلوهم واطلعوا بيهم على الوحدة." نظر للجميع وأكمل: "إحنا اللي كسرنا... وإحنا اللي هنجبر...
ما عايزيناش حد يتكلف حاجة." فهم الرجال مغزى حديثه المهين، وأطرقوا رؤوسهم للأسفل. فنطق عبد الغفور قائلًا بحزن يشوبه الغضب: "لااااه، إحنا هنكفل بيهم يا بيه. أجدك خدت حقك ولا لساتك رايد شيء تاني؟ نظر وهدان لحسن وقال: "ولد الغالي هو اللي هيحكم." حسن: "أنا مش هيكفيني قتلهم بس، عشان خاطرك يا عمي وخاطر الرجالة اللي ملهاش ذنب تتورط في مصايب هما أصلاً مش قدها بسبب شوية كلاب. خلاص أنا هعمل بأصلي وهسامح في حقي."
نظر له الجميع بذهول. عن أي حق يتحدث، وعن ماذا سيسامح؟ وهو الحق العار لعائلتين من أكبر العوائل في القرية. جاء إليهم في عقر دارهم، داخل بلدتهم، أبرحهم ضربًا أمام الجميع، ولم يستطع أحد الدفاع عنهم. ماذا كان يريد أكثر من ذلك؟ عبد الغفور بغيظ مكتوم من تجبر هذا الهمجي: "الله يكرم أصلك يا ولدي. يبقى خلاص نعقد جعدة صلح لجل ما النفوس تتراضي."
وهدان: "لاااه، إحنا ما فيش بيناتنا زعل يا عبد الغفور لجل ما نتصالحو. كان فيه فرع عوج عندكم وإحنا عدلناه. بس اللي طالبه منك تنهي حكاية التار دي... مع إنها منهية من زمان، بس أعلنها للكل لجل ما يبقاش للحكاية دليل." عبد الغفور: "طلباتك أوامر يا بيه." انتهت تلك الجلسة الكارثية بخروج الباشا منتصرًا مرفوع الرأس بعد أن لّقن الاثنين درسًا لن ينسوه. وقد حمد ربه كثيرًا على انتسابه لتلك العائلة العريقة، وتذكر نصيحة والده الراحل
له قبل أن يفارق الحياة: "خليك متواصل مع أهلك يا ولدي، وكل وقت والتاني سافر البلد طل عليهم واجعد لك كام يوم... العزوة حلوة يا ولدي والصعايدة بيتحاموا ببعضيهم وقوتهم في إيديهم الواحدة. حتى لو قريبك من بعيد، إياك تفرط في أصلك يا ولدي." تنهد
بحزن وقال وهو يخرج هاتفه: "الله يرحمك يابا، كان عندك حق في كل كلمة قلتها." نظر إلى هاتفه الذي وضعه على وضع الصامت من بعد أن وصل إلى القرية. وجد حبيبته متصلة به عشرات المرات ورسائل كثيرة، قرر أن يقرأها في وقت لاحق. والآن يقوم بمهاتفتها ليطمئن قلبها المحروق عليه. وبمجرد أن فتحت الخط، قال بهمس وهو يقف في زاوية بعيدة عن جميع الرجال: "آسف يا نداي." ردت عليه بلهفة: "قلب نداك اللي اتوجع من رعبها عليك.
بكت وأكملت: "طمني بالله عليك، أنت كويس؟ وبابا حد عمل له حاجة؟ رد عليها برفق: "اهدي حبيبي، إحنا بخير وخلصنا وطلعنا كمان." ندي بعدم فهم: "خلصتوا إيه وطلعتوا منين؟ حسن: "خلصنا حكاية التار وحكاية عمك وطلعنا من البلد رايحين على المطار، يعني بأمر الله بالكتير تلت ساعات وأكون عندك." ندي: "والنبي بجد؟ أنا خلاص هتجن، وبحاول ما أبينش حاجة... متخيل أنا عاملة إزاي؟
جوايا نار من خوفي عليكم، ومضطرة أتعامل عادي قدامهم هنا عشان محدش يحس بحاجة زي ما قلت لي... حتى دلوقتي دخلت أكلمك من جوه." حسن بحب: "حقك على قلبي يا قلب الباشا... خلاص حبيبي اهدي بقى واطمئني، أنا جايلك أهو... زفر بحنق وأكمل: "مع إن انهارده مش يومك، بس هطلع أطمن عليكي قبل ما أروح عند عزة لو كنتوا طلعتوا يعني." ندي بصدق: "مش مهم عندي ولا عندها، المهم إني هبقى مطمئنة إنك معايا في نفس المكان... وبخير."
برغم أنه طمأنها على حاله ومن معه، وقد كان في طريقه إلى مطار سوهاج الدولي ليستقل الطائرة العائدة إلى القاهرة، بعد أن رفض رفضًا قاطعًا محاولات الحاج وهدان أن يبيت الليلة هناك. إلا أنها لن تطمئن إلا بوجوده أمامها. فاللَّه وحده يعلم كيف مر اليوم عليها بدونه، والقلق ينهش قلبها نهشًا. وكلما سألها أحد ما بها،
كانت تقول: "داخل عليا دور برد وسخونية." لدرجة أن عزة أشْفَقت عليها وقامت بصنع مشروب أعشاب لعله يريحها قليلًا. ولكن هيهات، دواء العالم أجمع لن يأتي بمفعوله معه. هي تريد حبيبها وفقط.
صعدت شقتها مبكرًا عن ميعادها المعتاد، بعد أن ألحّت عليها أم الباشا أن تذهب لتستريح، فلا يوجد شيء تفعله معهم، وأن وجد، فهن سيقمن به. وقد كان ذلك الاقتراح أفضل ما قيل لها اليوم. فبمجرد أن دلفت شقتها وأغلقت الباب خلفها، أجهشت في البكاء حتى قطعت أنفاسها، وشعرت بحرارة تغزو جسدها، مما جعلها تخلع عباءتها وتلقيها أرضًا، ثم استلقت فوق الأرضية الرخامية، ولا يسترها غير حمالة الصدر وشورت قصير. ظلت مستلقية هكذا حتى بعد أن هاتفها، لم تستطع التحرك. كل ما تفعله هو تمددها ساكنة تنظر إلى سقف الغرفة...
وفقط. وصل أخيرًا إلى حارته، ومن ثم ودع وجيه وصعد هو وأخوه إلى بنايتهم، دالفين إلى شقة أمهم كما المعتاد. ألقيا السلام على الجميع، وعيونه تدور حول المكان يبحث عنها بقلبه قبل عينه. وحينما لم يجدها، سأل أمه وهو يحمل ابنته الصغيرة ويقبلها: "أمال ندي فين يا أما؟ غريبة، أول مرة ما تستنانيش رجعتي هنا." قبل أن ترد عليه أمه، كانت عزة الأسرع حينما قالت: "ندي تعبانة شوية، وماما قالت لها تطلع تريح في شقتها."
انتفض قلبه هلعًا عليها، ولكن حاول التماسك أمامهم وسأل بهدوء ينافي رعبه عليها: "مالها؟ إيه اللي تاعبها؟ لمحت عزة لهفته عليها داخل عينيه رغم تماسكِهِ، وشعرت بوخزة في قلبها، إلا أن بقية ضميرها حثها أن تقول: "شكلها داخلة على دور برد بسخونية." صمتت للحظة وأكملت: "خليك جنبها انهارده يا حسن." نظر لها بذهول وقال: "لا، انهارده يومك أنا، بس هطلع أبص عليها ولو كده هخليها تبات عند أمي."
عزة بصدق: "أقسم بالله ما زعلانة، وبقولها لك بنية صافية. أنا ولادي بايتين معايا، وأكيد الواحدة مهما كان تبقى محتاجة جوزها جنبها في تعبها، ومش هترتاح إلا في فرشتها." وقف الجميع في حالة صدمة. هل تلك الحرباء هي من تتفوه بهذا الحديث العقلاني وتتنازل عن يومها من أجل غريمتها؟ بالطبع لن يصدق أحد تلك الحيلة. فقالت فاطمة بتحذير: "أوعي تكوني ناوية على حاجة يا عزة، أصل شوية الحنية دول مش لايقين عليك."
دمعت عيناها وقالت: "الله يسامحك يا أما... أنا قلت اللي عندي، وبراحتك يا باشا، ده بيتك وده بيتك، وأنتِ حرمة." خنقت خديجة على سماح وقالت بهمس: "أقطع دراعي ما كانت بتدبر لمصيبة." سماح بنفس الهمس: "أو يمكن عايزة تكسب بونط عند الباشا، عزة دي مش سهلة ودماغها سُم." أما الباشا العاشق، فلم يهتم بنواياها، بل انتهز الفرصة التي أتت له على طبق من ذهب،
فقال: "ماشي يا عزة، تشكري، وأنا هعوضلك يومك ده بعدل ربنا." وفقط. اتجه للخارج، وبمجرد ما اختفى من أمامهم، ركض قلبه فوق الدرج قبل ساقيه ليصل إليها سريعًا. وحينما وصل أمام بابها، كاد أن يطرقه، ولكن غير رأيه وأخرج المفتاح من جيبه ليفتح به. حتى إذا كانت قد غفت، لا يفيقها. وقف مصدومًا برعب بعدما وجدها مستلقية بتلك الطريقة فوق الأرض، وظن أنها فاقدة لوعيها. هرول إليها وانحنى عليها، ثم قال وهو يكاد يبكي رعبًا عليها: "ندي...
نداي." كاد أن يحملها، إلا أنه وجدها تفتح عينيها باستغراب وتقول بهمس غير واعٍ: "اتأخرت... يا حسن." لم يهمه إذا كانت غافية أو فاقدة الوعي، كل ما يهمه أنها فتحت عينيها وأطلت منهم شمسها لتنير حياتها. لا يعلم كيف خطفها من فوق الأرض ووضعها فوق ساقيه الممددتين بعد أن جلس واعتصرها بين ذراعيه وهو يقول بخوف ظهر جليًا على نبرته: "وقعتي قلب حسن يا نور عين حسن وقلبه اللي كان هيقف بسببك."
هنا عاد لها وعيها كاملًا بعد أن كانت تظن أنها تحلم بعودته. ظلت تتحرك بجنون حتى يخرجها من أحضانه. وحينما نجحت، تحت صدمته من فعلتها، ولكن سرعان ما وجدها تنظر له بدموع وتتحسس وجهه وجسده وهي تقول بتقطع: "حسن... أنت جيت... بجد؟ أنا كنت هموت... خوفت عليك... قولي إنك كويس... قولي إنك رجعت لي." أمسك يدها التي تتفحصه بجنون وقال: "اهدي حبيبي...
اهدي، أنا رجعت وبخير الحمد لله، كلنا بخير، محدش حصله حاجة والموضوع اتحل كمان وخل.... " قطع حديثه حينما انقضت عليه تقبله بقوة غاشمة ناتجة من رعبها عليه طوال اليوم. قبلة تريد منها التأكد بوجوده معها. قد عاد حبيبها. هي تشعر بيده تعتصرها بقوة كما يفعل، أسنانه تقضم شفتيها كما يفضل، وها هو لسانه يجوب داخل فمها باشتهاء، كما يحب. وهي أكثر من مرحبة بكل ذلك، بل وتريد المزيد. فصل قبلته الدامية بعد فترة،
ثم ملس على وجهها وقال: "أنا معاكي... وفي حضنك يا قلب الباشا... متخافيش من حاجة ولا حد طول ما أنا جنبك." قَبّلت وجهه بعشق وقالت: "طول عمرك جنبي يا حسن... من صغري وأنت سندي و ضهري... ولما كبرت بقيت حبيبي وأماني... ما عنديش أغلى منك أخاف عليه... يا قلب ندي وعمرها كله اللي هقدمه لك فداك. حضنك يا حسن." ماذا يفعل معها؟
قلبه أصبح يؤلمه. نعم يؤلمه من قوة عشقها الذي يحتل كل كيانه وأصبح يفيض، حتى أن قلبه أصبح صغيرًا على حجم حبها الذي لا يضاهيه شيء في الحياة. قبلها بسطحية وقال بعد أن لاحظ أخيرًا أنها شبه عارية: "أنتي قالعة هدومك ليه؟ وإيه اللي نيمك في الأرض كده؟ رعبتيني عليكي خصوصًا إنهم قالوا لي إنك تعبانة." ابتسمت بحب وقالت: "أصل اضطريت أقول لهم إني داخل عليا دور برد عشان كده عيني بتجيب دموع لوحدها... ده حتى عزة عملت لي كوباية أعشاب."
نظر لها باستغراب وقال: "آآه، قالت لي دي هي كمان اللي أصرت أبِيت عندك عشان أبقى جنبك." زوت بين حاجبيها وقالت: "غريبة." وقفت عزة في وسط غرفتها وهي تصرخ، ولكن بهمس: "اسمع أما أقولك يا واد أنت، ويمين الله لو ما طلعتني من القرف اللي عايز تغرزني فيه ده، لكون مسلطة عليك إسماعيل أخويا. أنت عارفه دماغه لسعت مالهباب اللي بيطفحوه. هي ديتها ألف جنيه يشتري بيهم مزاجه بتاعه ودماغه تطون وتطلع على أمك، ساااامع."
وليد بغضب: "بفي كده يا مرة #####؟ طب من غير حلفان، يوم ما هتعمليها، لتكون كل تسجيلات مكالماتك واتفاقك معايا عند الدكر اللي نيكي." ضربت على صدرها بيدها وهي تقول بصدمة: "نهار أبوك أسوووووود! أنت كنت بتسجل يا وسخ؟ ضحك وليد بصخب وقال: "من أول حرف اتقال بينا يا.... أم زياد." جلست على فراشها بغلب وقالت: "منك لله... وو فقط." أغلقت الهاتف في وجهه بعد أن علمت أن لا مهرب لها من هذا الشيطان. بكت...
نعم بكت لخوفها منه، وضميرها الذي يجلدها. فحسن لا يستحق منها أن تفعل ذلك معه. أولادها لا يستحقون أن تدنس شرفهم بسبب هذا الحقير. لديها ولدان سيصبحون يومًا رجالًا، ولكن العار سيظل ملتصقًا بهم، هما وأبيهم. رفعت عينيها إلى السماء وقالت بابتهال: "يااااا رب...
سايك عليك حبيبك النبي خليك معايا ووقف جنبي. أنا غلطانة بس أنت شاهد يا رب إني كنت غيرانة وخايفة على بيتي. كل اللي كنت بفكر أعمله إني أخليه يطلقها، بس مش هقدر أعمل فيه اللي بيطلبه مني الشيطان ده. يااااارب، أنت اللي عالم أنا شوفت إيه في حياتي وعارفة إني غلط كتير، بس أنت رحيم يا رب... والنبي بلاش عشاني، لجل خاطر عيالي الغلابة دول، وعشان حسن... ما يستاهلش الغدر... يااااااارب." ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!