الفصل 21 | من 29 فصل

رواية حصونه المهلكة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء الجندي

المشاهدات
22
كلمة
3,879
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

"مواجهه! اتسعت عينيها حين وجدته واقفاً أمامها يطالعها بنظرات هادئه فور انصراف صديقتها. يستند إلى مكتبها يعقد ذراعيه المفتولتين أمام صدره الذى برز بوضوح من قميصه الذي ناسب بنيته الرياضيه كثيرا. اتسعت عينيها بتوتر و هي تقف تلقائياً تعود بجسدها إلى الخلف بوضع استعدادي للركض. قلبها يقرع كالطبول. هل عليها الآن أن تصرخ ليأتي ابن عمها من عمله بالجهة المقابلة و ينقذها؟

أم عليها أن تتحلى بالصمت و تراقب أفعاله بحرص كما تفعل دوماً؟ ارتفعت زاوية فمه بابتسامة لطيفه و هو يراقب توترها الواضح. بدا على يقين أنها سوف تصيح به الآن متسائلة عن سبب تواجده. و ها هي تفعل: "أنت بتعمل ايه هنااا؟ و مين أصلا قالك مكاني.. امشي اطلع برااا…"

زفرت أنفاسها فور أن انتهت من طردها له و صدرها يعلو و يهبط بقوة. تشعر بتلك الرجفة تسري بجسدها. اتسعت عينيها من نظراته الوقحة التي شملتها من أخمص قدميها إلى خصلاتها. يحدق بها بهدوء ثم اعتدل بوقفته مستقيماً بجسده. تلك البسمة الماكرة لا تغادر محياه. قائلاً بصوت أجش أثناء اقترابه منها بلطف: "بقا دي طريقة استقبال برضه يا أسيف؟ بتطرديني قبل ما تعرفي جاي ليه حتي؟

عادت للخلف و هي ترفع إصبعها أمام وجهه بتحذير. قد بدت علامات الرعب منه واضحة بمقلتيها و هي تدعي الثبات. قائلة بشفاه مرتجفة من فرط توترها: "اوعي تقرب مني والله هطلب الأمن و اخليهم يسلموك.." صرخت بخوف و عادت تلتصق بالحائط حين اتجه للباب أثناء حديثها يغلقه بهدوء. لتصيح: "افتح الباب و امشي اطلع برااا.."

وقفت أسيف تراقب تقدمه الهادئ منها بأعين مذهولة مصدومة. كيف وصل إلى هنا لا أحد يعلم. تواجدها هنا سوى "نائل" الواشي. كيف له أن يخبره بمحلها؟ رفعت إصبعها تشير إليه به بحركة تحذيرية و تقول بصوت شديد الغضب: "إياك تقرب مني خطوة واحدة يافهد، يزبد جاي ولو شافك هتحصل مشكلة. امشي حالا.."

رفع إحدى حاجبيه ثم ارتد للخلف لتظن أنها ردعته و سوف يذهب. لكنه اتجه بخطواته الهادئة إلى الباب مرة أخرى ثم أوصده بالمفتاح و أفلت يدسه بجيبه. أسرعت إلى هاتفها حين وجدت نفسها معه على انفراد معه مجبرة. كان أسرع منها و كأنه على يقين بتحركاتها. و بلمح البصر خطف الهاتف من يدها يدسه بجيبه. لتتسع عينيها و تصرخ غاضبة به و هي تحدق برماديتيه مستنكرة أفعاله: "أنت اتجننت؟!

ابتسم ببرود و هو يلوح لها حين وقف بجانب الجهاز الصغير المعلق بالحائط و طرق عليه بقبضته مرتين بقوة ليسقط أرضاً مُهشم إلى قطع صغيرة. و ذهولها يزداد و غضبها أيضاً. لقد دمر جميع وسائل خروجها من هنا. عادت بجسدها للخلف و هو يقترب منها بابتسامته العابثة يهمس: "كده نقدر نتفاهم يابيبي! ظل صدرها يعلو و يهبط بوتيرة واحدة و هي تحاول التحكم بانفاسها الغاضبة. لتصرخ به بعنف:

"مفيش أي تفاااهم بينااا و أحسنلك تفتح الباب ده و تمشي من وشي و…" قاطع سيل كلماتها المهينة لشخصه يضرب بقوة على المنضدة بإحدى يديه ناظراً إليها بعينيه الباردة كالجليد. و هو يهمس لها فور أن صمتت تتابعه باندهاش لفعلته. أين الفهد الغاضب الذي من المفترض أن ينقض عليها و يهشمها الآن؟ "مش همشي يا أسيف إلا لما تسمعيني المرة دي… ليه مش عايزة ترضي ضميرك ناحيتي؟ أنا مش عايز غير مسامحتك."

تبدلت نظراته من الجمود إلى الحزن بلحظات. و بدأت تلمع من فرط تأثره. وهمس و هو يحدق بعينيها الجميلة الغاضبة للغاية تلقيه بنظرات تكذيب. ليهز رأسه بالسلب فور أن طعنته كعادتها بسهام نظراتها الحارقة: "أنا لو متغيرتش مش هتفرق معايه يا أسيف، مش هقف قصادك أترجاكِ تسامحيني و لا كان هيفرق معايا. أنا متأكد إنك مش بتحبي يزيد ده و بتعاندي فيا مش أكتر. بس أنا مش هسيبك ابداااا و… و أنتِ مش مسامحاني كده…."

انطلقت نظرات الإصرار من رماديتيه لتستقبلها بأعين حزينة مرتبكة مشتتة كعادتها بالأونة الأخيرة معه. ليُكمل: "قوليلي عاوزاني أثبتلك إزاي إني اتغيرت يا أسيف؟! نظرت إليه و اردفت بقوة و هي تنظر داخل عينيه: "قولتهالك و هقولهالك مليون مرة يافهد. الثقة لما بتضيع مش بترجع أبداااا. حتى لو سبت يزيد هفضل عايشة في قلق. محدش بيتغير اللي في طبع مش بيغيره يا ابن عمي…" جلس أعلى الكرسي بارهاق ثم أخرج هاتفها يضعه بهدوء أمام

أعينها و هو يقول بحزن: "أنا مش جاي أجبرك على حاجة و أكرر غلطاتي تاني اللي تبت عنها. ربنا بيسامح يا أسيف و سابلي فرصة أتعالج فيها. أنتِ إزاي بقيتي بالقسوة دي؟ أنا مكنتش في وعيي… ك…" قاطعته صارخة بغضب و كأن ما حدث كان أمس: "بس اناااا كنت في وعيي… كنت حاسة و شايفة و سامعة تعذيبك ليااا بكل الطرق. أنا مش عارفة أنسى. لييييه مش عايز تفهم. كنت أنت نسيت اللي حصل في أمك زمان؟!!!

أنت جيت تنتقم ليها بعد ٢٠ سنة و من حد ملهوش أي ذنبببب…." صرخ بغضب و هو يزيح الطاولة بعيداً عن مرمى يديه بعد أن استفزته حين أتت ذكرى أمه. لتتسع مقلتيها برعب منه. أغضبه ذلك الرعب أكثر:

"و بعترف أنه كان غلططططط. مستنيه إيه من واحد اتربى ليل نهار على كلمة واحدة رجع حقناااا، مستنيه مني أيييه و أنا كنت فااهم كل حاجة غلط. أيوه أنا بعترف أنا ظلمتك و أنتِ أكبر ضحية يا أسيف و مكنتيش تستاهلي ده و ندمت. ندمت و عاوزك ترحميني و تغفري. أنا كنت بشوف كوابيس من زمان إلا كابوسك أنتِ بقوم منه بعيط زي الطفل الصغير. مبقتش مستحمل إني افتكر الوجع اللي وجعته ليكِ يا أسيف. عارف إنه صعب عليكِ بس مش مستحيل. حاولي و حياة تيم عندك. أنا أول مرة أترجى حد كده. أنا عريت روحي قصادك و أنا واثق فيكِ و في رحمتك. أنتِ مش زينا يا أسيف متقارنيش نفسك بيا عشان أنتِ أحسن مني مليون مرة. سامحيني أرجوكِ…."

هزت رأسها بالسلب و قد نالت تلك الدموع من مقلتيها. لترفع ذراعها تُشير إلى الباب و هي تُغمض عينيها هامسة بصوت مبحوح متحشرج: "اطلع برا!!! لم يقاومها بل لم يُبدِ أيه اعتراضات. وقف على الفور يتجه إلى الخارج و هو يزيل تلك الدمعات العالقة بأهدابه. لكنه وقف لحظات و هو يعتدل بجسده ناظراً إليها بحزن يقول بصوت حازم قوي:

"متخليش اللي حصل مني يأثر عليكِ و تظلمي واحد ملهوش ذنب. الجواز مش لعبة زي ما أنا كنت فاكر. مفتكرش إنك عاوزة نسخة من فهد أو ندي يكونوا ولادك…"

ثم تركها و انصرف. بعد أن نزع صمام غضبها الذي بدأ يقل تدريجياً ناحيته بعد كل محادثة. لقد رأت منذ لحظات ذلك الطفل بعينيه. هي لا تتعمد تذكيره بأمه أو ماضيه. لقد خرجت كلماتها بغضب تلقائي بشكل غير مبرر. لكن ماذا عن تلك النظرات اللائمة التي انطلقت سهامها نحوها بلا هوادة. لقد ندمت بالفعل على كلماتها الآن. تلك ليست سماتها. منذ متى و هي بتلك القسوة؟

ماذا فعلت لها تلك السيدة الجميلة الوقورة. لكن ما أثار حفيظتها حقاً هدوءه و صمته أمام كلماتها. اتجهت إلى الخارج بخطوات غاضبة للغاية تتلفت حولها بذاك الرواق عله لازال هنا. اتسعت عينيها حين لمحته من خلف الباب الزجاج يدلف إلى سيارته و ينصرف بها. لتصيح بصوت مرتفع و هي تسرع بحذائها الأنيق ذو الكعب العالي إلى البوابة تفتحها قبل انصرافه و هي تهتف بصوت مرتفع أثناء رؤيتها للسيارة تتحرك بالفعل: "استني؟!

لم ينتبه إلى صوتها بالطبع حيث أنه لازال يغلق زجاج النافذة. لكن ارتفعت عينه إلى المرآة الأمامية ليفتح عينيه على وسعهما حين لمحها تتعرقل و تسقط أرضاً. و هو مصدوم من تواجدها خارجاً. عاد بالسيارة مسرعاً للخلف و هبط منها يهرع إليها و يجثو أرضاً أمامها و هو يتفقد وجهها المتألم و يدها التي وضعتها أعلى نهاية ساقها تتأوه بصمت. أوقف أفراد الأمن بإشارة صغيرة ليعودا أدراجهم بطواعية تامة و هو بحالة ذهول مفرط. أخيراً خرجت الكلمات بلهفة وهو يتفقد ساقها بأنامله قائلاً:

"وقعتي ازاي؟ ارفعي إيدك عنها يا أسيف عشان أشوفها؟ لم تجبه إنما أزالت دمعاتها بحزن شديد و حاولت الاعتدال و هي تتلفت حولها بقلق من ذاك الهدوء المغلف لأجواء المجمع السكني الراقي. لكنها صرخت بوجع حين حاولت الوقوف. ليتجه إليها بهدوء هامساً لها و هو يمسك بيدها: "أسيف متحاوليش تقفي. تعالى أساعدك ندخل جوه بدل قعدة الشارع دي!

اشتد ألم ساقها و بدأت تتعرق من فرط توترها و خوفها. اتسعت عينيها بهلع حين وجدت نفسها طائرة بالهواء يحملها بين ذراعيه متجهاً إلى الداخل و هو يقول بجدية: "علبة الإسعافات فين بالظبط جوه و لا معندكيش؟

تطلعت إليه بأعين متسعة مصدومة و كأن فعلته الجريئة أصابتها بشلل لجميع أطرافها. حدقت به عن كثب محاولة تجميع كلماتها لكنها فشلت. فقط تتطلع بخجل إلى أفراد الأمن المكنسين رؤوسهم و قلبها ينتفض بحالة غريبة مما يحدث. إلى أن وصل بها إلى مرسمها و تقدم إلى أقرب أريكة يضعها برفق فوقها مقلباً أنظاره بالمكان. لتهامس بتوتر أخيراً بعد أن أدركت غايته: "العلبة هناك في الرف ده…"

و أشارت إلى العلبة في حين كانت تحاول نزع حذائها الذي يضغط على قدمها بقوة. دفعت رأسها للخلف بوجع تجز على أسنانها بقوة. ليصل إليها متأملاً حالتها بتوتر طفيف ثم جلس على ركبتيه أرضاً يفتح العلبة و يعبث بها ليحصل على تلك العلبة الصغيرة و يقصي العلبة بعيداً ليتثنى له رؤية قدمها. لكنها سحبتها للخلف و هي تتألم قائلة بملامح مرهقة مشمئزة أوجعته أشد وجع: "لا متجيش جنبي!

رمقته بطرف عينيها بتوتر من تسرعها هكذا معه دوماً. لتجده ينكس رأسه لحظات ثم رفعها يقول بعقلانية و هدوء نبرة ألم تغلف حروفه ليذكرها بكلماتها: "أسيف أنا بعرف أتصرف في الحالات دي كويس من و أنا عندي ٧ سنين…" رفعت رأسها إليه تحدق به بأعين دامعة. "أسفه! رفعت عينيه الغائمة نحوها و هو يحدق بها بصدمة جلية. لتبتلع رمقها بتوتر طفيف و هي تواصل همسها توضح له بخجل حيث تلون وجهها بتلك الحمرة التي تشعل نيرانه:

"مكنش قصدي أتكلم عن مامتك… ربنا يرحمها…" رفرفت أنفاسها بهدوء و كأنها أزاحت أشد الأحجار ثقلاً عن صدرها للتو. أدمعت عينيه و هو يعض أصابعه ندماً على تلك الملاك المتجسد بصورة بشر أمامه. أتعتذر له؟ أتعتذر عن كلمة واحدة قالتها دون قصد؟ هز رأسه بالسلب و كأنه ينفض أفكاره. لتقطع كلماتها تحدق به بتيه و قلق. رفع رأسه إليها فور أن أنهى ربط قدمها يطالعها بحزن. هو لا يريد أن يكون شبيه لأبيه بعينيها مما جعله يهمس بصوته الأجش:

"بس أنا مش زي أبويا يا أسيف و لا أنتِ زيها صدقيني…" اقترب منها مستغلاً سكونها لأول مرة أمامه يهمس لها و دمعاته تسبق حروفه المبعثرة و بوادر اختناق صوته تتضح إليها: "عارفه معايا كام فيديو زي اللي شوفتيه؟ عارفه أنا شوفتهم كام مرة من يوم ما أبويا مات و لقيت الفيديوهات دي؟ أسيف ليه مش عايزة ترحميني؟ أنا بدور على أمي و نصايحها و كلامها في ورق كتبته بخطها. أنتِ فاكراني كنت فرحان اللي بعمله؟

أنتِ نفسك شوفتي شكل كوابيسي كان إيه؟ مكنتش أعرف غير حاجة واحدة أنك بنت الرجال اللي هان عرض أبويا و شرفه. كنت عاوز أخد حقه بنفس الطريقة. كان تفكير مريض يا أسيف و أنا اتعالجت…." سكنت تماماً تراقبه بتوجس من تحوله بأي لحظة. لكنه بدا منهك القوى، مرهق، حزين. ذاك الطفل يتطلع إليها الآن من مقلتيه يصرخ برحمتها أن تفيق و تجرعه كأس لطفها. تنهدت بحزن ثم بدأت تصرف رماديتيها عنه و تهمس بصوتها المرهق:

"أنا مش عارفة عاوز إيه. أنا بعدت، ابعد أنت كمان و اعمل حياة ليك بعيد عني. طلبك صعب أوي…" مسح عينيه جيداً. ثم هيطت يده إلى مقدمة قميصه يُمسك بنظارته الشمسية أثناء وقوفه يضعها مسرعاً حين استمع إلى صوت "يزيد" يدلف إلى الداخل و هو يقول بحماس: "أسيف أخرت مش كده؟ اتسعت عينيه حين وجدها بتلك الهيئة و ذاك الرجل القاسي يقف أمامها بهدوء. ليسرع إليها و عينيه تقدح بالغضب صارخاً به: "أنت عملت ايييه ياا…"

صاحت مسرعة تحاول الوقوف على قدمها قبل أن ينشب عراكاً حامياً وطيس أمامها: "يزيد فهد كان بيعالجني أنا اتشنكلت و هو ساعدني…" حدق بها بشرود. لا يصدق أنها دافعت عنه لتواً. لكنها نبته أمل لن يتخلى عنها. وجد ذاك الرجل يتقدم منها و يجثو على ركبتيه يعاين قدمها أمامه. ليجز على أسنانه بقوة و هو يضم قبضتيه معاً. لكن لم يتحمل أكثر ليصيح به بصوت واضح يصرف انتباهه عنها: "هي ندي عاملة إيه النهارده؟ أنت داخل في شهرين أهو…"

نجح بذلك حيث وقف "يزيد" يواجهه و هو يقول متذكراً: "كويس إنك فكرتني. أنا كلمت دكتورها عشان تخرج و ترجع القصر. هي حالياً تقدر تمارس حياتها أفضل و هستمر معاها في الجلسات بس بالعلاج السلوكي المعرفي (CBT)

و ده هينجح مع ندى جداً لأن ندى أصلاً بتهتم بتجارب اللي حواليا و اللي عندهم و بتعمل مقارنة ده عندها أو لأ. و ده هينجح معاها جداً متقلقش ندى خلاص في مرحلة ممتازة. لكن حابب أكد أن تعاملكم معاها هيفرق كتير في علاجها خصوصاً أنتِ يا أسيف…" نظرت له بصمت ثم هزت رأسها بإرهاق تقول بهدوء: "يزيد أنا مش هقدر أكمل اليوم. محتاجة أروح…"

*مر شهر. سارت الأوضاع هادئة داخل القصر و عودة "ندى" لم تؤثر كثيراً حيث عادت إليهم هادئة لا تملك تلك النظرات المشتعلة. تتجنب الجميع بهدوء غريب ليصبح أمرها هكذا مريحاً للجميع…*

استيقظت "أسيف" صباحاً بنشاط زائد حيث دلفت إلى المطبخ و أعدت شطائر شهية للإفطار و جهزت كوب الشيكولاتة الساخن بالحليب. كادت تنصرف إلى الحديقة لكن اتسعت عينيها حين وجدته يقف بجسده يسد عليها الطريق يبتسم بهدوء. ثم قام بسحب شطيرة من الطبق و قضمها و هو يقول بحماس أمام أعينها المذهولة من كم جراءته: "أووووف تجنن يا أسيف، اااه سوري مبتحبيش أقول اسمك أقولك سوفي أحلى؟

لم تستطع مجاراة حديثه أبداً و هي بتلك الحالة. اشتعلت نيران الغضب داخلها من أسلوبه الغير مبالي حيث شعرت أنه يستخف بها و بفعلته الشنيعة معها و أنه قد ضمن مسامحتها و كأنه لم يفعل شيئ أبداً بها. فتركت ما بيدها أعلى الرخام بغضب ليصدر الطبق صوت قوي من دفعتها إياه على الرخام البارد و هدرت بعنف: "أنت عايز توصل لأيه بالظبط، أنت عارف و متأكد إني مش طايقاك و لا هطيقك. مزهقتش من شهر كامل بأسلوبك ده معايا؟

ماتسيبني في حااالي بقااا و ركز مع أختك…" ابتسم ببرود و كأنها كانت تمدحه للتو و خرج صوته الرخيم الهادئ يتلاعب على أوتار صبريها و اضطرابها. برغم من إظهار ذلك العنف دوماً معه إلا أنه يرى "أسيف" البريئة تلوح له دوماً و هو يحادثها. أمسك طبق الشطائر الشهية لتسرع ممسكة بالكوب الساخن حتى لا يسرقه هو الآخر و اتجه إلى الخارج و قال غامزاً لها بإحدى عينيه: "تؤ مش بزهق… و ندي تمام جداً و مرتاحة فوق.. انا فاضيلك يابيبي…"

صححت له كلماته و هي تسير خلفه لتصعد غرفتها و تتركه: "فاضي لنفسك مش ليااا، و بعدين أنت واخد فطاري ليه انااا بكلمكككك…" وقف فجأة لتصطدم به بكوب الشيكولاتة الساخن. لكن من حسن حظها و سوء حظه أنه كان يميل عليه و اندلعت محتوياته الساخنة فوق تيشيرته الخفيف تحرق ظهره. صدرت منهما صرخة واحدة. هي من صدمتها القوية به و هو من شدة ألم الحرق على جلده و مفاجأته بفعلتها. ليهدر متعمداً: "ازاي الغل يوصلك لكده ياااأسيف؟!!!!

جحظت عينيها و هزت رأسها بالسلب تقول مسرعة رافعة يديها أمامه: "والله ما أقصد. اطلع بسرعة غير و شوف أثر الحرق إيه؟ التفت لها يحاول رفع التيشيرت عن جسده صارخاً بها بعنف: "أشوف ازااي ضهري أنا هااا.. أنا متأكد إنك قاصدة اااه!! عضت على شفتيها بتوتر و قالت بنبرة قلقة و هي تشعر بالذنب حياله: "أنا اسفة طيب…" صاح بنبرة متألمة حيث يحرك عضلات ظهره بوجع: "اسفة! حراام عليكِ بجد. أشوف ازاااي اللي حصل في ضهري أنتِ شوهتيني!!!!

اتسعت عينيها و جذبته من يده تركض بخفة نحو الجناح الخاص بها و هي تقول بخوف: "لا لا مفيش تشوه متخافش هنلحقه…" فتحت باب الجناح و هي تجره خلفها ليسير معها بطواعية و صمت مطلقا أنات وجعه وصلت به إلى مرحاض الغرفة تأمره مسرعة: "استني هنا هجيب المرهم…" تركته و أسرعت إلى الداخل لينظر لأثرها بهدوء ثم اتجه إلى شرفتها يفتحها و يقف بها ناظراً إلى سيارة الطبيب حيث استمع إلى صوتها المميز الذي يحفظه عن ظهر قلب….

أتت إليه تمسك العلبة بيديها تعبث بها و هي تقول بصوت آمر: "ارفع التيشيرت بسرعة!! نزعه تماماً عن جسده بلمح البصر ليصبح عاري الصدر أمامها. أغمضت عينيها بتوتر و هي تعنفه بغضب طفيف: "ايه ده أنت مصدقت؟! أجابها ببراءة و أعين متسعة: "مش انتِ اللي طلبتي و بعدين انجزي ضهري هيموتني!!! دارت حوله مسرعة و تطلعت إلى ظهره بقلق في حين تطوف بأناملها الرقيقة بلمسات طفيفة منها فوق جرحه تهمس و هي تزفر براحة: "متقلقش مفيش حاجة جامدة…"

ابتسم بهدوء وهو يقول مشيراً بعينيه إلى "يزيد" الذي وقف ينظر إليهم بالأسفل: "أنا مش قلقان غالباً في ناس هي اللي قلقت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...