الفصل 3 | من 30 فصل

رواية حسن و ندى الفصل الثالث 3 - بقلم فريدة الحلواني

المشاهدات
400
كلمة
5,094
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

صباح جديد يشرق على حارة الباشاو، لكن من بينهم لم يذق طعم النوم. دعونا نرى. كانت تجلس مع زوجها الحبيب وهو يرتدي ثيابه بعد أن تناولا طعام الإفطار سوياً. وقد لاحظ شرودها، فقال باهتمام: "مالك يا مونه؟ سرحانة في إيه يا حبيبتي؟ "هاااا، أبداً يا حبيبي، متشغلش بالك." ترك قميصه الذي كان على وشك ارتدائه وقال: "وأنا عندي أغلى منك يا حبيبتي عشان أشغل بالي وقلبي بيه." ضم يدها بحب وأكمل:

"قولي إيه اللي شاغلك أوي كده ونفكر سوا زي ما اتعودنا." أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بحزن، ثم قالت: "قلبي واجعني على ندى أوي يا بيبو، مش عارفة آخرتها إيه معاها." عقد بين حاجبيه وقال: "مالها ندى؟ هو حصل حاجة تاني غير اللي حكتلك عليه؟ "يعني اللي عملته امبارح ده قليل يا بيبو؟

تلبس وتنزل بالمنظر ده قدام الناس، وانت عارف وأنا عارفة إنها عملت كده بس عشان تلفت نظره. ده غير امبارح أم جمال جارتنا اللي فوق خبطت عليا بالليل قبل ما أنت ترجع وقالتلي ابن اختها شافها وطالب إيدها، وطبعاً لو قولتلها هترفض كالعادة." "أنا مش فاهم أختك عايزة إيه؟ هو حتى لو اتقدملها هترفضه عشان متجوز بدل الواحدة اتنين، وهو مش معترف بحاجة اسمها حب من الأساس. ده غير إنه بيعتبرها بجد أخته الصغيرة." زفر بهم وأكمل:

"مش عارف الحكاية دي آخرتها إيه، البت صعبانة عليا، هتضيع شبابها وهي بتحلم بحاجة مستحيلة." كان يجلس أمام معرضه كما اعتاد صباحاً، ولكن مزاجه عكراً للغاية. وما زاده تجهم حينما مرت من أمامه سريعاً ولم تلقي عليه تحية الصباح أو تشاكسه كما اعتاد منها. زفر بحنق وقال: "البت بتتعوج عليا وعاملة نفسها مقموصة كمان! طيب يا ندى." جاء إليه أخيه بابتسامة هادئة وقال: "مالك يا شبح؟ بتكلم نفسك ليه يا حبيب أخوك؟

ولا عشان بيبو اتأخر النهاردة؟ "هو اللي يشوف الأشكال العكرة دي ميكلمش نفسه. مش عارف اتأخر ليه النهاردة." "طب عشان تكمل، حماك جاي علينا أهو." سب له سبه نابية وقال: "هو يوم باين من أوله." "السلامو عليكم يا رجالة." رد الإخوان التحية. ووجدوه يجلس دون استئذان. غمز الحسين لأخيه حتى يهدأ قليلاً ويتحلى بالصبر. بدأ الرجل حديثه قائلاً: "ينفع اللي عملته مع البت ده يا باشا؟ أنا مردتش أجلك يومها وقولت أسيبك تهدى شوية."

"وأنا عملت إيه يا حاج محمد؟ هي جاتلك مضروبة مثلاً؟ "لا، مكروشة يا باشا ومن غير عيالها كمان. هي عملت إيه لكل ده؟ نظر له بغيظ وقال: "هي مش حكتلك؟ هز الرجل رأسه علامة الرفض، فأكمل بفظاظة وهو ينوي الذهاب: "خلاص، لما تعرف عملت إيه ابقي تعالي عاتبني. والبيت مش هنا، هنا مكان أكل عيش يا حج." وتركهم متجهاً إلى محل تلك الشرسة، ولا يعرف لماذا اتجه إلى هناك. شعر الحسين بالحرج من تصرف أخيه الفظ، ولكن قال:

"معلش يا حج، أنت عارف حسن مش بيحب يتكلم في حاجة تخص البيت هنا. تعالي اتغدى معانا النهاردة وكل حاجة ليها حل بإذن الله." "ماشي يا حسين، هاجي عشان خاطرك." "سلاماتي بيبو." وقال بمزاح: "الراجل ده عنده دم أوي يا جدع، قال هايجي عشان خاطرك قال. تلاقيه مستخسر اللقمة في بتّه عشان كده عايز يرجعها. أنا مشوفتش بخل كده، ههههه." دلف إلى محل البقالة الخاص بوالدها، وجدها تنظم الأشياء بعصبية. فقال:

"براحة شوية، إلا الكياس تفرقع منك يا ندوووش." نظرت له بغيظ ولم ترد عليه، وعادت لما كانت تفعله. "من هي حتى لا تهتم لحديثه؟ هل يصمت؟ لا والله." في خطوة واحدة كان يقف خلفها ممسكاً إياها من ملابسها من الخلف، وكأنه ألقى القبض على لص. وقال: "أنا مش بكلمك يا بت، مش بتردي ليه؟ ازداد غضبها وحاولت أن تفلت حالها منه وهي تقول: "سيبني يا حسن أحسنلك، أنت قافش حرامي! هزها للأمام والخلف وقال: "ولو مسبتش هتعملي إيه يعني؟

نظرت له بعتاب ولم تنطق. "عايز حتتين جبنة رومي عشان هجيب عيش سخن وعايز أحشيهم فيه." نظرت له بصدمة وقالت بداخلها: "ما علاقة ما حدث بالجبنة الرومي؟ يا اللللله! ساجن قريباً، ساجن على يدك." نفضت أفكارها وعادت لشراستها وقالت: "عايز بكام؟ "أنا عايز حتتين، اوزني وشوفيهم بكام." جزت على أسنانها بغيظ وقالت: "أنت جاي تتسلى وأنا عندي شغل."

"اتلمي يا بت عالصبح، أنتِ عارفة إني بنكوشك عشان أراضيكي بعد ما حسيت إني اتكيت عليكي جامد امبارح." "حسيت يعني مش متأكد." "يا بت أنا خايف عليكي إن... قاطعته بعصبية، ولكنها تمالكت حالها سريعاً: "عارفة زي أختك، حفظت والله. وعلى العموم متزعلش، هي ساعة جنونه وراحت لحالها خلاص. أنا أصلاً أصلاً مش بحب حاجات البنات المايعة دي." ضحك بصخب، خاطفاً معه قلبها للمرة التي لا تعلم عددها. وقال:

"أصلاً أصلاً. لا كده اطمنت، يلا سلام يا ندوش." قالت بلهفة: "والجبنة يا حسن؟ مش هتفطر؟ التفت لها ثم نظر لها نظرة لم تستطع فهمها، وقال بهدوء: "فطرت مع الحاجة قبل ما أنزل، أنا بس كنت عايز أراضيكي." لمعت عيناها بفرحة وقالت: "ربنا يراضيك ويرضى عنك." أكملت بداخلها، ولكن عيناها وشّت بما تتمناه: "وتحس بيا يا ربي."

هرب من تلك النظرة التي ظلت تطارده طوال الليل وهو يرفض تصديق ما شعر به داخلها. وعاد إلى مكان عمله، وبمجرد ما اندمج فيه نسي ما حدث، أو تناسى. جلس رجال العائلة ومعهم الحاج محمد بعد أن تناولوا طعام الغداء. وحكى له حسن باختصار ما أغضبه. فقال له بسماجة: "خلاص بقى يا باشا، حريمك وبيدلعوا عليك، كل واحدة عايزة تبين نفسها قدامك. مجراش حاجة يعني." "حسن بفظاظة: ده عند أمك يا حاااااج." انصدم الجميع من رده الوقح، ولكن أكمل:

"أنا معنديش أغلى من أخواتي، وأي حرمة تفكر توقع بينا ملهاش مكان في بيتي. وحكاية الدلع والمياعة دي عندك أنت، مليش فيها أنا، ولا بحبها." تدخل عبد الرحيم لينقذ الموقف بعد أن وجد الرجل يتصبب عرقاً من الإحراج وهو لا يقوى على الرد. فقال:

"خلاص يا حسن، البنات عرفوا غلطهم ومش هيتكرر تاني، وأنا والله ما سكتلهم، بهدلت كرامتهم وحلفوا إنهم مش هيكرروها تاني. وبعدين عشان خاطر جميلة بنتَك، عيد ميلادها كمان يومين، ولا أنت ناوي تقطع العادة ومش هتعملوا السندين؟ نظر له ببرود ولم يرد. فقال الحسين بتعقل: "خلاص يا حسن، عديها المرة دي، وأنا كمان هفوتها عشان خاطر جميلة." نظر لعمه وقال بجدية:

"بس لو بتك فكرت تنطق حرف مالي أمها ملت دماغها بيه، مش هقعدها على ذمتي يوم. تمام كده؟ "وأنا مش هكسر لك كلمة يا حبيب أخوك، خليهم يرجعوا، وأما نشوف اتربوا ولا لأ." بعد أن عادت النساء إلى منزلهن، جلسوا يعتذرون كثيراً لأم الباشا حتى يراضوه. وهو يجلس ممسكاً بهاتفه يبحث عن إحدى أفلام الكرتون لتشاهدها ابنته التي تجلس فوق ساقيه. رفع رأسه ينظر إلى عزة وهي تقول بطيبة زائفة: "هتبات فين النهارده يا حسن؟ "عند أمي."

هكذا رد عليها رداً قاطعاً لم تستطع أن تنطق بعدها. ابتسمت أم الباشا بكيد بعد أن علمت أن عقاب ولدها ما زال قائماً، فهو لا يصفي بسهولة. "هتعملوا إيه لعيد الميلاد؟ اللي حصل خلينا منجهز حاجة." "أنا اتفقت مع محل الحلويات على كل حاجة. أنتوا بقى بكرة علقوا الزينة ويبقى كده تمام." "طب واحنا مش هنشتري هدوم جديدة يا حسن؟ "يا بتي ده أنتوا الدولاب هيقع من كتر الهدوم اللي لسه متلبستش حتى. قضوها بأي حاجة وخلاص."

"أنا لسه شاري فستان جديدة، حضري بيه وخلاص. وأنتي يا نوسة مش... قطعت حديثها حينما وجدت الباشا يقف ويقول: "أما أنا داخل أنام، صحيني بدري عشان في بضاعة جديدة جايلنا بدري." "انزل بدري عشان تتأكد إن المخزن جاهز." "أنا لسه معدي عليه قبل ما أطلع أطمن، كله تمام." مر يومان ولم يحدث فيهما أي جديد يذكر. وها قد جاء يوم الاحتفال بولد جميلة، أبيها كما يطلق عليها.

اجتمعت بطلتنا مع أمها وأختها في ذلك اليوم صباحاً حتى يذهبو معاً إلى بيت الباشا ليشاركوهم الاحتفال. فقالت ندي باستفهام: "ليه يا ماما؟ هتروحي من بدري كده؟ وأنتي كمان يا مني؟ "بيبو قالي حسن اللي طلب منه نقضي اليوم معاهم وكده." "وسناء، وأم الباشا عاملة عزومة كبيرة وأنا قولت أروح أساعدها. انتي عارفاها في حكاية العزومات دي، بتبقى عاملة شيء وشويات، ربنا يزيدها. أنا مش عارفة انتي مش عايزة تيجي معانا ليه؟

ولا حتى نزلت الدكان مع أبوك؟ ردت عليها وهي تتصنع التكاسل حينما عبثت في شعرها وقالت: "أبداً، كسلانة خالص النهارده. هاجيلكم بالليل. وبعدين أصلاً أنا مش بطيق اللي اسمها عزة دي، بتقعد تتني وتتفرد وتهز في إيدها عشان الغوايش تشخلل. ههههه، فاكرة نفسها نعمة الله مرات الحاج متولي." ضحكوا عليها، ثم قالت مني بمزاح: "مش لازم تبين العز اللي الباشا معيشها فيه بعد ما كانت مقشفة وهي في بيت أبوها النتِن. ههههه."

انقلب بيت الباشا إلى خلية نحل، والكل يعمل بهم ونشاط منذ الصباح الباكر حتى يستطيعوا إنهاء الوليمة التي اعتادت أن تحضرها أم الباشا في مثل ذلك اليوم. ومن ثم يأخذها رجال العائلة ومن يعملون معهم ويوزعوها على أهالي الحي، والجميع ينتظر ذلك اليوم من كل عام لما ينالوه من أطعمة وحلويات لا يستطيعون شراءها. "بت يا ديجة، اتصلي بأم ندي شوفيها اتأخرت ليه." "ماحنا كلنا حواليكي أهو يا ماما، سيبيها براحتها."

"هي الوحيدة اللي بتعمل الأكل زيي وبتريحني. الهي يريح بالها ويفرح ببتها ياااارب." "أنا مش عارفة هي رافضة الجواز ليه، ده اللي قدها بقي معاهم عيال. دي كل يوم والتاني متقدملها عريس واتنين. دلع مرقاي." "خليها كده لحد ما تبور، أنا مش عارفة عاجبهم فيها إيه المسترجلة دي، ده لولا شوية الصبغة اللي مش بتشيلهم من على شعرها، ولا كان حد عبرها."

"خليكم كده، النار وكلاكم من جمالها، دي البنت اسم الله عليها زي فلقة القمر وجدعة وبميت راجل. ولا هي عشان مش بتعرف تتمايع زي البنات تبقي بايرة. أنا البنت دي بحبها لله في لله كده، والله لو كان عندي ولد كمان مكنتش سبتها أبداً." "معلش يا ماما، بكرة نصيبها يجيلها لحد عندها." أكملت بمغزى: "وإنتي ولادك خلاص بقوا رجالة متجوزين وعيالهم قربوا يبقوا طولهم، وكمان كبار عليها. الحمد لله، ههههه."

بعد أن خلا المنزل إلا منها، ذهبت إلى غرفتها سريعاً وأخرجت الكثير من العبوات التي تحتوي على أجود أنواع المرطبات والماسكات التي تزيد من نضارة البشرة. برغم عدم احتياجها لهم، إلا أنها قررت أن تكون في ذلك اليوم أيقونة للجمال. أقسمت أن تجعل عيناه تخرج من محجرها حينما يراها. تعلم جيداً استحالة ارتباطهم، ولكن قلبها يتمنى أن يشعر بها حتى لو لم يكن من نصيبها.

انقضت عدة ساعات استغرقتها في الاهتمام ببشرتها، حتى شعرها قد قامت بكيه وصنعت به تموجات جعلت مظهره غاية في الروعة. وضعت زينة من يراها يظن أنها لا تضع شيئاً، ولكنها اهتمت بطلاء الشفاه، والذي كان باللون النبيذي كما تفضله دائماً، كما أنه يليق كثيراً بفستانها الأسود ذو القماشة اللامعة وتصميمه الذي جعلها مثل حوريات البحر، حيث كان يلتف حول جسدها بنعومة مظهراً جماله إلى أن يصل حد الركبة فيتسع بما يطلق عليه (قصة السمكة)

أما فتحة صدره الدائرية، رغم صغر حجمها، إلا أنها أظهرت بياض بشرتها الحليبيه. ولم تكتف بكل هذا، بل زينت جيدها بسلسال من الذهب يتدلى منه اسم حبيبها، ولكن باللغة اللاتينية القديمة حتى لا يستطيع أحد التعرف عليه. ومن يسألها عن ماهية ذلك الاسم كانت ترد بكل ثقة: "ده اسمي بالإيطالي." 🤣🤣🤣 ألقت نظرة تقييمية أخيرة على هيئتها الفاتنة، ثم ابتسمت بخبث وقامت بإمساك هاتفها وطلبت رقماً ما. وحينما جاءها الرد قالت

ببراءة لا تمت لها بصلة: "بقولك إيه يا حسن، بيبو مش عندك؟ أصل بتصل بيه مش مجمع معايا." "قدامي بس قاعد مع ناس محتاجة حاجة. صحيح، أنتِ مجتيش ليه لحد دلوقتي؟ "أبداً، كنت كسلانة بس أنا جهزت خلاص وكنت عايزة بيبو يجي ياخدني من عند البيت عشان ممشيش في وسط الرجالة اللي قاعدين معاكم بمنظري ده، وبعد كده ألاقيك بتبهدلني." زوى بين حاجبيه وقام ليبتعد عن من حوله، ثم قال بهدوء خطر: "منظرك ده اللي هو إزاي، لامؤاخذة؟

عشان بس أعرف مالأول قبل ما أخلي ليلة اللي جابوكي طين على دماغك. الجزمة دي." لطمت وجنتها بدون صوت وهي تقول لحالها: "يالهوي! هيعمل إيه لما يشوفني؟ الله يرحمك يا ندي." "ببببببت، روحتِ فين؟ هكذا أفاقها من شرودها بصراخه. فقالت بثبات تحسد عليه: "معاك يا حسن. وبعدين هكون عاملة إيه يعني؟ لابسة زي البنات، مش حاضرة مناسبة، ولا عايزني أروح بجينز وكوتشي. المهم ابعتلي بيبو بقى عشان اتأخرت." تحرك ناحية بنايتها وهو يقول:

"أنا جايلك بنفسي." وأغلق الهاتف في وجهها وانطلق مثل الرصاصة إليها، حتى إنه لم ينتظرها بالأسفل، بل وجد نفسه يصعد الدرج سريعاً إلى أن وصل أمام بابها، والذي طرقه بحدة لا يعلم سببها. صدمة... صدمة يصاحبها ماس كهربائي سار في جميع خلايا جسده حينما فتحت له تلك الفاتنة ووقفت تنظر له، وعلى وجهها أجمل ابتسامة رآها يوماً، وقد ارتسمت على ثغرها حينما رأت تلك النظرة، والتي تمنتها كثيراً.

فلم تكن نظرته مجرد صدمة وبس، بل صاحبها إعجاب لم ينجح في مداراته. لم تتفوه بحرف حتى لا تفسد سحر اللحظة، وتركته يتمعن بها، بل يأكلها بعينيه التي لمعت ببريق لم تراه يوماً داخلها، وهو ينظر لها من أول منبت شعرها الحريري إلى أخمص قدميها التي توارت داخل حذاء أسود ذو كعب عالٍ جعل طولها يصل إلى كتفه. فقط كلما أراد أن ينطق، يفتح فمه ولكن سرعان ما يغلقه حينما يشعر أن لسانه قد عجز عن الحديث.

أما تلك الشيطانه، بعد أن ارتوى قلبها بعد عطش سنين، قررت أن ترحمه من تلك الحالة. ويا ليتها لم ترحمه، فهي زادته تخبطاً حينما خرجت حروف اسمه من بين ثغرها المغوي بتلك الطريقة الناعمة: "حسن... مالك يا باشا؟ نظر داخل عينيها اللامعة بعشقه، ووجد قلبه يرد بداخله: "قلب الباشا أنتِ."

هنا أفاق عقله من تلك الحالة، ولكن على عكس المتوقع، لم ينهرها ولم يبعدها ويرفض خروجها بتلك الطلة المهلكة، بل وجد حاله يمد كفه الكبير محتضناً به يدها الصغيرة الناعمة، ساحباً إياها معه إلى الأسفل بعد أن مد يده الأخرى وأغلق الباب. لم تتفوه بحرف، بل سارت معه بقلب قد تضخم من الفرحة حتى كاد أن يقفز خارج صدرها، وهي تراه ينظر لجميع الرجال بشرر يتطاير من عينيه الملتهبة وهو يحذرهم بنظرة مفادها: "إياك أن تجرؤ وتنظر لها."

وبالطبع اخفض الجميع عينه أرضاً خوفاً من ذلك المتجبر، فمن لديه الجرأة أن ينظر لشيء في يد... الباشا. برغم أن المسافة بين بنايتها وخاصته لا تتعدى بضع أمتار، إلا أنه شعر بها بعيدة لدرجة أنه كان يتنفس بقوة وكأنه كان يجري في سباق. دلف بها داخل البوابة الحديدية، وحينها فقط ترك يدها وقال: "متروحيش غير معايا." وأغلق البوابة خلفه.

أما هي، فقد احتضنت يدها التي كان يمسك بها بفرحة لم تشعر بها يوماً، ثم قربتها إلى ثغرها وقامت بتقبيلها. وحينها استنشقت عطره الذي التصق بها. سحبت نفساً عميقاً وقالت بلهفة: "بحبك يا أبو عليشة." شهقات عالية خرجت من أفواه النساء، وصوت التكبير والبسملة قد غطى على صوت الموسيقى الصاخبة حينما أطلت عليهم تلك الفاتنة. حتى أمها لم تصدق عينيها وقالت: "هل تلك ابنتي؟ يا اللللله."

تداركت أم الباشا الموقف حينما وجدتها تقف مكانها بإحراج. حينما اتجهت إليها بفرحة وحب وهي تقول: "الللله أكبر، حصوة في عين اللي ما يصلي عالنبي. احتضنتها وأكملت: أنا قولت مفيش أحلى من ندوش في الحارة كلها. ابتعدت وأكملت وهي تتفحصها بإعجاب: كنتي مخبية الحلاوة دي كلها فين يا بت؟ لا أنا لازم أبخرك. ههههه." ابتسمت لها بخجل لم تعتاد عليه وقالت: "ربنا يخليكي يا حاجة." مالت إيناس على أختها التي تقف بجانبها

وهي يأكلها الغيظ وقالت: "خلي بالك من جوزك يا بت أبويا، حماتك شكلها بترسم على ندي." نظرت لها بغضب يتخلله الحقد وقالت: "دانا كنت أقتلها وأشرب من دمها، أنتي فاكراني زيك وهقبل بضرة؟ لا يا ماما مش أنا." نظرت تجاه تلك الجالسة بهدوء وقالت بغل: "اصبري عليا بس، أنا ههد كل الهيصة اللي اتعملتلها وهحرقلك دم اللي جابوه." نظرت لها إيناس بقلق وقالت: "ناوية على إيه يا سماح؟ بالله عليكي متخربيش عيد ميلاد بتي بجنانك ده."

نظرت لها باستهزاء وقالت: "متخفيش ياختي، مش هعمل حاجة. اتفرجي وأنتي ساكتة." ابتسمت بخبث وهي تتقدم من ندي وتقول: "إيه الحلاوة دي يا ندوش؟ والله ما عرفت." هل تصمت تلك الشرسة، خاصة بعد أن لاحظت نظراتهم وهمساتهم، والذي من المؤكد كان عليها؟ لا والله. ردت وعلى وجهها ابتسامة أكثر خبثاً وقالت: "ابقي اكشفي نظر يا موووحه عشان تشوفيني كويس. ههههه." كتمت سماح غيظها وقالت:

"هههه، يوه جتك إيه يا بت، دمك خفيف. بس قوليلي تعرفي ترقصي زي البنات ولا أنتِ مالكيش في الحاجات دي؟ وآخرك تلبسي فستان وتلوني شعرك عشان تباني إنك زيهم يعني." صمت حل على المكان والجميع يتوقع قيام معركة حامية. وقبل أن تتقدم أم الباشا لإنهاء هذا الجدال وهي توعد لزوجة ابنها، وجدت ندي تبتسم بكيد بعد أن وقفت قبالتها وقالت: "شغلِ طبله بلدي، وأنتِ تعرفي يا...... موووحه."

أعقبت قولها بسحب الوشاح التي كانت تضعه سماح حول عنقها بغل، ثم اتجهت إلى منتصف المكان وقامت بلفه حول مؤخرتها، ومن ثم نظرت بتكبر إلى عزة التي كانت تقف بجانب مكبر الصوت وقالت بأمر: "شغلييييه." ولن نقول أنها ترقص فقط، بل نستطيع القول أننا إذا ما قارناها بأفضل راقصة لن تقارن بها.

كانت بارعة بشكل ملفت للنظر وهي تتمايل بجسدها الأنثوي بليونة وبحركات متقنة للغاية، متناغمة مع تلك الموسيقى الشعبية، والجميع يصفق بحرارة ويزداد حماسهم كلما ارتعد جسدها وكأنه أصابه ماس كهربائي شديد. وفجأة، خفق قلبها بقوة وأنبأها أن حبيبها سيراها في تلك اللحظة. زادت من دلالها وهي تتمايل وترفع شعرها بيدها للأعلى، وعيناها مثبتة تجاه الخارج، وهي تكاد تكون على يقين أنه سيصعد الآن.

لم يكذب قلبها، وقلب العاشق يعرف الكذب. لا والله. في نفس اللحظة التي خفق قلبها فيها، كان هو يدلف إلى البناية صاعداً إلى الأعلى حينما شعر باحتياجه لدخول المرحاض، ولكن تصنم مكانه فوق الدرج قبل أن ينهيه حينما رأى تلك الفتنة تتمايل وكأنها تتراقص على أوتار قلبه. لم تشعره أنها رأته، وهو لم يستطع التركيز من الأساس. فاليوم يوم الصدمات منذ بدايته، فكيف سينتهي؟ سنرى.

أغمضت عينيها بلهفة وهي تتلوى بجسدها اللين، مستمتعة بنظراته التي تأكلها، وهو لا يقوى على الحراك. ولكنه أفاق بدهشة حينما تفاجأ بأمه أمامه تهز كتفه وهي تقول بمكر: "مالك يا باشا، متخشب كده ليه؟ نظرت إلى تلك الراقصة وقالت بخبث: "شفت البت... الله أكبر عليها، أنا مش عارفة كانت مخبية ده كله فين." لم تتلقى أي رد منه وهو يقف أمامها، ولكن كان ينظر للأسفل ويقول لحاله: "تحرك... تحدث إلى أمك... ما بك... هل أصبت بالشلل؟

وكزة خفيفة فوق كتفه أعادته إلى الحياة من جديد. نظر إلى أمه ولم يتفوه بحرف، بل هبط سريعاً إلى الأسفل، وكأن الشياطين تلاحقه. ابتسمت تلك المرأة الماكرة والتي اكتسبت من الخبرة ما جعلها تقرأ ما بداخل العيون. هي تعلم ما تكنه تلك الفاتنة لابنها، ولكن... يبقى ذلك المتجبر. هل يلين الحجر بعد الذي رآه؟ ابتسمت وقالت بهمس: "ولو ما لنتش، أنا هلين. أمه." وقف داخل الباحة أمام البناية قبل أن يخرج. أشعل سيجارة وأخذ يدخنها بغضب...

بحيرة... بجنون. وهو يشعر أن عقله أصبح فارغاً، ولكن بداخله صخب لا يعرف ماهيته. أغمض عينيه، وحينما شعر أن هدأ قليلاً، خرج إلى ضيوفه الجالسين أمام بيته، وقد عاد إليه رشده سريعاً، أو هكذا ظن. انتهى الاحتفال، وقامت هي بالاتصال عليه كما أمرها لكي يعيدها إلى منزلها كما جاء بها. وحينما رد عليها قالت: "إحنا نازلين." "أنا قدام الباب." هكذا فقط. "هتسهر معايا عالقهوة ولا إيه؟ "لا، مليش مزاج النهارده وكمان الوقت اتأخر."

هبطت مع أمها وأختها وهي تتصنع الهدوء، لكن ما بداخلها لا يعلمه إلا الله. "خد جماعتك يا بيبو واتكل على الله، وأنا هوصل الست أم ندي." "متتعبش نفسك يابني، ده هما خطوتين." لم يكن لديه القدرة على الجدال، فقال وهو يتحرك: "يلا يا حاجة." وسار أمامهم كالأسد الذي يحرس عرينه حتى أوصلهم أمام البناية، وصعدت الأم أولاً. أما هي، فحزنت حينما وجدته يتحاشى النظر إليها. فقالت بهمس: "تصبح على خير يا حسن."

هز رأسه لها دون أن يرد عليها ولا حتى ينظر لها. وهي لم تزد على ما قالته حرفاً واحداً، بل التفت لتلحق بأمها سريعاً. مر أكثر من ساعتان منذ أن عادت إلى منزلها وهي تجلس فوق فراشها تتذكر نظراته لها وتبتسم. وكأنها تصنمت مكانها حيزما رأت هاتفها ينير باسمه. فقامت بالرد سريعاً وقالت بلهفة: "حسن، مالك؟ في حاجة؟ "انزلي حالا، أنا واقف جوه مدخل بيتكم." وأغلق دون أن يستمع ردها. ......... وماذا سيحدث يا ترى؟ سنرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...