اجتماع “آل البراري” بعد تلك الليلة المشؤومة كان مستحيلاً، لكن اختفاء الحفيدة المفاجئ جعله أمراً ضرورياً. وقفت “أسيف” بجانب “نائل” يتطلعان إلى باقي الأفراد أثناء محاولاتهم الفاشلة بالوصول لأحد من أصدقاء الابنة الشاردة عن قصرهم المنيف. عقدت “أسيف” ذراعيها أسفل صدرها وهي تراقبهم بتوتر طفيف، حيث بدأ “تيم” أيضاً بالغضب حين استمع إلى كلمات “فهد” المقتضبة وعرضه على شقيقته نقلها إلى مصحة الأمراض العقلية. صاح بنفاذ
صبر مع نفاذ محاولاتهم: –ما هو مفيش حد في الدنيا يقول لأخته هرميكِ في مصحة أبداً، طبيعي تطفش منك، أنت إنسان لا تُحتمل. أغمض “فهد” عينيه بقوة وفتحها عدة مرات يحاول كبح جماح غضبه وهو يدس يديه في خصلاته قائلاً بصوت رزين: –أنا عارف قلت إيه كويس، أنت ما كنتش معانا وما تقدرش تحكم على حالتها، وبعدين مين قال إني كنت هرميها ها!
كاد “تيم” أن يجيبه، لكن ارتفاع صوت هاتف “أسيف” أخافهم جميعاً. نظرت إلى الشاشة لحظات دون إجابة، ليتصاعد صوت “سمر” بلهفة متسائلة: –رقم غريب؟ ردي يا أسيف! هزت رأسها بالسلب وهي تقول بهدوء: –لا يا عمتو، دي واحدة صاحبتي من زمان، هرد عليها بعدين. اتسعت عيناها حين وجدته على بعد بوصات صغيرة منها يسألها بنبرة قلقة: –صاحبتك دي تعرف ندى برضو؟
اقترب “تيم” بدوره والباقي يتبعونه ينظرون إليها بتلهف، وهي تحاول إزاحة مقلتيها عنه بشتى الطرق، ثم ارتدت خطوة إلى الخلف برفض واضح لاقترابه الوشيك منها وهمست بصوت مسموع وقد بدأ الهاتف يصدر صوته مرة أخرى: –آه، إحنا نعرفها من النادي أصلًا. اتسعت عيناه يردف بصرامة: –ومستنية إيه؟ ردي عليها جايز تعرف حاجة، دي تاني مرة تتصل. رفعت إحدى حاجبيها ثم حدقت به بنظرات غاضبة وصاحت به:
–ما تكلمنيش كده، أنا هرد فعلًا عشان أساعد مش أكتر ولا أقل، رغم إنكم ما تستاهلوش مساعدات. لم تتزحزح عيناه القاتمة عن عينيها الغاضبة المتحدية له، والتي امتلأت أيضًا بنظرات اعتاد عليها منذ أمس، الكراهية والبغضاء والاحتقار. لقد أصبحت عيناها لهيبة تموج بمشاعر النفور تجاهه بعد أن كانت تتسم بالبراءة. ابتسم بسخرية وهو يعلم دوره جيدًا بتغيرها، إنه هو قاتل تلك البراءة، فما العجب الآن؟ فتح عينيه مرة أخرى على صوتها
المتعجب تقول باندهاش: –هدير، أنا مش فاهمة حاجة، بطلي عياط، صوتك مش واضح. اتسعت أعين الجميع بقلق، وبدأت لغة الإشارة بين الأخت وشقيقها يطالبها أن تفتح المكبر إن كان الأمر يخصهم، وقد كان! *** لا تعلم العائلة كيف وصلت إلى تلك المشفاة الصغيرة بذلك المكان الشعبي، لكن ما علمه ساكنو الحي أنه بالتأكيد حدث عظيم ليزورهم أشراف الإسكندرية ذوي الطبقات المرموقة بيوم واحد.
أما داخل تلك المشفاة، نجحت عائلة “البراري” بجذب الأنظار ولفت الانتباه من تلك الطبقة. ألا وقد علا القلق والتوتر أوجه الحاضرين، خاصة “فهد” و”تيم”. جاورت العمة ابن أخيها، تربت على كتفه، وقامت “أسيف” بنفس الدور مع شقيقها تحاول تهدئته، بينما العم وابنه يقفان بالقرب يراقبان الأجواء بصمت تام. تصاعد صوت “فهد” الغاضب وهو يمسك بأحد الممرضين من ذراعه أثناء عبوره مسرعاً من أمامه، وصاح بعنف أجفل الجميع: –إيه الحكاية؟
حد يفهمني، بتعملوا إيه في أختي جوه؟ كل ده؟ صاح الشاب به بغضب هو الآخر يقول بنبرة مسترجلة خشنة: –بقولك إيه، أنا مش فاضيلك، شغل الهمج ده ما بياكلش معانا، بنشوفه كل يوم. لم يعلم المسكين مدى سوء ذلك الهمجي، ولكن على الأغلب فهم قليلاً حين طاحت قبضة “فهد” بأنفه وكادت تتسبب بكسره وهو يصرخ بغضب: –مين دا اللي همج يا…، ده أنا هطلع… وأقفلك الخرابة دي النهارده؟
أسرع “نائل” إلى الفتى يسنده ويحاول إقصائه عن أنظار “فهد”. أما “تيم” لأول مرة يساند ابن عمه، دفعه للخلف يحاول السيطرة على حركاته الغاضبة وهو يهدر بعنف: –مينفعش كده يا فهد، اللي بتعمله ده مش هيخرجها من جوه. ثم مال على أذنه يهمس: –هي تحت إيديهم ومنعرفش حالتها، اهدى!
لم تهدأ أنفاس ذلك الفهد أو نظراته القاسية إلا حين قبض على نظراتها المشمئزة منه، ثم أشاحتها بوجهها عنه. لا يعلم متى هدأت أنفاسه، بل وتوتر أيضاً وكأنها أمه وهو طفلها الذي فعل الخطأ لتستنكر فعلته. اندهش “نائل” من ثورته التي خمدت على الفور، ولمح اتجاه نظراته إلى ابنة العم التي تنظر إلى الجهة الأخرى وتتبدل بوقفتها على ساقيها بغضب واضح. ليترك الفتى بعد أن صرفه وأرضاه ببعض المال وبضعة كلمات، واتجه إليها
يجاورها ويهمس لها بعبث: –تصدقي شكلي هحتاجك بعد كده لما أعصب صاحبنا. اعتدلت تنظر له باندهاش، ليشير بعينيه إلى “فهد” الذي يسير بالردهة الصغيرة بغضب واضح. لم تستطع “أسيف” فهم كلماته، إذ خرج أخيرًا الطبيب وأسرع الجميع إليه ليقول بنبرة عملية فاترة وهو يتأمل هيئتهم ذات الثراء الفاحش بتعجب لتواجدهم بذاك المكان:
–إحنا سيطرنا على النزيف بصعوبة، ونصيحة مني تنقلوها من هنا، الرعاية الصحية هنا مش عالية لدرجة، وغرف العناية كلها مشغولة. قاطعه “تيم” بنفاذ صبر: –إحنا فعلًا طلبنا إسعاف مستشفى خاص ينقلها من هنا، تقدر تطمني على الجنين؟ عقد الطبيب حاجبيه وهو يحدثه باندهاش مستنكراً: –يا أستاذ، جنين إيه؟
الجنين أكيد اتوفى، وما كناش قادرين نوقف نزيف الأم لأنها كانت في شهرها الرابع، وكان خطر جامد على حياتها، ولسه محتاجة رعاية خاصة خصوصًا بسبب باقي الكسور والكدمات اللي في جسمها.
راقبت “أسيف” ملامح أخيها الشاحبة بحزن بالغ، حتى وإن كان جنينًا لم يره، لكنه ابنه. رفعت يديها وأحاطت ذراعه تجذبه تتشبث به وهي تربت على ظهره، ودموعها بدأت تتجمع داخل مقلتيها. إنه شعور سيء للغاية، رغم ما فعلته ابنة العم معها، لكنها كانت تحمل طفل أخيها بأحشائها وفقدته بأبشع الطرق غير الآدمية. ويبقى سؤال واحد، كيف وصلت إلى تلك الحالة؟
فلم تعطهم تلك المشفاة الصغيرة سوى معلومات ضئيلة، وأن أبناء الحي نقلوا تلك الفتاة إلى هنا فقط! جلس “تيم” بصمت أعلى الكرسي الصغير وجاورته “أسيف” تلف ذراعيها حول كتفيه، ويدها ترتفع لتسير برفق على خصلاته. قد أصابه الجمود، لا يعلم الخطأ من الصواب الآن، لا يعلم سوى أن طفله قد وافته المنية قبل أن يتمكن من رؤيته.
أكمل “فهد” الحديث المقتضب مع الطبيب ثم انصرف الآخر يباشر أعماله، وسلط “فهد” نظراته عليها يتابع ببرموديته حركاتها الهادئة اللطيفة، ويديها التي تتبدل على خصلات شقيقها، وخدها الذي تسنده فوق رأسه أحيانًا، وتعتدل أحيانًا أخرى، تدس شفتيها الجميلتين بين خصلاته. لقد نجحت بتشتيت جميع أفكاره وكأنها ألقت بلعنة عليه وعلى شقيقته. ليبتسم داخله بسخرية هامساً: –دعواتك استجابت يا أسيف! ليستمع إلى همس عمته الباكية وهي تربت على كتفه:
–دي مش دعوات أسيف يا فهد، اللي عملته في البنت اترد في أختك يا بني، هي كده ربنا قسمها كده، وإحنا اللي بننسى، ده أنت تُدان يا بني!
خرقت كلمات عمته أذنيه وتردد صداها داخل ثنايا عقله، وهو يغمض عينيه ويفتحها يراقبها هي فقط، وهو عاجز عن التفكير بالقادم. ثم اتجه إلى حيث ترقد شقيقته يتفقد تلك الأسرة بعينيه حتى وصل إليها، جسد هامد فوق فراش صغير. وقف يطل عليها بجسده الضخم نسبياً، يحدق بتلك الكدمات التي انتشرت على أنحاء متفرقة من جسدها، والخدوش أعلى رقبتها وما ظهر من كتفيها. لم يتخيل أن يرى شقيقته الصغيرة بتلك الهيئة أبدًا!
هبطت دمعات خائنة من عينيه، ثم هبط بشفتيه يقبل عينيها المغلقة بهدوء، وهو يربت على خصلاتها برفق. لحظات وكان الرجال المسعفون خلفه بجانب ابن عمه ليتم نقلها إلى مشفى آخر. ***
وقف “يزيد” خارج الغرفة بالمشفى الخاص ينتظر عودة “أسيف” التي لازمت شقيقها لإحضار مشروبات ساخنة للجميع. فقد كان حادث غريب، واهتم به العم والجد بالتواصل مع الجهات المختصة، وكان الأمر مجهولاً لعدم معرفة سبب تواجد الابنة هناك، وأنها لم تفق من تأثير المخدر لتجيب على أسئلتهم.
نادت “أسيف” بصوت واضح على “يزيد” وقد اعتلى ثغرها ابتسامة صغيرة، ليعتدل الآخر بوقفته ويبادلها الابتسامات. اندهش الجد والعم والعمة من علاقتهما، وهم على يقين أن “أسيف” يصعب عليها تذكره. وقفت “أسيف” على مقربة منه بزاوية بعيدة نسبياً تقص عليه أحداثاً مختصرة، وقد وقف كلاً من “تيم” و”نائل” يتناقشان سوياً، وغاب عنهم “فهد” بقسم المالية. تنهدت “أسيف” وهي تزيح خصلاتها وتردف بحزن:
–أنا بجد زعلت عليها يا يزيد، وحاسة إن مفيش أي تغيير كده، المفروض ما أزعلش بعد اللي عملته. أنا أيوه مش موضحة ده، بس حقيقي مش مستحملة منظرها. وتيم كمان ابنه مات قبل ما يشوفه، ومش عارفة أهون عليه. أنا لسه محتاجة علاج صح. ابتسم “يزيد” إليها بعد أن تأمل حديثها اللطيف البريء وأردف بهدوء وصوت أجش: –ده اللي اتفقنا عليه يا أسيف. إحنا مش قولنا خلاص مرحلة العلاج خلصت؟
وبعدين أنتِ ما كنتيش مريضة، أنتِ كنتِ محتاجة هدوء وسلام نفسي، واتوفر لك فترة محددة عشان تقدري تمارسي حياتك عادي. أما فكرة زعلك على ندى، دي لو ما حصلتش أنا اللي هقلق وأقول إنك اتغيرتي للأسوأ. أسيف أنتِ قوية، وكل الحكاية إنك كنتِ بتظهري زعلك وتعاطفك دايماً معاها، ومشاعرك مكشوفة. لكن بعد علاجك زي ما بتقولي بقيتي عارفة إمتى تظهري مشاعرك وإمتى تخفيها وتداريها، وده الصح. أنا كده مطمن عليكِ. قوليلي بقى ناوية تعملي إيه مع تيم؟
أظن هو اللي محتاجك دلوقتي. ابتسمت ممتنة لكلماته التي هدأت من روعها كأنها بلسم يُلطف الجروح، ثم نظرت ناحية أخيها الواقف بعيداً نسبياً يتحدث إلى ابن عمها بهدوء، واعتدلت تواجه “يزيد” المراقب لها بصمت هامسة: –مش عارفة بجد يا يزيد، لكن أكيد هيبقى كل تركيزي معاه. تيم بالنسبالي كل حاجة، وما أقدرش أشوفه زعلان. أنت عارف، لكن المشكلة إنه بيداري زعله مني أنا كمان. حدق بها بشرود وصمت وهو يبتسم لها، ثم عقد ذراعيه
أمام صدره وقال بهدوء: –أقولك سر! فتحت عينيها الجميلتين على مصرعيهما تحدق به بحماس لطيف وابتسامة جميلة شغوفة لأسلوبه اللطيف، وهزت رأسها بالإيجاب على الفور، ليضحك برزانته المعتادة ويقول بلطف وهو يحمحم: –أنا مبسوط إنك مفقدتيش براءتك يا أسيف. كنت خايف تتغيري، بس خليكِ كده جميلة على طول.
توترت ملامحها وعضت على شفتيها بخجل طفيف واشتعلت وجنتيها، وهي تنكس رأسها بهدوء. و”يزيد” يتابع توترها اللطيف المحبب إليه بهدوء وشغف تام. وصل الفهد لتوه، والتقطت عينيه ذلك المشهد فور أن اقترب منهما ورأى هيئتها الخجلة التي يعرفها جيداً، وذلك الرجل غير متبين الملامح يقف قبالتها يحدق بها وعيناه تكاد تأكلها!
توترت أنفاسه وجز على أسنانه بغضب لا يعلم ماهيته، لكن ما يعلمه جيداً أن “أسيف” تغيرت كثيراً منذ أمس، وهو مذهول من تحولها الغريب، لكنها الآن تعلن عن الأسباب وشقيقها يقف بعيداً تاركاً إياها تفعل ما يحلو لها! طارت محاولاته اللطيفة أدراج الرياح، وفي خطوتين كان أمامها يجاور ذاك الغريب عليه نسبياً، ينظر لها بغضب ونظرات لائمه!
رفعت رأسها حين لمحته وكادت تنصرف عنه باشمئزاز هي وضيفها، لكن لفت انتباهها عيناه الحمراء من شدة البكاء. لقد رأت تلك الهيئة مراراً حين كان يواجه كابوساً ما، لكن لما ينظر إليها بلوم وعتاب؟ ضيقت عينيها مندهشة من نظراته الغريبة وكأنها هي من أخطأت بحقه. عرفه يزيد على الفور وابتسم بتهذيب يمد يده إليه بدعوة تصافح وهو يقول بنبرة مواسية: –ألف سلامة على ندى، ربنا يشفيها.
رفع “فهد” إحدى حاجبيه وهو ينظر إليه باستنكار لأسلوبه التحببي وكأنه أحد أفراد العائلة. لتنظر “أسيف” إليه ثم إلى يد “يزيد” الممتدة في الهواء، وتعض على شفتيها. تتلفت برأسها تبحث عن نجدتها، وها هي قد أتت بصورة ابن عمها اللطيف يحدق بهم وأردف بابتسامة مزيفة لابن عمه: –يزيد صاحبي من زمان، وعيلته وعيلتنا صحاب جداً من زمان يا فهد، وكمان يبقى دكتور أسيف. عقد “فهد” حاجبيه بغضب، وأخيراً مد يده وهو يصافحه ضاغطاً بغضب على
أصابعه وقال بهدوء زائف: –دكتور أسيف إزاي يعني؟ أخيراً خرج صوتها الحانق الغاضب تقول وقد شعرت بسخافة تواجده بينهما: –إيه هو اللي إزاي؟ مشوفتش قبل كده أخصائي نفسي؟
أغضبته نبرتها الحانقة عليه أمام الأعين الغريبة والفضولية، وحدق بها بغضب لتبادله بتحدٍ سافر لم يعتاده منها. شعر كأنها تستمد قوتها من ذلك الغريب الأخرق. لا يعلم لما تصاعدت النيران بصدره بغضب وشعر كأنه يرى بأم عينيه عائق مسامحتها له وغفرانها، ليغمض عينيه قاطعاً تواصلها البصري وتنهد قائلاً بلطف: –لا شوفت يا أسيف. خرجت كلماتها تلقائياً بلا شعور تقول بغضب: –قلت لك ما تقولش اسمي تاني، إنت إيه أصلًا اللي موقفك هنا؟
اتسعت أعين “نائل” وتطلع “فهد” إليها بغضب لإهانتها له. ما تلك الطريقة التي تحادثه أمام ذلك الرجل الذي أدار وجهه بعيداً بحرج وتظاهر بالعبث بهاتفه. عجز “فهد” عن الرد وظل يحدق بها بصدمة. شعرت بتوتر طفيف حين لكزها “نائل” بخفة، لكن ماذا تفعل؟ رؤيته تشعرها بالنفور والغضب والكراهية، مشاعر سيئة مختلطة لا تريد أن تراه أبداً!
وصلت مشاعرها إليه ليهز رأسه بالإيجاب ضاماً شفتيه بغضب وهو يشد على قبضته بقوة وقد برزت عروق رقبته من شدة غضبه، ثم سحب جسده بغضب بعيداً عنهم وهو يحدق بذلك الرجل بعداء غريب وكراهية، ليرافقه “نائل” وهو يقول لتلطيف الأجواء وقد شعر بالحرج لابن عمه الذي لأول مرة يصمت هكذا: –الدكتور كان لسه بيقول إن ندى معاها شوية وتفوق، تعالى شوف تيم بقى هو اللي فهم منه كل حاجة. ثم ربت على كتفها يبتسم إلى “يزيد” بهدوء وهو يقول: –بعد إذنكم.
هز “يزيد” رأسه بهدوء وهو ينظر إلى “أسيف” التي تبدلت حالتها للحزن والغضب هامساً لها يلفت انتباهها مرة أخرى: –عرفتوا ندى كانت بتعمل إيه في المكان ده؟ انتبهت له بعد أن كانت تحدق بأثرهم بصمت وقالت بهدوء:
–لا، هدير حلفت إنها متعرفش حاجة غير إنها كانت واخدة عنوان واحدة هناك ورايحة تقابلها، ومش راضية. بس أنا حاسة هدير تعرف أكتر من كده لأنها رفضت تقولي العنوان وقالت معرفش. بس لما كانت بتعيط قالت إن ندى صرخت وهي متصلة بيها تقولها العنوان. هز رأسه بتفهم وهو يبتسم لها بهدوء ويقول: –دلوقتي تفوق والتحقيقات تظهر كل ده. أنتِ زي ما اتفقنا ركزي مع تيم، وأنا هبقى على تواصل معاكِ على طول.
هزت رأسها وعادت الابتسامة إليها من جديد بشكل تدريجي. على الجانب الآخر، وقف “فهد” وعيناه تراقبهم بغضب ناري يكاد ينقض عليهم ويفترسهم، وإحدى قبضتيه تطرق الحائط بوتيرة غاضبة. فلم يعد لديه قوة التحكم بنظراته الواضحة ناحيتهم والتي لاحظها الجميع.
نظر “تيم” حيث يحدق “فهد” بغضب ليعقد حاجبيه من تجاوز الحد اللازم لفترة الأحاديث بين شقيقته وطبيبها الذي أتى بشكل مفاجئ فور أن علم بتواجدهم هنا. استقام “تيم” بوقفته واتجه ناحيتهم بهدوء وأردف فور أن وصل إليهم: –أسيف عمتو عاوزاكِ يا حبيبتي. ابتسمت له بهدوء وانصرفت إلى عمتها. ليتابعها “تيم” ثم يردف فور انصرافها وهو يحدق بـ “يزيد” بنظرات غاضبة:
–شوف يا يزيد، أنت صاحبي ومافيش زعل بينا، وأنا وعدتك إني مش هتدخل في علاجك لأسيف، لكن أظن فترة العلاج خلصت وأسيف مطلقة، ومعنديش استعداد أسمع أي كلمة تسيء ليها، وأنت مش هيرضيك ده أظن. أنا وأنت عارفين مدى براءة أسيف، وإنها بدأت تستوعب الناس حوالينا بالعافية، وأكيد مش هتفهم مني اللي انت فهمته دلوقتي، مش كده؟ نكس “يزيد” رأسه بهدوء ثم ضغط على شفتيه يفكر لحظات قبل أن يقول بنبرة هادئة:
–كده يا تيم، وعندك حق. أنا فعلاً خلصت علاجي مع أسيف، وكنت محتاج أتكلم معاك في ده، بس حصل موضوع وفاة جدتكم وحادثة ندى، وملحقتش. أنا عارف إنه مش مكانه ولا وقته، بس أنا مش حابب تشوفني بصورة مش تمام، ومش ممكن أقبل أي كلام على أسيف. أنا عاوز أطلب إيد أسيف منك. أنا مشدود ليها بشكل مش طبيعي ولدرجة غريبة. اتسعت عينا “تيم” وكاد يجيبه، لكن رفع “يزيد” يديه أمامه يقول مسرعاً:
–أنا عارف إنه مش وقته، بس حبيت أوضح نيتي وإنها خير، مش قصدي حاجة. وعلى العموم أنا همشي دلوقتي وهجدد طلبي في وقت مناسب للكل. بعد إذنك، وشد حيلك. ربت على كتفيه بقوة طفيفة ثم ولى متجهاً إلى طريقه دون إضافة كلمة أخرى. حدق “تيم” في أثره بذهول وهو لا يقوى على الحديث. لقد تعددت صدماته اليوم، هل يطلب طبيب شقيقته يدها! اتجهت أنظاره إلى “أسيف” المقبلة عليه بابتسامة هادئة تعقد حاجبيها بلطف قائلة بتساؤل: –هو يزيد مشي؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يحيط كتفيها عائداً بها إلى مجلس العائلة بصمت تام ووجه مشدوه، أدهش “أسيف” وأقلق ذاك المتابع بصمت منذ بداية حديثه مع يزيد، لا يعلم لما ينتابه شعور القلق الآن تحديداً! ***
مرت الساعات بصعوبة على الجميع، وأخيراً أفاقت “ندى” وهي لا تفعل شيئاً سوى البكاء بأحضان أخيها رافضة الحديث مع الجميع، إلا حين دلفت “أسيف”. اتجهت أنظارها إليها وحدقت بها بصمت دام لدقائق أقلق الجميع، ثم خرجت من أحضان أخيها تحاول الخروج من الفراش، والجميع يترقب حركتها. اتجه “تيم” إلى شقيقته يحيط كتفيها وهو يحدق بتلك الطائشة التي تحاول أن تتسند وتصل إليهم، وأخيراً وصلت إلى ابنة عمها، وفجأة أمسكت طرف سترة “أسيف” تصرخ بها:
–ربنا جابلك حقككككك! ابني ماااات يااااأسيف! كنت راااايحة عشان أخلص منككككك بس ابني رااااح فيهاااا! أنا مستاااااهلش ده يااااأسيف! أنا حبيت اخوووكي وكنت هجيب بيبي منه بس ملحقتتتتتتتش! اتجه “فهد” مسرعاً ناحيتها يرفع جسدها المتشنج عن الأرضية وهو يحيط خصرها يبعدها عن “أسيف” المذهولة. هل كانت تحاول قتلها! كانت هناك لتتخلص منها! اتسعت أعين الجميع مع ذلك الاعتراف، وظلت صرخات “ندى” تتعالى وهي تنتفض وجسدها يتشنج لتردف
أثناء مقاومة أخيها بجنون: –رجعولي ابنييييي! أنااااا عاوزه ابنييييي! حراااام ياخد حقها من طفللللل! حراااام! اختككككك قتلتتتت ابنك ياااا تيم! سامحيني يا أسييييف وارجعيه ارجووووكِ! اندفع الفريق الطبي إلى الغرفة، وبعد عدة محاولات بالسيطرة عليها نجح الطبيب أخيراً بحقنها بالمخدر لتهدأ تدريجياً بأحضان أخيها وهي تستقبل تلك السحابة السوداء برحابة صدر متمنية أن تكون آخر لحظاتها بالحياة، لعلها تريح الجميع!
جميعنا نفعل الأخطاء، لكن هناك فرق بين من يفعلها برضا تام ومن يفعلها دون دراية أو شعور. فالأول فقد جميع فرصه بالنجاة، أما الآخر فباب التوبة لم يُغلق بعد. ظنت “ندى” أنها سوف تفلت من الحكمة الإلهية وعدالة السماء، وكانت صفعة القدر لها أقوى رادع. فطرة خلقنا الله عليها، نُخطئ ونُصيب، ولكن العفو دوماً لمن يُخطئ ثم يتوب. حتى توبتنا تحتاج إلى قوة لم تملكها تلك الضعيفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!