"حق! "كل ساقٍ سيسقي بما سقي! إنه يوم الاحتفال السنوي الحافل لدى "آل البراري" حيث تدب الحركة بالقصر المهيب منذ بداية اليوم إلى نهايته. لكن كانت "أسيف" في عالم آخر، حيث استيقظت صباحاً قبل أن يأتي المسؤولون عن التنظيمات ويبدأ الضجيج.
أنهت حمامها، ترتدي طقم رياضي مكون من بنطال يصل إلى ركبتيها وتيشيرت يصل إلى خصرها، مطبوع عليه شعار إحدى الماركات الشهيرة. ثم خرجت إلى الحديقة الخاصة بالقصر وبدأت بممارسة رياضة صباحية خفيفة، علها تصرف ذهنها عن تلك الكوابيس التي راودتها ليلتها المرهقة للغاية. حيث لم تحظ بساعات نومها الكافية المريحة، إنما حصلت على ليلة قاسية بعض الشيء تتخللها أحلام متضاربة لا تتذكر منها شيئاً. أرجعت ذلك إلى ما حدث مساءً، حيث تلك المواجهة التي حدثت فيما بينه وبين شقيقها. تُرى ماذا قال ذاك الفهد لشقيقها؟
هل اعترف له بما فعله؟ لما تتعقد الأمور هكذا كلما شعرت أن كل شيء على ما يرام! كانت تضع تلك السماعات بأذنيها وتركض، تُغمض عينيها وتفتحها، تهز رأسها بالسلب وكأنها تنفض تلك الأفكار اللعينة عن رأسها. أبطأت من حركتها تدريجياً ثم وقفت تلتقط أنفاسها بإرهاق شديد، تضع يدها أعلى صدرها وتفتح قنينة المياه، ترفعها إلى شفتيها لترتشف منها. شهقت بعنف حين سمعت صوته اللاهث خلفها يقول زافراً أنفاسه:
-يااه، برافو إنك قدرتي تجري كل ده. صاحية بدري أوي ليه؟ اتسعت عينيها بصدمة، تحدق به ببلاهة. لما استيقظ باكراً هكذا؟ بل لما يُشيد حصونه من حولها بتلك الطريقة؟ ماذا يريد منها؟ عقدت حاجبيها وصاحت به بغضب وقد فقدت سيطرتها على ما تبقى من أعصاب لديها: -أنت قلت إيه لتيم امبارح؟ وإيه اللي مصحيك بدري كده؟ أنا مش فاهمة، عايز توصل لإيه؟ مد أنامله إلى أذنها ينزع سماعتها بهدوء، وهو يردف عاقداً حاجبيه وقد بدت نبرته مرهقة بعض الشيء:
-أولاً، أنا اتفاهمت مع أخوكِ واطمنتِك بدون ما أسبب لكِ أي مشاكل. ثانياً، أنا حقيقي المرة دي مش نازل وراكِ، أنا من بدري بجري وكنت واقف جنب الشجرة دي باخد بريك، وأنتِ غالباً كنتِ مغمضة أو سرحانة، ما أخدتيش بالك مني.
هبطت عينيها على جسده، تطالع التصاق ملابسه المبللة قليلاً بجسده، ترسم تفاصيل جزعه العلوي بتجسيم واضح مُهلك. نفضت رأسها تشعر ببعض الخجل من اتهامها له باتباعها، وهو بالفعل من الواضح على ملابسه أنه قضى وقت لا بأس به بممارسة رياضته. بللت شفتيها وهمست باعتذار: -اها، على العموم سوري (آسفة) . مش قصدي أقول كده، أنا بس توقعت كله نايم دلوقتي. ابتسم لها بهدوء، يهز رأسه بالإيجاب قائلاً بلطف: -أنا متأكد إنك متقصدش يا أسيف.
صمت لحظات وعيناه تسير على ملامحها بلطف، ثم أجلى حنجرته متحدثاً بتلقائية، ينظر إلى ساعته يده: -أنا منمتش من امبارح، ليلتي كلها كانت كوابيس. أتمنى ميبقاش ده نفس سبب صحيانك بدري كده. أنتِ المفروض معاكِ ساعة ونص كمان عشان تصحي. أجابته بتلقائية تهمس وتلك العفوية تقطر من حروفها: -كوابيس ليه؟ مش أنت اتعالجت؟ يعني أقصد باباك لسه ب... قاطعها يهز رأسه بالسلب وقد شرد بعيداً يقول بهدوء: -لا لا، دي حاجات ملهاش علاقة ببعض كده.
ثم مد شفتيه وهز كتفيه بابتسامة صغيرة أعلى ثغره قائلاً: -تقدري تقولي إرهاق، أو أفكار وهمية. مش عارف، لكن لقيت نفسي فايق. عقدت حاجبيها بدهشة من كلماته. لما ذاك الشعور داخلها بالانقباض؟ هل يحلم هو أيضاً مثلها؟ كيف له أن يماثلها بتلك الأحلام؟ رمشت بتوتر حين طرقع بأصابعه أمام عينيها يلفت انتباهها لتواجده، لتُغير مجرى الحديث على الفور قائلة بتساؤل: -هو أنت قلت لتيم إني لسه مراتك؟
تلك الكلمة أحيت نبضه داخله. رغم عفويتها، إلا أنها بالطبع لا تعلم مدى تأثيرها عليه بتلك الهمسة الصغيرة. ابتسم بمكر وأردف محاولاً التغلب على نبرته المتوترة قليلاً وقد التوى ثغره بابتسامة لعوب: -أنتِ عاوزاني أقول ولا أسكت؟ نظرت إليه رافعة حاجبها الأيمن بغضب واضح تقول: -أنت مش هتتغير أبداً. أنا غلطانة إني سألتك.
كادت تمر من جانبه منصرفة للداخل، لكنه مد ذراعه يجذبها إليه من خصرها، يهمس لها بلطف معتذراً بخفوت ويتلمس خصلاتها متنهداً بحزن: -آسف! أنا حبيت أغير مودك، مقصدش. أيوه، قلت. اتسعت عينيها غافلة أنها بأحضانِه. وهمست بصدمة واضحة وصوت متحشرج: -وهو قال إيه؟ أخفى تلك الابتسامة التي تكاد تطفو فوق شفتيه. إنها لم تقل جملتها المعتادة أنه عليه أن يطلق سراحها، بل تسأله لأول مرة عن رد فعل شقيقها. ليجيبها وهو يقربها من أحضانه مستغلاً
غفلتها: -كان هيقتلني بس. سيبك من كل ده وقوليلي هتلبسي إيه في الحفلة؟ عقدت حاجبيها بغضب، تعود إلى وعيها مدركة وضعها بأحضانِه، لتزيحه من صدره وتقول بغضب: -أوعي كده. وأنت مالك أصلاً. رفع حاجبه يردف بسخرية: -يعني تقدري تقولي جوزك. تأففت بنفاذ صبر وصاحت بغضب: -متقولش جوزي دي! وبعدين أنا طلبت أوردر أنا وفرح بس لسه موصلش. اوعى بقاااا.
أطلق سراحها أخيراً، ثم أمسك قارورة المياه الخاصة بها وفتحها، يرفعها إلى فمه يرتشف منها بهدوء. لتطالعه بطرف عينيها بتوتر طفيف، لا تعلم من أين أتى ذاك القلق، لكنها حقاً ولأول مرة معه تريد أن تطول تلك اللحظات. قد يشعرها ذلك بالغضب من حالها، لكنها رغبة داخلية تنبع من أعماقها.
أسرعت تفر هاربة من أمامه بخطوات أشبه بالركض، لا تصدق ما آلت إليه أفكارها معه. ليبتسم متلاعباً بقارورة المياه الخاصة بها بيديه، ثم اختفت ابتسامته مع اختفاء أثرها. ليعقد حاجبيه زافراً أنفاسه بحزن، وقد تراكمت أفكاره المتوترة من كوابيس أمس مرة أخرى بعقله. منذ متى والأحلام تشغل عقله هكذا؟ لكن ماذا إن كانت هي بطلة أحلامه! *** زفرت "فرح" بحزن تطالع اسمه يزين شاشة هاتفها، لتنتفض حين صاحت ابنة خالتها توبخها:
-ده أنتِ غريبة والله. يعني الواد هو اللي عمال يتصل وأنتِ منفضة؟ إيه الاستعباط ده؟ أومال لو ما كنتيش عينك ورمت من العياط يا نكد هانم انتيييي. لوت شفتيها وصرخت بوجهها، تمسك المنديل تمسح به أنفها كطفلة صغيرة وتمسح دموعها بطرف بلوزتها: -بسسس بقاااا انتييي شغالة عليا جلد ذات ليه؟ قولتلك بيعمل كده عشان أبعد عنه. عااااا... -ابعد عنه. عااا... تبعدي إيه ياهبلة انتييي؟
دا الولا عمال يرن يرن من ساعتها عشان يصالحك على كلمتين قالهم وقت عصبية بقاا؟ ده راجل يتنفضله. ياريت كان ليا أناااا. انفجرت باكية أكثر، لتتأفف "روان" وتردف بحزن متجهة إليها تجاورها فوق الأريكة تحتضنها بحنان:
-خلاص بقا متزعليش. ماهو يا فروحة الواد برضه معذور، طالع من تجربة زي الزفت وأنتِ عارفة كده كويس. وأنا وأسيف نصحناكِ وأنتِ مشيتي بدماغك لحد ما وقعتي على وشك في غرامه. يقوم لما ربنااا ينصفك ويبدأ يشوفك تختفي أسبوع ومش معبراه ولا حتى تردي على المكالمات؟ وبعدين تعالي هنااا، لما فيه حفلة النهاردة وأسيف عزمتنا، هتستخبي منه إزاي في قصره؟
عقدت حاجبيها ونظرت إليها بتفكير لحظات، تُدير كلماتها بعقلها، ليقرع الباب فتصرخ "روان" وتزيحها بعيداً عنها قائلة: -شوفتي؟ نسيت البواب خااالص. أسرعت إلى الباب تفتحه لتتسع عينيها بصدمة وتغلقه مرة أخرى مسرعة. تسمع صوته المميز يقول لابن عمه: -ينهااار أسود على الكسفة. شوفت؟ قولتلك هيفرحوا بوجودي أوي. هرعت إليها تهمس لها برعب: -يلااااهوي القمر بتاعك واقف براا ومعاه الواد القمر قريبه. عقدت "فرح" حاجبيها تهمس باندهاش: -قريبه؟
قصدك فهد؟ هزت رأسها بالسلب، تصيح بها لتجذبها إلى الردهة الصغيرة تلكزها بغضب قائلة: -عندك حق، ما هو كلهم قمرات. لا أقصد الواد البلطجي في نفسه ده. صاحت "فرح" بصدمة: -نااائل! لحظة، تيممم براااا. ضربت "روان" كفها بجبهتها تجز على أسنانها قائلة: -صبرني ياارب. أومال توقعتي فهد على أساس إيه؟ أيوه برااا وادخلى اغسلي وشك وحطي أي حاجة عليه وغيري القرف اللي كله دموع ونيلة، وأنا هستقبله. بلاااش تخوفي الواد كفاية إنه جايلك.
ثم أغلقت الباب عليها وأسرعت تفتح باب الشقة، تعتذر بخجل حين وجدتهم يرسمان ابتسامة متوترة على شفتيهم، وذاك المستفز يكتم ضحكاته عليها، لتفتح الباب جيداً قائلة بترحيب: -اتفضلوا. أسفه بس أصل المفاجأة خضتني وكده. ابتسم لها "نائل" يقول بمرح: -اه، وخضتنا احنا كمان بصراحة. عليكِ زرعة باب في وش ضيوفك تجنن. ازداد احمرار وجنتيها، ليلكزه "تيم" بجانبه قائلاً باعتذار:
-أسف إني جيت بدري كده ومن غير معاد. بس أسيف كانت قالتلي إنها هتبعت السواق ياخدكم، وهو اتشغل، فقولت آجي أنا وأقوم بدوري. بعد إذنكم طبعاً. صاحت "فرح" بغضب من كلماته وقد ظهرت الآن وهي على حالتها المهملة، حيث خصلاتها المبعثرة بإهمال وعينيها المنتفخة الحمراء، شفتيها وأنفاها اللتان تشتعل حمرتهما للغاية، بأعينِه: -أنت جاي توصلنا و عمال تتصل عشان كدااا بس؟
اتسعت أعين الجميع من ذاك المنظر المضحك التي بدت عليه، حيث هندامها غير المرتب بالمرة كالطفل الصغير، ليقول "نائل" بأعينِه متسعة واستنكار: -سلام قول من رب رحيم، مين دي؟ لكزه "تيم" بغضب، ليتأوه وهما يستمعان إلى ابنة خالتها تقول في حين تخفي وجهها منهم بيدها: -منك لله يافرح. مفضوحة صحيح. تقدم منها بهدوء يقول بلطف يجز على أسنانه ليخفي تلك الابتسامة اللعينة:
-لا مش جاي عشان كده بس. كنت بحاول أوصلك عشان أعزمك على فطار برا، لكن أنتِ رفضتي اتصالاتي. قولت اطلع بنفسي. حدقت بعينيه لحظات تهمس بصدمة تُشير لحالها: -تعزمني أنا؟ ثم عقدت حاجبيها تقول بغضب تتدارك نفسها: -بس أنا مش عاوزة عزومات. لوت ابنة خالتها شفتيها تشير لها بالسلب من خلف "تيم"، ليهمس لها "نائل" من خلف أذنها: -ابن عمي اللي بتغفليه ده، خلي بالك. اتسعت عينيها وقد نست أمره بالفعل، لتستدير هامسة بحرج تقول:
-طبعاً لو حلفتلك إن الحركة دي مش مقصودة زي حركة الباب، مش هتصدق. ليبتسم لها قائلاً بمرح: -لا متقلقيش، هصدقك. أنا سهل يتضحك عليا أوي، خلي بالك. ابتسمت بخجل تشيح بوجهها عنه، ليتفرس بملامحها بابتسامة ويهمس لها: -بقولك إيه، هي البلكونة دي بتبص على الشارع صح؟ عقدت حاجبيها من سؤاله، ليُكمل غامزاً بإحدى عينيه ناحية ابن عمه:
-يعني الإحساس نعمة في المواقف دي، وأنا أحب أبقى خفيف على الناس. فلو تفرجيني البلكونة مساحتها قد ايه، هيفرحوا أوي بينا، وأنا كمان هفرح وهتبقي خدتي ثواب فرحة الناس دي كلها. لم تستطع كتمان ضحكتها، لتنفجر بها تلفت أنظار الجميع لها، لتسمعه يقول بمرح حين ألقاه ابن عمه بنظرة نارية: -واضح إن مش فرح بس اللي مفضوحة، دي العيلة كلها كده.
أسرعت إلى الشرفة تكتم ضحكاتها، ليتبعها مبتسماً تاركاً ابن عمه مع تلك الفتاة التي أغلقت فجأة جميع السبل بوجهه. *** وقفت حائرة تحدق بذاك الرداء المتروك أعلى فراشها بنظرات مستنكرة مصدومة، ثم رمشت عدة مرات تنظر مرة أخرى إلى ذاك الرداء النبيذي الممزوج باللون الأسود من ناحية الكتف والخصر، بأكمام من الشيفون الرقيق للغاية.
هي لم تطلب ذاك الرداء، ولا تحتاج للتفكير بالطبع، هو من تدخل بالأمر، ينتقي لها الرداء بمنتهى الثقة. زفرت بارهاق واتجهت إلى هاتفها تعبث به، لتعقد حاجبيها حين وقعت عينيها على تلك الرسالة الغريبة. بنفس التوقيت بغرفة "ندى".
ابتسمت ببهجة تطالع هدية أخيها الخاصة. وهو واقف يبتسم لها بلطف، يراقب بهجتها بفرحة داخلية. كم تبدو رائعة حين تعافت وأصبحت هادئة الطباع هكذا. اتجهت إليه تقف أمامه بتردد طفيف يخالجها شعور الخجل من أفعالها الجنونية السابقة. لحظات صامتة فيما بينهم تفهمها على الفور، ليجذبها إلى أحضانه رابتاً على ظهرها بلطف بالغ، لتهمس له بحزن:
-آسفة، أنا ضايقتك كتير حتى في فترة علاجي. عارفة إنك استحملتني كتير أوي. متزعلش مني يا فهد، أنا ريلي (بجد) بحاول أصلح اللي عملته. تنهد مبتسماً بلطف يقول بصوته الرخيم الهادئ: -أنا مش زعلان منك يا ندى. مش عاوز منك غير إنك تكوني حاسبة خطواتك صح وبترتبي ليها. أنا وافقت على سفرك لما لقيتك عاوزة تكملي تعليمك برا، وده هيفيدك. لكن لو حاسة إنك محتاجة تبقي هنا، أنا هبقى متطمن أكتر وأنتِ جنبي. خرجت من أحضانه تلقيه بنظرات دامعة
تشع بهجة قائلة بهدوء: -لا، أنا حابة أشوف حاجة مختلفة وأجربها. هو... أنا... آآ يعني لو روحت لأسيف دلوقتي أكلمها تفتكر هتقبل؟ تنهد بحرارة يقول بهدوء يخالطه حزن طفيف: -مش عارف يا ندى، بس أنا أفضل إنك تسوي أمورك قبل ما تمشي عشان ترتاحي. جربي، أنتِ مش خسرانة. اعتدل بوقفته، ثم ربت على خصلاتها مقبلاً جبهتها يقول بهدوء: -هسيبك عشان تجهزي.
لتقف لحظات محلها قبل أن تنطلق خلفه محددة وجهتها غرفة ابنة العم الصديقة البريئة، التي عضت أناملها ندماً من خسارتها. عودة إلى غرفة "أسيف". رفعت الهاتف إلى أذنها تقول باندهاش: -أنت بتقول إيه يا نائل؟ مش فاهمة منك حاجة. يعني انتوا دلوقتي عند فرح وروان؟ طيب وتيم عاوز إمضتي دلوقتي؟ صمتت تستمع إليه لتقول بهدوء:
-لا خلاص، مش عاوزة حاجة. سيبهم سوا. أنا كده كده هبدأ أجهز للحفلة، وهستنى طبعاً الراجل اللي قال عليه تيم، مش هو تبع فارس الراوي برضه؟ خلاص تمام، هستنى المكالمة.
ثم أغلقت، تعلقت أنظارها بذاك الرداء الجميل بحزن بالغ، لا تعلم ما دهاها منذ بداية اليوم. تلك القبضة تشتد فوق قلبها. رسالة صغيرة من أخيها أنه سوف يحضر صديقتها بنفسه أقلقتها بدون مبرر. أفاقت على تلك الطرقات الخفيفة فوق الباب، لترفع صوتها تسمح للطارق بالدخول. لحظات ليلبي دعوتها، حيث ظهرت أمام عينيها صديقتها السابقة وابنة العم. لم يكن توقيت مناسب لها، لكنها رفعت خصلاتها خلف أذنها تهتف مسرعة وكأنها تخشى تراجعها:
-أنا عارفة إنه مش وقته، وعارفة إن علاقتنا مش ممكن ترجع زي الأول. أنا خذلاني ليكِ كان كبير وصعب تنسيه. عارفة إن كل كلمة بقولها دلوقتي ملهاش أي قيمة عندك، بس أنا مش عايزة أمشي وعلاقتنا كده. إحنا ولاد عم، وأنا عرفت معنى العلاقات متأخر يا أسيف. أي عذر ليا ملهوش معنى عندك، حتى لو كان مرضي. أنا لحد دقايق كنت خايفة أجيلك وفهد هو اللي شجعني ويزيد امبارح. التقطت أنفاسها ثم أكملت وتلك الدموع تهدد بالهطول:
-زي ما أنتِ مش قادرة تنسي، أنا كمان مش ناسيه أي موقف أذيتك فيه من غير ما تعملي حاجة. بس أنا اكتشفت إن العيلة كلها طبيعي تخاف عليكِ أكتر مني. أنا نفسي استغليت براءتك. وجاية وأنا بجد مش عاوزه منك غير إنك تسامحيني، وأوعدك إني مش هضايقك تاني أبداً. ثم هربت مسرعة، هربت قبل أن تجيبها من الأساس. لم تكن بمزاج جيد لتلك المحادثات، ومن الأفضل هروبها من أمامها بعد أن أعادت عليها ذكرياتها السيئة للغاية.
استقامت بملل تتجه إلى غرفة الملابس، لكن ذاك الرنين المرتفع لهاتفها أوقفها مرة أخرى، لتتجه عائدة إلى هاتفها تطالع ذلك الرقم غير المسجل بدهشة. ليضرب بعقلها أمر الإمضاء الخاص بها الذي طلبها أخيها على أحد العقود، موضحاً أنه نسي الأمر بالأمس. لتجيبه بوجل طفيف، تستمع إلى بضع كلمات منه لتهتف باندهاش: -في المجموعة دلوقتي؟ لا تيم قال إن العقد هيجي هنا. فهم غلط؟ صمتت لحظات بحيرة، ثم تنهدت تقول بارهاق:
-لا لا تمام، ساعة بالكتير وأكون هناك. تقدر تنتظر في مكتب تيم. ثم أغلقت هاتفها تُسرع إلى ملابسها، ترتدي أول ما وقعت عينيها عليه من بنطال وكنزة بيضاء اللون، وأمسكت هاتفها ومفاتيحها الخاصة، تهرع إلى مجموعات "آل البراري"، ناسيه تماماً أن يوم الاحتفال السنوي هو يوم إجازة للمجموعات. اتسعت عينيه حيث يراها تهرع إلى سيارتها المصفوفة بالخارج وتركبها تنطلق إلى خارج القصر بسرعة غير معقولة!
ليرفع هاتفه يحادثها، لكنها أغلقت الخط بشكل متعمد. ليعقد حاجبيه ويتجه إلى الخارج مُعيداً الكرة مرة أخرى، لكنها المرة أغلقت هاتفها تماماااا. دب القلق أوصاله، ليهاتف ابن عمه على الفور ويهتف مقاطعاً صوته المرح قائلاً بصرامة: -نائل، هو حصل حاجة عندكم؟ أسيف جيالكم ليه؟ اتسعت عينيه بصدمة وهو يردف: -يعني إيه مش جاية وانتوا في السكة؟ أومال هي راحت فين بتجري كده؟ طبعاً، متأكد. معرفش. قفلت الفون؟
قول لأخوها كده. عقد إيه اللي المفروض تستناه؟ جز على أسنانه بغضب وهو يهز رأسه بارهاق: -وانتوا بتاخدوا إمضة أسيف ليييه قبل ما أنا أوافق؟ هي خناقة؟ أنا مش مرتاح للراجل ده ولسه بشوف إيه حكايته وإيه طلع منين فجأة. يعني هي راحت فين دلوقتي؟ اسأل فرح، أكيد عارفة لو وراها مشوار.
أسرع إلى سيارته وهو يحادثه، ليستقلها متجهاً خلفها عله يستطيع تتبع أثرها. يشعر بتلك القبضة تعتصر صدره وكابوس ليلته يتجدد الآن، ليعقد حاجبيه حين أتاه اتصال هاتفي بوضع الانتظار، ليغلق مع ابن عمه فور أن أخبره أن لا أحد يعلم شيئاً عن وجهتها، وأن أخاها بنفسه أصابه القلق. أجاب الاتصال بتوتر، ليأتيه ما يخشاه، حيث اندلع ذاك الصوت القاسي الغاضب يقول بضحكة ساخرة: -فهد، حبيب قلبي. تعرف حد قبل كده قال لي إننا بنحس باللي بنكرههم؟
وأنت يا أخي الوحيد اللي حسيت بيااا. البونبوناية بتاعتكم وقعت في الفخ، وخلاص كلها دقايق وتبقى معايا. اه صحيح، كانوا بلغوني إنها لسه بنوتة. مش عيب عليك ياااراجل، مش حلوة في حقك دي. اندفعت الدماء إلى عروقه ليهدر بصوت مرتفع وهو يقبض على المقود بعنف: -ياااابن ال***** عايز إيه منهاا يااا ***** لو قربت من أسيف خطوة واحدة أنا هدفنككككك أنا مش تيمممم وربنا أحرقك مكااانك. ليأتيه صوته البارد المستفز له ولأعصابه المشتعلة:
-يوووه يا فهد، شكلهم ضحكوا عليا لما قالولي إنك مبقتش عصبي أوڤر. اااه، ولا ده أوبشن لحبيبة القلب بس؟ بس تصدق، ليكم حق تخافوا عليها كلكم. البنت قمر أوي. أنا مستني رجالي بفارغ الصبر عليها. صرخ يهدر بعنف وغضب وقد برزت عروقه يكاد ينزع المقود من محله: -بقولككككك ملكش دعوة بيهاااا يااا ***** ياابن ال **** و رحمة أمي لو طولتك ما هرحمك. ارتفعت ضحكات الآخر الصاخبة وهو يقول بشراسة:
-عيب يا فهد ياحبيبي تشتم الأكبر منك كده، ولا أنت عشان ماما ملحقتش تعلمك العيب هتقرفنا احنا؟ على العموم، أنا أجدع منك وهقولك القمر بتاعنا رايحة فين دلوقتي. القمر طالعة على شركاتكم ياسيدي. شوفت بقاا أنا طيب إزاي. اااه، الشركات في خلال نص ساعة من دلوقتي هتبقى رماد ياحبيب قلبي، يعني يا تلحقها يا تودعها وهي وسط النار بتتحرق قصاد عينيك. سلام ياحبيبي. ألقى الهاتف يسرع بقيادته محدداً وجهته إليها وهو يشعر بقلبه ينتفض برعب،
ليصرخ بجزع: -ياااااارب، متخدهاااش منيييي ارجوووووك. يكاد يفقد عقله، سوف ينتهي أمرها بسببه. لا يعلم ماهية ذاك الرجل، لكن من الواضح أنه يمقته. طالما تسبب لها بالأوجاع، طالما دفعت ثمن براءتها، وها هي تدفع مرة أخرى. لما يحدث له ذلك؟ هو لم يعشق سواها، لم تتمكن امرأة من ذاك القلب المتمرد سوى تلك البريئة الجميلة التي تذهب الآن بعيداً عنه ملوحة بيدها. جذب خصلاته بعنف يزيد من سرعة السيارة، صارخاً لحاله:
-غبيييي، كااان لازم أمنعهااا. يااااارب بقااااا المرة دي بسسس ارجوووك ارجوووك رجعها ليااااا. رن هاتفه مرة أخرى برقم شقيقها، ليجيبه على الفور بصوته المتحشرج صارخاً به: -فرحاااان بنفسكككك دلوقت أهوه. الحيواااان اللي عاوزها تمضيله هيقتلهااااا ياااغبييى. أنا رايح الشركة. قال لي في خلال نص ساااعة هيولع فيهاااا.
وصل أخيراً، لكن المكان هادئ تماماً. سيارتها تقف أمامه، ليرتجل ونبضات قلبه تكاد تصل عنان السماء. يمسك هاتفه بخوف يبحث بعينيه عنها، لكن السيارة فارغة تماماً. اتسعت عينيه حين انطلقت صرخة منها باسمه! تستنجد به! لكن أين؟ دار حول نفسه وعينيه تتفقد المكان، يصرخ باسمها بعنف بالغ، يركض إلى مصدر تلك الصرخات حيث المخازن الخلفية التي تم بناؤها حديثاً.
اتسعت عينيه حين وقعت عليها أخيراً مُكبّلة بتلك الحبال أرضاً، ودموعها تهطل بعنف تصرخ باسمه. ليهرع إليها يفك أسر تلك الحبال عنها. باغته أحدهم بضربه عنيفة بمعدن ما فوق ظهره ليسقط جسده فوقها من المفاجأة. لحظات وارتج المكان بعدد لا بأس به من الرجال. لم يتمكن من الاعتدال وصد الهجمات، إذ بدأ الرجال بالنيل منه بضربات متفرقة قاسية بأنحاء جسده، وهي تراقبه صارخة باسمه إلى أن شعرت أنها تفقد صوتها. لكنه سوف يسقط صريعاً بين أيدي
ذاك العدد الكبير من الرجال الأشداء. سحبه اثنان بعيداً، لكنه لم يصرف عينيه عنها رغم تلك الدماء التي غطت جسده من فرط عنف هؤلاء وضرباتهم القاسية فوق جسده. بالرغم من قوة بنيانه، إلا أنه لم يستطع مجابهة أربعة عشر رجلاً. بالطبع، ومن يمكنه مجابهة ذاك العدد بمفرده. أخيراً ظهر ذاك القذر يتجه إليه واقفاً يضحك بانتشاء واضح، يردد ببرود في حين يراقب ملامحه المُدماة وهندامه المشعث المُلطخ بدماؤه التي تسيل من أنحاء جسده وعينيه
عليها هي!
هي فقط! يراقب صرخاتها الباكية بأعين دامعة عاجزة. و اااه من عجز الرجال: -طبعاً أنت محتاج تعرف أنا بعمل معاك كده ليه. الحقيقة يا فهد أنا مش بعمل معاك، أنا بعمل مع أبوك القذر تار قديم بينا وهو مات قبل ما يخلصه. خد بنت خالتي وعلقها بيه وبفلوسه، وهي كانت هتتجنن على أبوها. اااه، أنا أبقى ابن خالة مرات أبوك الأولى واللي قتلتوها، وأبوك راح عاش حياته واتجوز بعدها، وهي ماتت وروحها في واحد بس، ابوها.
ثم أشار إلى "أسيف" التي تنتفض من فرط صرخاتها وبكائها. الآن هو فقط يحاول، يحاول أن يتغلب على تلك الآلام المُبرحة والقيام، لكن مُحال. هو يشعر بتلك الكسور بأنحاء جسده. لكن ما دفع الدماء بجسده بقوة وجعله يصرخ بعنف شديد حين اقترب ذاك المُدنس منها يتلمس جسدها وهي تزحف صارخة بعيداً عنه، ليُمسك بتلك القطعة الحديدية ويُغمض عينيه مجبراً جسده على الاعتدال مستغلاً فارق المسافة الصغير، يغرسها بساقه الممتدة ناحيته مما دفعه للصراخ والابتعاد عنها على الفور. يُشهر سلاحه، يصرخ بألم ليقترب هو منها يغطيها بجسده مُلقياً
ثقله عليها: -يااابن ال*** مش هتخرج منها حى. ثم انطلقت تلك الرصاصات لتخترق ظهره، لتنطلق معها صرخاتها العنيفة الملتاعة باسمه: -لاااااا فههههههد... فههههههههههههد... لكن ما من مجيب، ليكون آخر ما تستمع إليه منه بأذنها: -ربنا رجع حقك يا أسيف. بس.. أنااا حبيتك.. قولتلك.. مش هتخ..لصي منيي.. إلا بموتى..
اندفعت صرخاتها وبكائها المرير بشهقات مرتفعة للغاية، تصرخ وتنوح باسمه، كم تمنت أن تراه محلها حين عذبها. لكنها نادمة أشد الندم على تحقق تلك الأمنية الآن بتلك البشاعة. كل ساقٍ سيسقى بما سقى! الحياة ليست عادلة بالمرة. من ينتظر المثالية لن يجدها. نحن بشر والكمال لله فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!