جلست على طرف الكرسي بحركة استعدادية للهروب من أمامه في أي لحظة إن استشعرت خطرًا منه. وضعت يدها الصغيرة فوق ذراعها الأيسر بتوتر واضح على قسمات وجهها. كل لحظة تنظر ناحية أخيها من خلف الزجاج حيث يتابع أعماله مع ابن العم. أصابها الحرج أن تصر على تواجده معها. يكفيه ما خسره لأجلها، هل تتسبب بخسارته عمله أيضًا؟
دار عقلها بعدة اتجاهات مختلفة، ما بين أخيها وتركه لها لأول مرة مع ذاك الطبيب الغريب عنها، بالطبع لا تتذكر صلته العائلية بهم. وما بين خشيتها منه واستعدادها لأقل تصرف أو حركة تصدر عنه.
صدرت عنها تنهيدة خافتة تسللت إلى أذن ذلك الجالس بصمت مقابلًا لها، تفصل بينهما منضدة صغيرة وُضِع فوقها أكواب العصير الطازج. اعتدل يزيد بجذعه العلوي وهو يرمقها بنظراته الهادئة اللذيذة. ثم مد ذراعه إلى الطاولة، يلتقط كوبها أولاً يعطيها إياه. انشق ثغره الدقيق بابتسامة لطيفة للغاية أجبرتها على الانصياع لأمره اللطيف المهذب والتقاط الكوب منه.
رفعت أهدابها الكثيفة تنظر إليه لحظات، راح عقلها يستعيد لقطات من زياراته المتكررة لها. وكيف كانت تخشاه للغاية بأول يوم له معها. أفاقت على صوته الهادئ فور ارتشافه من الكوب الخاص به جرعة صغيرة. "تحبي نقول لتيم يجي يقعد معانا ويسيب شغله دلوقتي!
نعم، هي تود للغاية أن يحضر معها ولا يتركها. لكنه عمله وهي ليست أنانية لتلك الدرجة. هزت رأسها رافضة عرضه المغري. بدأت نسمات الهواء تشتد من حولها لتتراقص خصلاتها بتناغم ناعم مع نظراته لها. أخفض رأسه يستجمع كلماته وأفكاره نحو علاجها. علاجها فقط! أمسك دفترًا صغيرًا قليلًا باللون الوردي المشابه لفستانها الجميل. ثم دفعه إليها بروية وهو يردف بصوت رخيم:
"شوفي يا أسيف، أنا كل مرة باجي هنا أنا اللي بقعد أتكلم معاكي. بصراحة الموضوع كده مش نافع، أنا حابب ندردش سوا. فجبت لك وأنا جاي الصبح النوت ده. ده مصدر الحكاوي بينا، ده لو تسمحي طبعًا."
توترت نظراتها وابتلعت رمقها وهي تخشى قبول عرضه فيطرح أسئلة عما يخصها. وتخشى الرفض فتنهي علاجها. هي قطعت وعدًا أنها ستطيع أخيها بالعلاج ليعودا إلى حياتهما اليومية الطبيعية مرة أخرى. عضت على شفتها بتوتر واتجهت عيناها إلى الزجاج ترمق أخيها المنتظر بعيدًا بنظرات حائرة. لتفيق على صوته الهادئ بعد أن أنهى تفحص نظراتها: "وتقدري ترفضي أو تقبلي الدردشة، مش شرط تجاوبي أبدًا. وتقدري تسأليني كمان عشان تبقي دردشة مظبوطة!
تلك الابتسامة الرزينة المتعقلة التي تزين ثغره الوسيم تجبر أي أحد على قبول جميع عروضه. وهي لن ترفض إن كانت لها فرصة رفض أو اعتراض على إجابة ما. أمسكت الدفتر بأناملها الرقيقة. ليناولها قلمًا وهو يقول: "القلم ده غالي عليا جدًا، ده هدية مني ليكي وأتمنى مترفضيش." تناولته وهي تومئ له وعقلها متوتر من تلك المحادثة. ليكمل حديثه متسائلًا: "أنتِ عارفه إن عائلتي وعيلتك أصدقاء قدام جدًا؟ هزت رأسها بالإيجاب الصامت. ليبتسم مكملًا:
"تعرفي إني فقدت بصري فترة وعملت كذا عملية عشان يرجع! بدأ يلفت انتباهها حيث رفعت أنظارها إليه وأعينها ترمقه بنظرات مندهشة متسائلة. فاستجاب إلى تساؤلها الصامت وأردف بهدوء: "وخطيبتي سابتني بسبب الموضوع ده." عقدت حاجبيها بحزن وراح عقلها يدور بالأشخاص السيئين أمثال خطيبته والتي تعرفهم عن ظهر قلب. لينتشلها من أفكارها السوداء صوته الهادئ يقول:
"كان نفسي يكون عندي أخت صغيرة زيك كده. لميس كانت من أب مصري زينا وأم بريطانية. اتعرفنا على بعض في الجامعة ومع الوقت اتعلقت بيها جدًا وأنا كنت بشاركها كل حاجة تخصني. وكانت أمنيتي يكون عندي أخت، متسألنيش ليه. بس ده اتجدد لما شفت علاقة تيم معاكي. المهم قعدنا سنتين نحب بعض واتخطبنا كمان. بس للأسف بعد ما فقدت بصري ومع أول لحظة فوقت من مخدر العملية صوتها كان في ودني، بتقولي مش هتقدر تكمل، واختفت بعدها."
ظهرت أمارات التأثر على ملامحها الجميلة، وقد بدأت تندمج مع قصته متناسية وجعها بل أوجاعها. ليتدارك نفسه وحمحم يقول بصوت رخيم: "بس الحقيقة بعد كام يوم نسيتها أو بمعنى أفضل أقنعت نفسي إني أنساها وأبدأ أستجيب لمحاولات أهلي في العلاج. عارفه ليه يا أسيف! نظرت له باندهاش وتساؤل. ليبتسم لها قائلاً: "اكتبي توقعك!
ابتلعت رمقها ودارت عينيها لحظات بعده أماكن لتبدأ بعدها بفتح الدفتر وراحت تخط بالقلم كلمات. ثم وجهته إليه وكان محتواها "عشان تنتقم". ضيق عينيه وهو يحاول تجميع أفكاره عن جملتها. لكن استجابتها تلك رائعة. ليرفع رأسه وهو يعيد الدفتر إليها ضاحكًا بوجه بشوش:
"أبدًا، أنا قولتلك نسيتها. الحقيقة ومبخبيش عليكِ كان عندي رغبة جوايا إنها تشوفني لما أخف وبرفضها كمان. لكن الرغبة الأكبر نفسي، مستقبلي يا أسيف. هستفاد إيه لما أعاند أهلي عشان واحدة سابتني في أهم وقت ليا؟ هل هما يستاهلوا ده مني! رمقته بنظرات متحيرة صامتة وأبعدت رماديتيها عنه تحدق بعيدًا بحزن لضعفها كما لقبوها. ليتها بقوته تلك. أفاقت على صوته قائلًا لها:
"أنتِ عارفه إن قراري ده كان صعب جدًا خصوصًا إن والدي كان شايفني ضعيف الشخصية معاها جدًا." نجح للمرة التي لا تعلم عددها بلفت انتباهها. أن حالته كانت مثلها! على الجانب الآخر.. حيث يجلس "تيم" مدعيًا انشغاله مع ابن العم وعينيه عليها دون أن تلاحظ. راقب حركاتها واستجابتها لحديث "يزيد" الذي أرسله الله إليه من السماء. اندهش حين كتبت شيئًا بالدفتر الصغير ودفعته إلى "يزيد" المترقب لحركاتها هو الآخر. ليفيق على صوت "نائل"
المتأفف: "ياااعم تيم ارحمني بقا وركز معايا شوية خلينا نراجع الورقتين ده أنت كنت قعدت معاهم أسهل." زمجر "تيم" بغضب وهو يقول بصوت أجش حاد: "بقولك إيه يازفت أنت اهدي بقا، كفاية اللي أنا فيه! اندهش "نائل" رافعًا حاجبيه وهو يردف بصدمة: "إيه اللي أنت فيه يابني! أختك لازم تقعد مع دكتورها لوحدها عشان ترجع تتكلم فين مشكلتك! تأفف "تيم" وهو يعتدل إليه بجسده قائلًا:
"المشكلة إن أسيف مضطرة تقعد معاه لوحدها، أنت مشوفتش بصت إزاي لما عرفت إني مش هحضر معاها! هز "نائل" رأسه يردف بجدية تامة: "بقولك إيه ياتيم، طبيعي أسيف تتعلق بيك من خوفها واللي حصل. لكن اللي مش طبيعي أسلوبك ده ياأخى. أنا شايفها مستجيبة ليزيد وبتحاول مع نفسها جامد وأنت دورك تساعدها وتسمع كلام يزيد من غير قلق كده. ما إحنا في وشها أهه لو خايفة هتيجي جري عليك متقلقش بقاا!!
ابن العم محق عليه. تركها تتلقى علاجها وتعود إلى أحضانه الأخوية سالمة غانمة. وذلك لن يحدث بدون مساعدة "يزيد" وتركها تجرب الدرب بمفردها تلك المرة. لكنه سيظل خلفها يراقب طريقها ويساندها إن تعثرت!
-انتهت جلستهم سويًا وشعرت "أسيف" ببعض الخفة حين بدأت تكتب ما يجيء بأفكارها له. وأحيانًا أخرى كانت تفضل الصمت التام وعدم الرد. والذي قابله "يزيد" منها بابتسامة مرحة جميلة وصدر رحب. لاحظت أنه لا يضغط عليها لذلك أعجبتها الجلسة قليلًا ونسيت أنها داخل جلسة علاجية. حيث بدأت تخط بأناملها الرقيقة على الورق بعض الرسومات الشارده. حين كان يتركها "يزيد" تستريح ويعبث بهاتفه وأنظاره تراقبها بالخفاء.
أفاقت من شرودها على أصابعه تطرقع أمام عينيها مع حفاظه على مسافة كبيرة نسبيًا عنها حتى لا يتسبب بذعرها. صدح صوته الأجش ينهي جلستهم وهو يطلب بأدب وحذر: "أسيف ممكن تنادي تيم ليا؟!
وقفت بهدوء تومئ بالإيجاب وهي تتجه إلى أخيها كطفل صغير ذاهب إلى ولي أمره. ليبتسم "يزيد" بهدوء ويصرف أنظاره عنها بصعوبة. التقط دفترها الصغير يراقب صنيع يديها بأعين متسعة مصدومة. "أسيف" تُجيد الرسم بل بارعة به. لكن ما تلك الأشكال التي خطتها بشرود! رغم صغر الورقة لكن ذلك لم يمنعها من خط بخطوط صغيرة شكل فهد مفترس ذي أنياب مرعبة تسيل من فمه الكبير المفتوح ومن بين أنيابه قطرات. من الواضح أنها دماء!
عقد حاجبيه وأفاق على صوت "تيم" يردف بجدية: "في حاجة حصلت! نظر "يزيد" للداخل يراقب "أسيف" الجالسة فوق الكرسي تنظر للأرضية بشرود وصمت تام. ثم قال وهو يشير برأسه ناحيتها: "أسيف محتاجة تخرج من هنا ياتيم. الحبس ده غلط. ابذل كل جهدك وخرجها تتمشوا سوا حتى، الوضع ده هيعطل مفعول الجلسات."
ثم رفع إليه الدفتر الصغير ليضيق "تيم" عينيه يحاول استيعاب تلك الصورة الوحشية المخيفة. لحظات ليدرك معناها ويغمض عينيه جازًا على أسنانه بعنف. ليردف "يزيد" بهدوء: "تيم عصبيتك دي مش حل هتخوف أسيف منك أنت كمان. أسيف فقدت النطق من خوفها لخروج مشاعرها وأنها مش قادرة تعبر عن كمية المشاعر اللي بتحاربها. سواء خوف.. زعل.. حزن.. كل ده ضغط عليها وسبب لها انهيار عصبي. إحنا دورنا نعالج مش نزود ياتيم." زفر أنفاسه ثم اعتدل واقفًا
يقول بهدوء: "إحنا هنبص للجانب الإيجابي. أنت ليه مقولتليش إن أسيف بتعرف ترسم. عارف ده هيساعدني قد إيه في علاجها! عقد "تيم" حاجبيه باندهاش ثم أعاد أنظاره إلى الورق مرة أخرى وأردف مضيقًا عينيه: "أنت عاوز تستغل رسم أسيف عشان تخرج اللي جواها؟ زي الرسمة دي مش كده! أومأ الأخير بالإيجاب وهو يقول بصوت رخيم:
"بالظبط. رسمها هيساعدني جدًا خصوصًا إن هي نفسها عندها استعداد لده وخرجت اللي جواها أو جزء منه عن طريق ورقة وقلم. أنا كنت متخيل الكتابة هتنفعها لكن الرسم أفضل كثير في استغلاله." تنهد "تيم" وهو يعيد أنظاره إلى شقيقته متأملًا حالها الصامت الساكن. "أسيف" التي كانت تكره الصمت والروتين أصبحت تجلس بالساعات الجلسة ذاتها تحدق بالفراغ صامتة شارده حزينة!
-أمسك تلك التحفة المقلدة بين أصابعه يعبث بها أثناء إلقائه الكلمات الشاردة الخاصة بماضٍ أليم على أذن الطبيب الصامت المنصت باهتمام يدون بعض الملاحظات بين حين وآخر. علت أنفاسه قليلاً وهو يردف:
"كنت بخاف أنام بليل لأن الكوابيس بشكل أمي مكنتش بتفارقني. كنت بروح أنام جنبها وأحضنها وأسمعها وهي بتتألم لما أحط إيدي بالغلط على جرح في جسمها. بس هي رغم ده كان بتفضل ماسكة فيا ساكتة. إيديها بتتحرك على شعري وأنا بسألها مالها وبابا بيعمل كده ليه، وهي تقولي كلمة واحدة "معلش". كنت متخيل إن كل الآباء كده. لحد ما في يوم ما استحملتش في إيده."
قطع كلماته وهو يدس إحدى يديه بخصلاته ويحبس دموعه وقد بدأت شفتيه ترتعش وهو يجز على أسنانه بقوة جاذبًا خصلاته للخلف وأعينه تلتهب باحمرار شديد. قلق الطبيب من حالته وأردف بهدوء: "تقدر توقف لحد هنا." لم يجبه. بدل اندفعت كلماته من شفتيه كالحمحمة البركانية حين تنفجر تصحبها دموعه وهو يقول بصوت باكي كالطفل:
"ماتت بعد ما شوه جسمها بأيديه. آخر حاجة شوفتها منها دموعها، اللي غرقت وشها وهي بتوصيني على أختي اللي لسه عيلة صغيرة. غمضت عينيها وأنا فاكرها شوية وهتقوم زي كل مرة. نمت وأنا حاضنها وبعيط، وفوقت على إيدين بتشدني بعيد وبيغطوها لحد رأسها." مسح دموعه بغضب وأكمل وقد تبدل حاله حيث شعر بالدماء تندفع إلى رأسه بقوة وبشكل مفاجئ وهي تغلي وتفور:
"في نفس اليوم لقيت أبويا قاعد يبكي وماسك صورها وهو بيقولي كلمة واحدة.. "عمك السبب". كلمة سمعتها منه 8 سنين بيحكيلي قد إيه اتعذب منه وكان عاوز ياخد أمي ليه عشيق. كنت بروح القصر معاه يبقوا مبسوطين وبيلعبوا وأنا بتفرج. خايف أقرب منهم، بكره صوت ضحكهم وأنا مش قادر أبقى مع أمي زيهم، وإن أبوهم السبب وعايش حياته معاهم عادي."
اختنق صوته وبدأ يدس يديه بخصلاته بحركة عنيفة عشوائية. ليقف الطبيب مسرعًا وهو يدور حول مكتبه يصب المياه في الكأس ثم ناوله إياه وهو يقول: "كفاية كده النهارده. أي ضغط تاني مش في مصلحتك نهائي." رفع عينيه الحزينة وهو يومئ بالإيجاب يلملم متعلقاته الشخصية بهدوء. زافرًا أنفاسه الحارقة واقفًا يتجه إلى الباب. ونظرات الطبيب المُسن الخبير تلاحقه. ليقف فجأة مستديرًا بجسده يسأله عاقدًا حاجبيه:
"هي أسيف ممكن تسامحني في يوم من الأيام! تنهد الطبيب وهو يجيب بهدوء: "انت لسه محكتليش قصتك مع أسيف شكلها إيه بالظبط! هي كانت بتحبك؟! ابتسم بسخرية وهو يجيبه بأعين دامعة: "أسيف مكنتش بتعرف تكره حد، بس أنا علمتها ده!!!! -جلست الجدة أمام ابنتها وقد تركت الخادمة أكواب القهوة الساخنة خاصتهم ثم انصرفت تباشر أعمالها. تعلقت أنظار "سمر" بالأكواب بشرود وهي تردف بأعين ذابلة من الحزن:
"وبعدين ياماما الولاد دخلوا في شهرين ومليش عنهم خبر واحد. ده فهد قرب يتم علاجه وأنا معرفش أسيف عاملة إيه حتى! تنهدت الجدة بحزن وسالت دموع الندم على خديها وهي تشعر بالاشتياق يجول ويثول بثنايا قلبها المسن لتقول بصوت مبحوح: "مش عارفة يابنتي لسه مراد كان بيقولي الصبح إنه لحد دلوقتي سايب معارفه يدوروا عليهم. أسيف وحشتني أوووي يا أسمر." تنهدت "سمر" وسالت دموعها وهي تقول بابتسامة حزينة:
"مكنتش تستاهل اللي حصلها يا ماما، مفيش بنت تستحمله. تخيلي بقى ملاك زي أسيف عاملة زي البيبي بالظبط." ابتسمت الجدة وهي تقول بحزن وشرود: "ابن أخوكِ دمرها ياسمر. البنت كانت مرعوبة حتى تقعد معانا لوحدها. مش كفاية اللي حصلها وهي لسه عيلة وأبوها وأمها لسه ميتين؟ عقدت "سمر" حاجبيها وهي تذهب بعقلها إلى تلك الذكرى لتقول بغضب وأعين ملتهبة:
"متفكرنيش بالسواق القذر ده. لولا نائل سمع صرختها صدفة وجيه بلغنا كانت ضاعت على إيد المدمن النجس ده." أيدت الجدة الحديث وتمتمت ببعض السباب على أمثال ذلك المدنس. وقد غفلتا السيدتان عن ذلك الواقف بأعين جاحظة وعقله يفسر ما حدث بالأيام الخوالي والليلة المشؤومة. ليدب القهر قلبه بمطرقة من حديد وتسيل دموع الندم وهو يفر مسرعًا كالأطفال تائهًا يهيم على وجهه بلا هدف أو سبيل!
-جلست "أسيف" بأحضان أخيها يحدقان بأمواج البحر التي تتلاطم أمامهم بهدوء ثم تميل على الشاطئ الرملي تسرق حباته داخلها وتداعب أناملهم بنعومة ثم تنسحب لتأتي أخرى تقوم بدورها. و"أسيف" تبتسم بهدوء تعبث معها بأصابع قدمها الصغيرة. ثم نظرت إلى أخيها المحيط لها وهمست بهدوء: "هتاخدني الكورس امتى؟ قبل خصلاتها ثم ابتسم يحدق بها وهو يزيح خصلاتها خلف أذنها بهدوء هامسًا:
"من بكرة ياقلب أخوكِ والعربية جاهزة ومستنية الأميرة تخلص كورسها وتاخدها." اعتدلت تحيط عنقه محتضنة إياه بقوة وهي تقول بصوتها الهادئ: "أنا بحبك أوى ياتيم." شدد من احتضانه لها وهو يبتسم رابتًا على ظهرها بهدوء يقول: "وأنا بموت فيكِ ومليش غيرك ياقلب تيم." ثم أخرجها من أحضانه يشير محذرًا: "بس هوصلك الجلسة الأول تخلصي وأخدك نطلع على كورس السواقة. اتفقنا يا أسيف." تنهدت وهي تعتدل قائلة بتذمر خفيف:
"ياتيم مانا رجعت أتكلم أهو ويزيد بيتابع معايا. أنا برتاح في الكلام مع يزيد وهستنى يرجع من المؤتمر." اتسعت عيناه وهو يردف بجدية: "أسيف أنتِ عارفة إنك لسه محتاجة شوية جلسات ياحبيبتي ويزيد معاه فترة عشان يرجع يبقى نتابع مع الدكتور زي ما كنا لحد ما يزيد يرجع."
عقدت حاجبيها من إصرار أخيها. فبعد مرور ثلاثة أشهر على تحسنها وعودة نطقها منذ أسبوعين لازال يُصر على انتظامها مع ذلك الطبيب المسن ذو الطبع الرتيب للغاية. لقد اعتادت على أسلوب "يزيد" المرح الرزين بآن واحد حيث يضج عقله بالأفكار الجديدة دومًا ويقودها إليها بصبر تام. عضت على شفتيها وهي تقول بخجل وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة لطيفة: "يزيد معاه لآخر الأسبوع بس وهينزل." رفع "تيم" إحدى حاجبيه وهو يقول بجدية:
"أنتِ بتتواصلي مع يزيد من ورايا! هزت رأسها مسرعة بالسلبي وارتفعت عينيها الجميلة البريئة تنفي اتهامه وهي تقول مسرعة: "لا لا ده هو كلمني سوشيال لما كنت مع نائل في النادي بعد التدريب وكان بيكلمه. وقال لي بحضر الجلسات ولا لا وأنا قلت له إن الدكتور ده وحش." ابتسم مع كلماتها البريئة ونفيها الخائف من غضبه. دومًا يرق قلبه لتلك البريئة التي بدت عليها بوادر الاختلاف بشخصيتها. لكن تلك البراءة التي تحقنه إياها لن تتغير أبدًا.
احتضنها بقوة وهو يحمد ربه ألف مرة بعودتها للحياة والأحاديث معه التي لن يمل منها مهما حدث. تكفي ابتسامتها تلك ولا يريد شيئ آخر منها. صرخت نبضات قلبه التي تدق بحنانه الأخوي المميز. عودة حميدة أيتها الغالية!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!