الفصل 25 | من 29 فصل

رواية حصونه المهلكة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء الجندي

المشاهدات
21
كلمة
2,811
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

جلست "فرح" منكمشة بجسدها داخل سيارته و ذاك التوتر اللعين يعبث بخلايا جسدها حيث مشهدها بأحضانه الذي يتكرر للمرة التي لا تعلم عددها. نظرت ناحيته بطرف عينيها و هي تشعر باليأس الشديد حين وجدته يطالع هاتفه بيد و الأخرى أعلى المقود، موزعاً نظراته بين الطريق و بين هاتفه. أسبلت عينيها بحزن عميق تفرك أصابعها لتتنهد قائلة بانزعاج طفيف: -آسفة تعبتك... التقطت أذنه نبرة الانزعاج الواضح ليعقد حاجبيه و يلقي نظرة عليها قائلاً

باندهاش: -لا مفيش تعب... أجابته بإيماءة قصيرة من رأسها و ابتسامة مقتضبة، و عدلت من وضعيتها تطالع الطريق بصمت. قاطعه هو باندهاش واضح و قال: -فرح أنتِ متضايقة مني في حاجة؟!! اتسعت عينيها و توترت ليتسلل ذاك اللون الأحمر إلى وجنتيها حيث بدت حائرة من تلك الملاحظة الواضحة. كيف تُجيبه الآن؟ لم يكن عليها أن تُظهر مقتها لتصرفه الطبيعي بتلك الطريقة أبداً. ابتلعت ريقها تلملم خصلاتها و تهز رأسها بالسلب بصمت تام.

دفعه لزيادة اندهاشه معتقداً أنه فعل ما يغضبها و يجعلها ترفض الحديث دون شعور. ترك هاتفه جانباً و أوقف السيارة. لترفع عينيها بصدمة من فعلته حيث ذاك الطريق الهادئ، فقط حركة السيارات المارة ما تشغله قليلاً. أردف متجاهلاً صدمتها من فعلته، معتدلاً بجسده ليواجهها بصوته الرخيم قائلاً: -فرح مالك؟!! و كأن عقلها و قلبها ينتظرا تلك الكلمة لتنفجر باكية تخبئ وجهها بين يديها بوهن من ذاك الإحراج و الضغط الذي يمارسه عليها. ماذا تقول؟

أحبك؟ هل تصارحه بما تكنه بصدرها و تخسر صديقتها المقربة البريئة ناهيك عن كرامتها؟ هل تتوسل محبته؟ هل تترجى قلبه الأشبه بالصخر أن يرى ما بها؟ كيف لم يرَ ولهها به؟ كيف و كيف؟!! أتسمع؟ أتسمع ذاك النبض الخائن الذي يصرخ بين جنبات فؤادي بحروف اسمك علك ترأف، علك تجيب توسلاته!!

لقد عاهدت نفسي مراراً ألا أشتهي تلك المحبة من قلبك مجدداً، لتأتي هامساً بأحرف اسمي من شفتيك و تتسلل تلك النبرة تدغدغ أحشائي و يرتعش بدني ضارباً بعهدي عرض الحائط. صرت كالطفل الذي يراقب النجوم ليلاً متمنياً ألا يأتي نهار جديد و يزيل ذاك البهاء... صدمته للغاية و هي تحاول كتمان تلك الشهقات الصادرة من شفتيها الصغيرة. "رُباه! هل خبأت نهر بعينيها لينفجر بتلك الطريقة من مجرد سؤال؟ كيف له أن يعمل لتهدئتها الآن؟!

انتبه أخيراً إلى يدها التي تذهب إلى مقبض الباب ليُمسك يدها ضاغطاً على زر التحكم المجاور له يقول بصدمة: -فيه إيه يا فرح إيه اللي حصلك؟!! أنا ضايقتك طيب؟!! ارتفعت شهقاتها و نفذ صبرها معه لتصرخ باكية بوجهه بنبرة متألمة: -لاااا مضايقتنيش انتتتتت مش فاهم ولااا هتفهممممم افتح البااااب ده خلينى انززززل بقاااا! ماذا يفعل الآن؟ هل يطاوعها و يتركها بمنتصف طريق فارغ؟

لن تسمح رجولته بذلك. لكن هو يعلم ما بها تلك الجميلة حقاً. قد تسببت بأرق تفكيره و انشغال عقله. كيف له أن يوضح لها ما يشعر به!! أحاط وجهها بكفيه على حين غرة و قد قرر التصرف معها كما يتصرف مع شقيقته. هي تماثله كثيراً علها تفهمه!! اتسعت عينيها البريئة و توقفت شهقاتها حين فاجأها بإحاطة وجهها بين كفيه و إبهامه الذي يسير فوق خدها يمحي تلك الدمعات اللعينة التي تثير غضبه رغم أنه يراها لأول مرة.

تطلع إلى قسمات وجهها بهدوء يراقب ردة فعلها ليبلل شفتيه مقرراً البوح بما يقلقه و يشعر به معها محاولاً انتقاء ألفاظه حتى لا يجرح تلك الصغيرة: -فرح أنا عارف شعورك ناحيتي بس أنا مش هنفعك. تجربتي الأولى لسه ليها أثر بيوجع فيا. أنا كده أبقى بخدعك. صعب أثق في أي حد و أنتِ جميلة و صغيرة و مليون واحد يتمنى ترتبطى بيه بس أنا صعب... كيف له أن يتحدث بتلك القسوة! كيف له أن يزيد من إحراجها و كأنها تتوسل مشاعره هكذا؟!!

عقدت حاجبيها نادمة على لحظات انهيارها الحمقاء حيث أودت بنفسها إلى صدمة بالغة من كلماته التي أشعرتها بالخجل من عرض مشاعرها و انفضاح أمرها هكذا. إذا كان يعلم جيداً لقد كانت تظن أنه لا يدري لكنه ماكر للغاية... عادت برأسها للخلف تسحبها من بين يديه ثم ابتعدت بجسدها عنه تردف بصوت مبحوح: -ياريت توصلني أو تنزلني..... فقط!! لم تجبه بكلمة واحدة و ماذا ينتظر. لقد أخطأ بما قاله و انتهى الأمر.

و حين صرخت بكم مستنكراً إهمالكم مكنونات صدري و مشاعري كان ذلك فقط من فرط محبتي. كنت أريد فقط عناق! عناق يزيل وجعي و يهون آلامي المبرحة لكن لجهلكم بي ثمناً يدفعه قلبي المكلوم و روحي المبعثرة!!! *** جمعت "أسيف" خصلاتها جانباً تزفر بارهاق من تلك الأفكار التي لا تتركها و شأنها! لقد اختلطت مشاعرها حين تذكرت الآن ذاك الطفل الصغير الباكي. لا تعلم لما لا تغيب صورته عنها!

حسناً قد أخطأ الفهد الكبير لكن ماذا عن ذاك الصغير الذي يؤرق أحلامها؟ و أفكارها الآن!!! لم تشعر بدخول ابن عمها إلا حين جلس أمامها يطرقع بأصابعه أمام عينيها يلفت انتباهها قائلاً بابتسامة بشوش: -طردتيني امبارح من الأوضة و رغم إني اتمرمطت طول اليوم عشان أروح أقرب حمام في القصر الطويل العريض ده إلا إني مسامحك... راقبت جلسته فوق المقعد بأريحية تامة بهدوء ثم تنهدت تقول بنفاذ صبر: -نائل ابعد عني النهارده.... حدق بها بابتسامة

هادئة و أردف ببرود: -كان نفسي بس أصلك متوصي عليكِ من الراس الكبيرة.. عقدت حاجبيها تقول باندهاش: -إيه الراس الكبيرة أنت بتقول إيه؟!! حمحم يراقب ملامحها بتوتر قائلاً و لا زالت ابتسامته العريضة تزين وجهه: -أقصد فهد وصاني أطمن إنك فطرتي... انتقلت عدوى التوتر إلى ملامحها تسأله باقتضاب: -هو قاعد في الجيم و باعِتك ليا؟!! هز رأسه بالسلب و هو يقول بهدوء:

-لا هو اختفى من امبارح و مشوفتش وشه الحمدلله و يارب يطول، بس سابلي الوصايا العشر عليكِ و قال لي إنه هيطلع عين أهلي لو معملتش اللي قاله. قولت أسيب عين أهلي في حالها و أجي أنفذ اللي طلبه. ها إيه تاني؟!! حدقت به بصدمة تردد باندهاش واضح احتل قسمات وجهها: -اختفى؟ يعني راح فين ساب القصر قصدك؟!! ابتسم بخبث و هو يرقص حاجبيه قائلاً بسخرية: -جرا إيه يا سوفي، يروح انقرة يبقى فيه سكرة؟!!

ماهو كان متلقح قدامك رايح جاي يرزعك آسف.. سامحيني.. حقك علياا، دلوقتي بتسألي عليه؟!! عقدت حاجبيها تردف بغضب و حدة: -إيه انقرة و سكرة دي؟!! أنا بسأل عشانك قاعد بقالك ساعة بترغي في أي كلام و معطلني و أقولك تقولي متوصي عليكِ و كلام فارغ!!!! رفع حاجبيه بصدمة و هو ينظر لهدوء الأجواء حوله قائلاً باستنكار: -معطلك إيه يا أسيف ده أنا مش شايف في إيدك فرشة سنان حتى مش رسم، قاعدالي على المكتب و سرحانة و تقولي معطلك؟!! ضرب كفاً

بالآخر يكمل بسخرية: -اطلبيلنا فطار بدل الزهق ده و خلصينا عقبال ما أشوف حاجة أشربها.. فرح فين صحيح شوفتها مع الواد تيم الصبح، البت بسكوته ابعديها عن أخوكِ أنا ب.. قطع كلماته حين اندفعت "فرح" من الباب تلقي ما بيدها جانباً تداري وجهها بخصلاتها متجهة إلى المرحاض بخطوات أشبه بالركض تغلقه خلفها جيداً.... وقفت "أسيف" تقول بصدمة: -فيه إيه!! اتجهت إلى المرحاض و وقفت تقرع الباب بقلق تسمع رد ابن عمها قائلاً بسخرية:

-بركاتك يا عم تيم!!! البت فرفرت من توصيله أومال لو كنت طولت معاها شوية كانت رجعت ميتة..؟!! تأوه حين تلقى تلك القطعة الخزفية الصغيرة الموضوعة للزينة من ابنة عمه في حين تزجره بنظرات شرسة قبل أن تفتح "فرح" الباب و تطل عليهم أخيراً بوجهها المرهق و ملامحها الشاحبة و قطرات المياه تتساقط منها بإهمال. تُمسك المنشفة بيدها المرتخية بجانبها وضعت يدها أعلى باطنها تقول بصوت مبحوح:

-أسيف معلش كلمي روان تيجي تاخدني أنا شكلي أكلت حاجة غلط تعبتني.. اندهشت "أسيف" تراقبها بشك قائلة بحزن: -أنتِ كنتِ تمام الصبح، أنتِ اتكلمتي مع تيم؟!! طيب لما شافك كده إزاي ما أخدكيش المستشفى تعالي نروح نشوف ليه حصل كده و... قاطعتها بهدوء تجفف وجهها قائلة بانهاك شديد و وهن: -لا يا أسيف أنا تعبت بعد ما نزلت من العربية قولت أتمشى شوية بس واضح الشمس تعبتني. كلمي روان من فضلك، مش محتاجة مستشفى عشان خاطري ما تتعبنيش..

أطاعتها "أسيف" و اتجهت إلى هاتفها تسمع همس ابن عمها قائلاً بتساؤل: -مين روان دي؟!! دكتورة؟!! هزت رأسها بالسلب قائلة بهدوء و هي ترفع الهاتف لأذنها: -لا دي بنت خالتها.. واسكت شوية بقاا تنهد يتجه إلى المطبخ صائحاً بصوت مرتفع: -أعملك حاجة سخنة يا فرح؟!! أغلقت "أسيف" المكالمة تصرخ به: -وطّي صوتك يا نائل.. أروح الصيدلية أجيبلك حاجة يا فرح؟ متسبنيش قلقانة كده؟! أغمضت الأخرى عينيها تهمس بصوت مبحوح متألم:

-لا يا أسيف شوية و هبقى تمام..... كنت أود أن أشاركك صديقي بتلك الصفعات التي يكيلها القدر ليّ، لكنى أخشى... أخشى أن تمل حديثي و تكل من آهاتي المكتومة، فلا تلومنني كتماني و لا تلومنني إرهاقي إن أردت اللوم على أحد لتذهب إلى ذاك القدر المخادع و اصفعه نيابة عني مخبراً إياه أني لا أُهزم أبداااا... ***

وقف ذلك الرجل الأشيب يفرك لحيته يبتسم بلطافة لمحدثه الأجنبي مُنهياً اجتماع عملهم بهدوء منتظراً انصراف ذاك الوفد ثم التفت إلى "تيم" يقول له: -أومال فين فهد؟!! تنهد "تيم" يقول بهدوء و صوت صارم قليلاً: -فهد هيبقي معانا في الاجتماع الجاي لأن العقود هتتمضي زي ما أنت عارف و امضته مهمة.. ليتنهد المدعو "فارس" و يقول بهدوء:

-آه طبعاً أنا اندهشت إنه مش متواجد معانا في اتفاق زي ده و الحفلة السنوية هتعملوها و لا إيه أصل مفيش دعوات وصلت لحد دلوقتي أوعوا تنسوني أزعل أوي... ابتسم "تيم" له يقول بهدوء ناظراً إلى هاتفه بترقب و كأنه ينتظر مكالمة أحدهم: -لا متقلقش أنت على رأس القائمة يا فارس باشا.. ابتسم له الآخر و قد ترآى له انشغاله قائلاً: -طيب أنا مش هعطلك هستني الدعوة متنساش... صافحه بهدوء منطلقاً إلى الخارج تاركاً إياه ليطلب شقيقته فوراً.

تنهد يستمع إلى صوتها الهادئ تُجيبه باندهاش: -خير ياتيم في حاجة؟!! عقد حاجبيه يردف باندهاش: -حاجة عشان اتصل بيكِ يا أسيف؟!! وصلته الإجابة: -لا يا حبيبي مش قصدي بس أصل مشغولة مع فرح هخلص و أكلمك.. وقف على الفور عاقداً حاجبيه يقول بصوت غاضب: -ليه مالها فرح؟!! اشتكت مني ولا إيه؟!! أتاه صوت شقيقته المندهش:

-اشتكت إيه ياتيم و أنت عملت إيه يعني هي اللي طلبت منك تنزلي تتمشي و تعبت خالص و طلبنا روان جايه تاخدها عشان رفضت تروح مستشفيات.. دلو مياه مثلج انسكب فوق ذاك الرجل الذي فرغ فاهه لا يفقه ما تقوله شقيقته لكنه أردف بهدوء و هو يلملم أشياءه قائلاً: -أنا جايلك يا أسيف مش هينفع كده... ثم أغلق و لم ينتظر ردها متجهاً إلى الخارج يهمس من بين أنفاسه الغاضبة: -الله يسامحك يا ندى... *** عودة إلى المرسم.. دلفت "روان" تقول

بحماس و صوت ضاحك يشع بهجة: -مساءكمممم لذيذ... رفع "نائل" وجهه يقول بضحكة قصيرة: -ده إيه المساء القمر ده.. معاك نائل شريك أسيف هنا.. اتفضلي أقدر أساعدك؟!! عقدت حاجبيها و نظرت تجاه "أسيف" الجالسة تحتضن ابنة خالتها تهز رأسها بيأس من أفعاله لتصرخ "روان" و تدفعه بصدره بقوة تُزيحه من طريقها ليتأوه بوجع. تغاضت هي عنه قائلة بقلق: -فرح؟!!!! جرالك إيه؟!!! أجابتها "أسيف" بهدوء:

-اهدي يا روان هي بقت أحسن شوية تعبت من الشمس بتقول.. جلست على الجانب الآخر ترد عليها بقلق: -طيب و بعدين يا أسيف ناخدها مستشفى..؟!! ردت الأخرى بتنهيدة حارة تقول: -من بدري مش راضية يا روان و تعبتني.. على العموم تيم قال إنه جاي و.. صمتت حين خرجت صديقتها من أحضانها تقول بانزعاج طفيف: -يا جماعة قولت أنا بخير بس محتاجة أرتاح في البيت هتوصليني ولا إيه يا روان؟!! صاح "نائل" قائلاً بحماس: -حلو أوى تعالي أوصلك أنتِ و روان..

أشارت "روان" إليه باستنكار تقول: -مين الحشري ده يا أسيف؟!! رد عليها بابتسامة سمجة يسبق ابن عمه: -أنا نائل لسه اتعرفت عليكِ من شوية قبل ما آخد بوكس في صدري منك.. ابتسمت بسماجة مماثلة تقول ببرود: -أهلاً يا نائل ممكن تسكت بقاا شوية.. كاد أن يجيبها لكن اندفع "تيم" للداخل لتقف "فرح" مسرعة تقول بهدوء في حين تنسحب جاذبة يد ابنة خالتها تستند إليها بوهن:

-أنا همشي يا أسيف و اطمني روان معايا حصل حاجة هتكلم باباها يجيلنا.. يلا يا روان.. انسحبت و لم تنتظر إجابة أحد تاركة الجميع بحالة يرثى لها كلا منهم بأفكاره المُرْهِقة للعقول.... عليك الاعتياد أن التجربة السيئة ما هي إلا تهذيب لنفسك و وجدانك لتتجنبها فيما بعد و ليس لتغرق داخل أوجاعها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...