بسم الله ما شاء الله.... الله أكبر .... يا لهوي عالجمال.... بص البت عاملة في نفسها إيه. كل تلك التعليقات انطلقت بهمس من أفواه نساء الحارة اللائي تجمعن في منزل جميلتنا لحضور احتفال يوم (الحنة)
الذي يقام قبل الزفاف بيوم. حينما طلت عليهم وهي ترتدي الساري الهندي ذو اللون الأحمر، والذي أظهر بشدة بياض بشرتها الحليبيه مع تموجات شعرها الذهبي الذي تركته منسدلاً وزين وجهها البهي. ناهيك عن تلك الحلي الذهبية التي أهداها لها حبيبها، كل هذا تجمع فجعل مظهرها حقًا..... رائع.
انطلقت التهاليل وزغاريط النساء مع احتضان أم الباشا لها وهي تحوقل وتكبر بفرحة عارمة، وكأن ابنها الغالي يتزوج لأول مرة. كل هذا كان مصاحبًا للكثير من نظرات الغيرة والحقد من عيون الفتيات اللاتي، فالظاهر، حضرن ليشاركنها فرحتها، أما دواخلهن فلا يعلمها إلا الله. أخذت سناء ترش الملح فوقها اعتقادًا منها أنه سيحميها من عيون الحاسدين.
بدأ الصخب مع انطلاق الأغاني الشعبية والفتيات يتبارزن لإظهار إمكانياتهن عن طريق الرقصات المائعة. تابعت مني العديد ممن يأكلون أختها الغالية بأعينهم، فقالت لها بهمس غاضب: "قولتلك البسي بدي تحت الساري بدل بطنك اللي باينة دي. لا وكمان حطالي نجمة فوق صورتك. شايفه البنات اللي تندب في عينها رصاصة بيبصولك إزاي؟ ابتسمت لها وقالت: "خليهم يموتوا بغيظهم. أنا كان نفسي أوي ألبسه كده، وبعدين هو أنا هتجوز كل يوم؟
نظرت لها أختها بحيرة، ولكنها قطعتها بسحبها معها داخل غرفتها. وبعد أن أغلقت الباب عليهما قالت: "بت هو انتي والباشا غيرتو اتفاقكم؟ أنا ملاحظة نظراتكم ومعاملتكم لبعض. الله أكبر بس مكنتش عارفة أتلم عليكي الأيام اللي فاتت عشان نتكلم براحتنا." ابتسمت بهدوء وقالت: "لا يا مونه، اتفقنا زي ما هو. بس كل الحكاية إني بطلت أعند معاه وحسسته إني عقلت شوية."
نظرت للأمام بوله وأكملت: "وبعدين أنا فعلاً فرحانة أكني هتجوز بجد، فقررت إني أعيش اليوم اللي كنت بحلم بيه بكل تفاصيله. أفرح وأنبسط وأعمل كل اللي حلمت بيه، لأن ببساطة اليوم ده مش هيتكرر تاني، حتى لو كان جوازنا مؤقت، فأنا عايزة أعيش اللحظة وأفرح بيها، واللي جاي هسيبه على ربنا وهو أكيد مش هيخذلني."
أما بالأسفل، فكان الوضع أكثر صخبًا، حيث ارتصت الطاولات الصغيرة ومعها الكثير من المقاعد، والأضواء المبهجة ملأت المكان. وإذا ما نظرت من الأعلى لن تجد موضع قدم خالٍ من أحد الرجال الذين جاءوا من كل حدب وصوب ليجاملوا الباشا في ذلك اليوم. كان رجال عائلته ومعهم بيبو والعاملين لديه يحملون الصواني المليئة بالفاكهة وغيرها، التي يوضع عليها الكثير من التسالي بما يطلق عليه (المزة)
، والتي يتناولها الرجال بجانب المشروبات الروحية والمواد المخدرة التي أتى بها ذلك الباشا بكميات كبيرة لكي يوزعها على ضيوفه كنوع من أنواع الترحيب في تلك المناسبات التي تقام في المناطق الشعبية. ابتعد قليلًا عن ذلك الزحام وأخرج هاتفه ليتصل بها، ولكنها لم ترد عليه. فزفر بحنق وقال: "نبهت عليها تخلي التليفون معاها، وما فيش فايدة في أمها." نظر للأعلى ناحية شرفتها وقرر الصعود إليها.
وحينما وصل إلى الطابق الخاص بها، وجد الباب مفتوحًا والكثير من النساء يقفن أمامه. فرك عنقه بحيرة وهو يحاول إيجاد أحدًا منهم. ولحسن حظه، رأى أخته تمر من أمامه، فأطلق صافرته المميزة التي سمعتها واتجهت له على الفور وهي تقول بمزاح: "إيه اللي مطلّعك هنا يا عريس؟ خلاص مش قادر تصبر؟ هههههه." نظر لها بغيظ وقال: "اتلمي يا ديجا، مش وقت خفة دم. اندهيلي بلوتي السودا عشان بتصل بيها مش بترد."
نظرت له بمكر وقالت: "حاضر هجيبهالك، بس تعالي استناها جوه في شقة خالتي أم يحي. هي سيباها مفتوحة ومحدش جوه بدل ما تقف معاها على السلم والكل يتفرج عليكم." نظر لها بحيرة، ولكنها قامت بإدخاله الشقة المجاورة ودلفت لتأتي بتلك الفاتنة. هي تعلم تمام العلم أن أخاها سيصدم من جمالها، فأرادت أن توفر له خلوة ليعبر عن إعجابه بها بعيدًا عن أعين الحاقدين. وقد كان.
أخذتها دون أن تقل لها شيئًا تحت حيرتها، والتي زادت حينما وجدتها تتجه بها نحو الخارج. فقالت: "واخداني على فين يا ديجا؟ خديجة بهمس: "تعالي بس معايا، مش عايزة حد يحس بحاجة." وفقط تركتها أمام الباب وقالت قبل أن تتركها: "حبيب القلب مستنيكي جوه، ومرديتش أقول عشان الغجر اللي هنا ميركّزوش معاكم، مش ناقصين يا غالية."
كان يقف بالداخل في انتظارها، وبيده سيجارة كاد أن يدخلها في فمه ليسحب دخانها، ولكن يده علقت بالهواء حينما رأى كل تلك الفتنة تتجه ناحيته بتمهل. أهلكت رجولته. أكلها بعينيه العسليتين، والتي تحولت إلى جمر ملتهب حينما رأى بطنها ظاهرة من ذلك الثوب. ألقى السيجارة أرضًا ودهسها بقدمه وهو يتحرك سريعًا ناحيتها بعدما وجدها متصنمة مكانها تدرس كل تعابير وجهه بعد رؤيته لها. سحبها للداخل ثم أغلق الباب
ولم يفلتها وقال بغضب: "إيه يابت اللي انتي عاملة في نفسك ده؟ ابتسمت بغيظ وقالت: "عاملة زي البنات ما بتعمل يا باشا." رد عليه بقلب يحترق ولا يعرف سببًا لذلك: "وهي البنات بتبين بطنها يا روح أمك، ولا صدرك اللي نصه باين ده؟ أنطق. عادت تفتن بكل كلمة يتفوه بها، وشعورها بغيرته عليها أسعدها كثيرًا، مما جعلها تتقدم خطوة لتصبح قريبة منه حد الخطر، وقالت بهدوء ينافي ثورته: "دول كلهم ستات يا حسن." رد بجنون يحاول تحجيمه: "حتى لو...
إيش ضمنك واحدة منهم صورتك وأنتي كده؟ ولا وأنتي بترقصي؟ نظر بغيظ وأكمل: "مانتي أكيد مش هتقعدي هادية يعني." ابتسمت بعشق وقالت بخبث: "اللي يشوفك كده يقول إني حبيبتك وبتغيري عليا... يا حسن." "ارجووووكي لا تنطقي اسمي بتلك الطريقة المغوية، وفي تلك اللحظة... فأنا الآن في أقصى درجات ضعفي، ويعلم الله كم أصارع بداخلي حتى لا ألتهمك." هكذا حدث حاله، وبعدها قال
وهو يحاول أن يمثل القسوة: "طبيعي إني أغير على أهل بيتي، مش راجل أنا ولا إيه." فهمت صراعه حينما رأت اهتزاز بؤبؤ عينه لأول مرة، فقالت بحكمة: "أكيد سيد الرجالة كمان، وأنا يكفيني أن أكون من أهل بيتك يا حسن." أكملت بداخلها: "على الأقل فالوقت الحالي." ترك يدها التي مازالت بين كفه الغليظ، ثم مثل الثبات وهو يقول: "تمام، أنا اتصلت بيكي بس إنتي مردتيش، عشان كده طلعت. كنت عايز أعرف بكرة نظامك إيه عشان أرتب الدنيا من بليل."
ندي: "إنت برضه مصمم إني مقعدش معاك فالشارع بكرة يا حسن؟ يعني مردتش تعمل في قاعة، وقلت مش مشكلة، كمان تبقي إنت قاعد تحت وأنا قاعدة فوق. إيه ده بقين؟ نظر لها لبضع ثوانٍ، ثم قال بغيرة لن يستطع التحكم بها وهو يوضح لها سبب هذا القرار: "مع إني متعودتش أبرر تصرفاتي لحد ومش عارف أفهمهالك إزاي، بس هقولك."
زفر بنزق وقال: "لو عملت في قاعة هعزم أهل الحارة كلهم، واللي تلت تربع شبابها كانوا متقدمين لك، ده غير التجار اللي من بره واللي نصهم بتوع نسوان وعينيهم قارحة. يقعدوا بقى يبصولك وإنتي فـ الكوشة جنبي، وكل واحد يحلم إنه قاعد مكاني. طبعًا مش هستحمل." ابتسمت باتساع وقالت بغباء: "طب وهنا فالحارة كنت عملت كوشة؟ أخرج صوتًا بزيئًا كما اعتاد وقت الغضب وقال بوقاحة: "احااااا بجد؟
يعني أنا ألغيت القاعة عشان أقعدك فالشارع قدام اللي بيحشش واللي بيضرب كوزين بيرة؟ إنتي هبلة يا بت؟ متخلينيش أتجن على أهلك، سااااامعة؟ هل ترون الفراشات التي تحلق فوق رأسها؟ أو قلوب الحب التي تنطلق من عينيها؟ وكأنه يسمعها إحدى قصائد نزار قباني المعروف بعشقه للمرأة. وقف يناظرها باستغراب، فهي لم تثور ولم تعترض، بل تقف كالبلهاء الفاتنة تفتح ثغرها بابتسامة رائعة تدعوه لالتهامها.
رفع عينه للأعلى وتنفس بعمق ليهرب من أفكاره، ويا ليته لم يفعل، فقد استنشق عطرها الهادئ بإغراء، فما زاده إلا رغبة بها. قطعت أفكاره حينما قالت برزانة تحسد عليها: "خلاص يا أبو علي، اللي إنت شايفه صح اعمله. أنا من إيدك دي لـ إيدك دي." نظر لها بعدم تصديق وقال: "يا سلام، من امتى العقل ده يا بت؟
هددها بعينه وهو يقول: "ندي، أوعي تكوني ناوية على حاجة تحطني بيها قدام الأمر الواقع. إنتي عارفة مش هيهمني حد وهطربق الدنيا على دماغ اللي جابوكي." انطلقت منها ضحكة صاخبة أهلكت ما بقي من ثباته وقالت: "إنت ثقتك فيا زيرو كده؟ ههههه. عالعموم اطمني، أنا بجد مش ناوية على حاجة. كل الحكاية إني وعدتك إني أحافظ على شكلك قدام الناس وأخد بالي من تصرفاتي من بعد ما بقيت... مرات الباشا." نطقتها وكأنها تتذوق حلاوة طعمها.
فمال عليها مقبلًا إياها بغيظ... برغبة... بتمني. ثم فصلها وقال: "تمام، ودي شكري بتاعتي زي ما كنتي بتشكريني." وفقط تحرك تجاه الباب، ومنه أخذ يقفز فوق الدرج وكأن الشياطين تلاحقه حتى يهرب مما كان ينويه. وحينما وصل إلى مدخل البناية، وقف يلتقط أنفاسه ويقول بغضب: "إنت اتهبلت على كبر يا حسن؟ عليا الحرام اتهبلت. حتة عيلة متجيش لنص صدرك بتجرجرك ليها وإنت زي العبيط بتطاوعها. أمال هتعمل إيه لما يتقفل عليكم باب؟ هتاكلوها؟
انقضى اليوم بسلام، وأتى الصباح محملاً ببهجة أثلجت قلبها العاشق حينما وجدته ينتظرها أمام بنايتها ومعه أخته ترافقها سماح وأخيه وبيبو وكرم، يصفون سياراتهم وراء بعضها استعدادًا لإيصالها لمركز التجميل. نظرت له بعشق وقالت بفرحة: "صباحك بيضحك يا أبو علي، إيه الحلاوة دي؟ ضحك بمرح وقال: "قولت أعيشك الدور وأعملك زفة وأنا بوصلك للكوافير." تغاضت عن النصف الأول للجملة، وعُلقت على آخرها بمزاح: "اسمه بيوتي سنتر يا حسن."
حسن: "طول عمرنا بنقول عليه كوافير. بيوتي ولا بيوتك دي مياعة نسوان مليش فيها أنا." نظرت له بغيظ وقالت: "يلااا... يلا يا حسن قبل ما أفرقع من الغيظ وبوظلي اليوم من أولها." أطلق ضحكته الرجولية المهلكة لقلبها الصغير، ثم فتح لها باب السيارة لتجاور. وانطلق بها حيث تريد، ولحق به الآخرون. جلست إيناس داخل شقتها وهي تبكي بحرقة حزنًا على ما يحدث حولها. فما فعله لأجل تلك الصفراء كما تسميها يدل على أنه يريدها بالفعل.
دخلت عليها عزة وقالت بحقد: "إنتي هتفضلي عاملة المناحة دي كتير يا نوسة؟ نظرت لها بغضب وقالت: "أصلك ولية باردة معندكيش ريحة الدم. جوزك هيتجوز انهارده وإنتي عادي كده؟ عزة بخبث: "اسمعي الكلمتين اللي هقولهم دول وحطيهم فـ دماغك، لو عايزة تكسب." اعتدلت ونظرت لها باهتمام، فأكملت: "إحنا محضرناش ولا كتب كتاب ولا الحنة، تمام؟
بس النهاردة بالذات لازم نحضر الفرح وكمان نبقى على سنجة عشرة. يا خايبة، متبينيش قهرتك لحد عشان محدش يشمت فيكي. وكمان لازم نتزوق ونلبس أحلى لبس عشان البت المزغودة دي أكيد هتعمل البدع في نفسها انهاردة. يبقي إحنا لازم نكون أحلى منها عشان الحوش اللي هيحضروا الفرح لما يشوفونا كده يقولوا له إنه اتجوز علينا فراغة عين منه مش تقصير من واحدة فينا. فهمتي؟
إيناس: "عندك حق، بس أنا حاسة إني لو شفتها هجبها من شعرها، مش قادرة أتحمل. دا جايب لها الحلو كله ووشه نور من الفرحة اللي عمري ما شفته فرحانها قبل كده." عزة: "سيبيه يفرح بيها يومين، وأنااا... وحياة مقاصيصي دول." أمسكت أطراف شعرها وأكملت: "ما هخليها تكمل شهر هنا إلا ومخليه يطلقها وبفضيحة كمان." إيناس بزعر: "يخربيتك! ناوية على إيه؟ إحنا مش قدّه يا بت."
ضحكت بغل وقالت: "مش وقته. قومي بس جهزي حالك. وبعدين أبقى أحكيلك. أنا كلمت البت ولاء الكوافيرة تيجي تزوقنا. يلا قومي خدي دش قبل ما توصل وتشوفك كده." تجهزت بأجمل طلة، أبهرت كل من في المكان، حتى هي حينما وقفت أمام المرآة انبهرت بجمالها وثوبها الرائع رغم احتشامه كما طلب هذا الهمجي الوسيم.
أخذ قلبها يخفق بشدة حينما سمعت أبواق السيارات الآتية من الخارج والتي تدل على وصوله. وما هي إلا لحظات ودلف لها بطلته الساحرة وهو يرتدي بدلة فاخرة سوداء، حتى إنها شبهته بأحد نجوم السينما الذين يظهرون على أغلفة المجلات. وقف يتطلع لها برفق ينافي ما يشعر به داخله بعد أن رأى جمالها المهلك لرجولته، أو...... لقلبه الذي يخفق بشدة ولم ينجح في تهدئته.
ابتسمت له، وبادلها بواحدة أجمل، ثم سحبها برفق إلى الخارج دون أن يلقي بالًا لمزاح الفتيات والتي تطالبه بتقبيلها. "بالتأكيد أصابهم الجنون، فإذا لامست شفتاي بشرتها الحريرية سوف أقوم بافتراسها وأكمل ما أتخيله طيلة الأيام المنصرمة أمامهم ولن أبالي بوجود أحدًا معنا. يعلم الله كم أجاهد نفسي حتى أقوم فتنتها التي تغوي القديس. ولأول مرة أحمد الله على زواجي باثنتين غيرها لأني سأغيب عنها يومان وأرحم حالي من رغبتي الشديدة بها، وليعني المولى على تحمل جلوسي معها فاليوم المخصص لها."
كل تلك الأفكار كانت تدور داخل عقله طوال الطريق، حتى انتبه للأصوات الصاخبة فعلم أنه على مشارف الحارة. فنظر لها وقال برفق يغلبه الرجاء: "ندي... عشان خاطري مترقصيش فوق. أنا عارف إن كلهم ستات." زفر بحنق وأكمل بعد أن تذكر كيف رآها وهي ترقص أول مرة: "يعني متضمنيش حد من الرجالة يكون طالع فوق لأي سبب ويشوفك." ابتسمت بحلاوة بعدما تذكرت هي أيضًا ذلك الموقف، وقالت: "خاطرك غالي يا أبو علي، ومقدرش أكسرلك كلمة."
هبط من السيارة أولًا، ثم التف ليساعدها على الهبوط، وبدأ يسيران بتمهل وسط حشد كبير من الناس الملتفة حولهم، والفرقة الموسيقية الشعبية تتغنى وتقرع الطبول، والشباب يرقص أمامهم، والنساء تطلق الزغاريط المبهجة. وهو يتأكل من الغيرة التي لا يعلم لماذا يشعر بها كلما رأى نظرات الجميع لها، ولا يعلم لماذا المسافة تطول إلى هذه الدرجة برغم صغرها.
زفر بنفاذ صبر حينما أراد أخيه أن يوقفه قليلًا أمام البناية ليكملوا الاحتفال قبل أن تصعد العروس إلى الأعلى، فقال له: "اخلص يا حسين خليني أطلعها وبعدها أعمل اللي إنت عايزه." نظر له أخيه بذهول، وقد شعر بما يعانيه، فابتسم بفرحة وقرر أن يرحم أخيه من احتراق قلبه. صعد معها وأجلسها في المكان المخصص لها تحت نظرات الحقد والغيرة، وأيضًا فرحة أمه الطاغية عليها وبشدة.
انقضى بعض الوقت في المباركات والاحتفال، وهي تجلس وكأنها ملكة متوجة، ورفضت إلحاح الجميع عليها لكي ترقص معهم. وحينما زاد الضغط عليها، صرخت بهم أم الباشا: "سيبيها يا بت إنتي وهي، محدش يزن عليها. ههههه. أنا عارفة تلاقي الباشا منبه عليها متتحركش." نظرت لتلك التي ستموت خجلًا وقالت: "صح يا ندوش؟ ابتسمت لها بخجل وهزت رأسها علامة الموافقة. صرخت إحدى الفتيات وهي تقول بتهليل: "الرجالة!
قاموا الباشا يرقص يا ندي، تعالي شوفي جماله." لم تتحمل إطراء تلك الفتاة على حبيبها، ولا أن يأخذ أحد مكانها داخل الشرفة، فقامت من مكانها رافعة ثوبها بيدها وانطلقت نحو الشرفة قبل الجميع. وضعت يدها فوق صدرها لتهدئ من خفقان قلبها بعدما رأته يتراقص باحترافية على أنغام أغنية (بنت الجيران) . وبينما رفعت عينه صدفة للأعلى ورأى ابتسامتها الخلابة، طار قلبه إليها، وقام بخلع جاكيت بدلته، ثم سحب سكينًا كبيرًا ما يسمي (سنجه)
، وبدأ يرقص به باحترافية، وكأن ابتسامتها أعطت الإذن لجسده أن يتحرك ويظهر على وجهه فرحته بها. والرجال يصفقون ويهللون، وما زاد الأمر اشتعالًا للحماس حينما صعد فوق إحدى الطاولات ليكمل رقصته المبهجة والرائعة أيضًا. وأخيرًا... انتهى الاحتفال على خير، وصعد ليأخذها من وسط النساء إلى عشهما. والجميع يحسدهم على بعضهم، ولكن لا أحد يعلم ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
صعد بها بتمهل، ويلحقه أمها وأمه وأختها وأخته حتى يوصلوهم إلى باب شقتهم كما المعتاد. وبعد أن انصرف الجميع وأغلق الباب خلفهم. وقف يناظرها وهو يقول بداخلة: "بدأ العذاب أيها الباشا." لاحظت توتره، فأرادت أن تنفذ ما أنوت عليه من الآن، فلا داعي للتأجيل. قامت بخلع حذائها ذا الكعب العالي وهي تقول بمرح كما السابق: "أخيرًا! دانا رجلي ورمت يا جدع من أم الجزمة ديت." نظر عليها بزهول، ولكن
صدم حينما أكملت بارتياح: "هروح أغير الخمسين كيلو اللي لابساهم دول وأرجع أحضر الأكل. إنت أكيد جعان صح؟ أصل أنا ميتة من الجوع. يلا غير على ما أرجعلك." وفقط تركته ودلفت للداخل، وهو يقول لحاله: "مالها تلك البلهاء تتصرف بارتياح ولا تشعر بناري المنقدة؟
زفر بحنق، وما زاد اشتعاله هو سماعه لرفقائه الذين ما زالوا يقفون أمام البناية ويصيحون باسمه كنوع من المزاح في تلك الليلة. لم يلقِ لهم بالًا، وقام بخلع حذائه وجاكيت بدلته، ثم حل بعض أزرار قميصه الأبيض ليستطيع التنفس بعد شعوره بالاختناق قليلاً.
جلس يدخن سيجارة عله يهدأ، ولكن من أين سيأتيه الهدوء بعد أن رآها تخرج من الغرفة الرئيسية وهي مرتدية بيجامة ستان زرقاء، في ظاهرها الاحتشام، ولكن عليها كانت فتنتها أشد من أي ثياب خليعة. وما زادها إغواء في ظاهر غير مقصود هو شعرها الذي جمعته بعشوائية فوق رأسها وتدلي منه بعض الخصلات حول وجهها الذي أزالت عنه مستحضرات التجميل، فأصبح أكثر بهاء. "تلك الخبيثة تشعر بكل ما يدور بداخله، ولكنها
تحدثت بطريقة طبيعية: "إنت لسه مغيرتش يا حسن؟ أنا ميتة من الجوع والله." تحكم في حاله بصعوبة ليرد بهدوء: "أغير إزاي يا أذكى أخواتك وإنتي فالأوضة؟ إيه أدخل معاكي مثلاً؟ احمر وجهها خجلاً وقالت: "آسفة. مخدتش بالي. وبعدين أصلاً إحنا الاتنين هدومنا جوه ومش هينفع أنقل حاجة منهم في الأوضة التانية عشان محدش ياخد باله." وقف وقال قبل أن يتجه إلى الداخل: "سهلة. نبقى نشوف صرفة للموضوع ده. هاخد دش عالسريع وأجيلك."
خرج لها وهو يرتدي شورت قصير من اللون الأسود وفوقه قميص قطني بدون أكمام، فنظرت له بوله وقالت بداخلها: "يخربيت جمال أمك. أنا لو اغتصبتك دلوقتي مش حرام؟ صح؟ "نـدددي... " انتفضت على صراخه باسمها وقالت بتلجلج: "آآآ أيوه... آهـو... يلااا." ابتسم باتساع ولحقها تجاه المكان المخصص لتناول الطعام.
تناول القليل من الطعام، ولكن لم يتمالك حاله حينما وجدها تأكل بنهم غير عابئة لوجوده، وتتصرف كأنها في بيت أبيها. ناهيك عن تصرفاتها في الأيام الماضية والتي شعر منها أنها حقًا عروس. فقال: "ندي، معلش يعني بس مش قادر أكتم جوايا." نظرت له بحب اعتقادًا منها أنه سيعترف لها بحبه، فقالت: "وتكتم ليه؟ قول كل اللي جواك... وهسمعك."
حسن: "أصل مستغرب الصراحة. أنا كنت فاكر إن أول ما الناس تمشي ويتقفل علينا باب هتتكسفي وكده زي البنات، أو تعملي أي عوق مالي كنتي بتعمليه معايا زمان. بس أنا شايفك بتتصرفي كأنك لسه في بيت أبوكي. ده غير الأيام اللي فاتت كنتي بتعملي كل حاجة بفرحة وكأنك هتتجوزي بجد. أنا مش فاهمك... لأول مرة مفهمكيش يا ندي." لم تحزن ولم تخجل حينما ردت عليه
بمنتهى الهدوء والعقلانية: "أولاً، أنا بتصرف عادي دلوقتي لأن عارفة الاتفاق اللي بينا، يبقى كسوف البنات وقلقهم من اليوم ده ملوش لزوم، وإلا هبقى أوفى. ده غير إني أنا واخداك عليك من صغري، فإنت مش واحد غريب. همثل قدامه إني بنت رقيقة بقى والمحن ده. ثانيًا، أنا فعلاً كنت فرحانة وحبيت أعيش كل لحظة وأنا عروسة بجد، لأن الحاجات دي مش هتتكرر تاني ولا هعرف أعيشها، وفرحتي بالفستان الأبيض كانت كبيرة زي أي بنت. بس كده."
نظر لها بحيرة وقال: "وليه مش هتتكرر تاني؟ إنتي بعد انفصالنا مش هتتجوزي وتعيشي حياتك؟ " لم يستطع أن يكمل حديثه بعدما شعر بغصة وألم تملك من قلبه، ولكن كتمها بداخله حينما سمعها تقول: "أول كل حاجة بتبقى أحلى يا حسن. وبعدين أنا أصلاً رافضة فكرة الجواز... قبلك." نظر لها بعمق وقال: "إنتي ليه كلامك دايما بيحتمل أكتر من معنى؟ ليه مش دغري؟ ندي: "وأنا قولت إيه؟ ميتفهمش."
حسن: "قبل كده لما كنا بنتكلم في التليفون بس خديجة قطعت كلامنا. قولتي جملة مفهمتهاش، وقلتلك كلامنا مخلصش، فاكراها؟ " هزت رأسها علامة الموافقة، فأكمل: "ودلوقتي برضه بتقولي رافضة الجواز وسكتي. لحظة وكملتي: 'قبلك'. وبرضه سكتي وكملتي بقيت الجملة. أفهمها إزاي؟ ندي: "مش فاهمة. هي ليها كام معنى؟ حسن: "ممكن حد ياخدها على إنك كده كده رافضة فكرة الجواز قبلي أو بعدي." نظر لها
بعمق داخل عينيها وأكمل: "وممكن حد يفهمها إنك بتحبيني لدرجة إن قبلي رفضت الجواز، وبعدي مش هتقبلي بغيري." تصلبت مكانها وتركت ما بيدها بعد أن ألقى في وجهها المعنى الحقيقي لحديثها. ولكنها جمعت شتات نفسها سريعًا وقالت: "...... ماذا سيحدث يا ترى؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!