في عيادة نسائية يرتادها الأشراف، دفعت "ندي" جسدها الصغير تلتصق بكرسيها وهي تحيط باطنها، وعيناها تحارب الدموع. بدأت تنظر حولها بعينين ملتهبتين من شدة الغضب الذي يحرق أحشاءها الآن. وقفت بهدوء واتجهت إلى المرحاض. دلفت وعقلها لا يستوعب أنها هنا بمفردها، بعد أن فشلت جميع محاولاتها بالتواصل مع زوجها، وابتعادت عن أخيها تمامًا فور موقفها الخائن له. تكفي نظرات الاشمئزاز منها داخل مقلتيه كلما رآها صدفة بأرجاء القصر.
خانتها الدموع وسقطت واحدة تلو الأخرى. مشهد الرجال بالخارج يداعبون زوجاتهم بالكلمات والأحاديث اللطيفة التي تجعل ثغرهن دائم التبسم. تكاد تقتلها وهي تقارن حالها بهن! إنها "ندي البراري"، لطالما كانت مميزة بين النسوة ومن الكرام. يأتي اليوم وترى نظراتهن إليها وهي وحيدة هكذا! فتحت الصنبور ثم مالت بجسدها تغسل وجهها بعنف، وقد بدأت شهقاتها تتعالى وهي لا تصدق أنها هنا بمفردها بدون زوجها؟
إن كانت تمقت "أسيف" قليلاً بالسابق، هي الآن لا تريد سوى قتلها! جففت وجهها ورقبتها بالمحارم الورقية، واندفعت أناملها تعبث بمحتويات حقيبتها الصغيرة علها تجد ما تداري به ذلك الشحوب المخجل. تفقدت وجهها برضا فور انتهائها، ثم عادت إلى جلستها تحيط باطنها البارز قليلاً بذراعيها، وهي تحاول تجنب النظر بأي اتجاه حتى ينتهي كشفها الروتيني وتطمئن على صحتها وصغيرها بداخلها، ثم تبدأ مهمتها الجديدة بالعثور على زوجها. ***
وقفت "أسيف" بالشرفة تحدق بشرود بالسيارات والحركة المستمرة بالأسفل، وهي تمسك بيدها قدحًا ساخنًا من المشروب المفضل لديها "الكاكاو"، ويدها الأخرى تعبث بالهاتف وكأنها تنتظر رسالة أحدهم.
أغلق "تيم" باب الشقة بعد أن دلف إليها باستخدام مفتاحه الخاص، وهو ينادي عليها بصوت واضح. لكنها شاردة لدرجة أقلقته وظنها فقدت النطق حين وجد ظهرها موجهًا إليه ولم تجب. أسرع إليها يمسك ذراعها، يدير جسدها الصغير إليه بعينين متسعتين ووجه شاحب. فتحت عينيها وشهقت بصدمة حين وجدته يطالعها هكذا وهي لم تشعر بعودته. بللت شفتيها، تعض عليها بخجل وهي تردف بخفوت: "آسفة، شكلي خضيتك. أنا قولت أغير جو الأوضة وأقعد أشتغل هنا شوية."
نظر بأعينها حيث أشارت إلى تلك الأدوات الخاصة بها والتي تستخدمها بلوحاتها المميزة. تنهد بهدوء وعينيه تعود إليها وقد خفتت قبضته عن ذراعها، وراح يربت على خصلاتها بيد، ويده الأخرى تسحب مشروبها الساخن منها تتذوقه وهو يردف بصوت رخيم: "عندك معرض قريب ولازم تخلصي دول، ولا بتسلي وقتك؟ عقدت حاجبيها بلطف من سؤاله، ورفعت كتفيها تنظر ناحية اللوحات ثم إليه، وأجابته بتساؤل: "ليه؟
أنا بتسلى فعلاً، مستنية مكالمة يزيد بس هو آخر النهارده." أنهت كلماتها وهي تضم شفتيها الصغيرتين بحزن، وتحدق به بهدوء. ليعقد هو الآخر حاجبيه ويردف بمرح: "هبدأ أغير من يزيد اللي واخد معظم الوقت معاكي وخلاني مش عارف أشوفك." ارتفعت ابتسامتها البريئة فوق شفتيها، وبدون تردد دفعت جسدها الصغير داخل أحضانه الحانية الواسعة، تحيط خصره وتستند برأسها أعلى صدره القوي. ليحيط جسدها وهو يبتسم، واضعًا قبلات صغيرة أعلى خصلاتها.
يسمعها تردف بصوتها الرقيق: "أنت محدش ممكن ياخدني منك يا تيم. أنا مليش غيرك! اتسعت ابتسامته حين أعادت على مسامعه جملته المطمئنة التي طالما قالها لها وهي بأسوأ حالاتها، ليشعرها بمدى أهميتها في حياته. ثم أردف بجدية قليلة وهو يشدد من احتضانه لها: "يزيد المرة اللي فاتت قال إنك كده تمام ومش محتاجة جلسات، مستنية مكالمة ليه بقي! عضت على شفتيها وهي ترفع رأسها بهدوء، تحدق به بابتسامة بلهاء:
"أصله جاي معايا تدريب التنس مكان نائل." ضيق عينيه لحظات، ثم رفع إحدى حاجبيه وهو يردف بغضب طفيف: "رايح فين فين؟ سمعيني كده؟! ابتعلت رمقها وهو يعدلها لتقابله بنظراتها المتوترة قليلاً، ووجنتيها بدأت تشتعل. لتهمس له بخفوت: "أنا نسيت أقولك امبارح إن نائل مش هيروح النهارده، ولما قولت ليزيد عرض عليا يجي معايا يسليني." أردف باستنكار وهو يعقد حاجبيه: "يسليني! يسليني إزاي يا أسيف يعني؟
أسيف أنا مش حابب أضايقك، بس أنتِ شايفة إن ده تصرف صح؟ ضغطت على شفتيها، ولمعت عينيها وهي تردد بدفاع حزين: "فيها إيه بس يا تيم، يزيد مش غريب." قطع كلماتها وهو يردف بغلظة وحنق: "لأ غريب يا أسيف، ده دكتور معالج وخلص شغلته معاكِ. أقدر أفهم إيه سر الخروجات اللي من النوع ده؟ مش واخدة بالك إنك مطلقة يا أسيف!
عقدت ملامحها بحزن وهي تحاول الابتعاد عنه والعودة إلى الداخل بعيدًا عن كلماته الصائبة التي أشعرتها بخجلها من فعلتها الحمقاء. لكنه تنهد يستجمع رزانته وهو يجذبها لأحضان، ظنًا منه أنها حزنت من نعته لها بـ "المطلقة". وهمس باعتذار بأذنها: "متزعليش ياحبيبتي، بس أنا خايف عليكي يا قلب أخوكي. ماينفعش خروج مع يزيد وأنتِ عارفة ده صح!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تدفن رأسها الصغير داخل أحضانه بخجل. ليبتسم لفعلتها. ليقطع تواصلهم الأخوي رنين هاتفها الذي ارتفع. أسرعت إليه خارجة من أحضانه تجيب بلهفة خجلة: "أيوه يا يزيد! رفع تيم إحدى حاجبيه وجز على أسنانه بغضب. تلاشى حين سمعها تقول بهدوء: "بصراحة يا يزيد تيم قالي ماينفعش." ابتسم حين استمع لذلك، لكن أعينه اتسعت حين أكملت: "هروح لوحدي وأشوفك هناك بقى، نقعد في الكافيه شوية!
كادت أن تصيبه بنوبة قلبية. أهذا ما فهمته من حديثه لها؟ أم أنها تتصنع عدم الفهم كعادتها حين تأتي سيرة "يزيد"؟ أغلقت تبتسم إليه ببراءة وتردف بحماس: "شفت يزيد متضايقش وقال لي تيم عنده حق. هنتقابل في النادي بقى." أغمض عينيه وهو يجز على أسنانه بغضب، وبدأت شفتيه المغلقة ترتعش. ليفتحها قائلاً بسخرية: "آه لو هتتقابلوا في الكافيه مفيش مشكلة يا قلب أخوكي." اتسعت ابتسامتها وهي تخطف متعلقاتها مسرعة، ثم طبعت قبلة حماسية
أعلى وجنته تصيح بحماس: "بجد! كنت عااارفة إنك هتقول كده. هجري ألبس عشان ألحق التدريب بقى." حدق بأثرها وهي تركض أمامه مسرعة، وهو لا يعلم ما عليه فعله الآن بالتحديد؟ هل يقتل يزيد؟ أم يشكره لعودة تلك الحماسة لشقيقته، بل لعودة شقيقته مفطورة القلب للحياة مرة أخرى!!! فرك جبينه بهدوء وهو يفكر بعدة أشياء مختلفة. لقد اهتدى لوسيلة ما مع شقيقته. وماذا عن مطلقته، التي علم منذ ساعات بحملها!!
حين زارته بمحل عمله فور عودته، وكأن أحدهم أخبرها أنه أول يوم له يباشر به عمله من مكتبه؟!!! عاد من شروده وهو يهرع إلى صوت شقيقته الصارخ باسمه. وقف على عتبة غرفتها يحدق بها بصدمة وهو تُمسك الهاتف ويدها ترتعش، والأخرى تغطي فمها تكتم شهقاتها والدموع تنهمر بسرعة فوق وجنتيها. تحدق به بصدمة. دلف إليها وهو يسألها باندهاش: "إيه يأسيف مالك ياحبيبتي؟
رفعت الهاتف إلى وجهه وهي تنتفض. ليُمسك يدها مثبتاً الهاتف يقرأ سطور نعي وفاة جدتهم بأعين مصدومة وقلب ينتفض. إنها الجدة الحنون انتقلت إلى الرفيق الأعلى بدون سابق إنذار. دون أن يكونا بجانبها هو وشقيقته التي تنتفض الآن!!
نفض رأسه وهو يرتاعب أن تنتكس مرة أخرى. وجذبها لأحضان وهو يحبس دموعه بقوة شديدة. يربت على خصلاتها وهي تتمسك بجسده ودموعها بللت سترته. عجزت عن تفسير ما يكنه صدرها وقد احتلت الصدمة جميع مشاعرها الآن. الجدة الطيبة تتركها وترحل. الأم الثانية والحضن الدافئ يغادرهم بلا شفقة على حالتهم المبعثرة. ***
ارتصت السيارات أمام القصر الحزين وقد بدأ الناس بالتوافد من أجل العزاء المقام للسيدة المسنة المحبوبة. ترجل "تيم" و"أسيف" من السيارة وهما يسيران إلى القصر بأعين حزينة وأوجه شاحبة. أحاط كتفيها يسندها إلى صدره وهما يدلفان أمام جميع الأعين التي اتسعت بعضها بصدمة، وأخرى هادئة ساكنة حزينة تتفقد الموقف بصمت.
وقفت "سمر" الباكية وأسرعت إلى ابن أخيه تحتضنها وجسدها ينتفض. تبكي بشهقات وهي تتشح بالسواد كحال جميع النسوة التي جلسن ينظرن باندهاش إلى ابنة الأخ التي من المفترض أنها تعيش معهم هي وشقيقها. كيف تأتي كزائرة!!
كانت القلوب المكلومة أبعد ما يكون عن مدار خبايا القصر أمام الأغراب. وراحت "سمر" تهمس لهم بكلمات معبرة عن مدى اشتياق الجدة ورغبتها الأخيرة برؤيتهم والتي لم تتحقق لاختفائهم وسفر "نائل" المفاجئ. ومعرفته بالأمر من أبيه بعد الوفاة ليحجز رحلة عودته مسرعاً إلى البلاد. بكت "أسيف" حين سقطت الكلمات على مسامعها. هي تحب الجدة للغاية وكانوا يرتبون لعودتهم إليها. لكنه القدر.
كادت "أسيف" أن تسقط أثناء احتضان العمة التي اختل توازنها وسقطت مغشية عليها بأحضانها. صرخت لأخيها الذي كان يربت على كتف عمته. بعيدًا بشكل نسبي لكنه كان يراقبها بعينيه المتربصة لأقل حركة منها. ولاحظ تراخي جسد عمته ليندفع إليها. ورغم هلعها من سقوط العمة ومحاولة التماسك بثقل عمتها لحين يصل الأخ من الردهة الفسيحة، إلا أنها فور شعورها بملمس يده فوق يدها وهو يحيط عمته ويحملها، انتفضت. لكن ليس برعب كحالها السابق، بل باشمئزاز ونظرات احتقار أدمت قلبه وعينيه التي لازالت لا تصدق عودتها إلى الآن!!!!!
نظرت إليه بعينيها المنتفختين من شدة البكاء. ونظراتها تطعنه. لم يتبدل حاله أبدًا. لازال يحتفظ ببنيته التي زادت قوة أسفل تلك السترة السوداء الأنيقة. ملامحه لازالت تتسم بالمكر والدهاء والتصرفات المبهمة. أعينه لازالت وقحة تسير على جسدها الآن بلا خجل. بالطبع لما ينهار وهو يعامل البشر كالدمية بين يديه. ألقته بنظرة أخيرة مستحقرة ثم عادت خطوة للخلف تتقدم من أخيها الذي يتجه إليها وأعينه تقدح بالشر لذلك المجرم الدامي الذي استباح جسد غاليته وأهانها أشد إهانة.
ربتت "أسيف" على كتف شقيقها ليأتي الجد ويدفن جسد الحفيدة باشتياق واضح بأحضانه وهو يهمس لها بنبرة متحشرجة بندم واعتذار، متناسياً هيبته أمام الأعين التي لطالما تكن له الإجلال والاحترام لقوته وصلابته. لم يتخيل أحد رؤيته منهاراً هكذا. حتى "أسيف" رقت لحاله وراحت يديها تربت على ظهره بحنان وحزن وهي بحالة صدمة كلية من انهيار جدها القوي ذي الهيبة والكبرياء.
أسند "تيم" الجد وهو يربت على كتفه ويفصله عن شقيقته ليعود لجلسته ويستريح. واحتل "مراد" مكان الجد وهو يحتضن ابن أخيه العائدة إليهم بقوة واضحة وشموخ ناسبها. لاحظتها تلك التي جلست فوق الأريكة تبكي وتنتحب بصمت وأعينها تتفقد ذلك الواقف يتابع شقيقته بعينيه. وأحاط جسدها المرتعش من نوبة بكائها بسبب ذلك اللقاء غير المتوقع أبدًا.
أبعدها "تيم" قليلاً وجلسا فوق أريكة بعيدة نسبياً يدسها بأحضان ويربت عليها. ثم أفسح مجالاً بجانبه لـ "نائل" الذي أتى بوجهه الحزين يحادثه بأمر ما، و"تيم" يهز رأسه بالسلب وهو يمسح دموع شقيقته بهدوء. تفقدتهم بعينين ملتهبتين حاميتين تكاد تقتل ابنة العم بنظراتها. لكنها ليست بذلك الجنون لتضرها أمام الأعين وبأحضان حبيبها.
هبطت يديها إلى باطنها تمسح عليها بلطف. وتلك السيدة الراقية صديقة العائلة تربت على كتفها بهدوء. لتسمع همهمات السيدات من حولها حيث قالت إحداهن: "إيه ده هي أسيف مكنتش قاعدة هنا ولا إيه؟ والأخرى تجيبها: "معرفش بس شكلها هي وتيم راجعين من سفر، ممكن واحنا منعرفش؟ هزت السيدة رأسها تؤيد كلامها قائلة بنبرة مخملية: "طول عمري بحب أوي علاقة تيم بأسيف."
تلك الأحاديث المعتادة بين النسوة الغير مراعية لحالة البيت المنكوب أشعلت قلبها وأضرمت النيران بصدرها وهي تداري حزنها الطاغي. لم يكن عليهن قول ذلك بجانبها هي أبدًا!!! *** وقفت "أسيف" بمرحاض جناح عمتها تجفف وجهها. ثم نظرت إلى المرآة لحظات تراقب علامات الشحوب الجلية على وجهها الجميل. تنهدت وهي تلفظ أنفاسها بإرهاق واضح. ثم فتحت الباب تخطو إلى فراش عمتها بهدوء. وقفت تقول برفق وصوت حانٍ:
"عمتو ماينفعش كده، لازم تاكلي. ده مش هيفيدها بحاجة." ثم أشارت بأناملها حيث وضع الطعام الشهي. لكن ليس لتلك الحزينة المكلومة لفقدان أمها الحبيبة الحنون. ومواقفهما سويًا تمر أمام عينيها بتتابع مميز من نوعه. ارتفعت شهقات "سمر" ووضعت رأسها بالوسادة تدفن تلك الشهقات التي كادت تقضي على أنفاسها. وتلك الذكريات اللطيفة بينها وبين أمها لم تترك مخيلتها أبدًا.
جلست "أسيف" أعلى الفراش ثم وضعت يدها أعلى كتف عمتها بحنو. هي جربت. تجرعت مرارة ذلك الكأس حين فقدت أبويها الحبيبين. إنها أشد الأوجاع. وطالما أغرقتهم الجدة بالأمومة والحنان الناعم. هطلت دموعها هي الأخرى وهي تحاول مجاراة تلك الليلة الصاخبة الحافلة بالأوجاع. ألا يكفيها وفاة الجدة؟ بل دفعها القدر إلى مقابلة ذاك الوحش المدمر براءتها بنفس اليوم. لتتوالى الصدمات عليها وتبدأ الأيدي تعبث بوجعها وقلبها المكلوم.
أفاقت العمة قليلاً حين استمعت شهقات "أسيف" لتتذكر سوء حالتها وعدم تحملها ذلك الموقف. اعتدلت تربت على جسدها تعتذر بقلب أم موجوع. لحظات مرت عليهم لتتدارك "أسيف" نفسها وتبدأ بإقناع العمة بالطعام مرة أخرى. لتستجيب لها تلك المرة حتى لا تتدهور حالتها هي أيضاً.
… أغلقت "أسيف" باب الجناح بهدوء وهي تتجه عابثة بهاتفها بأناملها إلى الدرج. هي الآن بحاجة شديدة إلى "يزيد" ليعاونها كعادته بهدوئه وفطنته. لكن أعينها اتسعت حين كانت على وشك التصادم بحائط بشري. نعم. إنه هو "فهد" السيئ اللعين المرعب. هل ينظر إليها بعينين معتذرتين أم أن اشتعال روحها الآن هيأ لها ذلك؟ كم تمقته وتكره تواجده أسفل نفس السقف معها. لكنها مجبرة. كيف توقف تلك الذكريات التي تندلع بعقلها بلا رحمة أو شفقة!
كيف تنسى يديه التي لطخت يوماً ما بدماء برائتها وأناتها والآهات التي كانت تخرج من شفتيها لتجعله يبتسم بغضب! كيف تنسى صفعاته التي طالما كانت تتلقاها بسبب وبدون! كيف وكيف؟
ارتفع الاحتقار والاشمئزاز ليظهر بوضوح على وجهها منه. كادت تتخطاه وتكمل طريقها. لكن يده التي أسرعت وكادت تحط على جسدها جعلتها تتراجع صافعة يده بقوة عنها تردعه بغضب. لتكن الدهشة من نصيبه هو تلك المرة. طالما أدهشها بحقده وغضبه. لتدهشه هي تلك المرة بتخليها عن هشاشتها وضعفها. لاعنة براءتها التي تعبث بعقلها للهروب إلى جناح عمتها مرة أخرى. ضيقت عينيها حين رفع يديه بحركة استسلامية وهو يحاول السيطرة على نبرته المبحوحة:
"أسيف... اهدئي." تهدأ! يأمرها الوقح بالهدوء! ألم تكن تتوسل هدوءه منذ أشهر ليرحمها! أيها الوقح المنحط كيف له أن يثق هكذا بنفسه ويقف أمامها! خرجت الكلمات المصحوبة بغضبها من شفتيها الجميلتين لتصيح بعنف لأول مرة يراه منها! "اخرس خااالص وإياااك تحاول توقفني بالشكل ده تاااني. وإسمي مايجيش على لسااانك عشان بقرف."
كلمة لطالما طعنها بها بأساليبه المختلفة. ثبتت بعقلها البريء وها هي تردها إليه. تلك النظرات المحتقرة التي صرخت بها عينيها المنتفختين من أثر حزنها وهيئتها العنيفة وصدرها الذي يعلو ويهبط بغضب. جعلته يتراجع خطوات مفسحًا لها الطريق لتخطو أمامه على الفور بخطوات غاضبة منفعلة. وكلماتها بعقله تصفعه أشد الصفعات. ليتجه إلى جناح العمة بهدوء وعقله يجول ويجول خلف تلك الفاتنة التي ترد إليه الكلمات بقوة أعجبته. علها تشفي غليلها منه هكذا. غافلاً أن السبب بتغيراتها ليس فقط ما فعله. إنما أصابع امتدت لتنتشلها من وجع ألقاه بها بلا لحظة تردد منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!